سكريبت بعد سكريبت بعد الصمت كامل وحصري كامل وحصري
سكريبت بعد الصمت كامل وحصري
اشتـريت شـقة فاخـرة لحـماتي ثـم وصلـتني رسـالة مـن زوجـي يقول أمي قررت إن تحتفل بدونك ..هي لا تريدك بشقتها
كانت سلمى حازم تمسح الدقيق عن يديها في المخبز حين اهتز هاتفها فوق الطاولة المعدنية. رسالة من زوجها كريم. ابتسمت تلقائيًا وهي تظن أنه يسألها متى ستصل إلى التجمع العائلي الذي أصروا أن يكون اليوم. فتحت الرسالة.
سلمى لا تأتي اليوم. أمي قررت الإحتفال بدونك. هي تريد الاحتفال فقط مع الناس الذين ينتمون فعلًا لنا أنت لا تناسبين دائرتنا. رائحتك تشبه العمل والدقيق أكثر من اللازم.
تجمدت سلمى في مكانها. الأفران ما زالت تطن والخبز الطازج يملأ المكان برائحة دافئة مألوفة والعمال يمرون من حولها يحملون الصواني دون أن ينتبه أحد أن شيئًا انكسر داخلها في تلك اللحظة. أعادت قراءة الرسالة مرة بعد مرة لا لأنها لم تفهمها بل لأنها أرادت أن تحفظ كل كلمة فيها كما هي بلا تجميل ولا اعتذار.
ست سنوات كاملة وهي تحمل تلك العائلة على كتفيها دون ضجيج. دفعت تكاليف السفر التي كان كريم يتباهى بها أمام أصدقائه. سددت ديونه الصغيرة التي كان يسميها تعثرات مؤقتة. تحملت مصاريف علاج حماتها منى حين مرضت قبل ستة أشهر ولم تخبر أحدًا حتى لا تجرح كرامتهم. بل وأكثر من ذلك اشترت شقة كاملة من مالها الخاص داخل كمبوند راقٍ على أطراف القاهرة الجديدة نفس المكان الذي كانت منى تمدحه كل أحد وتقول هذه هي الحياة الحقيقية ليست الحفرة التي نعيش فيها الآن.
قامت سلمى بتجديد الشقة من الألف إلى الياء غيرت الأرضيات والدهانات والإضاءة حتى آخر مسمار. كانت تتبع صور المجلات التي ترسلها منى واحدة تلو الأخرى وهي تكرر هذه ذوق راقٍ ناس مستواها عالي مش زي الجو اللي احنا فيه. سلمى كانت تبتسم وتعمل وتصمت.
والآن داخل تلك الشقة التي دفعت سلمى ثمنها كانت منى تجلس في الصالة الفسيحة وكريم يصب العصير الفاخر للضيوف ويشرح لهم بابتسامة واثقة أن زوجته لم تحضر لأن رائحتها لا تناسب الجو.
نزعت سلمى المريول ببطء وكأنها تخلع جلدًا قديمًا لم يعد يليق بها. دخلت إلى المكتب الصغير الملحق بالمخبز وجلست أمام الحاسوب. لم تبكِ. لم تصرخ. فقط شعرت بشيء بارد واضح يتشكل داخلها. فتحت الملفات. العقود. الحسابات. المستندات التي لم يراها أحد غيرها.
قالت لنفسها بصوت خافت يشبه الوعد هما اختاروا الاحتفال من غيري وأنا سأختار النهاية بطريقتي… عجبتك عندك شغف تكملها طيب صلي على محمد وال محمد وتابع التعليقات
قالت سلمى لنفسها بصوت خافت يشبه الوعد هما اختاروا الاحتفال من غيري وأنا سأختار النهاية بطريقتي ثم أغلقت الشاشة للحظة وأسندت ظهرها إلى الكرسي وأغمضت عينيها لم تكن غاضبة بالصورة التي توقعها أي أحد ولم تكن منهارة بل كانت هادئة على نحو مخيف كأن شيئًا انكسر أخيرًا فتوقف الألم وبدأ الوضوح.
فتحت الحاسوب مرة أخرى وهذه المرة دخلت إلى الملف الذي احتفظت به منذ عام تقريبًا ملف لم تكن تنوي استخدامه أبدًا لكنه كان موجودًا لأن عقلها العملي لم يكن يثق بالحب وحده كان ملفًا يحتوي على كل ما يثبت ملكيتها للشقة عقد الشراء باسمها إيصالات التحويل البنكي صور الشقة قبل التجديد وبعده فواتير الأثاث والأجهزة حتى رسائل منى الصوتية التي كانت تشكرها فيها على كل تفصيلة وتقول الشقة دي حلم عمري يا سلمى ربنا يعوضك خير.
