القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل الثامن وستون 68 بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات  

 

رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل الثامن وستون 68 بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات  





رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل الثامن وستون 68 بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات  






 


٦٨ ~ ما دام تحب... بتنكر ليه ؟! ~




— إيه اللي بينك وبين بنت نادية الصواف يا حسن؟


رفع حسن عينيه إلى والده بملامح ثابتة، لا ضيق فيها ولا دهشة. لم يراوغ، ولم يحاول المراوغة. تنفّس بعمق، ثم قال بهدوءٍ صريح:

— بحبّها.


تجمّد سالم في مكانه، واتسعت عيناه صدمةً من جرأته، من اعترافٍ خرج واضحًا بلا تمهيد ولا مكر.


اشتدّ تصلّب ملامحه، وراح يكبح غضبه بصعوبة، قبل أن يسأل بنبرةٍ ثقيلة:

— بتحبّها؟


هزّ حسن رأسه بإصرارٍ لا لبس فيه:

— أيوه.


قال سالم بحدّةٍ مشوبة بالدهشة:

— كنت متوقّع تقول عاجباك… أو داخلة دماغك. إنما الرد ده؟ ما توقّعتوش أبدًا.


ابتسم حسن ابتسامةً تجمع بين التهكّم واللامبالاة، مسح طرف فمه بإبهامه، وقال بثبات:

— عاجباني وداخلة دماغي… وبحبّها.


ثم توقّف لحظة، كأنّه يزن الكلمة، قبل أن يضيف:

— وعايز أتجوّزها.


بدت الصدمة واضحة على وجه سالم، فاندفع يقول بحدّة:

— مستحيل! كلّه إلا بنت نادية.


ارتفعت نبرة حسن، وفيها شيء من الاحتجاج والغضب المكبوت:

— بنت نادية بنت نادية !! هي بنت نادية دي مش بنت زيّها زي أي حد في الدنيا؟


نظر إليه والده باستهجانٍ قاسٍ، وقال:

— ومن بين كل بنات الدنيا، ما لقيتش غير دي تحبّها؟


أجاب حسن بهدوءٍ عميق، كأنّه يحسم الأمر:

— أهو اللي حصل… من إمتى القلب عليه سلطان؟


— الكلام الخايب ده سيبه على جنب… بلا حب بلا زفت. في اعتبارات أهم بكتير من الحب.


تقدّم حسن خطوتين، وجلس قبالة والده، وقال بانفعالٍ مكبوت:

— زي إيه بقى الاعتبارات دي؟!


— العيلة، الأصل، الأخلاق، الطباع… دي حاجات لازم أي واحد يفكر فيها قبل ما يفكّر في الجواز.


اشتدّت ملامح حسن، وردّ بنبرةٍ حادّة:

— لو على العيلة، فمحدّش بيختار أهله. أيًّا كان أبوها وأمّها فيهم إيه، ده مش ذنبها.

أما الأخلاق، فأنا شايف إن أخلاقها زي الفل، يمكن لبسها مش عاجبني،  وبعض تصرّفاتها، بس دي البيئة اللي اتربّت ونشأت فيها.. يمكن لو كان ليها أمّ كويسة  وبتتّقي ربّنا، كانت وجّهتها للصح والغلط…


سأله سالم بصوتٍ متوتّر، كأنّه على حافة الانفجار:

— وانت ترضى بواحدة زي نادية تكون جدّة لولادك؟! ترضى عقربة زي دي تبقى أمّ مراتك؟!

إنت مغيّب؟! أنا حذّرتك ألف مرّة… وقلت لك جيلان دي مش سهلة، دي واخدة من أبوها وأمّها، ونابها أزرق! تقوم تقولي بحبّها وعايز أتجوّزها؟!


تنفّس حسن بضيق، ثم قال بهدوءٍ ثقيل:

— متقلقش… هي أصلًا مش هتوافق، حتى لو أنا طلبت إيدها.


ضحك سالم ضحكةً قصيرة ساخرة، وقال بازدراء:

— تبقى حمار.


رفع حسن حاجبيه دهشةً، فأكمل سالم بنبرةٍ قاطعة:

— حمار ومش فاهم حاجة. جيلان طمّاعة زي أمّها بالظبط… تبيع روحها لأي كلب علشان الفلوس.


تصلّبت ملامح حسن، واشتعل الغضب في عينيه. حاول أن يكبحه، لكنه انفلت منه، فهتف من بين أسنانه بقسوة:

— متقولش كده.


— لا، هقول وهقول… وهقول أكتر من كده كمان.. لازم أفوّقك، وأشيل الغشاوة اللي على عينيك..


نهض حسن فجأة، واتّجه نحو الباب عاقدًا العزم على الخروج، لكنّ صوت والده لحق به من الخلف، مشحونًا بانفعالٍ حادّ:

— مستحيل أسمح لك تتجوّز واحدة زي دي، حتى لو على جثّتي يا حسن!


التفت حسن إليه بعينين تشتعلان، وردّ بحدّةٍ لا تقلّ:

— لو جيلان وافقت… هتجوّزها واللي يحصل يحصل !


قالها سالم ببرودٍ قاسٍ كالسيف:

— لو عملت كده، تبقى بتعادي أبوك يا حسن. خليك عارف.


تجمّد حسن في مكانه، وارتسمت الصدمة واضحة على ملامحه، لم يستطع إخفاءها. لحظةٌ واحدة كانت كافية لينقلب فيها كلّ شيء، ثم استدار فجأة وغادر المكتب، وصفق الباب خلفه صفقةً مدوّية.


صعد إلى غرفته على الفور، وصدره يعجّ بنيرانٍ مستعرة. أسند يديه إلى خصره، وأخذ يذرع المكان ذهابًا وإيابًا، توترًا وغضبًا دفينًا يحرق أحشاءه، غضبًا لا يعرف له طريقًا إلى الخلاص.


وفجأة انفتح الباب على مصراعيه، ودخلت نادية دون استئذان. توقّفت قبالته، تحدق فيه بنظرةٍ متّقدة بالغضب، فقابلها بنظرةٍ لا تقلّ حدّة. وقال بخشونةٍ لاذعة:

— خير؟! هو الباب ده محطوط زينة ولا إيه؟! مش من الواجب تخبطي الأول؟! افرضي كنت قالع هدومي؟!


ازداد احتدام ملامحها، وتقدّمت بخطواتٍ ثابتة إلى الداخل، ثم أغلقت الباب خلفها بعنف. ظلّ يراقبها باستغرابٍ امتزج بابتسامةٍ ساخرة لم تُخفِ توتّره.


عندها نطقت بلهجةٍ قاطعة لا تحتمل التأويل:

— عايز إيه من بنتي يا حسن!


انفلتت من شفتيه ابتسامةٌ مريرة، لا تحمل سخرية بقدر ما تحمل إنهاكًا، ثم رفع عينيه إليها وقال بهدوءٍ بارد:

— كل خير…


ارتفع حاجبها بازدراءٍ واضح، وردّت بنبرةٍ مشبعة بالتهكّم: — انت مستحيل ييجي من وراك خير. أنا سمعت كلامك مع أبوك.. وسمعتك وانت بتقول له إنك عاوز تتجوزها..


أومأ وقال:

ـ طيب كويس إنك سمعتي.. وفرتي عليا كتير ..


ـ اسمع يا حسن، أنا فاهمة كويس أوي إنت عايز إيه. انت طمعان فيها وفي اللي ورثته من أبوها. عايز توهمها إنك بتحبها، بس هي مش ساذجة، جيلان ذكية وعاقلة، ووراها أم واعية، فاهمة مصلحتها، وعارفة كويس الألاعيب اللي بتحصل حواليها. ومستحيل أسمح لك توقّعها في الفخ ده أبدًا.



زفر حسن زفرةً ثقيلة، شعر معها بأن قوته تنسحب منه قطرةً قطرة، وبأنه لم يعد يملك طاقة حتى للغضب. قال بصوتٍ خافتٍ حاسم:

— اطلعي برّه.


لكنها لم تتحرّك. رفعت سبّابتها في وجهه، وعيناها تقدحان حقدًا دفينًا، وقالت بازدراءٍ فاضح:

— أوعى تفتكر لحظة إنها ممكن تغلط وتحب واحد زيك! إنت آخرك تتجوز واحدة من الحارة اللي كنت عايش فيها… أما جيلان؟ لا. جيلان هتتجوز اللي يليق بيها وبمستواها، واحد ابن ناس، متعلّم، مثقّف، ويشرّفها مش يعرّها .


ثم مسحته بنظرةٍ قاسية من أعلى لأسفل، وأضافت بسمٍّ صريح:

— إنما إنت… كبيرك تتجوز واحدة خدامة زي أمك.


تلبّدت ملامحه بمسحةٍ قاتمة من الغضب، ثم فجأة… انبثقت على شفتيه ابتسامةٌ غريبة، شرسة، أربكتها وأفزعتها، فاضطرت إلى التراجع خطوةً حذرة إلى الخلف.

أما هو، فأخذ يتقدّم نحوها ببطءٍ محسوب، يحدّق فيها بتلك الابتسامة التي تشبه ابتسامة المختل، وقال بصوتٍ منخفضٍ لاذع:

— فاكرة لما تقولي إن أمي كانت خدامة إنك كده بتقلّلي مني؟

على الأقل الخدامة دي كانت أشرف منك… وعمرها ما باعت نفسها لراجل علشان الفلوس.


توقّف لحظة، ثم أردف بنبرةٍ أشدّ قسوة وهو يثبّت نظره فيها:

— إنما إنتِ يا نادية هانم؟! اتجوزتي سالم مرسال ليه… وهو جوز صاحبتك؟ مش علشان الفلوس؟


وتابع: — ومن قبله… أهلك جوزوكي ليه من …


رفع إصبعيه فوق رأسه في حركةٍ ساخرة، كأنّه يرسم قرنين، وتابع:

ـ عبدالعزيز القرني؟ مش بردو علشان الفلوس؟!


امتقعت ملامحها، واشتعل الغضب والألم في عينيها، لكنه لم يمنحها فرصة لالتقاط أنفاسها، بل واصل بحدّةٍ جارحة:

— محروقة من عيشة وبتكرهيها ليه؟! حاطاها في دماغك ليه حتى بعد ما ماتت وشبعت موت؟

علشان عندك نقص عمرك ما عرفتي تعوضيه… علشان عارفة إنها ما كانتش زيك.

على الأقل ما كانتش بتصاحب الرجالة ومدوراها ولا مؤاخذة.


تراجعت خطوةً أخرى، وقد بدأ ظهرها يلامس الباب، بينما كان قد حاصرها تمامًا، يهتف بانفعالٍ محتدم:

— تعرفي؟ كلامك ده زوّد إصراري إني أتجوز جيلان.

عارفة ليه؟ علشان أنقذها من أم زيك… علشان متتلوّثش أكتر من كده.


صرخت بعنادٍ مذعور:

— مستحيل… نجوم السما أقرب لك من بنتي يا حسن!


ابتسم ابتسامةً باردة، وقال بنبرةٍ تحمل وعدًا لا تهديدًا: — هنشوف يا نادية… هانم.


فتح الباب على مصراعيه، فأسرعت تلوذ بالفرار، بينما أغلقه خلفها بعنفٍ مكتوم. لم يمهل نفسه لحظة؛ اتجه إلى الحمّام فورًا، كأنّه يهرب من ضجيج رأسه، وأدار الماء البارد لينهمر فوقه بلا رحمة. وقف تحت سيل الماء، يحدّث نفسه كمن يعلن قرارًا لا رجعة فيه.


طالما كان هو الرجل الذي لا يعبأ بتهديدات أحد، وطالما رغب في أمرٍ ما، فلن يثنيه عنه أحد. إذًا… لا بدّ أن يقطع الشكّ باليقين، أن يحسم أمره ويغلق هذا الباب الموارب إلى الأبد.


لن يستقيم كلّ هذا العبث إلا إذا واجهها مباشرة، وأفصح عمّا في قلبه صريحًا، بلا تزييف ولا مواربة. لن يترك مساحةً للتأويل من جديد، ولن يُلقي بالًا لتهديدات والده ولا لسمّ والدتها. سيذهب إليها، ويتحدّث معها بشكلٍ جميل؛ وللمرّة الأولى سيكون رجلًا متحضّرًا، واضحًا، شجاعًا.


إن قالت نعم… سيهبها قلبه كاملًا بين يديها، ولن يقدر أحد على ردعه عن الزواج بها.

وإن قالت لا… فسيُغلق ذلك الباب نهائيًا، دون أن يلتفت خلفه مرّة أخرى.

نقطة. ومن أوّل السطر.


༺═────────────────═༻


بعد تجربة الطيران الشراعي، شعرت نغم وكأنها قد تحررت أخيرًا من أثقال الماضي بكل ما حمله من خيبات وقيود. كان الهواء الذي عبر صدرها وهي معلّقة بين السماء والأرض أشبه بوعدٍ جديد، كأن شيئًا ما انكسر بداخلها ليُفسح المجال لحياة أوسع.


أما فريد، فكان اكتشافه أعمق مما تخيّل. لطالما ظنّ أن خوض مثل هذه التجارب مستحيل بالنسبة له؛ كان الماضي يُملي عليه خوفه، وتطارده وساوسه بأن كل ما هو جديد لا بد أن يحمل في طيّاته أخطارًا خفية. وبالنسبة لشخص أسير للأفكار الوسواسية، فإن المجهول عدوٌّ لا يُؤتمن، وملاذه الدائم هو التراجع لا الإقدام.



لكنه الآن يكتشف—بدهشة هادئة—أنه صار قادرًا على المغامرة دون أن يحسب خطواته ألف مرة. ربما فعل ذلك من أجل نفسه، وربما من أجل نغم؛ من أجل رغبة خفية في أن يعوّضها عن أحلامٍ مؤجلة لم تُنصفها الأيام، وأن يمنحها فرصة لتعيش ما حُرمت منه طويلًا.




كانت تلك التجربة كفيلة بأن تبعث فيهما طاقة جديدة، وحيوية لم يعرفاها من قبل، ورغبة صادقة في الانفتاح على الحياة بلا خوف ولا قيود.


بعدها، اتجها لتناول الغداء في مطعم يطل على جبل الأكروبوليس؛ في زيارتهما الثانية لذلك المكان، إذ رغبا معًا في استعادة لحظاتٍ مضت، وكأنهما يحاولان تثبيت هذا الشعور الجديد، وحفظه في الذاكرة كذكرى دافئة لا تُنسى.


جلسا إلى الطاولة القريبة من الشرفة الزجاجية، حيث يمتد جبل الأكروبوليس أمامهما في صمتٍ مهيب، كأنه شاهدٌ أبدي على كل ما يُولد ويموت من مشاعر. كانت الشمس تميل ببطء، ترسم ظلالًا ذهبية على الأحجار القديمة، وتغمر المكان بدفءٍ خاص لا يُشبه سواه.


انشغلت نغم بطبقها دون أن تأكل فعليًا، تحرّك شوكتها ببطء، وعيناها معلّقتان في نقطةٍ بعيدة.


كان الشرود يكسو ملامحها، لا حزنًا خالصًا ولا فرحًا مكتملًا، بل حالة بين هذا وذاك ، كأنها ما زالت تحلّق هناك في السماء، ولم تهبط بعد.


أما فريد، فكان صامتًا على غير عادته. لم يكن ينظر إلى الطعام، ولا إلى المكان، بل إليها هي. تأمّل ملامحها بهدوء، تلك السكينة التي استقرت على وجهها .

ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة فسألها:

ـ سرحانة في إيه يا نغومة ؟




رفعَت عينيها إليه ببطء، وكأنها تعود من مكان بعيد، التقت نظراتهما لثوانٍ صامتة، ثم تنفّست بعمق… قبل أن تجيب:

ـ بفكر في حالي..


ضيق ما بين حاجبيه بتعجب فأومأت وهي تنظر اليه بابتسامه خفيفه وتقول :

ـ بفكر كنت إيه قبل سنة، ودلوقتي إيه.. قبل سنة كنت فين و دلوقتي فين.. يعني لما بقعد مع نفسي كده وافتكر قبل سنه بالظبط وضعي كان عامل ازاي وكنت بمر بإيه.. وإزاي لا يمكن كان يجي على بالي أبدا إن بعد سنة واحدة هيحصل معايا كل ده.. مكنتش متخيلة ان كل الأحلام اللي حلمت بيها تبقى حقيقة بعد سنة واحدة.. مكنتش متخيلة إن حياتي هتتشقلب بالشكل ده واني هلاقي إنسان زيك..


إتسعت ابتسامته ومد يده ليمسك بيدها ثم ربت باليد الأخرى على كفها وقال مبتسما:

ـ مش انتي لوحدك اللي حالك اتشقلب على فكره.. انا كمان قبل سنة من دلوقتي مكنتش أتخيل إن كل ده هيحصل معايا..


ثم تنهد وقال:

ـ تعرفي؟ بالرغم من إن السنة دي حصل فيها حاجات كتير.. بعيدا عن إني عرفتك.. بس أقصد حياتي العملية اكتر شيء.. بالرغم من إن دي أكتر سنة حصل لي فيها إخفاقات ويعتبر فشلت فيها فشل ذريع لأني حتى لحد دلوقتي مش عارف أقف على رجليا من ثاني.. بس والله مش هكون ببالغ لو قلت لك إني في حياتي مكنتش حاسس بالراحه بالشكل ده..


نظرت إليه بتعجب فقال مبتسما :

ـ السنه دي بكل الأكشن اللي حصل فيها علمتني حاجات كتير.. وبعدين خلتني اكتشف حاجه مهمه جدا.. إن كل حياة الإنسان ما كان فيها تقلبات ده بيخليها ليها معنى.. لأنه أولا بيعلمه انه يقدر النعمه اللي في ايديه كويس جدا ويعرف قيمه الحاجه اللي بيملكها..


وتابع وهو ما زال ممسكًا بكفها، يمرّر إبهامه عليه في حركة لا إرادية، كأنه يطمئن نفسه قبل أن يطمئنها:

— ويعلّمه كمان ما يخافش من الوقوع… لأن الوقوع مش النهاية، ده مجرد مرحلة. يمكن أصعب مرحلة، بس مش الأخيرة.




ظلت نغم تنظر إليه في صمت، عيناها تلمعان بتأثر واضح، وكأن كلماته لامست شيئًا هشًا بداخلها كانت تخشى الاعتراف بوجوده. شعرت فجأة أن ما يقوله لا يخصه وحده… بل يخصها هي أيضًا.


ابتسمت ابتسامة صغيرة، دافئة، وقالت بصوت خافت:

— معاك حق .. زائد كمان إن كتر التجارب بيخلي الانسان ينشف ويخليه أكثر صلابة.. ويخلي خوفه من المستقبل يقل..


أومأ برأسه بإعجابٍ شديد، ولم يحاول إخفاء نظرة الدهشة الدافئة في عينيه، كان يستمع لها وهو يشعر بشيء يتبدّل داخله… شيء يشبه الطمأنينة. طريقة حديثها، ثقتها، هدوؤها المختلف؛ كل ذلك جعله يبتسم وكأنه يشاهد نُسخة جديدة من نغم تولد أمامه. نسخة أكثر فصاحة ومرونة، أكثر حضورًا.


تابعت بابتسامة خفيفة:

— كان في كتاب قريته أول مرة رحت فيها عندك البيت…


ثم توقفت لحظة، وضحكت بخفة قبل أن تُصحّح نفسها: — أقصد… بيتنا دلوقتي يعني.




هزّ رأسه مبتسمًا، ابتسامة لم تُخفِ سعادته بالكلمة ولا بما تحمله من دلالة، فواصلت:

— أنا مش فاكرة المقولة بالنص، بس معناها كان إن التعرّجات في مسار حياتنا أكبر دليل إننا لسه أحياء… وبنتغيّر وبنتطوّر، زي قلب المريض بالظبط.


سكتت لحظة، ثم أضافت بهدوء أعمق:

— إنما الخط المستقيم… يعني النهاية.


تأمّلها طويلًا، ثم أومأ وقال بنبرة فيها إعجاب صريح لا مواربة فيه:

— غريبة قوي إزاي الإنسان ممكن يفضل طول عمره فاكر إن الاستقرار هو الخط المستقيم، ويطلع في الآخر هو أكتر حاجة مخيفة.


مال قليلًا للأمام، وأسند ذراعيه على الطاولة، وقال وهو ينظر لعينيها مباشرة:

— يمكن علشان كده أنا حاسس دلوقتي إني عايش بجد .. يمكن لأن المطبات اللي حصلت على مدار السنة دي خلتني في حركة دايمة.. والأكيد أن السبب الحقيقي هو وجودك معايا..


وتابع تناول طعامه، وهي كذلك، قبل أن يسترسل بصوتٍ هادئ يشبه اعترافًا خرج دون ترتيب:

— قبل كده كانت كل حاجة في حياتي روتينية… الأيام شبه بعضها، بصحى كل يوم أكرر نفس اليوم اللي قبله من غير ما أحس بطعم أي حاجه بعملها..


تنفّس بعمق ثم ابتسم ابتسامة خفيفة:

— لكن دلوقتي… الحمد لله، كل يوم بقيت قادر أعمل حاجة مختلفة، وقادر أحس بطعم اللي بعمله وبطعم كل لحظة في يومي..


أومأت نغم بابتسامة قريبة من ابتسامته، لكن عينيها لم تخفيا ذلك القلق الذي تسلل فجأة، وقالت بصوتٍ منخفض لم تستطع منعه:

— طيب … وإيه اللي هيحصل بعد ما نرجع مصر؟


التقط فريد خوفها قبل كلماتها، ولاحظ أنها لم تمس طبق " الباستيتسيو " الموضوع أمامها، قطع قطعة صغيرة بعناية، ومدّ يده نحوها وهو يقول بنبرة طبيعية، كأنه يتحدث عن شيء بسيط:

— افتحي بؤك.


ابتسمت، ثم فعلت، فابتسم وهو يضع الطعام في فمها برفق، ويقول:

— متفكريش في بكرة وإنتي جعانة.


ثم قال بهدوءٍ محسوب، كأنه يرتّب المستقبل قطعة قطعة أمامها:

— بعد ما نرجع مصر إن شاء الله، هنحاول ننظم وقتنا ما بين الفيلا وبين البيت. مش هينفع نقعد في الفيلا بصفة دايمة، وفي نفس الوقت مش صح نقطع خالص… يعني نعمل توازن لحد ما نشوف الأمور هترسي على إيه. ده أولًا.


توقّف لحظة يراقب ملامحها، ثم أكمل بنبرة أكثر جدية، لكنها لم تخلُ من الحنان:

— ثانيًا بقى… وده الأهم، لازم تكمّلي دراستك.


رفع حاجبه قليلًا وأضاف:

— إحنا فعلًا كنا قدمنا قبل كده، بس اللخبطة اللي حصلت عطلت كل حاجة. لكن مفيش مشكلة، نبدأ من جديد. ومع الدراسة، هيبقى في كورسات مكثفة… وطبعًا، لو في وقت إلى جانب الدراسة والكورسات… لازم تتعلمي السواقة.


اتسعت ابتسامتها بحماس واضح، وهزّت رأسها عدة مرات موافقة، فابتسم وهو يراقب رد فعلها، ثم أكمل:

— ده بالنسبة ليكي


سكت لحظة، ثم قال وهو يتنفس بعمق:

— أمّا بقى بالنسبة لي أنا… فبعد ما حفلة الدار تخلص على خير، عندي خطط كتير شغال عليها. المفروض إني هأسّس شركة في مصر.


تنهد تنهيدة مثقلة، كأنها تحمل ثِقل سنوات كاملة، وقال بصراحة:

— مش عارف التفاصيل هتمشي إزاي بالظبط، ومش عايز أجهد نفسي في التفكير. بس اللي متأكد منه إني لازم أبدأ من تاني. أينعم اللي خسرته مش شوية، بس ربنا كريم… ويمكن اللي حصل كله خير، علشان المرة دي أبقى حريص أكتر، وأعرف أختار صح. محدش عارف الخير فين.


قالتها بهدوءٍ صادق:

— معاك حق.


ابتسم، ثم أردف بنبرة أخفّ :

— أمّا بقى بالنسبة للفيلا، والعيلة الكريمة، ومغامراتهم وحكاياتهم… فالحقيقة مش بحاول أفكر، ومش عايز. معنديش أي استعداد أتنكّد اليومين دول خالص. كده كده النكد جاي… أنا واثق.


انفلتت ضحكتها دون إرادة، فضحك هو بيأسٍ خفيف، ثم قال وهو يكمل طعامه:

— يلا، خلّينا نخلص الغدا… علشان في مفاجأة حلوة جدًا هتعجبك.


رفعت حاجبها بمكر وقالت:

— مممم… يظهر إن صندوق المفاجآت لسه مخلصش.


هزّ رأسه وهو يرسل لها غمزة مشاكسة، وقال بثقة:

ـ لسه.. ياما في الجراب يا حاوي .


وبعد أن أنهيا طعامهما وغادرا المطعم، تفاجئت نغم بفريد وقد اصطحبها إلى فندقKing George Palace  حيث قام بحجز جناح ملكي لهما ليقضيا فيه بقية يومهما .


دخلت نغم إلى الغرفة، فاتسعت عيناها بانبهارٍ صادق، وتوقفت خطواتها للحظة تتأملها بإعجاب شديد.


كانت الغرفة ملكية بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ سقف مرتفع تتدلّى منه ثريّا كريستالية تعكس ضوءًا دافئًا ناعمًا، وجدران بلون عاجي تتخللها لمسات ذهبية رقيقة تمنح المكان فخامة بلا تكلف.


يتوسط الغرفة سرير واسع، مفروش بملاءات بيضاء ناصعة، تتدرج فوقها وسائد بأقمشة حريرية وأخرى مخملية، منسّقة بعناية توحي بذوقٍ هادئٍ وراقي. عند جانبيه طاولتان صغيرتان من الخشب المصقول، تعلو كلًّا منهما مصابيح كلاسيكية تبعث ضوءًا خافتًا مريحًا للعين. وعلى مقربة، جلس ركن جلوس أنيق؛ أريكة وثيرة بلون هادئ، وطاولة مستديرة فوقها مزهرية زجاجية تضم زهورًا طبيعية، تفوح منها رائحة خفيفة تزيد المكان دفئًا وحميمية.


وبينما كانت لا تزال تتأمل المشهد بدهشة، شعرت بيده تحتضن يدها برفق. التفتت إليه، فابتسم ابتسامة خفية وقال دون أن ينطق بشيء، ثم قادها بخطوات هادئة نحو باب زجاجي واسع في أحد أركان الغرفة.


مدّ يده وفتحه…

فتفاجأت نغم بمشهدٍ خطف أنفاسها.


مسبح خاص يمتد أمامها، تحيط به أرضية أنيقة من الرخام، تنعكس فوق مياهه إضاءة ناعمة تجعل سطحه يلمع كمرآة صافية. إلى جواره جاكوزي دائري، يتصاعد منه بخار خفيف، كدعوةٍ مفتوحة للاسترخاء والانسحاب من العالم كله. كان المكان معزولًا، هادئًا، لا يسمع فيه سوى خرير الماء ونسيمٍ عليل يمرّ بخفة.



شدّت على يده دون أن تشعر، وابتسمت بدهشة امتزجت بالفرح؛ فابتسم وهو ينظر إليها، وكأنه كان ينتظر تلك اللحظة تحديدًا، وقال بهدوءٍ واطمئنان:

ـ إيه رأيك ؟


ابتسمت له ابتسامةً واسعة، ثم اقتربت منه وطوّقت عنقه بذراعيها، وظلّت تتأمّل ملامحه بنظرةٍ دافئة لا تخلو من جرأةٍ هادئة. وفجأةً مالت نحوه، وبادرت بقبلةٍ عميقة تحرّرت فيها من خجلها تمامًا. قابلها بتجاوبٍ صادق، مكمّلًا تلك اللحظة بما ينقصها من احتواء، ثم ابتعد قليلًا ينظر إليها، وضحك بخفة وهو يقول:

— أنا شايف إنك تكملي تدريب، لأن في تقدم ملحوظ.


ضحكت مثله، وقبل أن تخبو ضحكتها كان قد حملها بين ذراعيه، وهما لا يزالان يتبادلان القُبل كأنها المصدر الأول للحياة. سار بها نحو السرير، وتوقّف لحظة يتطلّع إليه، محاولًا السيطرة على وساوسه القديمة التي تعيقه عن الانسياق الكامل لتلك اللحظة.


التقطت حيرته من عينيه، فابتسمت مطمئنة، وقالت بنبرةٍ مرحة تخفّف ثقل تردّده:

— متقلقش، أكيد الاوضة معقمة ألف مرة، ماهو أكيد حاجة زي دي مش هتفوتك وانت بتحجز يعني ..


نظر إليها مبتسمًا، ورفع حاجبه بمرحٍ خفيف وهو يقول:

— مش كده ؟


أومأت بتأكيد، فهزّ رأسه موافقًا، ثم أنزلها برفقٍ على السرير. وفي هدوءٍ حميم، أخذا يتحرّران معًا من كل ما يعوق اكتمال تلك اللحظة؛ كأنهما يزيحان عن روحيهما أعباء الماضي، ليمنحا الذاكرة مشهدًا يستحق الخلود.


ثم، وكأن اتفاقًا صامتًا قد انعقد بينهما، اتجها معًا إلى الخارج حيث المسبح المغلق. تبادلا نظراتٍ يعرفان معناها جيدًا؛ نظراتٍ مثقلة بالشوق، متّقدة برغبةٍ لا يخبو وهجها في حضرة عشقٍ كامل.


بعدها، حملها بين ذراعيه، ومضى بها نحو الماء بخطواتٍ واثقة، ثم أنزلها بهدوء .


كانت تقف في الماء وقد بلغها إلى ما دون كتفيها، تتشبّث بحافته في البداية، بينما وقف أمامها بثباتٍ هادئ، يبتسم لها وهو يمسك كفّيها برفق، ويجعلها تفلت الحافة خطوةً خطوة، يعلّمها كيف توزّع جسدها على الماء، كيف تثق في نفسها، وكيف تترك كتفيها يسترخيان بدل أن يتصلّبا.


كان يشرح لها كيفية التنفّس بإتقان:

ـ خدي نفس عميق... تمام... بعده زفير طويل.


حاولت أن تتبع خطواته ورتجفت قليلًا، فلاحظ توترها، واقترب منها أكثر حتى صار حضوره كأنه جدار أمان يحيط بها. 


عندما بدأت محاولة الطفو وترددت، وضع يده خلف ظهرها بحذر، وقال:

ـ ما تقلقيش وأنا معاكي... سيبي نفسك والميا هترفعك.


نجحت أخيرًا، حتى وإن كان ذلك للحظات قصيرة، إذ غاص جسدها بالكامل تحت الماء، فاندفعت تلتقط أنفاسها بشدة بينما هو انفجر بالضحك. نظرت إليه بانزعاج، لكنه سرعان ما احتضنها وهو يقبّل جبينها ثم شفتيها وقال بابتسامة دافئة:

ـ أهو انتي اللي ينطبق عليكي المثل : بتغرقي في شبر ميا .



ابتسمت هي بدورها، بينما هو وقف أمامها وهو يعلّمها التنسيق بين الذراعين والساقين برفق.


وبين اللحظة والأخرى يفاجئها بقبلة سريعة على وجنتها يقللّ معها خوفها تدريجيًا، ويحلّ مكانه دفء جميل.


بمرور الوقت، بدأت تتحرك في الماء بثبات متزايد، تكتسب ثقة مع كل خطوة. أما هو، فقد أخذ يتراجع قليلاً إلى الخلف، يمنحها المساحة التي تحتاجها لتثبت قدرتها وتكتشف قوتها. شعرت بنبض قلبها يتناغم مع إيقاع الماء من حولها، وكأنها أصبحت جزءًا منه.


أحاطها بهدوء، عانقها ورفعها عن الماء، بينما نظراته وملامحه الدافئة تعكس عشقًا دفينًا، استسلمت للحظة، متشابكة بنظراتها معه، وكأن العالم حولهما قد تلاشى، ليبقى الماء الذي يغمرهما شاهداً على احتياجٍ جامح يجتاز كل الحدود .


༺═────────────────═༻


كانت الكلمات تتزاحم في صدرها، خانقةً أنفاسها، كأنها تبحث عن مخرجٍ منذ زمن. عيناها المبتلّتان فضحتا ما حاولت إخفاءه طويلاً، بدأت تتكلم، لم تكن تشكو بقدر ما كانت تعترف :

ـ محدش هيفهمني غيرك.. أنا بس كنت مستنية منه اعتراف واحد.. ما هو أنا مش غبيه.. أنا عارفة انه بيحبني.. ومتأكدة من إحساسي ده. هو اللي غبي ومش فاهم نفسه..


مسحت دموعها وقبضت على خصلاتها بانهيار ثم عادت تنظر إليها من جديد وهي تتابع:

ـ هو لحد دلوقتي مش قادر يعرف إن اللي جواه ده حب. وبصراحه مش قادرة أفهم هو هيقدر يفهم إحساسه ده امتى.. بس أنا خلاص استنفذت كل المحاولات وحاولت أخليه يعترف بكل الطرق.. خلاص مش هقدر اعمل حاجه تاني. مهو مش معقول أنا اللي هبادر، مش معقول أنا اللي هفهمه أنه بيحبني… ومستحيل مستحيل أبدأ، لا يمكن أغلط الغلطه دي تاني.  أنا مش رخيصة علشان أتصرف بالطريقه دي. إذا مكانش هو هيعرف أنه بيحبني وهيجي يعترف لي يبقى خلاص لازم أشيله من حساباتي تماما وأنساه .


ثم ارتخى كتفيها بانهزام، و أسقطت رأسها بين يديها وهي تقول باستسلام:

ـ بس أنا مش هقدر أنساه .. ومش عاوزه أنساه.. أنا بحبه .


صمتت قليلا، ثم رفعت رأسها من جديد، ونظرت إلى تلك الجالسة أمامها تسمعها بصمت رحب، وقالت بتحد واعتزاز:

ـ بس مهما كنت بحبه، مش هينفع أحبه أكتر من نفسي، مش هينفع أبان ضعيفة ولا مهزومة بالشكل ده ..


سكن صوتها في النهاية، وكأنها أفرغت آخر ما تبقى من طاقتها. لم تكن واثقة أنها قادرة على النسيان، لكنها كانت متيقنة من أمرٍ واحد: أنها لن تسمح لنفسها أن تُهان مرة أخرى تحت مسمّى الانتظار. في تلك اللحظة، لم تشعر بالقوة… لكنها شعرت بأنها استردّت شيئًا من كرامتها، وهذا وحده كان كافيًا لتنهض، ولو متعبة، خطوةً بعيدًا عنه.


كانت تشعر بالضيق، بل بالقرف من نفسها.

كيف وصلت إلى هذا الضعف؟

هي التي طالما آمنت أنها أقوى من الحب، وأنها لن تسمح له يومًا أن يمسك بزمامها أو يعبث بتوازنها.


لم تكن تعلم أن آخر إنسان يمكن أن يخطر ببالها، آخر من يمكن أن تسمح لقلبها أن يقترب منه، سيكون هو بالذات من يسقطها بهذه القسوة.

حسن… كان بالنسبة لها استحالة خالصة، طريقان لا يمكن أن يلتقيا، عالمين متوازيين لا نقطة تماس بينهما.


والآن؟

تعترف بلا مراوغة، بلا مقاومة.

تعترف أنها واقعة في عشقه بكل كيانها، سقوطًا موجعًا، صادقًا، لا مهرب منه.


لأول مرة تشعر جيلان بالحاجة…

حاجة حقيقية، عارية، مُربِكة.

تحتاجه هو، تحتاج صوته، وجوده، اعترافه.

تحتاج أن يقول إنه يحبها.


ولن تُنكر بعد الآن.

لم تعد تلك المرأة التي تكتفي بنفسها وحدها.

هي تحتاج إلى الحب…

وبشدة.


لكن، وبرغم حاجتها العميقة إلى الحب، لن تسمح له أن يذلّها أكثر من ذلك.

لن تمنحه فرصة إضافية ليكسرها أو ينتقص من كرامتها.


ستحاول النهوض من تحت أنقاض ذلك الحب العقيم، حب لم يمنحها سوى الخسارة، وستعود أقوى وأصلب مما كانت.

ستثبت له أنه لا يستحق امرأة بهذه القوة ولا بهذا الجلد، امرأة قادرة على الصمود حين ينهار غيرها.


وقبل كل شيء، ستثبت لنفسها…

أنها لم تفقد ذاتها، ولم تفرّط في كبريائها،

وأن ما انكسر فيها كان شعورًا عابرًا .


ابتسمت ابتسامة مهزوزة وهي تنظر في المرآة، ابتسامة لا تحمل فرحًا ولا رضا، بل محاولة أخيرة للتماسك.


رفعت يدها تمسح أثر الدموع العالقة على وجنتيها، ثم تنفست بعمق، كأنها تجمع شتات نفسها قبل أن تنهار من جديد.


ساد الصمت الغرفة…

لا صوت، لا إجابة، لا أحد يواسيها أو يعارضها.


فقط انعكاسها يقف قبالتها، بعينين متعبتين ووجه شاحب، يحدّق بها كما لو كان غريبًا عنها.

لحظتها أدركت الحقيقة كاملة…


أنها لم تكن تحكي لأحد،

لم تكن تستجدي فهمًا من صديقة،

ولا تطلب احتواءً من رفيقة..


كانت تخاطب نفسها طوال الوقت.

تواجه صورتها العارية من الأقنعة،

وتصارحها بما لم تجرؤ يومًا على الاعتراف به بصوتٍ مسموع.


أخفضت بصرها عن المرآة أخيرًا،

كأنها تخشى أن تسمع ردًّا…

ردًّا تعرفه جيدًا،

ولا تملك له مهربًا.


تقدّمت نحو خزانتها بخطوات بطيئة، كأنها تمنح نفسها مهلة أخيرة قبل أن تتخذ القرار. فتحت الأبواب على اتساعها، فانكشفت أمامها صفوف الثياب المعلّقة بعناية، مدّت يدها تتلمّس الثياب واحدًا تلو الآخر، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة وهي تسحب ثوبًا داكن اللون، بسيطًا في قصّته، جريئًا في حضوره، أنيقًا بلا تكلّف.

ثوب يشبه تمامًا ما تريده الليلة.


تنفّست بعمق، ثم بدأت تبدل ملابسها بذلك الفستان النبيذي القصير، ومن ثم وقفت أمام المرآة مرة أخرى وبدأت تستعد..




تأمّلت انعكاسها في صمت، ذلك الصمت الذي سرعان ما انشقّ عن ذكرى قريبة…

صوت حسن في الصباح، نبرته المستفزّة، كلماته التي ألقاها باستخفاف:

«هو إنتِ ما بصيتيش لنفسك في المراية؟»


ارتسمت ابتسامة جانبية على شفتيها، ابتسامة تعرف سرّها وحدها.

لو كان يعلم…

لو كان يدرك أنها نظرت ونظرت جيدًا.

أنها تعمّدت، وارتدت ما ارتدته عن قصد، لا لتُغري أحدًا، بل لتوقظه هو، لتنتزع انتباهه عن عناده، لتقول له دون كلمات: أنا هنا… فهل تراني؟


عادت تنظر إلى نفسها الآن، بعين مختلفة.

رفعت ذقنها قليلًا، واستقرت نظرتها بثبات.

رأت امرأة جميلة… وذكية.

لأنها عرفت أخيرًا أن جمالها لا يحتاج شاهدًا،

وأن ذكاءها الحقيقي كان في هذه اللحظة بالذات:

لحظة اختارت فيها نفسها.


وضعت لمسات جريئة من مساحيق التجميل، فرسمت عينيها بحيث أبرزت لونهما الساحر، وصبغت شفتيها الألقتين بأحمر شفاه بلون النبيذ القانِ.


انتعلت حذائها ذو الكعب العال، ثم التقطت حقيبتها وغادرت منزلها، غادرت لتغيب قليلًا عن الضغوط،

عن الخيبات، عن الأسئلة التي لا إجابة لها.


استقلت سيارتها وقد حسمت أمرها.

الليلة ليست للذكريات،

ولا للمواجهات،

ولا للحسابات المؤجلة.


الليلة لها.. لامرأة قرّرت أن تمنح نفسها هدنة، ولو لساعات.


༺═────────────

لم تكن تعلم أنه كان يقف على مسافة غير بعيدة، متكئًا على سيارته، ينظر إلى الفراغ أكثر مما ينظر إلى الطريق. كان قد خرج بلا هدف واضح، بلا قرار حاسم، لا يعرف لماذا أتى، ولا ماذا يريد منها تحديدًا. تردّد كثيرًا…

هل يقترب؟

هل يتحدث؟

هل يقول شيئًا ينهي هذا العبث؟


كلما استحضر كلمات والده ووالدته، شعر بأن الجرأة لم تكن في متناوله ليصارحها. كان داخله يقنعه بأن النتيجة محسومة مسبقًا، فلا يعقل أن يُخطئ نظر والديه بينما هو يظن العكس. لا شك في أنهما على حق، وأنها سترفض مشاعره. ربما ما يقرأه في عينيها ليس سوى وهم نسجه هو وتمنى أن يكون حقيقة.


وفي النهاية، كما في كل مرة، شعر أنه جبان.

أدار ظهره للفكرة، أقسم في سرّه أن يرحل، أن يترك الأمور تمضي كما شاءت، وأن يكفّ عن مطاردة ما لا يملك الشجاعة للاعتراف به.


لكنّه توقّف.


توقّف حين رآها تخرج في تلك الساعة، بذلك الثوب، بذلك الحضور الصادم الذي لا يطلب الانتباه لكنه ينتزعه انتزاعًا. شيء ما انقبض في صدره، شيء بين الغيرة والذعر والدهشة. لم يكن ثوبها القصير وحده ما أربكه، بل الفكرة نفسها…

إلى أين تذهب؟

ولماذا الآن؟

ولماذا تبدو وكأنها ماضية دون أن تنظر خلفها؟


شاهدها تستقر في سيارتها، ثم تنطلق مبتعدة، ومع ابتعادها شعر بأن الأرض تُسحب من تحت قدميه.

لم يفكّر طويلًا هذه المرة.

لم يُحلّل.. لم يُجادل نفسه.



تحرّك غريزيًا.

استقل سيارته، وأدار المحرّك، ثم انطلق خلفها، محافظًا على مسافة مدروسة بينهما، لا هي قريبة لتكشفه، ولا بعيدة لتُفقده أثرها.


وبعد نصف ساعة تقريبا رآها تهديء من سرعة سيارتها، ثم توقفت.


شعر بالصدمة تتفجّر في صدره لحظة توقّفت سيارتها أمام ذلك المكان.


ملهى ليلي… !!!!


نعم، هو يعرفه جيدًا، يعرف اسمه وسمعته، يعرف كيف يُتداول بين الناس بوصفه ملتقى النخبة وصفوة المجتمع، حيث لا تطأ عتبته سوى أسماء لامعة من كبار رجال الأعمال وسيدات المجتمع الراقي. مكان مغلق على طبقته، محصَّن بعضوية، مكسوّ بالفخامة والخصوصية…

ومع ذلك، يظل في النهاية ملهى ليلي.


ترجّلت من سيارتها بثبات لافت، كأنها تعرف طريقها جيدًا، وكأنها اعتادت هذا العالم، ثم اتجهت إلى الداخل دون أن تلتفت، تاركة خلفها أسئلة تتكاثر في رأسه كالعاصفة.


نزل هو الآخر من سيارته، لكن قدميه ظلّتا مغروستين في الأرض. وقف يحدّق في أثرها، في الباب الذي ابتلعها، والغضب يعصف به حتى كاد يتسرّب من عينيه. شعور خانق بالانفعال اجتاحه، مزيج من الغيرة والذهول والاختناق، دون أن يفهم تمامًا أيّهم كان الأشد.


كيف وصلت إلى هنا؟

ولماذا اختارت هذا المكان تحديدًا؟

وماذا تظنّ نفسها فاعلة؟


مرّر يده في شعره بعصبية، وعيناه لا تزالان معلّقتين بالمدخل، قبل أن يصطدم بسؤال أكثر قسوة:

كيف سيدخل؟

وبأي صفة؟


كان يعلم يقينًا أن هذا المكان لا يُفتح لكل عابر، وأن الدخول إليه ليس قرارًا لحظيًا، بل امتيازًا محكومًا ببطاقة عضوية، وباسم، وبموقع اجتماعي لا يُشكّك فيه.. وهو.. لا يبدو عليه أيًا من ذلك.


ازداد غضبه.من عجزه المفاجئ. لأول مرة شعر أن المسافة بينه وبينها ليست خطوات، بل عالمًا كاملًا يفصل بينهما. ومع ذلك، ظل واقفًا، متسمّرًا في مكانه.


لم يكن مستعدًا للتراجع، حتى وإن تطلّب الأمر أن يفعل أي شيء. كان عليه أن يدخل خلفها، أن يلحق بها، وأن ينتشلها من ذلك المستنقع الذي لا يليق بها على الإطلاق.

تقدّم بخطوات ثابتة نحو بوابة الملهى، لكن رجال الأمن اعترضوا طريقه؛ أجسادهم الضخمة وسحناتهم الصارمة أوحت له بأن المرور ليس بالأمر الهيّن.


وتساءل أحدهم بنبرة رسمية حازمة:

ـ حضرتك مين؟


توقّف حسن في مكانه، وحدّق في الرجل محاولًا أن يستدعي هدوءه وصبره، وأن يفكّر باتزان رغم العاصفة التي تعصف داخله. في تلك اللحظة، اتخذ قرارًا لم يكن يرغب فيه، لكنه أدرك أنه قد يكون طوق نجاته الوحيد.

أخرج هويته ببطء، ورفعها أمام وجه رجل الأمن قائلًا بثبات مصطنع:

ـ حسن سالم مرسال.


تبادل الحارسان النظرات بينهما في صمتٍ قصير، وكأنهما يراجعان الاسم في ذاكرتيهما، قبل أن يضيف حسن بنبرة لم تخلُ من تردّدٍ خفي:

ـ أيوه… أخويا فريد مرسال، رجل الأعمال المشهور… ممكن أدخل بقى؟


وبما أن المكان يُعدّ ملتقى للنخبة وصفوة المجتمع، كان اسم فريد بمثابة بطاقة عبور لا تُرفض. ومع ذلك، تسلّل إلى صدر حسن شعور خانق بالضيق من نفسه؛ إذ استخدم اسم أخيه في أمرٍ رآه مخزيًا، حتى وإن كان يبرّره في داخله بالضرورة.


أفسح الحارسان الطريق، فانفتح الباب أمامه على مصراعيه، ودخل بخطوات واثقة، وإن كان في داخله يدرك تمام الإدراك طبيعة هذه الأمكنة وأجواءها.

انسابت عيناه في أرجاء المكان، تلتقط التفاصيل بوعيٍ حذر؛ أضواء خافتة متداخلة، موسيقى صاخبة تخترق السمع، وحشود تتمايل بلا نظام، كلٌّ غارق في عالمه، لا يُعرَف من مع مَن، ولا من يتبع مَن.


وفي قلب هذا المشهد الفوضوي، لمحها.

كانت تجلس على مقعدٍ طويل أمام البار، ثابتة في موضعها على النقيض من الصخب المحيط بها، بينما من حولها تتشابك الأجساد في رقصٍ ماجن، وتتعالى الضحكات المختلطة بالإفراط والعبث.

كان الجو مشبعًا بالفجور، مثقلًا بالانحلال، وكأن المكان بأكمله مساحة واحدة لانفلات القيم وتلاشي الحدود.


اشتعل الغضب في داخله ما إن وقعت عيناه عليها في ذلك المكان، مكانٌ يدرك يقينًا أنه لا يشبهها ولا يليق بها.

صحيحٌ أنها جريئة إلى حدٍّ ما، لكنها ـ في جوهرها ـ لا تنتمي إلى هذا العالم الفاجر، ولا تنسجم روحها مع هذا القدر من الانفلات والابتذال.


هم أن يتقدّم نحوها بهدوءٍ محسوب، ولكنه توقف فجأة عندما رأى رجل فارع الطول، يقترب منها ويقف إلى جوارها حد الالتصاق، ينظر إليها بنظرات لم تخف على حسن الذي صك أسنانه بغضب وهو يتقدم نحوهما بخطواته ثابتة تخفي عاصفةً تضطرم في صدره.


حين وصل إليها كان الشاب قد انصرف، فتنهد وهو ينظر إليها عن قرب وإلى ذلك الضيق الذي يعتري ملامحها.


وقف خلفها مباشرة، فلمح الشاب العامل خلف البار وهو يفرغ لها كأسًا من الكحول. امتدت يد جيلان لتلتقط الكأس، لكن قبل أن ترفعه، باغتها حسن بوضع كفه فوقه، مانعًا إياها من التقاطه.

التفتت إليه بحدّة، وقد انعكس الغضب في عينيها، لكن ما إن التقت نظراتها به، حتى تجمّدت ملامحها.


كان يقف خلفها كالجدار الصلب، ثابتًا لا يتزحزح. أغمضت عينيها بيأسٍ ثقيل، غير مصدّقة أنه حقًا قد لحق بها إلى هنا.


ظلّ صامتًا لثوانٍ، يحاول جاهدًا أن يُخمد النيران المتأججة في صدره، خشية أن يحرق المكان بمن فيه. ثم همس بصوتٍ خفيض، لكنه كان حادًا بما يكفي ليصل إلى مسامعها:

— يلا… علشان نمشي من هنا.


تنهدت تنهيدةً ثقيلة، وكأنها تُفرغ صدرها من كل ما تراكم داخله، ثم قالت بفتورٍ مُتعمّد:

— جاي ورايا ليه يا حسن؟



نطق اسمها هذه المرة بنبرةٍ أشدّ صرامة، وقد بدأ صبره ينفد:

— خلّينا نمشي من هنا الأول، وبعدين نتكلم.


هزّت رأسها برفضٍ قاطع، وقالت بعنادٍ جارح:

— مش همشي… اتفضل إنت امشي. ويا ريت بلاش تورّيني وشّك تاني.


اشتعل الغضب في عينيه، وفي لحظةٍ فقد فيها السيطرة، قبض على ذراعها محاولًا أن يُجبرها على النهوض. لكنها باغتته، فنزعت ذراعها من قبضته بعنف، وهتفت بصوتٍ غاضب دوّى في المكان، فالتفتت إليهما كلّ الأنظار:

— إيه اللي إنت بتعمله ده؟! هو إنت مفيش فايدة فيك أبدًا!


ساد صمتٌ ثقيل، وفجأة تسلّطت العيون كلها عليهما. وفي تلك اللحظة، تقدّم نحوهما نفس الشابٌ فارع الطول، ملامحه تنطق بالأرستقراطية والرخاء. اقترب من جيلان بخطواتٍ واثقة، ونظر إليها باهتمامٍ واضح، قبل أن يسأل بنبرةٍ هادئة تحمل شيئًا من القلق:

— في حاجة يا جيجي؟


رفعت جيلان كفها في إشارةٍ مقتضبة توحي بأن الأمر لا يستدعي تضخيماً، ثم التفتت إلى حسن، واستعطفتْه بنبرةٍ هادئة خافتة:

ـ من فضلك يا حسن… امشِي، أرجوك.


لكن صوته جاء هذه المرة مرتفعًا، مشحونًا بعنادٍ غاضب:

ـ مش همشي من غيرك!


عندها تقدّم الشاب الأرستقراطي خطوة أخرى، ووقف قبالة حسن مباشرة، وصاح بحدةٍ مستفزة:

ـ في إيه يا بايخ إنت؟! هي مش قالت لك امشي من هنا؟ ولا إنت ما بتفهمش ومحتاج نفهمك بالعافية؟!


في تلك اللحظة انكمشت ملامح جيلان خوفًا، وراحت عيناها تتنقلان بين ذلك المتطفل اللزج وبين حسن، الذي تبدلت ملامحه كليًا، كأن رجلاً آخر قد خرج من أعماقه؛ رجل أكثر قسوة ووحشية. هبطت سريعًا عن الكرسي واندفعت تقف بينهما، مائلة بجسدها نحو حسن في محاولة يائسة لردعه ومنعه من الهجوم… لكنها كانت قد تأخرت.


فقد انفلت حسن من كل قيد، وتقدم بخطوة حاسمة نحو الرجل، ومن دون أي مقدمات، قبض على ياقة قميصه بعنف وهو يقول…

ـ إنت بتكلمني أنا كده ؟!


وفجأةً اندفع حسن ونطحه برأسه بقوةٍ أفقدته توازنه، فترنّح الآخر متعثرًا وكاد يهوي أرضًا. لم يمنحه حسن فرصة ليلتقط أنفاسه؛ انحنى عليه وسدّد له لكمةً عنيفة، تلتها أخرى أكثر وحشية، فانفجرت الدماء من أنف الرجل.

وفي اللحظة التي ارتفعت فيها يد حسن للمرة الثالثة، توقفت في الهواء.


حيث أن جسدان ضخمان تحرّكا بسرعة خاطفة نحوهما…


الحارسان الشخصيان له..

أحكم كلٌّ منهما قبضته على حسن، حتى شُلّت حركته تمامًا.


نهض ذلك الأرستقراطي المترف ببطء، وبدا في عينيه حقدٌ بارد، ثم انهال على حسن بوابلٍ من اللكمات والضربات القاسية.


كان حسن يزمجر بجنون، كوحشٍ كاسرٍ مُقيَّد، يحاول الفكاك من بين قبضتيهما، لكن الجسدين الضخمين كبّلاه بإحكام، ولم يتركا له سوى الغضب والعجز.



«سيبه يا نائل!»

انفلت النداء من فم جيلان مذعورًا، وعيناها متسعتان على اتساعهما بخوف شديد وهي تحاول بكل ما أوتيت من رجاء أن تثني ذلك المدعو نائل عن مواصلة اعتدائه الوحشي على حسن الذي أخذت الدماء تسيل من فمه وأنفه، وهو لا يزال يصارع بجنون ليحرر جسده من قبضة الحارسين، بينما نائل ينهال عليه بالضربات بحقدٍ أعمى، كأنما يفرغ فيه غضبًا دفينًا لا يعرف الرحمة.


وأمام هذا المشهد المفزع، وجدت جيلان نفسها مدفوعة إلى الأمام دون وعي. تقدمت فجأة، ووقفت أمام حسن، تحجب جسده بجسدها، وتفرض نفسها حاجزًا بشريًا في مواجهة اعتداء نائل .


صرخ حسن بها بصوتٍ متفجر من الألم والهلع:

ـ ابعدي يا جيلان!


لكنها لم تستجب.

ثبتت في مكانها كحصنٍ منيع، وصدرها يعلو ويهبط بعنف، وقد اجتاحها فزع لم تختبره في حياتها من قبل، فزع جعل أطرافها ترتجف لكنها لم تتراجع خطوة واحدة.


أمام هذا الإصرار، اضطر نائل، رغم غضبه المستعر، إلى التوقف. اكتفى بنظرة قاسية ألقاها على الحارسين، ففهما الإشارة على الفور، وسحبا حسن بعنف، ثم ألقياه خارج المكان، تاركين خلفهما صدى الفوضى وأنفاس جيلان المرتجفة معلقة في الهواء.


التقطت جيلان حقيبتها على عجل، وانطلقت نحو الخارج، وقد ارتسم الهلع واضحًا على ملامحها، كأن الخوف صار ضمن ملامح وجهها لا يفارقها. هرولت لتلحق بحسن، الذي خذلته قدماه فلم تسعفاه على الثبات، فترنّح كمن أوشك على السقوط.


اقتربت منه دون تردد، وتشبتت به بكلتا يديها، مانعة جسده المنهك من الانهيار مرة أخرى. أسندت ذراعه فوق كتفيها، وأحكمت قبضتها حول خصره لتدعمه، وهي تقوده بصعوبة نحو السيارة وسط نظرات متفرقة وضجيج خافت تلاشى خلفهما شيئًا فشيئًا.


وحين وصلا إلى سيارتها، ساعدته على الجلوس بصبرٍ مضنٍ، ثم دارت حول السيارة مسرعة، واستقرت خلف المقود. ما إن أغلقت الباب حتى أدارت المحرك بقوة، وانطلقت بالسيارة بسرعة عالية .


طوال الطريق لم تتوقف دموعها عن الانهمار؛ كانت مشاعرها تتلاطم داخلها بعنف، خوفٌ يجاور الغضب، وذنبٌ يثقل صدرها، وارتباكٌ لا تجد له تفسيرًا. بين لحظة وأخرى كانت تنقل بصرها إليه، حيث يتمدد على المقعد المجاور، خائر القوى، ملامحه مشوهة بالكدمات، ووجهه ملوث بدماء لم تجف بعد.


كان يئن بألمٍ مكتوم، يتخلله سعال متقطع يشي بوجعٍ أعمق من مجرد ضربات.


ضغطت على دواسة الوقود إلى أقصاها. وما إن بلغت منزلها حتى أوقفت السيارة بعجلة، وترجلت مسرعة لتفتح الباب من جهته. ساعدته على النزول، فاستند إليها بثقله كله، وأسند ذراعه فوق كتفيها، كأنما يستمد منها ما تبقى له من قوة.


قادته إلى الداخل بخطوات بطيئة متعثرة، حتى بلغا الأريكة. هناك، تهاوى فوقها منهكًا، فبادرت بالإمساك بقدميه ورفعتهما لتساعده على الاستلقاء بطوله. نزعت حذاءيه بعجلة، وألقتهما أرضًا دون اكتراث، ثم اندفعت نحو الحمام.

لم تمكث سوى لحظات قبل أن تعود، وهي تحمل علبة الإسعافات الأولية بين يديها، وعيناها لا تزالان مغرورقتين، لكن ملامحها هذه المرة كانت أكثر تماسكًا…



جلست على مقعدٍ مقابلٍ للأريكة التي تمدّد عليها، وقد انحنت نحوه بتركيزٍ بالغ، كأن العالم من حولها قد انكمش ولم يبقَ فيه سواه. وضعت علبة الإسعافات الأولية إلى جوارها، وفتحتها بيدٍ ثابتة على غير ما يعتمل في صدرها من ارتجاف.


سحبت قطعة شاشٍ معقّم، وبلّلتها بالمطهّر، ثم اقتربت من وجهه بحذرٍ شديد.


كانت آثار الضرب واضحة؛ كدمات داكنة، وشقّ صغير عند حاجبه، وخيط دمٍ جافٍ امتدّ من طرف فمه. توقفت لحظة، كأنها تستجمع شجاعتها، ثم بدأت تمسح الجروح برفقٍ بالغ.


بينما هو يئنّ بين الحين والآخر، فتوقفت فورًا، رفعت عينيها إليه بقلق، وهمست بصوتٍ لائم يملؤه الخوف:

ـ يعني كان لازم تعمل اللي عملته ؟! أهو طحنك .


رفع عينيه الموصدتين إليها بغضب وهتف بتحدي:

ـ بس متقوليش طحنك .. لو كان بطوله راجل لراجل أنا كنت علمت عليه ..


هزت رأسها بيأس وهي تنظف الدم المتخثّر حول أنفه، ثم ضغطت بلطف على موضع الجرح حتى يتوقف النزف، ووضعت شريطًا لاصقًا طبيًا فوقه بإتقانٍ متأنٍ.


انتقلت إلى الكدمة البارزة على وجنته، ووضعت عليها كمّادة باردة، تثبّتها بيدٍ فيما الأخرى تستقر على حافة الأريكة لتوازن نفسها.


وحين انتهت، جلست مستقيمة قليلًا، تتأمله بصمت وعينين لم تستطع السيطرة عليهما حيث أن الدموع كانت تغادرهما بصمت موجع.. تنفّسها كان متسارعًا، وعيناها لا تزالان معلّقتين به، كأنها تتأكد في كل لحظة أنه هنا، أمامها، حيًّا رغم كل ما جرى.


وبينما انحنت نحوه لتثبّت الكمّادة الباردة على وجنته، ظلّ بصرها معلّقًا بملامحه في عنايةٍ صامتة، غير منتبهةٍ إلى أنه كان يتأمّلها بالتركيز ذاته، بعينين لا تحيدان عنها.


حاولت أن تصرف نظرها، خشية أن تنجرف خلف تلك النظرات المشبعة باعتذارٍ ثقيل يجاوره لومٌ خافت، لكنها لم تستطع؛ كأن قوةً خفيّة شدّت عينيها إليه ومنعتهما من الفكاك.


وفجأة، رفع يده ببطءٍ متردّد، ثم أسند كفّه على وجنتها، فاحتوى وجهها براحةٍ واسعة ودافئة. عندها تسللت قشعريرة رقيقة إلى جسدها، رجفة لم تقاومها، بل تركتها تمضي بهدوء. وفي اللحظة نفسها، لم تشأ أن تفسد ذلك السكون، فغاصت بوجهها أكثر داخل كفّه، في استسلامٍ هادئ واعترافٍ صادق بلا كلمات بأنها لا ترفض تلك اللحظة… بل تقبلها كاملة.


فتح فمه ليتكلم، لكن السعال باغته بعنفٍ أفقده أنفاسه، فهتفت بلهفةٍ صادقة:

— بلاش تتعب نفسك، واضح إن عندك ضلع مكسور، ولازم تروح المستشفى دلوقتي حالًا.


مدّت يدها تبحث عن هاتفها في ارتباك، غير أنه أمسك بكفّها فجأة، مانعًا إياها من الحركة، وقال بصوتٍ واهن متقطّع:

— خليكي جنبي…



جمّدتها كلماته، وأربكها ذلك الرجاء العاري في عينيه، والنبرة المتوسّلة التي خرجت من صوته بلا حماية. عجزت عن التحرّك، وتسمّرت في مكانها، كأن قدميها فقدتا القدرة على الطاعة. رفع يده مرة أخرى، ومسح بأنامله تلك الدموع العالقة بأهدابها في لمسةٍ حانية خالصة، ثم تمتم:

— بتعيطي ليه؟… زعلانة عليّ، ولا زعلانة مني؟


عند هذا الحد، عاد الغضب يفيض إلى عينيها دفعةً واحدة، نارًا مكبوتة لم تجد لها مخرجًا، لكنها آثرت الصمت. حاولت النهوض مجددًا، إلا أنه شدّ على يدها مرة أخرى، واقترب منها باضطرابٍ واضح، يئنّ من الألم محاولًا عبثًا السيطرة عليه، وكأن تمسّكه بها كان آخر ما يملكه ليقاوم وجعه… واعترافه الصامت معًا.


ـ جيلان… أنا عايز أقول لكِ حاجة مهمّة…


تسارعت ضربات قلبها بعنف، كأن صدرها يضيق بها، فقد التقطت من تلك النظرة في عينيه ما جعلها تدرك—بيقينٍ موجِع—أن اللحظة التي انتظرتها طويلًا قد جاءت أخيرًا. لحظة الاعتراف.

ورغم خوفها منها، ورغم جهلها بما ستقوله أو كيف ستواجه ما سيخرج من فمه، فإن رغبتها في سماعه كانت جارفة، ملحّة، لا تقاوَم.



أومأت ببطء، وبقيت تنظر إليه في صمتٍ مترقّب، تحبس أنفاسها، بينما كان هو يفتح فمه ثم يغلقه بتردّد، كسمكةٍ أُخرجت من الماء فجأة، تتخبّط بحثًا عن الهواء

وقبل أن تجد الحروف طريقها إلى شفتيه، توقّفت هناك معلّقة، مبتورة…


إذ دوّى رنين الهاتف فجأة، قاطعًا اللحظة، كطعنةٍ باردة في قلب الصمت، ومُسقطًا الاعتراف من بين شفتيه قبل أن يُولد.


زمجر بضيقٍ عنيف، تمتزج فيه الحيرة بالإحباط، فيما تسلّل الإحباط ذاته إلى عينيها على مهلٍ موجِع. أفرجت عن أنفاسها المحبوسة بزفرةٍ يائسة، وكأنها أدركت—بحدسٍ مؤلم—أن ذلك الاعتراف لن يُكتب له أن يُقال.


خفض حسن بصره إلى هاتفه، ثم قال بنبرةٍ مشدودة:

— عمر اتصل بيا أربع مرات…


وفي اللحظة نفسها، رنّ هاتفها. نهضت على الفور، التقطته من حقيبتها، نظرت إلى شاشته ثم وجّهته نحوه قائلة:

— بيكلمني..


وبالتزامن، عاد هاتف حسن يرنّ مجددًا، لكن هذه المرة برقمٍ آخر. انعقدت حاجباه دهشةً وهو يتمتم:

— أبويا بيرن .


أومأت بإيماءةٍ ثقيلة، وقالت بصوتٍ خافت:

— يبقى أكيد عرف اللي حصل…


نظر إليها باستغرابٍ متردّد، وسأل ببطء:

— وهو هيعرف منين؟


حينئذٍ عاد إليها غضبها القديم، ذلك التمرّد الذي يحفظه عنها كما يحفظ ملامح وجهه. اشتعل صوتها بانفعالها المعهود وهي تهتف:

— هيعرف منين؟! ما سيادتك أصلًا مش عارف اللي إنت ضربته ده يطلع مين!


سألها باستخفافٍ عابر:

— هيكون مين يعني؟ ابن السفير؟!


تسلّل اليأس إلى عينيها، وزفرت تنهيدةً قصيرة مكتومة، مشبعةً بشفقةٍ قاسية على تلك اللامبالاة، ثم قالت بحدّةٍ لا تخلو من مرارة:

— لا، مش ابن السفير ولا حاجة. كل الحكاية إن اللي إنت ضربته ده رجل أعمال كبير جدًا اسمه نائل الأسيوطي… وابوه، لواء سابق اسمه حمدان الأسيوطي، صديق مقرّب جدًا لأنكل سالم.



ثم أضافت بتهكّمٍ واضح:

— أظن بقى عرفت هو عرف منين؟


لكنه، وكعادته، نظر إليها ببرودٍ لا مبالٍ وقال:

— حمدان الأسيوطي… حمدان الدمنهوري… مش فارقة معايا. إن شا الله يبقى ابن الجن الأزرق نفسه.


وقطع حديثه سعالٌ حاد، فمدّ يده إلى صدره متألمًا وهو يقول:

— ومابقاش أنا حسن العقرب لو ما علّمت عليه وجبت حقي منه تالت ومتلّت.


اتّسعت عيناها بصدمةٍ قاسية؛ لم تكن تتخيّل أنه ما زال يضمر نية الانتقام بعد كل ما حدث. أخذت تتحرّك جيئةً وذهابًا بيأسٍ ثقيل، وارتفعت يداها إلى خصلاتها تقبض عليهما بحيرةٍ موجعة، ثم توقّفت أمامه ونظرت إليه وهتفت بانفعالٍ منهك:

— هو إنت مفيش فايدة فيك أبدًا؟


هزّ رأسه نفيًا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة عنيدة متعبة، وقال بصوتٍ يخالطه الإرهاق:

— لا، مفيش فايدة… وبعدين إنتِ السبب. قلت لك نمشي من غير دوشة، وإنتِ صمّمتي وعاندتي، وبعدها حصل اللي حصل.


نظرت إليه باستسلامٍ ثقيل، وقالت بنبرةٍ منهكة:

— جيت ورايا ليه يا حسن؟… عايز مني إيه؟


تجاهل سؤالها تمامًا، وقال بحدّةٍ ملأت صوته:

— إيه اللي وداكي مكان زي ده يا جيلان؟! على آخر الزمن تدخلي نايتات؟!


ثم اشتد صوته غضبًا وهو يصرخ بانفعال قاتم:

— سيبتي إيه بقى للنسوان اللي ملهمش حد يلمّهم؟!


تقلّصت ملامحها اشمئزازًا من أسلوبه الفج، وردّت بحدّة: — أولًا، ده مش اماكن من اللي حضرتك متعود تسهر فيها.. ده مكان راقي، وإنت شفت بنفسك، كل اللي فيه ناس محترمة وكلهم مراكز مرموقه.


وقبل أن ينبس بكلمة، قاطعته بصوتٍ صارخ مشحون: — وبعدين إنت مالك؟ أسهر في night club ولا حتى في جهنم! شاغل نفسك بيا ليه أصلًا؟


أطلق ضحكة قصيرة مبتورة، ساخرة، وهو يحدق في فستانها القصير الذي يبرز ملامح جسدها بسخاء، ثم هتف بغضبٍ أعمى:

— ما تستعجليش على جهنم… إن شاء الله دخلاها دخلاها بلبسك ده!


نظرت إليه بيأسٍ خالص دون أن تنطق بكلمة، ورفعت يدها تعدّل خصلات شعرها بعشوائية فاضحة، كشفت عن توترٍ حاولت عبثًا إخفاءه.


خيّم الصمت بينهما للحظات ثقيلة، تبادلا خلالها نظراتٍ مشحونة بالغضب والضيق، كأن كلًّا منهما يعاتب الآخر بصمتٍ جارح.


وفجأة شقّ رنين هاتفها ذلك السكون المشدود، فالتقطته وأجابت بفتور بعد أن فتحت مكبر الهاتف:

— أيوه يا عمر.


جاءها صوته متوترًا:

— مش بتردي ليه يا جيلان؟


تنفست بعمق، وقالت بنبرة مقتضبة:

— عايز إيه يا عمر؟


صمت لثانية، ثم سأل بقلقٍ واضح:

— إيه اللي حصل بالظبط؟! في جماعة من صحابي كلموني وقالوا لي إنك كنتِ سهرانة في Aura إنتِ وحسن، وحصلت خناقة هناك… وحسن اتضرب.




لم تُجب فورًا، بل انزلقت نظرتها لا إراديًا نحو حسن، كأن سؤال عمر أعاد إلى ذاكرتها كل ما حاولت دفنه منذ دقائق. وفي اللحظة نفسها، هتف حسن بضيق متعمّد، رافعًا صوته ليصل إلى الطرف الآخر من الهاتف:

— أنا اللي ضربته الأول، وبعدين هو اتكاتر عليّ هو ورجالته… بس ورحمة أمي ما هسيبه!


جاء صوت عمر قلقًا هذه المرة، موجّهًا حديثه لحسن:

— حسن، إنت كويس؟


— كويس، ما تقلقش.


لكن جيلان قاطعته بحدة مشوبة بالخوف:

— لا، مش كويس. غالبًا عنده ضلع مكسور، عمال يكح كل شوية. لازم تيجي تاخده حالًا على المستشفى يا عمر.


ساد صمت قصير، ثم قال عمر بحزم:

— طيب، أنا جاي.


— تمام… ما تتأخرش.


تردد عمر لحظة قبل أن يسأل:

— جيلان… إنتِ بيتك فين؟


ارتسمت على شفتيها ابتسامة مريرة؛ فالسؤال، ببساطته، وضع أمامها حقيقة موجعة عن لا مبالاة أخيها، حتى بأبسط تفاصيل حياتها.


تنهدت بعمق، ثم أجابت باستسلام:

— هبعت لك شير لوكيشن يا عمر.


أنهت الاتصال، ثم ألقت الهاتف على الأريكة بامتعاض، ورمقت حسن بنظرة جانبية ضيقة. كان قد تمدد مجددًا، يسعل بقوة كأن الألم يصرّ على إثبات وجوده. زفرت بعجز، واقتربت منه وجلست إلى جواره، وقالت بنبرة حاولت أن تبدو هادئة:

— أنا مش خبيرة قوي في الحاجات دي، بس عندي شوية خبرة بسيطة… ارفع إيديك، يمكن أقدر أعرف في كسر ولا لأ.


نظر إليها حسن بنظرة لا تخلو من تسلية معتادة، وقال بخفوت ساخر:

— ده إنتِ طلعتي شاطرة في كل حاجة ما شاء الله.


رفعت عينيها إليه، ترمقه بضيق واضح:

— ارفع إيديك يا حسن.


امتثل هذه المرة دون مقاومة، رافعًا ذراعيه باستسلام، بينما بدأت هي تفحص أضلاعه بحذر، تضغط على كل ضلع تلو الآخر، تراقب تعبيرات وجهه بعين يقظة، كأنها تقرأ الألم قبل أن ينطق به.


فإذا بها تجده ينظر إليها باستسلامٍ كامل، وعيناه معلّقتان بعينيها لا تحيدان عنهما، الأمر الذي أربكها على الفور. تنحنحت بخفة، محاولة استعادة توازنها، وقالت بنبرة متحفّظة:

— لو في حاجة بتوجعك، ياريت تقول.


هزّ رأسه نفيًا، بينما واصلت الضغط على أضلاعه بحذر، تراقب ملامحه بدقة، لكنها لاحظت أنه ما زال يحدّق فيها بلا انقطاع. عندها هتفت بانزعاجٍ واضح:

— هو إنت بتبص لي كده ليه؟


ابتسم ابتسامة هادئة، ناعمة على غير عادته، وقال بصوتٍ خفيض:

— غرقان في بحر عينيكِ.




ارتعشت أطرافها توترًا، واضطرب نَفَسها، وابتلعت ريقها بصعوبة. وفي محاولةٍ يائسة لاستعادة سيطرتها، ضغطت فجأة على أحد أضلاعه بقسوةٍ نسبية، فانبثق من صدره أنينٌ مكتوم. فقالت بسرعة:

— تقريبًا ده الضلع المكسور… لازم تروح المستشفى حالًا.




— خايفة عليّ؟

سألها مباشرة، بلا مواربة.


أجابته بالقدر نفسه من الصراحة:

— أيوه… أكيد خايفة عليك.


ارتسمت على شفتيه ابتسامة مهزوزة، سرعان ما تلاشت حين احتدت ملامحه فجأة، وسألها بنبرة مشحونة:

— ليه وقفتي قدامي؟! أفرضي كان ضربك… أو مدّ إيده عليكِي؟!


تنهدت تنهيدة طويلة، كأنها تُخرج معها ما أثقل صدرها، وقالت بهدوءٍ واثق:

— لأني كنت متأكدة إنه مش هيعمل كده. وبعدين… نائل شخص محترم جدًا، وإنت اللي استفزيته.


تلبّدت ملامحه بضيقٍ ممزوج بغيرة لم يستطع إخفاءها، وهتف فورًا:

— شخص محترم؟! إنتِ بينك وبينه كلام ولا إيه؟


رفعت حاجبيها بامتعاض، وقالت، قاصدةً استفزازه بوضوح:

— أيوه، بيني وبينه كلام… وكلام كتير جدًا كمان.


رمقها بنظرةٍ حادّة توعّد فيها بالكثير، وكاد غضبه أن ينفلت صراخًا، لولا أنّ سعالًا عنيفًا باغته فجأة، فخمد اندفاعه في لحظة.


أسرعت نحوه بلا تردّد، تناولت كأس الماء وقرّبته من شفتيه، تسانده حتى ارتشفه ببطء. كانت تراقبه بعينين غمرتهما الشفقة، وقد عادت الدموع تلمع فيهما رغم محاولاتها العبثية لإخفائها.


لم يَفُتها خيط الدم وهو ينساب من أنفه مرةً أخرى، فالتقطت قطعة قطنٍ معقّمة، ومالت نحوه تمسح الدم بحذرٍ وحرص. ظلّ يحدّق فيها في صمت، كأن قربها يمنحه شجاعةً مؤجَّلة، وكأن الكلمات تتزاحم على شفتيه بحثًا عن طريقٍ للخروج. غير أنّه، عوضًا عن البوح، رفع يده ببطءٍ متردّد، وأمسك قبضتها التي تضمّ القطن، فحبسها داخل كفّه الدافئة.


توقّف الزمن عند تلك اللحظة، وسكن كلّ شيء من حولهما. صمتٌ عميق خيّم بينهما، صمتٌ مشبع بالمشاعر، تتحدّث فيه العيون بوضوحٍ يفوق الكلام، وتبوح بما لم يمتلك أيٌّ منهما الجرأة ليقوله صراحة.


قالت عيناه ما عجز لسانه عن قوله؛ أفصحتا عن خوفٍ دفين وتردّدٍ لم يألفه من قبل، واعترفتا بعجزه عن المواجهة للمرة الأولى. وفي المقابل، قابلته بنظرةٍ هادئة مشجِّعة، نظرةٍ تحثّه على النطق وتمنحه طمأنينةً خفيّة وقبولًا غير معلن.


— جيلان…


أومأت برأسها إيماءةً صامتة، تنتظر ما سيبوح به. تردّد قليلًا، ثم قال بصوتٍ مثقل بالتوتر:

— إنتِ حاسة بيا… مش كده؟


أومأت مرةً أخرى، فيما شعرت بصدرها يكاد يضيق من فرط ما يعتمل فيه. عندها شدّ قبضته حول يدها التي ما زالت أسيرة كفّه، وقال:

— في حاجات كتير قوي عايز أقولها لك… بس مش عارف أبدأ منين، ولا عارف أرتّب كلامي.


تنهدت، وبذلت جهدًا لتستعيد صوتها، ثم قالت بنبرةٍ مرتعشة صادقة:

— مش مهم ترتّب كلامك يا حسن… اتكلم، وأنا هفهمك.



استنشق نفسًا عميقًا، وزفره ببطء، وهمّ أن ينطق بما طال حبسه، غير أنّ القدر — للمرة التي لم يعد يعرف عددها — حرمه لحظة البوح؛ إذ دوّى جرس الباب فجأة، معلنًا وصول ضيفٍ قطع اعترافًا كان على وشك أن يولد.


أغمضت عينيها بيأس، وسحبت قبضتها من كفّه في استسلامٍ صامت، ثم مرّرت يديها على وجهها وشعرها في حركةٍ عفوية تُفصح عن توترها، وقالت بصوتٍ خافت: — أكيد عمر.


نهضت على الفور، واتجهت نحو الباب لتفتحه. وما إن انفرج حتى دخل عمر، تتنقّل عيناه بينهما بقلقٍ وحيرة، قبل أن يسأل:

— إيه اللي حصل؟


ولمّا وقعت عيناه على حسن بوضوح، اتّسعتا بصدمةٍ صريحة، وقال بانفعال:

— مين اللي عمل فيك كده؟! أنا ما صدّقتش لما قالوا لي إنك اتضربت!


رمقه حسن بغيظ، وردّ بنبرةٍ متحدّية:

— بس ما تقولش اتضربت… أنا طحنته وعدمته العافيه وكنت كفيل أخلّص عليه لوحدي، لولا إن رجّالته اتكاتروا عليّ. والمثل بيقول: الكثرة تغلب الشجاعة… بس ورحمة أمي ما هسيبه، وهيدفع التمن غالي.


هزّت جيلان رأسها بيأسٍ ظاهر، وحدّة صوتها تسبق كلماتها:

— إنت لسه مصمم!


أجابها بثباتٍ عنيد، لا يخلو من إرهاق:

— أيوة مصمم، مش حسن العقرب اللي يفرط في حقه.


تدخّل عمر، ونبرة العجز واضحة في صوته، وهو يتأمّلهما بحيرة:

— طيّب، إنت إيه اللي وداك المكان ده من الأساس؟! أنا مش فاهم حاجة… ولا كنتم رايحين سوا؟


التفتت جيلان إليه سريعًا، وقالت بانفعالٍ مكتوم:

— لا، طبعًا. مكنّاش مع بعض. أنا اتفاجئت بيه هناك.


ثمّ وجّهت بصرها إلى حسن، نظرةً متحدّية تحمل أكثر ممّا تقول، وقالت:

— اسأله كان جاي ورايا ليه.


عاد عمر ببصره إلى حسن، وسأله بتردّد:

— كنت رايح وراها ليه يا حسن؟


ظلّ حسن يحدّق في جيلان طويلًا، بينما وقفت هي في مواجهته، تشدّ ذراعيها إلى صدرها في انتظارٍ متحفّز، صبرٌ مصطنع يخفي توقًا دفينًا. كان يدرك أنّ نظرتها تستفزّه، تحثّه على البوح، وتطالبه — ولو لمرة واحدة — أن يكون صريحًا، أن يعترف أنّه لحق بها لأنّها تعنيه… لأنّه يحبّها.


غير أنّ خيبة الأمل تسلّلت إليها حين اضطربت عيناه، وانخفض صوته وهو يقول بعد تردّد:

— ما كنتش رايح وراها… أنا كنت هناك بالصدفه واتفاجئت بيها هناك.. ولما دخلت شفت الواد الملزق ده واقف بيتكلم معاها وعينيه عليها.. ما استحملتش المنظر وحصل اللي حصل.


كان من اليسير أن يخدع عمر، أمّا هي فكانت تعرف يقينًا أنّه يستحيل عليه أن يخدعها.

ارتسمت على شفتيها ابتسامة يائسة، تحمل إدراكًا موجعًا بأنّه لم يمتلك الشجاعة ليعترف أمام أخيها، فبادرت بنفاد صبر:

— يلا يا عمر، خُده وروّحوا فورًا على المستشفى. لازم يعمل أشعة حالًا.



اقترب عمر منهما، وانحنى ليسند حسن، فاستند حسن عليه ونهض ببطء، ثم التفت إلى جيلان وقال بصوتٍ متعب: — تعالي معانا على البيت… بلاش تقعدي لوحدِك.


— خليك في حالك،

قالتها بعنادٍ قاطع.


قابل عنادها بغضبٍ صامت، ولم يعلّق، وسار مع عمر الذي كان يُحكم إمساكه به، فيما خرج من حسن أنينٌ مكتوم، أعقبه تهديدٌ ثقيل:

— ماشي… الصبر طيب، ورحمة أمي اللي ما أحلف بيها كذب، لأخلّيه يحفظ اسم حسن العقرب وما ينساهوش أبدًا.


نظر إليه عمر بضيقٍ واستسلام، وقال بنبرةٍ يائسة:

— يا عم اصلب طولك الأول… وبعدين نبقى نشوف هنعمل إيه.


التفت حسن نحو جيلان قبل أن يغادرا، وقال بصوتٍ لا يخلو من حرصٍ خفيّ:

— اقفلي عليكِ الباب كويس.


رمقته بنظرةٍ حائرة، ثم أغلقت الباب بحدّةٍ خفيفة، كأنها تُسكت بها ما يعصف داخلها. استدارت، وأطلقت زفرةً يائسة، لتقع عيناها فجأة على الأريكة حيث كان يتمدّد قبل قليل. هناك، استقرّ هاتفه… منسيًّا.


أسرعت تلتقطه، واتجهت نحو الباب، فتحته على عجل، لكنها لم تجد سوى فراغ الطريق؛ كانت سيارة عمر قد اختفت. تنهدت، وأغلقت الباب من جديد، ثم عادت إلى الداخل بخطواتٍ مثقلة.


ألقت بجسدها المرهق على الأريكة ذاتها، والهاتف في يدها، تقلبه بشرودٍ وهي تستعيد تلك اللحظات القريبة. تذكّرت كفّه وهو يحتضن وجنتها، وتذكّرت لحظة وهنها حين كادت تستسلم لمشاعرها المتدفقة. عادت إليها صورة يده وهو يضم قبضتها، وكيف خفق قلبها يومها بجنونٍ لم تعهده.


تذكّرت دقات قلبها الخائنة، ضعفها العاري أمامه، ذلك الاضطراب الذي يتملّكها كلما حضر. فاستبدّ بها شعورٌ باللوم، ومقتٌ صامت لوهنها الفاضح أمامه، وأمام السيل الجارف من المشاعر الذي لا يكفّ عن اجتياحها كلّما كان قريبًا.


حينها انهمرت دموعها من جديد، وأسقطت رأسها بين كفّيها، تلعن ضعفها، وتلعن نفسها، وتلعن تلك الحال التي آلت إليها. كانت كلمات اللوم تتزاحم في صدرها بلا صوت، بينما سؤالٌ واحد يلحّ عليها بإيلام: ما نهاية هذا العذاب الصامت؟


لا هو يتركها لتبتعد وتستريح، ولا هو يبوح فيُنهي حيرتها ويخفّف عنها وجعها. لم تجد طمأنينة في قربه، ولم تعرف سلامًا في ابتعاده، وكأنها عالقة بين حدّين لا مهرب منهما. كأن الحب قد كُتب عليها جحيمًا أبديًا، لا يهدأ ولا يرحم.


أسندت رأسها إلى ظهر الأريكة، وغرقت في شرودٍ طويل، لا تدري كم مرّ من الوقت؛ أكانت دقائق، أم ساعات، أم شهورًا كاملة من التيه الصامت.


وفجأة، انتبهت إلى رنين الهاتف بين يديها… اسمه يلمع على الشاشة: والده .


ظلّ الرنين يلحّ لحظات، ثم انقطع، تاركًا خلفه صمتًا أثقل من الصوت نفسه، وصدى يأسٍ ازداد عمقًا في قلبها.



داهمها الفضول تجاه هاتفه؛ فضولٌ لم تعرفه من قبل، ولم تعتد الاستسلام له يومًا، لكنه هذه المرّة كان مُلحًّا، يدفعها دفعًا لتتوغّل داخل هذا العالم الغامض، علّها تفهم شيئًا من كينونة هذا الرجل العشوائي المتردّد.


فتحت الهاتف، فتفاجأت — على غير عادة الجميع — أنّه لا يحتاج إلى قفل، كأن صاحبه لا يخشى الاقتراب ولا يهاب الانكشاف، فسهّل عليها ما كانت تتردّد حياله. توقّفت عند الصورة التي يتّخذها خلفيّةً لهاتفه؛ صورته واقفًا في شموخٍ واضح، يحتضن بيده فرسًا بيضاء ذات عينين زرقاوين، يتبادلان نظرة انسجامٍ عميقة، بينما تزيّن ابتسامةٌ حيّة، صادقة، ملامحه.


توقّفت جيلان أمام الصورة طويلًا، وقبل أن تدرك، وجدت ابتسامةً خفيفة تتسلّل إلى شفتيها رغماً عنها.


انتقلت بعدها إلى معرض الصور، وبدأت تتصفّحها واحدةً تلو الأخرى. كانت معظمها للخيول وللمزرعة، لفضاءاتٍ مفتوحة وهواءٍ نقيّ، لكن شيئًا ما استوقفها فجأة؛ أدركت أنّ حسن يجيد التصوير… موهبةٌ خفيّة، ربّما لم يلتفت هو نفسه إليها. كانت الصور ملتقطة بزوايا ذكيّة، تحمل حسًّا فنيًّا صامتًا، كأنها تقول الكثير دون أن تنطق، تمامًا مثله.


وفجأة انتقلت إلى صور الفرح التي التُقطت يوم زفاف فريد. عشرات الصور لحسن وعمر؛ بعضها في أوضاعٍ مضحكة تخلو من التكلّف، وأخرى تفيض هيبةً ووقارًا. لم تفارق الابتسامة شفتيها وهي ترى بوضوح ذلك الانسجام العميق بينهما، ألفةٌ صادقة لا تحتاج تفسيرًا.


لكن وسط كل تلك الصور، استوقفتها صورة واحدة… لها هي.


من بين الحشود الصاخبة، ومن قلب الزحام، التقطت عدسته صورةً لها وهي واقفة شاردة، بعيدة عن الضجيج، غارقة في عالمها الخاص. لم تكن تنظر إلى الكاميرا، ولم تكن تعلم أصلًا أنّ أحدًا يراها في تلك اللحظة، ومع ذلك بدا في الصورة شيء مختلف؛ زاوية هادئة، ضوءٌ رقيق يلامس ملامحها.


تجمّدت جيلان أمام الصورة، وشعرت بقلبها يضطرب على نحوٍ مباغت. أدركت حينها أنّه لم يكن يلتقط صورًا عابرة… وأنه أراد أن يسرق منها لحظة..


تنهدت، وأسقطت رأسها إلى الخلف مرةً أخرى، وأفكارها تتدافع بلا هوادة. فكّرت: ما دام يهتم بها إلى هذا الحد، يغار ويخاف عليها، وكلها علامات لا تُخطئها العين… حبٌّ لم يحاول إخفاءه، بل بالغ في أفعاله حتى ساقه إليها، وجعله يضرب نائل، ويشتعل غيرةً واندفاعًا. كل شيء فيه كان يقول إنه متيّم بها؛ لمساته، نظراته، حضوره القَلِق من أجلها… كل شيء نطق بما عجز لسانه عن قوله. فلماذا إذًا هذا التردّد؟


وهنا باغتها السؤال الأصعب: لو امتلك الشجاعة واعترف، هل ستكون هي قادرة على الاعتراف بالمثل؟ أم ستخذلها شجاعتها في اللحظة الحاسمة، ويقف صدى كلمات أمّها حاجزًا بينها وبين قلبها؟


لم تجد جوابًا. كانت تدور في دوائر مفرغة، كلما ظنّت أنها اقتربت من النهاية عادت إلى النقطة نفسها، أكثر إنهاكًا وحيرة.


عادت بنظرها إلى الهاتف من جديد. شيءٌ خفي دفعها لتجربة الاستماع إلى الأغنيات التي يحبها. كانت واثقة أن ذوقه لن يروق لها؛ عشوائي، صاخب، وربما بدائي في نظرها، وتوقّعت أن تكون قائمته مليئة بالأغاني الشعبية التي لا تشبهها.


لكنها ما إن بدأت التصفّح، حتى أخذها الذهول واحدًا تلو الآخر. طربٌ أصيل، أصوات الزمن الجميل، أسماءٌ حفرت وجدان الفن العربي… على عكس كل ما توقّعت. وراحت أصابعها تنتقل بين الأغنيات، حتى توقّفت عند واحدةٍ اختارتها المصادفة. فتحتها، واستسلمت لفضولٍ هادئ؛ موسيقى شدّتها قبل الكلمات، رغم أنها اعتادت على الألحان الغربية.


وما إن انسابت المقدّمة، حتى وجدت نفسها تُغمض عينيها في شرودٍ وانسجام، تتهادى مع اللحن دون مقاومة… إلى أن باغتتها الكلمات، وأعادتها دفعةً واحدة إلى واقعها المرير:


ما دام تحب… بتنكر ليه؟

ده اللي يحب… يبان في عينيه.

تصد عنى وتهجرنى واكلمك تهرب منى

وان غبت يوم تسأل عنى

واعرف هواك ساعة لقاك من طول جفاك

واللى يحب يبان فى عينيه

مادام تحب بتنكر ليه ؟!

༺═──────────────═

#يتبع

تكملة الرواية من هناااااااا 

لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله الجزء الاول من هناااااااااا

الرواية كامله الجزء الثاني من هنااااااااا 

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات

التنقل السريع
    close