القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل التاسع وستون 69 بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات    

 

 رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل التاسع وستون 69 بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات    





 رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل التاسع وستون 69 بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات    




 رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل التاسع وستون 69 بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات 

_ ٦٩ ~ أمل و نور ! ~



بعد عودتهما من المشفى، حيث اصطحب عمر حسن لإجراء الفحوصات اللازمة، والتي أكّدت إصابته بكسرٍ في الضلع الأيمن، أصرّ حسن على عمر لكي يعود إلى الفيلا برفقته، وعلى الرغم من أن طلبه قد قوبل بالرفض من طرف عمر إلا أنه استطاع إقناعه في النهاية.


دخلا معًا، و ما إن وطئت أقدامهما أرض الفيلا، حتى تجمّدا في مكانهما.

حيث كان والدهما يجلس في انتظارهما.


ملامحه متصلّبة، وعيناه تقدحان غضبًا مكبوتًا. وما إن وقعت عيناه على حسن، وعلى آثار الضرب البادية على وجهه، حتى اشتعلت نظراته غضبه، فصاح صارخًا بصوتٍ جهوري هزّ المكان:

- إيه اللي عملته ده يا حسن؟! رايح تضرب ابن حمدان الاسيوطي بذات نفسه؟! عاملٌ لي فيها بلطجي؟!


تنفّس حسن بعمق، زافرًا ضيقه وألمه معًا، وقال بنبرة مرهقة حاول أن يُنهي بها الموقف:

- أنا تعبان... ومش قادر أتكلم دلوقتي. تصبح على خير.


لكن سالم هتف بقوة، وصوته يزداد حدّة:

- اقف عندك وكلمني!


توقف حسن في مكانه، ثم استدار على مهل ليواجه والده الذي قال:

ـ عاجبك منظرك ده؟! راجع مش قادر حتى تصلب طولك؟!

وكل ده ليه؟! علشان خاطر جيلان هانم... مش كده؟!


ازدادت ملامح عمر انقباضًا، وارتسم الضيق واضحًا في عينيه، بينما رفع حسن رأسه بصعوبة، وقد بدا مصممًا على إنهاء الجدال، فقال بصوتٍ ثابت رغم وهنه:

- مش علشان حد.

أنا ضربته لأنه حاول يعمل عليّ نمرة وكان لازم يعرف أنا مين.


ارتسمت ابتسامة تهكّم باردة على وجه والده، وأشار بسبابته إلى وجه حسن المكدوم، قائلًا بسخرية لاذعة:

- ويا ترى بقى... عرفته إنت مين؟!


تعلّقت عينا حسن بعينيه، وفي نبرته وعدٌ مبهم يحمل أكثر مما يقول:

- لسه... بس قريب أوي هيعرف.


نظر إليه والده بدهشةٍ امتزجت بخوفٍ لم يفلح في إخفائه، وقال بصوتٍ حذر:

- قصدك إيه ؟!


أجابه حسن بنبرةٍ موغلة في التوعّد، لم يحاول مواراتها: - قصدي إني مش هسيب حقي.


اتّسعت عينا والده وهو يهتف بانفعال:

- يعني إيه ؟! اوعى تتجنن وتتصرف أي تصرف طايش تلبسنا كلنا في الحيط.. انت مش عارف أبوه مين ؟!


لم يتراجع حسن، بل ازداد صوته صلابة:

- يبقى زي ما يبقى، حتى لو كان ابن وزير الداخلية نفسه.. أنا مش هسيب حقي ولو على موتي!


ثم استدار، تاركًا كلماته معلّقة في الهواء، وتقدّم نحو الدرج بخطواتٍ متأنية، مثقلة بالألم والعناد معًا. وما إن بلغ أعلاه، حتى كان عمر قد لحق به، يعقبه بصمت.


غير أن صوت والدهما ظلّ يطاردهما من أسفل، هادرًا بغضبٍ أعمى:

- واضح إنك مش ناوي تجيبها لبر يا حسن!

يظهر إن نومة الحجز وحشتك...

بس المرة دي أحب أطمنك، حمدان الأسيوطي بإشارة صغيرة منه قادر يرميك في أعفن زنزانة، وبكرة تقول أبويا قال!


تستمر القصة أدناه


توقّف حسن لوهلة عند باب غرفته، دون أن يلتفت، وفي عينيه تدفقت نظرة شريرة تؤكّد أن المعركة بدأت بالفعل.


في تلك اللحظة، وبينما كان سالم يحاول تمالك أعصابه والسيطرة على الغضب المتأجّج في صدره، انتبه إلى عودة نادية من الخارج. رفع بصره إليها، يتفحّصها من رأسها حتى قدميها، قبل أن يهتف بنبرةٍ متسائلة تخفي وراءها الكثير:

- خير يا نادية هانم؟ كنتِ فين وراجعة متأخر كده؟


قطّبت جبينها بدهشةٍ ممزوجة بالسخرية، وقالت:

- خير يا سالم باشا؟

اللي يشوف اهتمامك ده يقول إننا عيلة مترابطة، أو إن أمري يهمك بجد!


ارتسمت ابتسامة ساخرة على جانب شفتيه، وأجابها بالتهكّم ذاته:

- طول ما إنتِ مراتي، ومكتوبة على اسمي للأسف، يبقى طبعًا أمرك يهمني.

ولازم أعرف عنك كل كبيرة وصغيرة... رُحتي فين، وجِيتي منين.


ثم توقّف لحظة، قبل أن يضيف بنبرةٍ فاضحة لعلمه بما تخفي:

- وكنتي بتعملي إيه عند دكتور مخ وأعصاب... مثلًا؟


اتّسعت عيناها بدهشةٍ صريحة؛ لم تتوقّع أن يعرف وجهتها، خصوصًا بعدما أصرّت على الذهاب بسيارتها وحدها. فهتفت باستياء:

- إنت بتخلّي حد يمشي ورايا يا سالم علشان يراقبني؟!


مطّ شفتيه بهدوءٍ مستفز، وقال:

- بلاش تحسبيها بالطريقة دي.

احسبيها إنه ماشي وراكي علشان حمايتك...

وحتى لو حابة تحسبيها مراقبة، مش مشكلة.


ثم عاد يسألها، بنبرةٍ تحمل فضولًا ساخرًا:

- من إمتى وإنتِ بتروحي لدكتور مخ وأعصاب يا نادية؟


وأردف مستغربًا بتهكّم:

- غريبة... أول مرة أعرف إن أعصابك تعبانة!


نظرت إليه بعينين تقدحان غيظًا، وقالت بانفجارٍ لم تعد قادرة على كبحه:

- الغريب بجد إن واحدة تتجوز واحد زيك، وتعيش معاه العمر ده كله، وأعصابها ما تتعبش!

أنا دلوقتي بس قدرت أعذر ناهد... الله يرحمها،

وفهمت ليه كانت بتتعالج عند دكتور نفسي، وليه انتحرت...


ثم ألقت كلماتها وكأنها تتقيأ سمًا :

ـ علشان كانت معاشرة واحد زيك!


لم يستطع سالم هذه المرة أن يخفي ما فاض على ملامحه من مشاعر قبيحة؛ غضب، صدمة، وجرحٍ في صميم كبرياؤه.

أما هي، فقد تجاوزته دون أن تنتظر ردًا، وصعدت إلى غرفتها بخطواتٍ غاضبة، تضرب الأرض بقدميها، وتحاول عبثًا السيطرة على العاصفة التي اجتاحت صدرها.


عاد سالم إلى غرفته مثقلاً بهموم خفية، كأن الأرض تسحبه إلى أعماقها مع كل خطوة. وما إن أغلق الباب خلفه حتى داهمته كلمات نادية من جديد، تتردد في رأسه كصدى لا يرحم، فأعادت إلى صدره شعورًا بالذنب كان يمقته أشد المقت.


لم يكن سالم يطيق أن يُحاصر بماضٍ يُعاتبه، ولا أن يقف وجهًا لوجه أمام أخطائه. لطالما أتقن إقناع نفسه بأنه كان محقًا، وأن ما فعله لم يكن ظلمًا بل ضرورة، ولم يكن قسوة بل حزمًا فرضته الظروف. غير أنّ تلك الحجج التي احتمى بها سنواتٍ طويلة بدأت تتهاوى واحدةً تلو الأخرى، كجدرانٍ نخرتها الحقيقة من الداخل.



الآن لم يعد في وسعه أن يختبئ خلف تأويلاته القديمة، ولا أن يجمّل صورته أمام ذاته كما اعتاد. فقد صار يرى ظلمه لناهد رؤيةً واضحةً جلية، كحقيقةٍ عاريةٍ تقف أمامه بلا ستر، ترفض أن تُزوَّر أو تُخفى. وكلما حاول أن يصرف ذهنه عنها، ازدادت حضورًا وإلحاحًا، حتى غدت مواجهةً لا مهرب منها.


لم تكن كلمات نادية إلا كمرآة وُضعت أمام روحه، عكست له ملامحه كما هي، بلا تزييف ولا رتوش؛ فاضطر أخيرًا أن يرى ما طال إنكاره، وأن يعترف-ولو بينه وبين نفسه-بأن بعض الجراح التي ظنها اندثرت، إنما كانت تنزف في الخفاء منذ زمنٍ بعيد.


وما إن ذُكرت تلك السيرة، حتى ومض عقله فجأة بمشاهد من اللاوعي، كأن بابًا صدئًا أُزيح عن ذاكرةٍ حاول طويلًا دفنها.


ارتدّ به الزمان إلى ذلك اليوم... يوم صفعته ناهد وهو راقد على سرير المشفى.

مشهدٌ رآه وهو في حالةٍ من الهذيان، معلقًا بين الوعي واللاوعي؛ مشهدٌ كان قد اندثر في ذاكرته، ودُفن عميقًا في أغوار عقله الباطن، لكنه الآن عاد حيًّا، واضحًا، جارحًا.


ثم تذكّر حين رأى مبروك، أخيه.

تسلّل الألم إلى صدره بحدّةٍ مفاجئة، كطعنةٍ باردة تستقر في القلب بلا رحمة.

انقبض صدره، وضاقت أنفاسه، وكأن ما يراه ليس مجرّد استدعاءٍ من اللاوعي، بل مشهدٌ حيٌّ يُعاد تمثيله أمام عينيه بكل قسوته.


شرد قليلًا، وبدأت الصور تتكرّر أمامه تباعًا، واحدةً تجرّ الأخرى،

حتى باغتته صورةٌ لم يكن مستعدًا لاستحضارها.

فجأة...

تذكّر زيارة عاصم له في المشفى.

نعم، لقد رآه.

لقد جاء.

زاره عاصم، ووقف ينظر إليه بتشفٍّ واضح، ثم أخبره ببرودٍ قاتل أنه السبب الرئيسي فيما آل إليه حاله، وأن ما يعيشه الآن لم يكن سوى نتيجةٍ لما فعله به.


في تلك اللحظة كان سالم غارقًا في صدمةٍ ثقيلة.

جزءٌ منه كان يؤكّد، بإصرارٍ لا يقبل الشك، أن تلك الزيارة قد حدثت فعلًا، وأن عاصم وقف أمامه يومها بملامحه وصوته وكلماته.

وجزءٌ آخر كان حائرًا، متردّدًا، لا يدري أكانت تلك الزيارة حقيقةً أم وهمًا آخر من أوهامه، كزيارتيّ مبروك أخيه وناهد زوجته، اللتين اختلطتا عليه يومًا بين الذاكرة والهذيان.


غير أن الجزء الأكبر داخله كان يميل إلى التصديق...

كان يشعر، بحدسٍ غامض، أن عاصم قد زاره حقًا، وأن تلك الزيارة لم تكن محض خيالٍ عابر، بل واقعةً تركت أثرها العميق فيه.

ومع ذلك، ظلّ عقله مشوّشًا، متذبذبًا، عاجزًا عن الإمساك بخيطٍ واحد يقوده إلى يقينٍ واضح.

تساءل في ارتباكٍ مرهق:

إن كان عاصم قد زاره فعلًا، وكان - كما قال يومها - السبب فيما آل إليه حاله،

فما حكاية اتفاق نادية مع الممرضة إذن؟


الممرضة أخبرته صراحةً أن الاتفاق كان بينها وبين نادية فقط، دون أن تذكر اسم عاصم من قريبٍ أو بعيد.

تضاربت الأسئلة في رأسه، وتراكبت الاحتمالات، حتى شعر وكأن عقله على وشك الانفجار، عاجزًا عن فهم ما يعيشه أو تحديد موقعه بين الحقيقة والوهم.




وبينما كان عقله يعجّ بسيلٍ لا ينقطع من الأسئلة، كان يشعر بحاجته الملحّة إلى الحديث مع أحدهم، إلى صوتٍ قد يمنحه طمأنينةً أو يبدّد شيئًا من هذا الاضطراب الذي ينهش صدره، لكنه في الوقت ذاته كان يدرك أن هذا الأمر لا يحتمل أن يُقال لأيّ شخص. وبعد تردّدٍ قصير، استقرّ اختياره على نادر؛ فهو الوحيد الذي يمكنه أن يتحدث إليه بحرية .


بادر بالاتصال به على الفور، وطلب منه أن يأتي إليه. ولم تمضِ سوى قرابة نصف ساعة حتى وصل نادر، إذ كان قريبًا من الفيلا.


دخل نادر بخطواتٍ متسارعة، تعلو ملامحه الدهشة والقلق، ولا سيما حين لمح الحالة التي بدا عليها سالم. أشار له سالم بيده أن يجلس، ثم صمت لحظةً كأنه يجمع شتات أفكاره، قبل أن يبدأ بالكلام.


قال نادر بقلقٍ واضح:

ـ خير يا باشا؟ قلقتني لما قلت إنك محتاجني ضروري.


قال سالم بنبرةٍ مثقلة بالهم:

ـ الموضوع كبير يا نادر... ولو طلع اللي بفكّر فيه حقيقي، تبقى كارثة بكل المقاييس.


سأله نادر ونبرته تزداد توترًا:

ـ خير يا باشا، إيه هو الموضوع؟ فهمني.


تنهد سالم ثم قال بعد لحظة صمت قصيرة:

ـ عاصم... عاصم هو اللي ورا الحالة اللي أنا وصلت لها.


قال نادر وهو ينظر إليه بدهشةٍ حقيقية:

ـ واحدة واحدة كده يا باشا، وفهمني، لأني بصراحة مش فاهم حاجة.


تنهد سالم بعمق، وتابع وهو يمرر كفه على وجهه في حيرةٍ وتردد:

ـ الموضوع مش سهل يا نادر، وكل ما أحاول أرتّب اللي في دماغي ألاقي الخيوط تشبك في بعضها أكتر....


ثم بدأ سالم حديثه، فيما جلس نادر قبالته يُنصت في صمتٍ كامل، ملامحه مشدودة واهتمامه منصبّ على كل كلمة تخرج من فم الآخر


قال سالم بنبرةٍ يختلط فيها التردّد باليقين، وكأن الذكرى ما تزال حيّة أمام عينيه:

ـ حاسس إن عاصم زارني في المستشفى لما كنت تعبان، مش حاسس.. أنا متأكد. ونظرته ليا كلها كانت شماتة، وفاكر كمان انه قاللي بكل وضوح إن هو السبب في اللي أنا وصلت له .


رفع نادر حاجبيه معترضًا، وقال بنبرةٍ حذرة:

ـ مش ممكن يا باشا... مش الممرضة قالت لك إن الاتفاق كان مع نادية؟


أجاب سالم وهو يهز رأسه ببطء، وقد ارتسمت على ملامحه مسحة شك عميقة:

ـ أيوة قالت كده... لكن في النهاية، مش هصدق الممرضة وأكدب عنيا يا نادر.


تنفّس نادر بعمق، وفي داخله قدرٌ من التعاطف مع الاضطراب الذي يمرّ به سالم، ثم قال بهدوءٍ متأنٍ:

ـ اسمح لي يا باشا... بس ممكن يكون متهيأ لك.