ابتسمت سلمى ابتسامة جانبية بلا فرح ثم التقطت هاتفها واتصلت برقم حفظته منذ فترة قصيرة ولم تعتقد أنها ستستخدمه بهذه السرعة مكتب إدارة الكمبوند. عرّفت نفسها بهدوء وقدمت رقم الشقة واسمها الكامل ثم قالت جملة واحدة واضحة لا تقبل اللبس أنا المالكة الوحيدة للشقة وأريد تفعيل حقي الكامل في الإدارة الآن.
لم يستغرق الأمر طويلًا فالملفات كانت جاهزة وكل شيء مسجل قانونيًا أنهت المكالمة ثم أجرت اتصالًا آخر هذه المرة بشركة الأمن الخاصة التابعة للكمبوند وأرسلت لهم نسخة من العقد وتعليمات مكتوبة بخط يدها تمنع أي شخص من دخول الشقة دون إذن مباشر منها بما فيهم كريم ومنى.
أغلقت الهاتف ونظرت إلى يديها الملطختين ببقايا الدقيق الأبيض وضحكت ضحكة قصيرة خافتة لأول مرة منذ وصول الرسالة وقالت لنفسها رائحة شغل مش عيب العيب ريحة الخيانة.
بعد ساعة واحدة فقط كان المشهد في الشقة الفاخرة مختلفًا تمامًا عن الصورة التي أرادتها منى. كانت الضحكات ما تزال تتردد والكؤوس مرفوعة حين طرق الأمن الباب طرقًا رسميًا حازمًا. فتح كريم وهو ما يزال مبتسمًا ظنًا أن أحد الضيوف تأخر لكن الابتسامة تجمدت حين رأى الزي الرسمي.
قال أحد أفراد الأمن بكل احترام لكن بحزم مساء الخير يا فندم عندنا تعليمات بإخلاء الشقة فورًا الشقة ملك للأستاذة سلمى حازم وتم سحب إذن التواجد.
ضحكت منى ضحكة متوترة وقالت إيه الهزار ده دي شقتي
رد رجل الأمن بهدوء لا يا فندم الشقة مسجلة باسم الأستاذة سلمى فقط ولو تحبي تتفضلي نطلع دلوقتي بهدوء.
تحول الهمس إلى ارتباك وتبادل الضيوف النظرات وبدأ بعضهم يجمع أغراضه في صمت بينما حاول كريم الاتصال بسلمى مرة واثنتين وعشر مرات لكن الهاتف كان مغلقًا.
خرجوا جميعًا من الشقة تحت أنظار الجيران بعضهم مصدوم وبعضهم متشفٍ ومنى تمسك حقيبتها بيد مرتجفة وتردد دي قلة أصل دي نكرة بينما كريم كان صامتًا وجهه شاحب كأنه فقد الأرض تحت قدميه فجأة.
في تلك الأثناء كانت سلمى قد أنهت عملها في المخبز وارتدت ملابسها بهدوء أغلقت الأنوار ووقفت لحظة تتأمل المكان الذي بنت فيه نفسها بعرقها ثم خرجت إلى الشارع واستنشقت الهواء بعمق وكأنها تتنفس لأول مرة منذ سنوات.
في المساء عاد كريم إلى البيت الذي يجمعهما ووجدها تجلس على الأريكة بهدوء غير مسبوق نظر إليها وقال بصوت متوتر اللي حصل ده فضيحة
نظرت إليه سلمى بهدوء وقالت الفضايح مش بتبدأ النهارده الفضايح بدأت يوم ما صدقتك وسكت.
حاول أن يبرر أن يرفع صوته أن يتهمها بالقسوة لكنها لم ترفع صوتها مرة واحدة فقط قالت له بجملة واحدة حاسمة الشقة كانت بتاعتي وهتفضل بتاعتي وأنا كمان كنت زوجتك وبطلت.
في اليوم التالي غادرت سلمى البيت انتقلت إلى شقتها هي الشقة التي قالوا إنها لا تريدها والتي صارت فجأة بيتها الحقيقي بدأت حياة جديدة بلا صراخ ولا انتقام معلن فقط انسحاب هادئ محسوب أعاد لها كرامتها قطعة قطعة.
بعد أسابيع وصلها طلب طلاق رسمي لم تحزن وقّعت بهدوء وبعد أشهر سمعت أن منى عادت لتسكن شقة إيجار صغيرة وأن كريم يحاول ترميم ما لا يُرمم.
أما سلمى فكانت كل صباح تدخل مخبزها تشم رائحة الخبز وتبتسم لأن تلك الرائحة التي عايروها بها كانت دليل شرفها الوحيد وأنها لم تعد مضطرة لأن تثبت انتماءها لأي دائرة سوى دائرتها هي.
وانتهت الحكاية كما يجب أن تنتهي لا بصوت عالٍ ولا بفضيحة مدوية بل بامرأة فهمت أخيرًا أن من لا يراك وأنت تبنيه لا يستحق أن يسكن ما بنيت.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق