القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل السادس وستون 66 بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات  

 

رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل السادس وستون 66 بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات  





رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل السادس وستون 66 بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات  

 


 


 


٦٦ ~ حان وقت السقوط !



~ حان وقت السقوط ! ~


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


ـ لاتويا؟!!

خرج الإسم من فم عمر بصدمة، وهو يحدق في تلك الشقراء الجالسة بثبات مستفز، تضع ساقًا فوق الأخرى بلا اكتراث، تحدجه بنظرات واثقة كشفت له منذ اللحظة الأولى أن ما هو قادم لا يحمل أي خير.


ـ دي بتعمل إيه هنا؟!

قالها بانفعال مكتوم وهو يلتفت إلى والده ثم والدته، اللذين بدت ملامحهما مشدودة بضيق واضح.


تدخل نادر سريعًا، وكأنه يريد إنهاء الموقف قبل أن يتصاعد أكثر، وقال بنبرة حاول أن يجعلها هادئة:

ـ لاتويا جاية هي والمحامي بتاعها… عندهم كلام مهم عاوزين يقولوه، خصوصًا بعد حكم المحكمة بإثبات نسب الطفل ليك.


تنهد عمر بعمق.

كان يعرف… يعرف جيدًا أن هذه اللحظة قادمة لا محالة، لكن مواجهة الحقيقة بهذا الشكل الفج، وبهذا الحضور الوقح، جعلته يشعر بنفورٍ حاد من نفسه، كأن الذنب عاد ليجلس أمامه في هيئة امرأة، يطالبه بالحساب دون رحمة.


تقدم حسن وجلس بجوار والده، بينما تهاوى عمر إلى جوار والدته، يتنقل بنظره بينها وبين لاتويا ثم نادر، قبل أن يقول بحدّةٍ مشوبة بالحيرة:

ـ خير؟! إيه الكلام ده؟!


بدأ نادر الحديث، موجّهًا نظره إلى المحامي المرافق للاتويا، المبعوث من السفارة الإسبانية، وقال بلغة أجنبية رسمية:

ـ تفضل سيد رودريغيز … أخبرنا بما لديك .

.

اعتدل رودريغيز في جلسته، شبك يديه أمامه، وراح يوزع نظراته على الحاضرين واحدًا تلو الآخر، قبل أن يثبت عينيه على عمر أخيرًا ويقول بنبرة محسوبة:

ـ سيد عمر، بعد صدور الحكم بثبوت نسب الطفل، تلقّينا عرضًا من السيد سالم برغبته في احتضان الطفل ورعايته، على أن يكون محل إقامة الطفل هو هذا المنزل… وذلك مقابل تنازل الأم رسميًا عن حضانته، نظير مبلغ مالي كبير.


تجمّد عمر في مكانه، ثم التفت ببطء إلى والده، وارتسمت الصدمة واضحة على ملامحه وهو يسأله بصوتٍ مختنق:

ـ إنت عملت كده فعلًا؟


قابله والده بنظرة ثابتة وهدوءٍ بارد، دون أن ينطق بحرف، فقط أعاد توجيه نظره نحو المحامي، الذي استأنف حديثه قائلًا:

ـ لكن.. حسب التقرير الطبي الصادر عن طبيب الأطفال المعالج؛ فإن الطفل يعاني من حساسية شديدة تجاه أي بروتين غير حليب الأم، وأي إدخال للحليب الصناعي قد يهدد صحته ويؤدي لمضاعفات خطيرة. وهذا مثبت بالتقارير .


وقام بمد عدة أوراق في اتجاه نادر الذي أخذها وقام بمراجعتها سريعًا، بينما تابع المحامي قائلا :

ـ وبناءً على ذلك، الطفل معتمد اعتمادًا كاملًا على حليب الأم في هذه المرحلة، والقانون يولي مصلحة الطفل الأولوية القصوى، وبالتالي وجود والدته معه ضروري لضمان سلامته وحياته.




توقف لحظة قصيرة، ثم تابع بلهجة أكثر حسمًا:

ـ لذلك، تطلب موكلتي لاتويا من حضراتكم السماح لها بمرافقة مولودها والإقامة معه إلى أن تنتهي مرحلة الرضاعة ويتم فطامه.


كان نادر يترجم بهدوء كل كلمة ينطق بها المحامي، يوجّه حديثه إلى سالم ثم إلى حسن الجالس جواره، محاولًا أن يبقي نبرة صوته محايدة رغم ثِقل ما يُقال.


في تلك اللحظة، ثبّت عمر نظره على لاتويا، عيناه متصلبتان، وملامحه مشدودة، ثم اندفع يحدثها بلغةٍ أجنبية بحدّةٍ لا تخطئها الأذن:

ـ مستحيل… لن يحدث ذلك أبدًا. لا تبني آمالًا واهية.


لكن لاتويا لم تنظر إليه. تذكّرت وصية محاميها جيدًا: لا جدال… لا انفعال.

فاكتفت بإدارة وجهها ببطء، مثبتة نظرها على طفلها النائم بين ذراعيها بسلامٍ يتناقض تمامًا مع العاصفة الدائرة حوله، ومرّرت أصابعها على وجنته بحركة لا واعية، كأنها تستمد ثباتها منه.


استأنف المحامي حديثه بنبرة هادئة لكنها حاسمة:

— سيد عمر، دعنا نُدير الأمر بعقلانية. موكلتي ترفض أي مقابل مادي، لأنها لا تسعى إلى مكاسب مالية من الأساس. كل ما تطلبه هو مصلحة طفلكما فقط.


ثم أضاف بعد توقفٍ محسوب:

— وبحسب قانون الطفل، الذي يُعلي مصلحة الصغير فوق أي اعتبار آخر، أستطيع أن أؤكد لك أنك لا تملك خيار الرفض.


اشتعل الغضب في عيني عمر، ونهض من مكانه فجأة، موجهًا حديثه إليه بلغةٍ أجنبية مشحونة بالانفعال:

ـ أنا غير مُجبر على القبول بشيء لا أرغبه. كل ما أستطيع فعله هو الاعتراف بالطفل… لا أكثر.


حينها حوّل المحامي نظره بهدوء نحو نادر، بصفته محامي العائلة، وقال بنبرة قانونية خالية من المجاملات:

— سيد نادر، هذا النقاش بهذه الطريقة لن يقودنا إلى أي نتيجة. أنت تعلم، ويجب أن تُخبرهم، أن حضانة الطفل في هذه المرحلة من حق الأم.


ثم أردف بوضوحٍ قاطع:

— لسنا نحن من يحتاج إلى الجلوس حول طاولة المفاوضات… بل أنتم.


بعد أن أنهى نادر ترجمة حديث المحامي إلى سالم، خيّم الصمت على المكان لثوانٍ ثقيلة، بدت أطول مما هي عليه في الواقع.

كان سالم خلالها شارد الذهن، يحدّق في نقطةٍ ما وكأنه يزن الأمور بميزانٍ لا يختل، يقلب الاحتمالات في رأسه، ويحسب العواقب بدقة رجلٍ اعتاد اتخاذ القرارات الصعبة دون تردّد.


وأخيرًا، تنفّس بعمق، ثم نطق ببطء موجّهًا حديثه إلى نادر:

— بلّغهم إننا موافقين.


لم تكد كلماته تستقر في الهواء حتى اندفع عمر خطوةً إلى الأمام، وعيناه تقدحان غضبًا، وصوته يخرج مبحوحًا:

— إيه اللي إنت بتقوله ده؟! موافقين إزاي يعني؟! ومين دول اللي موافقين أصلًا؟! أنا مستحيل أوافق على حاجة زي دي!


ثم استدار فجأة نحو لاتويا، وهتف بانفجارٍ حادّ، لا يحمل سوى الرفض:

— الإنسانة الحقيرة دي مستحيل تقعد معانا في نفس البيت! خلّيها تاخد ابنها وتغور من هنا!



حينها حدقه سالم بنظرةٍ قاطعة، نظرة رجلٍ لا يحتمل الفوضى، وأشار بعينيه إلى المقعد المخصص لعمر وهو يتمتم بنبرة هادئة لكنها لا تحتمل النقاش:

— اقعد مكانك… وعدّي ليلتك على خير.


لكن عمر لم يتراجع. بل زادت حدّة انفعاله، وهتف بصوتٍ أقرب إلى الجنون:

— مش هقعد! ومش هسكت! ومش هسمحلك تدمر حياتي أكتر من كده!


ثم أردف بمرارة:

— أنا عملت اللي إنتوا عايزينه… وافقت أعترف بالولد وأكتبه باسمي! عايزين إيه أكتر من كده؟!


وصرخ أخيرًا:

— أنا مش عايز الولد ده يعيش معايا في نفس البيت! أنا حر!


زفر سالم بضيقٍ واضح، ونفاد صبره بات جليًا في ملامحه. أدار رأسه ببطء نحو حسن، وقال بنبرةٍ آمرة لا تخلو من توتر:

— خلّي أخوك يقعد يا حسن.


حينها نهض حسن على عجل، محاولًا احتواء الموقف وتهدئة عمر، ومدّ يده ليُجلسه على المقعد، لكن عمر دفعه بعنفٍ مفاجئ، وقد فقد السيطرة على نفسه تمامًا.


ترنّح حسن للخلف خطوتين، ونظر إليه مذهولًا حيث أنه لم يتوقع أن تصل الأمور إلى هذا الحد.

التقت عيناهما لثانيةٍ قصيرة؛ حيث بدت عينا حسن تقدحان غضبًا مكتومًا، لكنه آثر الصمت، فقد كان يعرف تلك الحالة الهوجاء التي تنتاب أخاه حين يُحاصر في الزاوية،.ويعلم أن أي كلمة الآن لن تزيد الموقف إلا اشتعالًا.


أما عمر، فواصل صراخه بجنونٍ أعمى:

— أنا مش عايز الطفل ده! كتر خير قوي إني وافقت أكتبه باسمي!


ثم أشار بيده بعنف نحو لاتويا:

— والبت دي تمشي من هنا دلوقتي حالًا هي وابنها، وده آخر كلام عندي!


لكن صوته الجهوري انقطع فجأة، وكأن الهواء سُحب من رئتيه، حين تسبّب صراخه في إيقاظ الطفل.

انتفض الصغير في نومه، وانفجر في بكاءٍ حادّ، اخترق الصمت كصفعةٍ قاسية، فتجمّد الجميع في أماكنهم، وكأن الزمن توقف للحظة.


على الفور، انشغلت لاتويا بطفلها، تضمّه إلى صدرها وتحاول تهدئته، تهمس له بلغةٍ خافتة بينما تهدهده بحركاتٍ مدروسة.

أما عمر، فوقف يحدّق في الطفل بذهولٍ تام، صدره يعلو ويهبط بعنف، وقلبه ينقبض وينبسط بحركاتٍ لا إرادية، كأن داخله صراعًا لا يفهمه ولا يريد الاعتراف به.


وفجأة، رفع رأسه إليهم جميعًا، وقال بصوتٍ ضائع، أقرب إلى الإنذار منه إلى التهديد، وهو يشير إليهم بسبابته المرتعشة:

— أنا قلت اللي عندي… ومش هتعرفوا تغصبوني على حاجة تاني.


ثم أردف بعينين زائغتين:

— البت دي لو قعدت هنا… أنا همشي من الفيلا، ومش هتعرفوا توصلوا لي!


ولم ينتظر ردًا.

استدار واندفع خارج الفيلا مسرعًا، يجرّ خلفه فوضاه وغضبه وانكساره.


همّ حسن باللحاق به دون تفكير، لكن صوت والده أوقفه في مكانه، مشحونًا بانفعالٍ مماثل:

— سيبك منه يا حسن… خليه يغور مطرح ما يغور!


تجمّد حسن في منتصف المكان، جسده متجه نحو الباب، وعيناه معلقتان على أثر أخيه الذي غادر، بينما قلبه عالق بينهما.

عينٌ يكسوها الغضب والخذلان وهو ينظر إلى والده، وعينٌ أخرى تحمل قلقًا ثقيلًا على أخٍ يعرف جيدًا أنه ينهار… حتى وإن أنكر ذلك بصراخه.


بينما وجّه سالم بصره إلى نادر وقال بنبرةٍ حاسمة لا تقبل الجدل:

— بلّغهم يا نادر إن الموضوع منتهي.


ثم أردف بصرامةٍ محسوبة:

— وفهّمهم إن وجودها هنا هيكون مؤقت، لحد ما تخلص رضاعة الولد، وخلال الفترة دي إحنا مش ملزمين بأي حقوق ناحيتها.


أومأ نادر بتفهم، ثم التفت إلى المحامي الإسباني وقال بصوتٍ مهني ثابت:

— سيد رودريغيز، جدّ الطفل يرى أن الأمر يجب أن يُحسم فورًا بتسوية واضحة تنهي الموضوع من جذوره.


وتابع بدقةٍ قانونية:

— كما يؤكد أننا غير ملزمين بأي حقوق تجاه الأم خلال هذه الفترة، على أن يتم توثيق ذلك رسميًا، مع إثبات أن وجودها هنا سيكون مقصورًا فقط على مدة رضاعة الطفل، وبعد انتهائها ستغادر بشكل نهائي.


تبادل المحامي الإسباني نظرةً خاطفة ذات دلالة واضحة مع لاتويا، نظرة حملت مزيجًا من الارتياح والانتصار الصامت، ثم أعاد نظره إلى نادر وهز رأسه موافقًا وهو يقول:

— جيد جدًا، سيد نادر… ونحن لا نطمع في أكثر من ذلك.


انتقل المحاميان إلى الطاولة الممتدة في طرف الصالة، وشرعا في إنهاء الإجراءات وصياغة بنود الاتفاق وتوقيعها، وسط صمتٍ ثقيل يخيّم على المكان.


وفي تلك اللحظة، علا صراخ الطفل مجددًا.

فنهضت نادية فورًا، تحرك يديها بانفعالٍ واضح وملامحها مشدودة بالضيق، وقالت وهي تكاد تختنق:

— لا… لا… مش ممكن!


ثم استدارت وغادرت إلى غرفتها بخطواتٍ سريعة، كأنها تهرب من المشهد بأكمله.


أما سالم، فظل في مكانه، بصره معلّق بالطفل.

وبرغم انزعاج الصغير وبكائه، تعلقت عيناه بعيني سالم فجأة، وكأن بينهما لغةً خفية لا تُسمع، أو كأن الطفل أدرك الرابط الذي يجمعهما قبل أن يدركه الجميع.


شعر سالم بقلبه يضطرب في موضعه، خفقةً غير معتادة أربكته، وبقيت عيناه لا تفارقان الطفل، وكأن شيئًا ما بداخله بدأ يتشكّل… دون استئذان.


༺═────────────────═༻


كانت نغم تجلس إلى جوار فريد في السيارة، وشوارع أثينا تمتد من حولهما بنبضها الهادئ، مبانيها البيضاء المتدرجة، شرفاتها المزيّنة بالنباتات، وهوائها الذي يحمل رائحة البحر الأثيني .


لاحظت نغم أن الطريق بدأ يبتعد عن قلب المدينة، وأن الملامح من حولهما تغيّرت تدريجيًا؛ طرق أكثر اتساعًا، مساحات خضراء، ومرتفعات صخرية تظهر في الأفق.



نظرت إليه أخيرًا وقد نفد صبرها:

— مش ناوي تقوللي إحنا رايحين فين بالظبط؟


ابتسم دون أن يلتفت، وقال ببساطة:

— خليها مفاجأة.. عاوز أشوف رد فعلك لما نوصل .


تنهّدت باستسلام، لكنها شعرت بقلبها يخفق بحماسٍ غير مفهوم، وكأنها على موعدٍ مع شيء لم تختبره من قبل.


بعد مسافة ليست بالقصيرة، خفّف فريد من سرعة السيارة قبل أن يتوقف بها أمام مدخلٍ واسع يفيض بالفخامة والهدوء. مبنى عصري أنيق، تتداخل فيه الواجهات الزجاجية مع الخطوط المعمارية الراقية، تحيط به مساحات خضراء مصمَّمة بعناية، بينما ينساب الهواء البارد في المكان بنعومة مدروسة لا تشبه قسوة المرتفعات المفتوحة.


كان المكان أشبه بعالمٍ منفصل، نادٍ ثقافي ورياضي خاص، يرتاده صفوة الزائرين، حيث هنا تمتزج الرياضة بالفن، والترف بالبساطة الراقية.


من خلف الزجاج الشفاف، كانت الأضواء البيضاء المنعكسة على الجليد تلمع في انتظام، وحركات المتزلجين بالداخل تبدو وكأنها لوحات متحركة داخل إطار فخم.


ترجّلت نغم من السيارة وقد التفّ البرد حولهما فورًا، بردّ منعش، فشدّت معطفها حول جسدها، بينما ابتسم فريد وهو يراقب دهشتها الصامتة.


التفتت إليه ببطء، عيناها متسعتان بذهول، وعلى شفتيها ارتسمت ابتسامة واسعة وكأن عقلها يحاول استيعاب المشهد، وهتفت بانبهار :

— إحنا هنتزحلق !!


ضحك فريد ضحكةً كاملة، وأومأ مبتسمًا، وقد راق له ذهولها:

— هنتزحلق أيوه .


تقدّمت خطوة ثم توقفت، وشيء من التردد تسلل إلى نبرتها:

— بس أنا عمري ما جربت قبل كده !


اقترب منها ووضع يديه على كتفيها بثبات وهو لازال يطالع انبهارها ضاحكًا :

ـ ولا أنا على فكرة، بس أعتقد الموضوع مش محتاج دراسات عليا يعني، تعالي بس نستعد وبعدها نشوف هنعمل إيه .


توقّف فريد قليلًا عند مكتب الاستقبال، تبادل كلمات سريعة مع الموظف المسؤول عن حلبة التزلج المغلقة؛ حيث أن المكان يوفّر كل شيء. الأحذية، الخوذات، واقيات الركبة والمعصم، وحتى القفازات السميكة لمن يأتون بلا استعداد.


قادهما الموظف حيث غرفة تبديل الملابس ، اقتربا من صفّ الخزائن المعدنية، وبدأت نغم تخلع معطفها الثقيل ببطء، وقد راقبت المكان بعينين متوجستين ومتحمستين في آنٍ واحد. ارتدت سترة مبطّنة قصيرة مقاومة للماء، ضيّقة عند المعصمين، وأسفلها بنطال تزلّج داكن ذو نسيج سميك يحمي الساقين من البرد ومن السقوط المحتمل، ثم زوجًا من الجوارب الصوفية الطويلة .


جلست على المقعد الخشبي المثبّت أمام الخزائن، تحاول أن تُدخل قدمها في حذاء التزلّج بتردّد واضح، حذاء لامع ينتهي بنصلٍ معدني حاد.

تتوقف أكثر من مرة وكأنها لا تفهم آلية الحذاء الصلب ولا طريقة إحكامه. لاحظ فريد ارتباكها من دون تعليق، فانحنى وهو يجلس بجوارها بهدوء وساعدها، ثبّت قدمها في موضعها الصحيح وربط الحذاء بإتقان بسيط يوحي بالخبرة، ثم التفت إلى حذائه هو، وربطه سريعًا بثقة.



تناول الخوذة الواقية ووضعها على رأسها، ثم مدّ يده وربط الحزام أسفل ذقنها بعناية هادئة، بعد ذلك ناولها القفازات السميكة، فارتدتها واحدة تلو الأخرى، لتبدو أصابعها أكبر من حجمها الحقيقي، بينما تنفست بعمق استعدادًا لما ينتظرها على الجليد.


نهضت بحذر، خطت أول خطوة فوق الأرض المطاطية المخصّصة قبل الجليد، فتعثّرت قليلًا، لتتشبث بذراع فريد غريزيًا.


بينما ضحك بخفوت وهو يمسك بيدها ومن ثم تقدّما معًا نحو المدخل المؤدّي إلى الحلبة، حيث يتبدّل السطح فجأة، ويصبح كل شيء أكثر انزلاقًا.


وقفت نغم عند حافة الحلبة، قدماها مثبتتان على الجليد للمرة الأولى، بينما كانت تمسك بسور الحلبة المعدني بكلتا يديها .. نظرت إلى الأسفل بتوجس، ثم رفعت رأسها إلى فريد الذي وقف بجوارها بثباتٍ مريب، كأن الجليد امتداد طبيعي لقدميه.


ابتسم فريد ابتسامة جانبية، ومدّ لها يده بثقة فرمقته بنظرة حائرة لكنها تشبثت بيده على أي حال. ترددت لحظة، ثم رفعت قدمها ببطء شديد، وكأنها تضعها على أرضٍ قابلة للانفجار، وما إن حاولت نقل وزنها بالكامل حتى انزلقت قدمها فجأة انزلاقًا خفيفًا، جعل عينيها تتسعان في ذعر، وصدر عنها صوتٌ مكتوم أقرب إلى فزع طفل:

— يا نهار أبيض…!


تداركها فريد سريعًا، شدّ يدها إليه وهو يضحك:

— خلي رُكبك متنية شوية ولو حسيتي إنك هتقعي ميّ جسمك لي لقدام ..


أومأت برأسها محاولة التماسك، فعلت كما أخبرها ونجحت—لثوانٍ معدودة—في الوقوف مستقيمة، فابتسمت بفخر و قررت—بدافع الثقة الزائدة—أن تترك يده.


لكنها كانت فكرة سيئة… سيئة جدًا.


حيث في لحظة واحدة، خانتها قدماها، فاندفع جسدها للأمام بحركة غير متناسقة، حاولت التوازن فرفعت ذراعيها في الهواء بطريقة عبثية، استدارت نصف دورة، ثم…

سقطت سقوطًا مدوّيًا على الجليد، جلست جلوسًا كاملًا، وسط صوت احتكاك خفيف وصرخة قصيرة انتهت بضحكة مرتبكة.


توقف فريد أمامها ينظر إليها لثانيتين في صمتٍ تام… ثم انفجر ضاحكًا بينما هي نظرت إليه من موضعها على الأرض، وقد احمرّ وجهها من البرودة والحرج معًا، ثم قالت بغيظٍ مصطنع:

— هتفضل تضحك وسايبني كده ؟!


مدّ يده إليها، فأمسكت بيده أخيرًا لتنهض بمساعدته، فجذبها إليه بقوة لتجد نفسها أقرب إليه مما توقعت، ويده لا تزال تحيط بخصرها بحذرٍ دافئ.


همس وهو يبتسم لها، بينما يعيد تثبيت وضعيتها برفقٍ حذر:

— خليكي فاكرة دايما إن المشاركة الفعالة هي أساس أي مغامرة ناجحة.


ثم أمسك بيدها، لا ليقودها فحسب بل ليطمئنها، وبدآ يتحرّكان بخطوات هادئة ومتزنة فوق الجليد. كانت تتقدّم إلى الأمام مترددة في البداية، ثم أكثر ثقة، تلتفت إليه بين الحين والآخر بعينين متوهجتين بالانبهار، وكأن تلك اللحظة وحدها تختصر لها معنى السعادة كاملة، وكأن العالم بأسره صار محصورًا في دفء يده التي تمسك بها.



توقفت أخيرًا تلهث بخفة، وقد اكتست أنفها و وجنتاها بحمرة لطيفة، وزادها برد المكان صفاءً جعل ملامحها أقرب للطفولة، بينما لمع الفرح الصادق في عينيها بلا تصنّع فقالت بصوتٍ مفعم بالدهشة والامتنان:

— إحساس حلو قوي… عمري ما حسّيت بالإحساس ده قبل كده.


نظر إليها فريد مطولًا، ثم قال بهدوء عميق:

— علشان كده جبتك… كنت عايز أشوف الفرحة والانبهار اللي في عيونك دلوقتي، عايزك كمان تتأكدي إن الحياة لسه فيها حاجات كتير حلوة نستكشفها سوا.


شبكت أصابعها بأصابعه، ونظرت إلى المساحة البيضاء الممتدة أمامها، شعرت للمرة الأولى أن المغامرة لم تعد مخيفة… طالما يده في يدها.


فنظرت إليه وقالت :

ـ عايزة أجرب أمشي لوحدي .


أومأ مشجعًا وترك يدها، بينما هي كانت قد بدأت تستعيد بعض الثقة، خطواتها لا تزال حذرة لكنها أقل ارتعاشًا، حتى شعرت فجأة أنها نجحت… نعم، نجحت فعلًا في الانزلاق لمسافة قصيرة بمفردها دون أن تقع.


اتّسعت ابتسامتها بانتصار، والتفتت إليه بحماسٍ صريح، بينما كان يقف خلفها يراقبها بعينين تلمعان بالفخر والمرح. خطت خطوة أولى، ثم ثانية أكثر ثقة، ورفعت ذراعيها عاليًا وهي تطلق صيحة فرِحة، كأنها أعلنت انتصارها. صفق لها بحرارة، يشاركها الحماس ويشجعها، وفجأة…


خانها الجليد في اللحظة التي قررت فيها أن تثبت لنفسها أنها أقوى مما تظن. انزلقت قدمها بغدرٍ مفاجئ، واختل توازنها بالكامل، وبدلًا من أن تهوي للأمام كما توقعت، ارتدت إلى الخلف… لتصطدم به مباشرة.


اصطدام غير محسوب، انتهى بهما معًا ممدّدَين فوق الجليد؛ هي ممددة فوق صدره، وهو تحتها مذهولًا لثانيتين كاملتين، قبل أن ينفجر ضاحكًا ضحكة صافية، عالية، غير قادر على كتمانها.


حدّقت فيه بعينين متسعتين من الصدمة، ثم حاولت أن تنهض سريعًا، لكن حذاء التزلج الثقيل منعها، حاولت دفع نفسها، فازدادت انزلاقًا، وحاول هو أن ينهض فيسحبها معه دون قصد، ليجدا نفسيهما يتقلّبان في موضعهما، عاجزين عن الوقوف، يضحكان أكثر مع كل محاولة فاشلة.


وبين تداخل ضحكاتهما واقتراب أنفاسهما، تسلل إلى قلبيهما شعور دافئ بأن تلك السقطة الصغيرة لم تكن إخفاقًا قط، بل كانت لمحة خفيفة من جمال الحياة. فليس كل سقوط نهاية أو هزيمة، أحيانًا يكون هو البداية؛ بداية لضحكة تنبع من الأعماق، لبسمة تتسلل دون استئذان، ولذكرى تقبع في زاوية الروح، ناعمة كنسمة صباح، خفيفة وكأنها لا تحمل أي عبء سوى الفرح. لأن بعض السقوط، في حقيقته، يرتفع بنا نحو أشياء أجمل.


༺═────────────────═༻


تلقّى الجميع الأمر عبر الخادمات بأن سالم ينتظرهم على مائدة العشاء. ومتى كان سالم في انتظار أحد، فذلك لا يعني إلا أمرًا بالغ الأهمية، أمرًا لا يُؤجَّل ولا يُناقَش خارج تلك الطاولة. لذلك لم يتردد أحد، ونزلوا جميعًا بصمتٍ مثقل بالترقّب.




كان سالم قد سبقهم إلى المائدة، جلس في صدرها كعادته، يتقدّم المشهد قبل الجميع. لحق به حسن، ثم زينب، وأخيرًا نادية وابنتها. جلسوا تباعًا، وكلٌّ منهم يحمل في صدره سؤالًا أو خشية، دون أن يجرؤ على البوح.


أشار سالم بيده إشارة البدء، لكن أحدًا لم يبادر بالكلام. الملاعق تتحرّك ببطء، والنظرات تتبادل في صمتٍ ثقيل، كأن الجميع ينتظر الشرارة الأولى. ولم يطل الانتظار.


قطع سالم الصمت فجأة، موجّهًا حديثه إلى حسن بنبرة مباشرة:

— أخوك فين يا حسن؟


أجابه حسن بهدوءٍ متماسك:

— في بيته. كلمته واطمّنت عليه، وبعد العشا هاخد له شنطة هدومه وأروح له، وممكن أبات معاه الليلة.


توقّف سالم عن المضغ فورًا، رفع رأسه بحدّة، واشتعل صوته بالغضب:

— إنت اتجننت ولا إيه؟ شنطة هدوم إيه وزفت إيه؟! إنت كده بتساعده يسيب البيت!


نظر إليه حسن ببرودٍ مقصود، وقال:

— أمال المفروض أعمل إيه في موقف زي ده؟


ضرب سالم كفّه على الطاولة بعصبية:

— تسيبه يتفلق! يوم يومين وهيزهق ويرجع، والجزمة فوق دماغه! أخوك لازم يعرف إن مالوش مكان غير هنا، مش كل ما حد يقول له «بم» ياخد بعضه ويروح يقعد في بيته ويعمل فيها صاحب بيت!


لم يرق لحسن لا الحوار ولا اللهجة. ولم يتقبل أن يتحدث والده إلى زينب بتلك الطريقة أمام الجميع، لكنه كتم اعتراضه، وآثر الصمت، واكتفى بمتابعة طعامه بملامح متجهّمة كانت أبلغ من أي رد.


حوّل سالم بصره نحو زينب فجأة، وسأل بحدّة:

— هي فين؟


ارتبكت زينب وسألته بعفوية:

— هي مين؟


فانفجر فيها بغضبٍ مفاجئ:

— لاتويا!!


تجمّدت ملامحها، ولم تسعفها الكلمات، فتابع بنفس الانفعال:

— هو أنا مش قلت كلكم تحضروا على العشا؟ ولا إنتِ ما بقيتيش تفهمي كلامي يا زينب؟


نهضت زينب فورًا، وقالت بلهجة متوترة:

— أنا آسفة … بس متوقعتش إنك عايز لاتويا كمان على العشا.


ضرب سالم المائدة بقبضته ضربة عنيفة، ارتجّت لها الأطباق والملاعق فأصدروا صدىً مباغتًا، وصاح:

— طالما قلت كل اللي في الفيلا، يبقى كل اللي في الفيلا يا زينب!


أومأت سريعًا وهي تقول:

— حاضر… حالًا هروح أناديها.


همّت زينب بالانصراف، لكن حسن استوقفها قائلًا بنبرة حازمة:

— خليكِ إنتِ… حد من الخدامين يروح ينادي لها.


توقفت زينب في مكانها، ونقلت بصرها بين حسن وسالم بريبةٍ واضحة، بينما راح سالم يتدبّر كلمات ابنه، وقد وصلته الإشارة دون شرح: أن زينب لم تعد خادمة تُؤدّي مهام الخادمات. كانت الرسالة صامتة، لكنها بالغة الوضوح.




التفت حسن ببطء نحو والده، وملامحه لا تزال متحفظة، لا تُفصح إلا عن الضيق المتراكم داخله. فأشار سالم إلى زينب بيده في هدوءٍ آمر لتجلس، قبل أن ينادي إحدى الخادمات ويكلّفها باستدعاء لاتويا.


في تلك اللحظة، شعرت نادية بأن الضيق والغضب ينهشان صدرها نهشًا. بالكاد استطاعت أن تحافظ على تماسك ملامحها، حتى لا ينكشف ما يعتمل داخلها. كانت تراقب المشهد بصمتٍ ثقيل، وتدرك — بمرارةٍ لاذعة — كيف بات حسن قادرًا على التأثير في سالم دون عناء، وكيف تنقلب الموازين بكلمةٍ منه، بينما تتآكل هي من الداخل، عاجزة عن تغيير شيء.


نظر سالم إلى زينب وسألها بنبرةٍ مقتضبة:

— إنتِ قعدتيها فين؟


— قعدتها في أوضة من أوض الضيوف.


هزّ رأسه قليلًا، ثم قال بلهجة لا تقبل نقاشًا:

— خليها تقعد في الأوضة اللي كانت بتاعتك، وبكرة الصبح خديها واشتري لها وللولد كل اللي محتاجينه. وأنا هخلّيهم يجيبوا سرير للولد يتحط في أوضة أبوه.


ساد الذهول لحظةً ثقيلة، وكان أول من انفجر اعتراضًا نادية، التي قالت بانفعال:

— وسرير البيبي هيعمل إيه في أوضة عمر؟!


طالعها سالم بحدّةٍ مشوبة بالسخرية، وأجاب:

— وهو عمر ده يبقى مين؟! مش أبوه؟! الولد لازم يفضل مع أبوه في الأوضة، لازم يتربّي ويكبر قدّام عينه ثانية بثانية، ولحظة بلحظة.


حاولت زينب التدخل بهدوءٍ واضح:

— بعد إذنك يا باشا… الطفل لازم يفضل مع أمه على الأقل طول الليل، هو أكيد هيحتاج يرضع ويغيّر، يعني مش هينفع يبعد عنها بالليل.


لوّح سالم بيده بلا اكتراث:

— مش مشكلة… تاخده بالليل، وإنتِ تاخديه منها بالنهار. الولد لازم يتعوّد ما يبقاش معتمد عليها اعتماد كلي، علشان لما تمشي ما يتأثّرش. لازم تعوّديه عليكي واحدة واحدة، لأنك إنتِ اللي هتربيه في الآخر.


شردت زينب، إذ أعادت كلمات أخيها روحها إلى ماضٍ بعيد؛ إلى أيامٍ لم يكن أمامها فيها سوى أن تعتبر فريد ونسيم أبناءها بعد موت ناهد. لم تكن تملك حينها علمًا كافيًا بالتربية ولا خبرة الأمهات، لكن الله ألهمها ووفقها، فرعتهما بالرعاية الصحيحة. وها هي الآن تُلقى على عاتقها مسؤولية طفلٍ جديد، لم يفقه من الدنيا شيئًا بعد.


قطعت نادية شرودها بانفعالٍ حاد، وهي تنظر إلى سالم:

— زينب اللي هتربي الولد؟!


ثم التفتت إلى زينب، وهتفت بشماتةٍ متعمّدة، قاصدة أن تصيبها في مقتل:

— وهي زينب كانت خلّفت ولا ربّت علشان تعرف تربيه ؟!


نجحت كلماتها في إيذائها بعمق؛ فقد طرقت جرحًا لم يندمل يومًا. عندها اندفع حسن غاضبًا:

— بالراحة على نفسك شوية يا خالتي أم عمر… وهو يعني كل اللي كانوا خلّفوا عرفوا يربّوا؟!



طالعته نادية باشمئزاز، وامتقعت ملامحها نفورًا. أشاح حسن بوجهه عنها، فتصادمت عيناه بملامح جيلان، التي تسلّل إليها يأسٌ ثقيل وإدراكٌ قاتم: أن حسن ووالدتها لن يصلا أبدًا إلى نقطة اتفاق، وأن هذا الأسلوب الرديء في الحوار سيظل هو الحاكم بينهما، مهما تغيّر الزمن أو تبدّلت الظروف.


أثار كلام نادية غضب سالم على نحوٍ لم يبدُ صاخبًا، بل أخطر بكثير. وضع الملعقة بهدوءٍ متعمّد، ثم رفع نظره إليها وأسند كفّيه أسفل ذقنه، وقال بنبرةٍ باردة تحمل في طيّاتها حدّة قاسية:

— وهي مش زينب بردو اللي ربّت فريد ونسيم بعد موت ناهد الله يرحمها ويحسن إليها؟


شرد لحظة، وكأنه يتعمّد أن يطعن نادية حيث يؤلمها أكثر، ثم قال بصوتٍ مسموع:

— الله يرحمك يا ناهد… كانت أرقّ من النسمة. أبويا كان معاه حق لما قال لي إنها برنسيسة وستّ الستات كلهم… بس أنا اللي كنت مغفّل!


عاد ببصره إلى نادية، التي كان الغضب يتراقص في عينيها بغيرةٍ لم تفلح السنين في إخمادها، وتابع من حيث توقّف بنفس الهدوء القاتل:

— وبعدين ما أنا سيبت لك عمر تربيه… عملتي إيه؟! طلعتيه فاشل وبايظ، وما بيعرفش يشيل مسؤولية نفسه حتى. يا ريتني كنت خلّيت زينب اللي تربيه زي ما ربّت فريد، على الأقل كانت هتطلّعه راجل محترم!


اختنق صدر نادية بأنفاسٍ متلاحقة لم تستطع السيطرة عليها. نهضت فجأة دون أن تنبس بكلمة، وانسحبت بخطواتٍ سريعة قبل أن يفضحها انفعالها، متجهة إلى غرفتها.


بعدها نهضت جيلان بدورها، وقد شعرت أن المكان يضيق من حولها، وقالت بهدوءٍ مهذّب:

— عن إذنكم…


لكنها تفاجأت بصوت سالم يوقفها:

— استني إنتِ يا جيلان !


توقفت في مكانها، والتفتت إليه بدهشةٍ مكتومة، تنتظر ما سيقوله دون أن تعقّب.


فجأة اقتحمت لاتويا المشهد، إذ ظهرت عند باب الغرفة تقف بثباتٍ لافت، ترتدي سروالاً قصيرًا للغاية من الجينز، تعلوه بلوزة بيضاء بلا أكمام. لحظة عابرة، لكنّها كانت كافية ليقع بصر حسن عليها لا إراديًا، نظرة خاطفة انسابت دون وعي، لم يدرك أثرها… بينما كانت جيلان على وشك أن تخترق عينيه بنظراتها، تشعر بالغيرة تنهش قلبها نهشًا مؤلمًا، تراقب عينيه وهما تمرّان على لاتويا ببطءٍ لم يخفَ عنها لحظة واحدة.


أشار سالم بيده إلى لاتويا لتقترب، ثم أشار إلى المقعد جوارهم لتجلس، وهو يوجّه حديثه إلى جيلان بنبرة آمرة هادئة:

— قولي لها إن من هنا ورايح هتشارك معانا في الفطار والعشا، وعرفيها إننا مش بنتجمع في الغدا، لأن الوقت ده كل واحد بيكون عنده مشاغله الخاصة.


لكن جيلان لم تسمع منه شيئًا.

كانت عيناها معلّقتين بحسن، تتفرّس ملامحه وكأنها تحاسبه في صمت.


تقدّمت لاتويا وجلست بهدوء، وحينها فقط انتبه حسن لنفسه، فحرّك عينيه بعيدًا عنها… ليصطدم للمرة الثانية بعيني جيلان.

نظرة جحيمية أربكته، جعلته يتنحنح بتوترٍ خفيف، وهو يشعر أن سهام عينيها كادت تخترق صدره.




أما سالم، فكان يراقب بصمت، ينقل نظره بين جيلان وحسن بعينٍ خبيرة، يقرأ ذلك المشهد الصامت والحوار غير المنطوق بينهما، ليُدرك في تلك اللحظة أن ثَمّة شيئًا خفيًا يجمع بينهما…

شيئًا لم يعترفا به بعد، لكنه بدأ يفرض حضوره بوضوح.


ـ جيلاااان!


رفع سالم صوته قليلًا ليلفت انتباهها، فانتفضت فجأة والتفتت إليه وقالت:

— نعم؟


أشار بيده نحو لاتويا وهو يقول بنبرة حاسمة:

— قولي لها إن من هنا ورايح هتشارك معانا في الفطار والعشا…

والغدا تقدر تاكل لوحدها في أوضتها أو مع الخدم في المطبخ، اللي يريحها.

وقولي لها كمان إن زينب هتاخدها معاها الصبح يتسوقوا ويشتروا لوازم الولد.


أومأت جيلان على مضض، ونظرت إلى لاتويا التي كانت قد بدأت بالفعل في تناول طعامها بهدوء واستمتاع، دون أدنى اكتراث بما يدور حولها. بدأت جيلان تترجم ما قاله سالم كلمةً كلمة، فيما رفعت لاتويا عينيها نحوه وأومأت برأسها علامة على الفهم، وكأنها لم تكن بحاجة إلى ترجمة من الأساس.


عاد سالم ينظر إلى جيلان مرة أخرى وأضاف:

— قولي لها كمان إن الولد هيكون معاها بالليل أما بالنهار هيكون مع زينب.


نقلت جيلان حديثه، فتوقّف سالم يترقّب رد فعل لاتويا، لكنها اكتفت بهز رأسها بهدوء ومرونة، ثم قالت بلهجتها الأجنبية:

— جيد جدًا… لا يوجد مشكلة.


التفتت جيلان إلى سالم وقالت بصوتٍ خافت:

— بتقول مفيش مشكلة.


أومأ سالم بارتياح، ثم أردف بنبرة عملية:

— اسأليها عن الولد.


نقلت جيلان سؤاله، فجاءها الرد هادئًا. رفعت لاتويا عينيها نحو سالم مباشرة، وبدأت تتحدث بطلاقة، مصحوبة بإشارات خفيفة من يديها، وكأنها تؤكد له أن بينهما لغة مشتركة لا تحتاج إلى وسيط:

— لقد غفى أخيرًا بعد أن تناول رضعته المسائية.


فهمها سالم على الفور، وأومأ برأسه وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة مشوبة بالرضا، ثم أشار لها أن تتابع طعامها. عندها ابتسمت لاتويا وقالت بنبرة ودودة:

— الطعام المصري جيد ولذيذ بحق.


قلبت جيلان عينيها بمللٍ واضح، وكأن الجملة الأخيرة كانت القشة التي أطفأت ما تبقى من صبرها. نهضت من مكانها وقالت وهي تتفادى النظر إلى حسن:

— عن إذنكم…


وانصرفت بخطوات سريعة، فهبّ حسن واقفًا وهو يقول:

— أنا شبعت… عن إذنكم.


— على فين يا حسن؟ أوقفه سالم بنبرة لا تخلو من الصرامة.


قال حسن محاولًا أن يبدو ثابتًا:

— شبعت الحمد لله.


نظر إليه سالم قليلًا ثم قال بهدوء ثقيل:

— روح هات أخوك وتعالى.

أخوك لازم يرجع البيت… يا إمّا هيضطرني أتصرف معاه تصرفات مش هتعجبه… بلغه كده.




تنهد حسن بيأس وأومأ موافقًا، ثم أسرع بخطوات متوترة ليلحق بجيلان… وقلبه يسبق قدميه.


ـ جيلان… استني!


حثّت قدميها لتسرع قبل أن يلحق بها، لكن خفّته خانتها هذه المرة. ركض حسن خطوتين، وأمسك بذراعها ليوقفها، فاستدارت بعنف واصطدمت بصدره. رفعت رأسها نحوه، والغضب يشتعل في عينيها على مسافة قريبة جدًا، وقالت بحدّة:

— إنت بتعمل إيه يا بارد؟! وإزاي تمسكني بالطريقة الهمجية دي؟!


تنفّس حسن بعمق، ثم نطق من بين أسنانه وهو يحاول كبح انفعاله:

— رجعنا لطولة اللسان وقلة الأدب من تاني!


تحرّكت بعصبية محاولة الإفلات من قبضته، لكنه شدّ على ذراعها أكثر، قبضة صلبة جعلتها تتوقف رغماً عنها. حدّقت فيه بتحذير:

— ابعد عني يا حسن… أحسن لك.


اقترب خطوة، صوته منخفض لكنه مشحون:

— وبعدين معاكي؟! إنتِ مش ناوية ترسي على برّ معايا بقى؟ شوية هادية وبريئة، وشويتين مجنونة والعفاريت راكباكي؟!


قطّبت جبينها بانزعاج وقالت بحدّة:

— أرسى على بر؟! إيه اللي إنت بتقوله ده يا موهوم انت ؟


زفر بضيق، وصوته خرج مثقلاً بضيق وانزعاج حاد:

— بقول إني زهقت من لعبة القط والفار اللي بنلعبها دي، وجبت آخري. ولو مطوّل بالي عليكي، فده عشان مش عايز أزعّلك ولا أقفّلك مني.


ابتسمت ابتسامة مبتورة، ساخرة، واقتربت منه خطوتين إضافيتين حتى صارت على مسافة خطِرة.

قربٌ أربكه وجعله يحبس أنفاسه دون أن يشعر.


حدّقت في ملامحه الرجولية، في تقاسيمه الحادّة، بعين تحاول عبثًا إخفاء إعجابها… بينما هو، وعلى غير إرادته، خفّض ناظريه نحو شفتيها المرسومتين بعناية.


ثبتت نظرتها في عينيه، ثم باغتته بصوتٍ واثق:

— عاجبينك… مش كده؟


ابتعد قليلًا، وعقد حاجبيه بصدمة من جرأتها، لكنها لم تتراجع. اقتربت خطوة أخيرة، خطوة لم تترك بينهما فراغًا يُذكر، وقالت بتركيز متعمّد:

— ممكن تركز مع شفايفي تاني؟!


قطّب جبينه مرة أخرى، متعجبًا أكثر… لكنه لم يقاوم. خفض عينيه حيث أرادت، وابتلع ريقه بتوتر، فأخذ قلبه يقفز متمنيًا أن تكون تلك القبلة التي سيتحقق بها حلمه.


وحين ظن أن اللحظة قد حُسمت لصالحه، نطقت بهدوءٍ بارد، مستفز، تقطع به الوهم:

— اخبط… دماغك… في أقرب… حيطة!


تجمّد في مكانه، وارتسم الذهول على وجهه، بينما هي ابتعدت نصف خطوة، تبتسم بانتصارٍ خفيف، تاركةً إياه يلعن قربها… وجرأتها… ونفسه التي خانته في ثانية.


༺═────────────────═


بعد أن انتظرت نسيم عودة عاصم طويلًا، ومع اقتراب منتصف الليل، غلبها الإرهاق فغفت على أريكة غرفة المعيشة، والتلفاز أمامها يعرض فيلمًا لم تعد تتابعه بقدر ما كانت تهرب به من وحدتها وقلقها.




عاد عاصم متأخرًا، بعد الواحدة بقليل. كان قد اتخذ قراره منذ ساعات: سيغرق نفسه في العمل حتى الإنهاك، فقط كي لا يترك لعقله فرصة التفكير، وكي لا يواجهها الآن. كان الغضب لا يزال متقدًا داخله، ويعرف نفسه جيدًا؛ يعرف أنه إن تحدّث في هذه الحالة فسيكون فجًّا، قاسيًا، وقد يقول ما لا يُقال… ما قد يجرحها أكثر مما يحتمل.


فتح باب غرفة النوم، فاستقبلته العتمة والفراغ.

توقف لحظة، ثم أغلق الباب بهدوء واتجه إلى غرفة المعيشة.


كانت هناك…

متمددة على الأريكة، رأسها مائل قليلًا، وملامحها ساكنة كطفلةٍ أرهقها البكاء حتى نامت.

تنهّد بعمق وهو يراقبها من على بُعد خطوات، شعور ثقيل بالذنب يزحف إلى صدره رغم مقاومته له.


اقترب بخطوات هادئة، جلس على الطاولة المقابلة للأريكة، ومد يده إليها بحذر، كأنه يخشى أن يوقظ معها ألمه المؤجل، وهمس بصوتٍ خافت:

— نسيم… قومي نامي في السرير.


لكنها كانت غارقة في نومٍ عميق، إلى الحد الذي لم يسمح لصوته أن يتسلّل إليها.

فنهض بهدوء، وانحنى يحملها بين ذراعيه بخفّةٍ اعتادها معها، كأن جسدها يحفظ طريقه إليه. مضى بها نحو غرفتهما، وحين شعرت بحركته أفاقت نصف إفاقة، رفعت بصرها إليه بعينين مثقلتين بالنعاس، فوجدته يحدّق أمامه بملامح لم تفارقها الصرامة.


أنزلها فوق السرير برفق، وهمّ أن يستقيم مبتعدًا…

لكن يدها سبقت قراره، تشبّثت بسترة معطفه وجذبته نحوها في حركة غريزية، يائسة بعض الشيء.


تجمّد مكانه.


خفض بصره إلى أصابعها المتعلّقة به، ثم رفعه ببطء إلى عينيها، ففاض منهما اعتذارٌ صامت، ممزوج بنظرةٍ لا يخطئها رجل يعرف أنثاه ويفهم لغتها الخفية…

نظرة قرب.

دعوة بلا كلمات، واضحة وصريحة، تحمل كل ما عجزت عنه الحروف.


كانت أنفاسها دافئة، متسارعة، وكأنها تستنجد به.


وكان هو… يعشقها. يعشق قربها. يعشق هذا الضعف حين تبدو متطلبة وبشدة..


لكن وبرغم شوقه وعشقه لها فإن الغضب لايزال حاضرًا.

غضبٌ متراكم، ثقيل، يطفو على كل شيء ويغلب كل رغبة.


وكان هو يعرف يقينًا أنه إن اقترب الآن، فلن يكون قربًا نقيًا، ولن يمنحهما السلام الذي يستحقانه.

فهو لا يريدها بين ذراعيه وهو يحمل في صدره ولو ذرة عتاب… فكيف بهذا الغضب الجارف؟


لذلك…

تجاهل ذلك النداء الأخاذ في عينيها.

وتجاهل رغبته الجامحة في احتضانها.

وتجاهل ارتعاش أنفاسها التي كانت تدعوه بلا صوت.


وانسحب.

ابتعد وهو يعلم أن ابتعاده هذا هو أكثر ما سيؤلمها، وأكثر ما سيجرحها، لأنها لم تعهده يومًا قاسيًا إلى هذا الحد…


لكنه كان يعلم أيضًا، وبقناعةٍ موجعة، أن لا طريق لتقويم هذا الشرخ بينهما إلا بهذه المسافة المؤقتة، مهما كان ثمنها.


حين رأت ابتعاده المتعمّد، وإعراضه عنها بتلك القسوة الباردة، شعرت كأن دلواً من ماءٍ مثلّج قد أُفرغ فوق روحها دفعةً واحدة… موجعًا، مهينًا، لا يترك مجالًا للتماسك.

كان الأجدر بها أن تصمت، أن تبتلع انكسارها وتؤجّل المواجهة، لكن ما بداخلها كان قد فاض، ولم تعد تملك ترف الصبر.


راقبته وهو يولّيها ظهره، يخلع ثيابه بهدوءٍ مستفز، كأن ما بينهما لا يستحق التوقف. عندها خرج صوتها مكبوتًا، يائسًا، مشحونًا بكل ما لم يُقال:

— وبعدين؟!


التفت إليها ببطء، وهو يفك أزرار قميصه، ونظر إليها نظرة ساكنة لا تحمل وعدًا ولا اعتذارًا، وقال ببرودٍ متعمّد:

— ولا قبلين!


أغمضت عينيها في لحظة عجزٍ كامل، ثم مرّرت يدها بعصبية في شعرها، تحاول لملمة ما تبقّى من اتزانها، وهتفت بصوتٍ مرتجف رغم محاولتها السيطرة عليه:

— عاصم… لو سمحت خلّينا نتكلم من غير استفزاز. أرجوك، متضغطش على أعصابي أكتر من كده… أنا فعلًا مش متحمّلة.


هزّ رأسه بهدوءٍ يعرف صدق ما تقوله، وقال بنبرة محايدة:

— هاخد شاور وأجيلك.


ثم تركها، ودلف إلى الحمّام، وأغلق الباب خلفه.


بقيت جالسة مكانها، تحدّق في الفراغ بذهولٍ لا يصدّق.

هل سيؤجّل الحديث؟

هل بلغ به التجاهل واللامبالاة هذا الحد؟

ألم يكن قادرًا على الإصغاء إليها أولًا… ولو لدقائق؟


انتظرت، بصبرٍ لا تملكه أصلًا. عشر دقائق كاملة بدت لها دهرًا طويلاً، استنزفت فيها آخر ما تبقّى من قدرتها على ضبط نفسها، وجرّبت خلالها كل طقوس التماسك الممكنة… ولكنها فشلت.


إلى أن خرج أخيرًا من الحمّام، متلفّعًا بردائه الأبيض، يتقدّم منها بثقةٍ باردة، ممءكًا بمنشفةٍ يجفّف بها شعره دون أن يمنحها نظرة واحدة ذات معنى. توقف أمامها، وألقى عبارته بلا اكتراث:

— اتكلمي… أنا سامعك.


رمقته وهو يتعمّد أن يحجب نظره عنها، فعاد انكسارها يتسلّل إليها من جديد، بطيئًا وثقيلاً. ومع ذلك، كانت تعرف في أعماقها أنها أخطأت، وأن هذا الخلاف لن يذوب إلا بصبرٍ طويل ونَفَسٍ أهدأ مما تشعر به الآن.


لذا نظرت إليه بثباتٍ مُتكلَّف، ابتلعت الغصّة العالقة في حلقها، ثم قالت بصوتٍ حاولت أن تُحكم سيطرتها على رجفته:

— طيب… ممكن تقعد؟ علشان أعرف أتكلم؟


أومأ بهدوء، وتقدّم منها وجلس على طرف الفراش، مولّيًا وجهه إليها دون أن يقترب أكثر، وقال بنبرةٍ منغلقة لا تحمل دفئًا:

— اتكلمي يا نسيم، أنا سامعك.


ما إن التقت عيناها بعينيه حتى خانها تماسكها، فامتلأت عيناها بالدموع على الفور. حاولت أن تُبقي شفتيها ثابتتين، لكن ارتجافهما فضحها وهي تقول:

— أنا… آسفة.


ظلّت ملامحه جامدة، صامتة، وهو يصغي إليها دون تعليق، فتابعت بصوتٍ أكثر خفوتًا:

— أنا عارفة إني غلطت لما انفعلت بالشكل ده، وعارفة كمان إنك زعلان مني…


ارتجفت شفتاها وهي تحاول حبس الألم في صدرها، ثم استجمعت ما تبقّى من شجاعتها وأضافت:

— بس أنا كمان زعلت منك. زعلت لأنك أخدت مني موقف بالطريقة دي… مع إن دي أول مرة. كان ممكن تكتفي إنك تحذرني، أو تلفت انتباهي إن اللي عملته مش مقبول لكنّك سيبتني لوحدي ومشيت… وفوق كده مخاصمني من امبارح.


وسكتت، تاركة كلماتها معلّقة في الهواء، تنتظر ردّه… أو حتى إشارة واحدة تُخبرها إن المسافة بينهما لم تصبح هوّة لا تُردم.


زفر أنفاسه بهدوء وهو يحدق فيها قبل أن يقول بنبرة حاسمة:

ـ أول مرة زي آخر مرة بالنسبة لي.

التصرف ده مرفوض تمامًا، خصوصًا لما يكون قدّام الناس، وبالأخص وأهلك كلهم كانوا موجودين. وإنتِ مش طفلة علشان أضطر ألفت انتباهك لحاجة زي دي… دي أبسط البديهيات يا نسيم.


أومأت برأسها موافقة، كأنها تُسلِّم بكل كلمة قالها، ثم تابعت بصوت خافت:

ـ عندك حق… أنا انفعلت غصب عني، كنت متوترة ومضايقة. بس بردو المفروض مكنتش تمشي وتسيبني لوحدي، وإنت عارف إني دايمًا بستمد قوتي منك.


تنفس بعمق، ثم قال:

ـ بس إحنا اتفقنا من البداية إني مش هكمّل الفرح. أوكي أنا جيت علشان فريد جالي البيت وعزمني، ومكانش ينفع ماحضرش.


وسكت لحظة قبل ما يكمل وهو ينظر لها بثبات:

ـ بس في الحقيقة… أنا جيت علشانك إنتِ يا نسيم.


واقترب بعينيه منها أكثر وهو يضيف بعتاب صريح:

ـ جيت علشان ما تبقيش لوحدك في يوم زي ده. وفي المقابل، تصرّفك ده خلاني أندم إني جيت معاكي .


أسقطت جبهتها بين كفيها بتوتر بالغ، ثم رفعت عينيها إليه، وصوتها يرتجف:

ـ أنا آسفة يا عاصم… أرجوك ما تزعلش مني، وكفاية خصام لحد كده.

إنت عارف إني أقدر أتحمل أي حاجة… إلا إنك تعاملني بالقسوة دي وتتجاهلني بالشكل ده.


تنهد طويلًا، ثم هز رأسه ببطء:

ـ اعتبري إن مفيش حاجة حصلت يا نسيم… ولا يهمك.


لكن بروده ظل حاضرًا، نبرته لم تلن، ولم تكن تلك النبرة الدافئة التي اعتادت أن تشعر بالأمان معها.

لم يكن عاصم الذي تحتاجه الآن…


همَّ أن ينهض، لكنها سارعت تضع يدها فوق كفه، وقالت باستسلام صادق:

ـ عاصم… أنا محتاجة حضنك أوي.


نظر إليها بهدوء، وقد لمح في ملامحها انكسارًا موجعًا واستسلامًا مؤلمًا لم يحتمل رؤيته. لم يتردد، بل اقترب منها على الفور، وجذبها إلى صدره في عناقٍ قوي، كأنه يحاول أن يعوّضها عمّا انكسر بداخلها، ويضمد جراحها بذلك الاحتواء الذي يعرف يقينًا كم يغيّر من الأشياء…


ولم يكن يدرك إلا في تلك اللحظة أنه كان في حاجة إليه بقدر حاجتها، وربما أكثر، لو تعلم.


انهارت بين ذراعيه ببكاءٍ حاد، وطوّقت عنقه بذراعيها وكأنها تتشبث بملاذها الأخير، بينما كان هو يربّت على ظهرها بحنو، ويمرر يده على شعرها في صبرٍ واحتواء، يحاول تهدئتها ويقرّبها إليه أكثر، يحتضنها كاملة، مدركًا تمامًا ما يعصف بداخلها وما يثقل قلبها.



رفعت رأسها قليلًا، ونظرت إليه بعينين غارقتين بالدموع، ثم مالت تقبّل وجنته بقوة وهي تقول:

ـ انا اسفه.. متزعلش مني أرجوك .


ظهرت ابتسامته أخيرًا، هادئة ودافئة، فانحنى يقبّل جبينها برفق، وأحاط وجهها بين كفّيه وهو يقول:

ـ مش زعلان خلاص ..


ثم أمسك بكتفيها بحزمٍ رصين، لا قسوة فيه، وأخذ يتحدث بنبرة هادئة وهو يقول:

ـ لكن… لازم نتكلم شوية.


أومأت موافقة، وقد بدا الاستعداد في عينيها قبل حركتها، فهي كانت في أمسّ الحاجة إلى هذا الحديث بقدر حاجته هو إليه. كانت تعلم، دون أدنى شك، أنه أكثر من يستطيع أن تنطق أمامه بكل ما يثقل صدرها، وأكثر من سيصغي لها بهدوءٍ حقيقي، ويفهمها دون أن تُضطر لشرح ألمها حرفًا حرفًا.


هو الأعرف بوجعها، والأقرب إلى ماضيها المثقل بالجراح، الخبير بندوبها القديمة وآلامها التي لم تلتئم بعد. لطالما كان شاهدًا على انكساراتها، وعلى جروحٍ ظلّت مفتوحة رغم مرور الوقت، ولهذا كانت واثقة أن الحديث معه لن يكون عبئًا… بل خلاصًا، وملاذًا يخفف عنها الكثير.


༺═────────────────═༻

وقفت نادية في غرفتها، تجوبها ذهابًا وإيابًا بخطواتٍ مضطربة، وكأن الجدران تضيق بأنفاسها. كان حديثها يدور في داخلها كعاصفةٍ لا تهدأ، فذلك الذي حدث… لن يمر أبدًا.

وما أقدم عليه سالم لا يمكن، ولا يجب، أن يمرّ مرور الكرام.


كيف بلغ به الانحطاط إلى حدّ أن يسمح لتلك المرأة أن تعيش تحت سقفٍ واحدٍ معهم، متذرعًا بمصلحة الطفل؟


وكيف تجرّأ على إيذاء عمر، على كسر قلبه بهذا الشكل الفج، ودفعه إلى مغادرة البيت دون أن يكلّف نفسه حتى عناء السؤال: إلى أين ذهب؟ أو كيف سيكون حاله؟

لا… لن تُمحى هذه الأفعال بالنسيان، ولن تمر دون عقاب.

لقد بات سالم عبئًا ثقيلًا على الجميع، ظلًا خانقًا يخيّم على البيت ومن فيه، ولم يعد التخلّص من شرّه خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة لا مفرّ منها.


كفى أعوامًا طويلة من الخضوع لسطوة سالم مرسال.

كفى ظلمًا، وكفى صمتًا، وكفى استسلامًا.


لقد حان الوقت لتحطيم تلك الأسطورة الزائفة، تلك الصورة المتغطرسة لرجلٍ توهّم أنه فوق المحاسبة، واعتاد أن يحكم كل من حوله بالديكتاتورية والقسوة.


حان وقت السقوط…

حان وقت أن يهوي ذلك التمثال الذي طال وقوفه، ويُدفن تحت أنقاض ما صنعه بيديه.


༺═────────────────═༻

— ممكن أعرف إيه اللي ضايقك ووصّلك للحالة اللي إنتِ فيها دي؟

سألها عاصم بهدوءٍ حذر، وعيناه معلّقتان بملامحها المتعبة.


كان صوته كفيلًا بأن يفتح بابًا كانت نسيم تحاول إغلاقه بكل ما تبقى لها من قوة. تراجعت إلى الداخل، إلى تلك اللحظات التي حاولت نسيانها، فانكمشت لا إراديًا، ومدّت ذراعيها لتحتضن نفسها، تمرر كفّيها على ساعديها كأنها تبحث عن دفءٍ مفقود، بينما عيناها ثابتتان على نقطة بعيدة لا يراها سواها.



— حاجات كتير حصلت…


خرج صوتها واهنًا، وتابعت:

— حسّيت إنها فوق طاقتي.


توقفت لحظة، كأن الكلمات تثقل صدرها، ثم تابعت بصوتٍ أكثر ارتجافًا:

— لما شوفته وهو بيقدّم هدية لنغم… وبعدها حضنها… حسّيت إن الحضن ده مش من حقها.


رفعت رأسها قليلًا، وملامحها تختلط فيها الغيرة بالألم: — الحضن ده من حقي أنا… أنا اللي أولى بيه. أنا اللي كان المفروض يحاول يصلّح علاقتُه بيّا… أنا اللي محتاجة الاحتواء ده.


حين التقت عيناها بعيني عاصم، كانت الدموع قد سبقتها، تتجمع وتلمع، ثم انهمرت وهي تقول بصوتٍ مكسور:

— محدّش اتظلم منه زيّي… ولا حد شاف المعاناة اللي أنا عيشتها على إيديه.

مش المفروض كان يعتذر لي؟ مش المفروض كان يحتويني أنا الأول؟ ويحاول يبدأ صفحة جديدة معايا أنا؟


اندفعت الكلمات بعدها بلا كوابح:

— الطقم اللي هاداها بيه ده بتاع أمي يا عاصم… يعني أنا الأحق بيه.

كان لازم يبقى ذكرى ليا أنا منها… أنا أولى بذكريات أمي من نغم.


ابتلعت غصتها بصعوبة، وأكملت بحرقة:

— كفاية إن نغم اتربت في حضن عيشة، وعيشة فضلتها عليا… كفاية إنها عاشت خمسة وعشرين سنة متنعمة بحنانها وحبها… وأنا؟ أنا اتيتمت مرتين… واتحرمت من حنان الأم والأب مع بعض.


انكسر صوتها تمامًا، وسقط رأسها أرضًا، وضمت نفسها بقوة كأنها تحاول أن تمنع روحها من التشقق أكثر، ثم انفجرت في بكاءٍ عميق، موجع، خرج من أعماق سنواتٍ طويلة من الحرمان.


اقترب منها عاصم دون تردد، جذبها إليه، فاندفعت تتعلق به، تبكي على صدره وهي تهمس من بين شهقاتها:

— إنت فاهمني يا عاصم… صح؟


شدّ عليها برفق، وأومأ برأسه، صوته خرج ثابتًا ودافئًا:

— فاهمك…


لم يقل عاصم شيئًا بعدها.

اكتفى بأن ظلّ محتضنًا لها، يده تستقر بثبات على ظهرها، لا تضغط ولا تبتعد، كأن وجوده وحده وعدٌ صامت بأنها ليست وحدها الآن.

أما نسيم…


فكانت تبكي أقل، لكن الألم لم يهدأ. تغيّر فقط شكله.

لم يعد انفجارًا، بل صار وجعًا ساكنًا، ثقيلًا، يضغط على صدرها مع كل نفس.


بعد دقائق، ابتعدت قليلًا لتلتقط أنفاسها. مسحت دموعها بسرعة، وكأنها انتبهت فجأة لما قالت.

قالت بصوتٍ منخفض:

— أنا… أنا مش بحقد على نغم يا عاصم صدقني ولا بكرهها،


نظر إليها طويلًا، نظرة لم تحمل شفقة بقدر ما حملت فهمًا خالصًا.. بينما هي تابعت :

— أنا والله بحبها ومبسوطة علشانها هي وفريد ومش ممكن أتمنى لهم أي حاجه وحشة..


ثم سكتت لحظة، وكأنها تحارب شيئًا يضغط على صدرها، قبل أن تهمس:

— بس… بس أنا غصب عني حسّيت بالغيرة.


انهارت الكلمات بعدها، وانفجر البكاء من جديد. ارتعش صوتها وهي تكمل:

— وكرهت نفسي قوي وقتها… أقسم بالله كرهت نفسي، وحسّيت إني حقودة وأنانية، علشان فكرت في حاجة زي دي في وقت المفروض ما أفكّرش فيه غير إني أفرح لأخويا وبس.


انحنى رأسها، وكأنها تحاكم نفسها قبل أن يفعل أي أحد، وتضاعف بكاؤها، لا حزنًا فقط، بل خجلًا من شعورٍ لم تختره، وذنبًا حملته فوق طاقتها.


أمسكت بيده وكأنها تتشبث بطوق نجاة، ونظرت إليه بعينين منهكتين، وقالت بصوتٍ واهن يتوسّل الصدق: — أنا تعبانة يا عاصم… صدّقني، أنا مش مبسوطة باللي وصلت له. نفسي أحس بالرضا، نفسي أنسى اللي فات، وأسـامح اللي أذوني، وأبدأ من جديد من غير ما الماضي يفضل واقف قدامي في كل لحظة.


سكتت قليلًا ثم أضافت بانكسار:

— صدّقني أنا مش مبسوطة بحالي… مش مبسوطة وأنا جوايا حقد ناحية سالم وعيشة. نفسي أتخلص من الكره ده، نفسي أفرح بأولادي اللي جايين من غير ما أفتكر اللي خسرته كل شوية.


ازدادت حالتها سوءًا على نحوٍ أفزعه، فاقتربت منه أكثر، وصوتها ينفلت بهستيرية وبكلمات غير مرتبة ممزوجة بالرجاء:

— أنا مش عايزة قلبي يبقى أسود يا عاصم… مش عايزة أزعلك تاني، وخايفة أخسرك. مش عايزة أبص في وش فريد ونغم وأحس إني غيرانة… أنا مش هقدر أتحمّل ولا أتقبّل أشوف نفسي بالشكل ده تاني.


ضمّها عاصم إلى صدره من جديد، وأخذ يربت على ظهرها بثباتٍ يحاول أن يسكب الطمأنينة في روحها، وقال بنبرة حازمة دافئة:

— إنتِ مش وحشة يا حبيبتي. أنا فاهمك وحاسس بيكي. إنتِ لا أنانية ولا حقودة… وأنا واثق من ده.


هزّت رأسها ببطء، وقد تسلّل إلى ملامحها خيط أملٍ خجول، تتمنى أن يكون ما يقوله حقيقة لا مجاملة، وأن يكون هذا الصوت الواثق هو الصدق الذي تحتاجه لتصدّقه… وتصدّق نفسها من جديد.


بينما رفع كفّيه فأحاط بهما وجنتيها، وحدّق في عينيها بنبرة هادئة لا تخلو من الحسم وهو يقول:

— نسيم… إنتِ محتاجة تروحي لدكتور. صدّقيني، العلاج هيفيدك جدًا. لازم تساعدي نفسك بنفسك، لأن من غير ما نمدّ إيدنا لنفسنا، محدش هيقدر يساعدنا.


صمتت قليلًا، وتركت كلماته تتردّد داخلها. عادت بذاكرتها إلى تلك المرة التي طلب منها فيها الذهاب إلى طبيب نفسي، يومها ثارت ورفضت بشدة، وكأن الاقتراح كان إدانة لا نصيحة. أمّا الآن، فالأمر لم يعد قابلًا للرفض، ولم يعد يُصنَّف كترفٍ أو خيار يمكن تأجيله. صار ضرورة لا مفرّ منها.


كانت تدرك، بوعيٍ موجع، أن ما تمرّ به تجاوز قدرتها على الاحتمال وحدها. لم تعد قادرة على إنكار احتياجها للمساعدة، ولا على الاستمرار في إقناع نفسها بأنها بخير. لا بد أن تعمل بنصيحته هذه المرة، لا بد أن تخطو خطوة شجاعة نحو العلاج، نحو الترميم البطيء لما تكسّر بداخلها.


لا بد أن تساعد نفسها…

لا بد أن تستعيد توازنها النفسي قبل قدوم أولادها.


وإن لم يكن من أجلها، فليكن من أجلهم هم.

فهم يستحقون أمًّا سليمة الروح، آمنة من الداخل، قادرة على العطاء دون خوف…

يستحقون، وبجدارة.


وبينما كانت غارقة في أفكارها، باغتها بما يشبه صدى ما يدور داخلها؛ مرّر إبهامه على وجنتها بحنوٍّ بالغ، وارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة وهو يقول:

— علشانك إنتِ الأول… وعلشان ولادنا. لازم تكوني كويسة، وفي أحسن حالاتك، علشان تقدري تحبيهم وتحتويهم صح. الخطوة دي مهمة جدًا يا حبيبتي… مهمة أكتر مما تتخيلي.


أومأت برأسها ببطء، وكأن كلماته جاءت كإشارة أخيرة كانت تنتظرها لتطمئن. اندفعت تعانقه بقوة، تعانق الأمان ذاته، بينما هو أخذ يربّت على ظهرها بحنانٍ عميق كانت في أمسّ الحاجة إليه، وهمس بصوتٍ واثق:

— أنا متأكد إنك هتبقي كويسة… زي ما أنا متأكد إنك هتبقي أحنّ وأطيب أم في الدنيا.


تشبثت به أكثر، وفي صدرها ولأول مرة منذ زمن طويل، تسلّل شعور خافت بالطمأنينة… كأن بابًا أُغلق على الألم، وبابًا آخر فُتح على أملٍ جديد.


༺═────────────────═༻


كان الليل قد ألقى برده الخفيف على شوارع أثينا حين دخل فريد ونغم قاعة السينما الحديثة بمول تجاري شهير بأثينا .


وقف فريد عند كشك الوجبات الصغيرة قرب مدخل السينما، ينظر حوله بتأنٍ وكأنه يخطط لكل تفصيلة صغيرة في زيارتهم. كانت أضواء اللوحات المضيئة تلمع على وجوه المارة، بينما كان الهواء مليئًا برائحة الفشار الساخن والذرة المحمصة.


بينما نغم كانت بجانبه، تتأمل أصناف الذرة المفرقعة المعروضة بعينين متسعتين، تبتسم بين الحين والآخر بانبهار ، فسألها فريد بصوتٍ منخفض:

— عايزة فشار بالملح ولا بالكراميل ؟!


اتسعت ابتسامتها وهي تجيبه بهدوء:

ـ الاتنين !


ابتسم لها فريد وهو يلتقط كوبين ورقيين من الفشار، أحدهما بالكراميل والآخر بالملح، وقال:

— يا سلام ! انتي لو عايزة الفشار اللي هنا كله ميغلاش عليكي.


ابتسمت ابتسامة مشرقة وهي تتناول منه الكوب وتقول بنبرة متدللة :

ـ ميرسي ..


أومأ ضاحكًا، تقدما سويًا، وقفا معًا عند صمام الكشك، يراقبان الزحام حولهم، قبل أن يتوجها إلى الداخل، حيث تنتظرهما المقاعد المريحة وشاشة السينما الكبيرة، مستعدين للغوص في قصة الفيلم.


دخلا القاعة حيث الأضواء الخافتة، والهمسات المتناثرة خلقت عالمًا موازياً، كأن المدينة بأكملها قد توقفت عند باب القاعة وتركتهما وحدهما مع الحكاية.


جلسا في المنتصف، حيث الشاشة تملأ مجال الرؤية بالكامل. أطفئت الأنوار تدريجيًا، وساد الصمت، ثم بدأت الموسيقى الافتتاحية للفيلم تنساب بنعومة، كأنها تمهّد لقصة حب تعرف منذ بدايتها أنها لن تنجو كاملة.



مال فريد قليلًا نحو نغم، همس مبتسمًا:

— الفيلم ده حلو جدا على فكرة.. تحمست له من التريلر بتاعه .


لم تجبه نغم، حيث أنها بدت مشغولة بمراقبة بداية الفيلم، فقط شدّت الكوب الورقي بين يديها، تتناول منه حبات الذرة المفرقعة بانسجام وعيناها معلقتان على الشاشة.


بينما هو أحاط كتفيها بذراعه، وهو يمسك بالكوب باليد الأخرى فنظرت إليه وأشارت بعينيها إلى الكوب فقال مبتسما:

ـ مش بحب الفشار .. جبته علشانك .


اتسعت ابتسامتها أكثر، ثم أمالت رأسها على كتفه وبدأا يتابعان الفيلم سويًا ..


بدت شاشة العرض وكأنها نافذة لعالم آخر، مليء بالمشاعر الجياشة والقصص التي تمس القلوب. حيث أن الفيلم بدأ بمشهد لرجل يجلس وحيدًا على شاطئ البحر، ينظر بعيدًا إلى الأفق الذي يعكس ألوان الغروب. والموسيقى الهادئة تحكي قصة حزنه دون كلمات، فينعكس صداه على قلوب المتفرجين.


شعرت نغم بشيء يتحرك داخلها، كأن الحزن الذي يمثله البطل على الشاشة قريب من روحها. لم تستطع منع نفسها من النظر إلى فريد، الذي كانت عيناه مثبتتين على الشاشة، يراقب بصمت وتعبير ما بين التأثر والغموض يغطي وجهه.


مع كل مشهد جديد للفيلم، كان الحزن يتسلل بينهما كضيف ثقيل لكن مألوف. كانت الشخصيات معقدة، ومشاعر الحب الممزقة بالألم كأنها انعكاس لما يعيشه كل شخص في النهاية بطريقة أو بأخرى.


نظر فريد إلى نغم بحذر، شاهد دموعها المترددة التي حاولت كتمها لكنها انسابت كأنها رغبتها في أن تشارك الأحاسيس التي عاشتها مع الفيلم. ابتسم بصمت، وأدار نظره إلى الشاشة مرة أخرى. لم يكن هذا مجرد فيلم بالنسبة لهما؛ كان مرآة عاكسة لعواطفهم المدفونة.


ومع تقدّم الأحداث، ومع تلك الشخصية الثانوية التي دخلت بين البطلين—المرأة التي تظاهرت بالحب، ونسجت كذبة صغيرة تحولت إلى شرخٍ كبير—بدأ قلب نغم يضيق.


حين وصل المشهد الفاصل…

ذلك المشهد الذي يكتشف فيه البطل الحقيقة متأخرًا، بعد أن نجحت الأخرى في الوقيعة بينه وبين من أحب،

تجمدت نغم في مقعدها.


انحبست أنفاسها.

لم تعد ترى البطلة وحدها.


رأت سيلين... رأت محاولاتها الدؤوبة للتسلل إلى حياة فريد، إلى مساحته، إلى ثقته.

تذكرت كيف كادت تلك الكذبة أن تسرقه منها… كيف زرعت الشك بينهما، وكيف وجدت نفسها يومًا تقاتل على شيء ظنت أنه بديهي.


وحين افترق البطلان على الشاشة—لا بسبب غياب الحب، بل بسبب سوء الفهم— انكسرت نغم.


انسابت دموعها بصمت، دموع ثقيلة وحارة، حاولت حبسها، لكنها خانتها. رفعت كمّ معطفها ومسحت عينيها سريعًا، لكن دمعة أخرى تبعتها بعناد.



التفت فريد إليها دون أن يتكلم.

لاحظ ارتجاف كتفيها الخفيف، وانكسار نظرتها الثابتة على الشاشة.


مدّ يده بهدوء، دون كلمات، فقط أمسك يدها وضمها بيده، مالت نحوه قليلًا، وهمست بصوت مبحوح بالكاد يُسمع:

— الفيلم ده خلاني افتكرت حاجات كتير.


شدّ على يدها أكثر، واقترب شفتيه من أذنها وهمس مبتسما :

— نغم هو انتي من اللي بيعيطوا في السينمات ؟!


نظرت إليه بعينين دامعتين، وفيهما تحفز عميق، ثم عادت بنظرها إلى الشاشة، حيث كانت الموسيقى تعلو في مشهد الوداع الأخير.


بينما هو حاول كبح ضحكاته لئلا يثير ضيقها أكثر، لاحظ انتهاء كوب الذرة خاصتها، فناولها الكوب الآخر الذي كان يمسك به، فتناولته منه وهي لازالت تبكي، وشرعت في الأكل منه وهي تنظر إلى الشاشة بانسجام ، بينما فريد كان قد توقف عن مشاهدة الفيلم وأخذ ينظر إليها بتركيز .


تبدو وكأنها طفلة حقًا... كيف يمكنها أن تأكل الفشار وهي غارقة في دموعها بهذا الشكل؟ ولماذا تبكي أساسًا لمجرد متابعة فيلم سينمائي؟! ما كل هذه الهشاشة التي تسيطر عليها ؟!


بينما هي كانت تقر في داخلها أن ذلك الفيلم هو أصدق فيلم وأقربهم إلى الواقع حيث بعض الأفلام لا تُبكينا لأنها خيالية… بل لأنها تشبهنا أكثر مما نحب الاعتراف به.


على الشاشة…

عاد البطلان أخيرًا إلى بعضهما بعد كل ذلك الفراق وسوء الفهم، ومع تصاعد الموسيقى، اقتربا ببطء، حتى التقت شفتيهما في قبلة طويلة، هادئة، محمّلة بكل ما لم يُقَل.


في اللحظة ذاتها، شدّ فريد على يد نغم فجأة.


ضغط خفيف… مقصود.. مراوغ وماكر .


انتفضت نغم لا إراديًا، والتفتت إليه بطرف عينها، فوجدته ينظر إلى الشاشة ظاهريًا، بينما عيناه تنزلقان إليها بخبثٍ محبب، وابتسامة جانبية بالكاد تُرى ارتسمت على شفتيه.


لم ينطق حرفًا.

لم يحتج.


كانت الرسالة واضحة تمامًا.


ضغط على يدها مرة أخرى، أبطأ هذه المرة، وكأنه يوقّع وعدًا صامتًا، أو يسرق لحظة من الفيلم ليحوّلها إلى وعدٍ خاص بينهما.


ابتسمت وقد أدركت ما يلمح إليه، وأشاحت تنظر إلى الشاشة مرة أخرى محاولة أن تتظاهر بالتركيز ، بينما قلبها يخونها ويخفق باضطراب .


لم ينبس ببنت شفة، ولم يكن هناك داعٍ لذلك؛ فبينهما لغة لا يدركها أحد سواهما، لغة تتجاوز حدود الكلمات والتحليل .


عند انتهاء الفيلم، كانت هناك لحظة من الصمت المهيب تعمّ المكان، وكأن الجميع بحاجة لوقت لاستيعاب ما شاهدوه. بدأ الحضور يغادر القاعة واحداً تلو الآخر، يملأهم مزيج من التأثر والدهشة. بعضهم كانوا يتبادلون همسات قليلة، بينما اختار الآخرون المغادرة بصمت عميق، يحملون معهم انعكاسات شخصية عما رأوه.


وفي تلك الأجواء، كان كلا من نغم وفريد يجلسان في مقاعدهما دون استعجال للمغادرة. شعرت نغم بتداخل غريب بين الحزن والإلهام، بينما كان فريد يحدق في الشاشة التي أصبحت سوداء الآن، ثم نظر إليها وهو ينهض ويمد إليها يده قائلا :

ـ تقييمك إيه للفيلم ؟!


نظرت إليه بهدوء وهي تنهض وتتمسك بيده، وقالت:

ـ ١٠ من ١٠ طبعاااا .


أومأ بهدوء وضحك ضحكة شبه يائسة وهو يقول:

ـ طبعا لازم بعد الدموع دي يكون ١٠ من ١٠ ..


بينما هي نظرت إليه وقالت :

ـ وانت تقييمك إيه للفيلم ؟!


مط شفتيه بتردد ثم قال :

ـ بصراحة ٥ من ١٠ كتير عليه .. مع إني تحمست في البداية بس طلع فاكس .


نظرت إليه بتعجب وضيق مصطنع، فنظر إليها مبتسما وهو يقول مقربًا وجهه منها :

ـ أنا وانتي لو عملنا قصتنا فيلم هيكون interesting عن كده ..


ضحكت بهدوء، ثم أومأت وقالت باستسلام:

ـ والله معاك حق.. قصتنا مليانة أكشن ومغامرات .


ضحكا بهدوء وهما يسيران متجاوزين القاعة، ثم توجها نحو سيارتهما.. فقال وهو يفتح لها الباب، ويرمقها بغمزةٍ متلاعبة وهو يقول :

ـ وأي مغامرات .. طب ده أنا حتى محضر لك مغامرة فريدة من نوعها لما نوصل البيت !


ضحكت بهدوء بينما هو مال يحدثها من نافذتها بعد أن أغلق الباب، وقال ضاحكًا :

ـ مغامرة خيالية هتنسيكي الكآبة والسواد اللي شوفناه جواه ده .


علت ضحكاتها أكثر، فاستدار يستقل مقعده خلف المقود، ومن ثم ضغط زر التشغيل وانطلق عائدًا بها إلى المنزل حيث هناك ساحتهما الخاصة التي ستشهد على كل مغامراتهما، ويزهر فيها شغب أحلامهما، ويتردد ببن جدرانها صدى ضحكاتهما .

༺═──────────────═༻

#يتبع

تكملة الرواية من هناااااااا 

لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله الجزء الاول من هناااااااااا

الرواية كامله الجزء الثاني من هنااااااااا 

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات

التنقل السريع
    close