اشتدّ نظر سالم وحدّق فيه بحدّة، وردّ بنبرةٍ قاطعة:

ـ متهيألي إزاي يا نادر ..بقوللك شفته بعنيا !


مال نادر قليلًا إلى الأمام، محاولًا أن يزن كلماته بعقلانية، وقال:

ـ يا باشا، وقتها انت كنت شبه غايب عن الوعي، وكنت بتدخل في نوبات هذيان متكرّرة، والدليل على كده أنك قولتلي ان مبروك أخوك زارك في المستشفى.



بدت الدهشة واضحة على وجه سالم، ثم نظر إلى نادر متسائلًا وقال:

ـ أنا قلت لك إني شفته؟


أومأ نادر مؤكدًا، وأجاب:

ـ أيوة يا باشا... وحسن كمان قال لي إنه لما دخل لك بعدها إنت قلت له إن أخوك مبروك كان عندك..


ثم اعتدل في جلسته، واستأنف حديثه بنبرة منطقية، كأنه يحاول أن يقود سالم خطوة خطوة نحو الاستنتاج:

ـ القصد يا باشا أنك في الفترة دي كنت بتشوف هواجس كتير... ومن المرجّح أن زيارة عاصم كانت واحدة منها.


لكن سالم هزّ رأسه رافضًا، وقد بدا الإصرار جليًا في عينيه، وقال:

ـ لا... أنا متأكد أن زيارة عاصم كانت حقيقية، ولازم أثبت ده. لو قدرت أثبت أنه جالي في المستشفى وقتها هقدر أواجهه بكل سهولة وأكشف حقيقته وانه كان بيخطط علشان يموتني .


تنهد نادر بحيرة، وقد انعكس القلق على ملامحه، ثم قال متسائلًا:

ـ وإذا افترضنا أنك قدرت تثبت أن زيارة عاصم كانت حقيقية، وأنه ورا كل اللي حصل، هتعمل إيه وقتها!


نظر سالم إليه للحظة، ثم صرف بصره عنه بشرودٍ مقصود، وكأنه يحتفظ بما تبقّى من خططه لنفسه، وقال بصوتٍ خافت:

ـ أثبت الأول.. وبعدين أشوف المفروض إيه اللي يحصل.


ظلّ نادر صامتًا برهة، يُقلّب الأمر في ذهنه بعقلٍ بارد ومنطقٍ حذر، ثم قال بعد تفكيرٍ عميق:

ـ طيب يا باشا أنا بقول قبل أي خطوة نسأل دكتور موثوق منه ونشوف هل الحاله دي ليها تفسير ولا لأ.. وبناءا على إجابته نتحرك.

وأنا أوعدك أنى هعمل أقصى ما في جهدي علشان نوصل للحقيقة، ونعرف إذا كان عاصم زارك فعلا في المستشفى ولا بيتهيأ لك..


احتدّت نظرة سالم، وقال بحدةٍ لم يُخفها:

ـ هو إيه اللي بيتهيأ لي يا نادر.. هو إنت فاكرني اتجننت؟


سارع نادر بالاعتذار، وقد أدرك أنه لامس وترًا حساسًا، وقال بنبرةٍ هادئة :

ـ أنا آسف يا باشا.. لا عاش ولا كان اللي يقول لك كده.. بس أنا مش عايز نستعجل وناخد خطوة جد هيترتب عليها قرارات مصيرية... غير لما تتأكد الأول.


تنفّس سالم بعمق، وقد بدا الضيق جليًا على ملامحه، ثم قال بنبرةٍ حاسمة تحمل توعدًا مؤجلًا :

ـ هنتأكد.. هنتأكد وفي وقت قريب جدا.. ولو طلع له يد فعلاً في اللي حصل لي مش هرحمه.


ثم رفع رأسه من شروده فجأة، وحدق في نادر وقال:

ـ شفت المصيبه اللي هببها حسن بيه ؟


تنهد نادر، وارتسمت على شفتيه ابتسامة يائسة، ثم أجاب:

ـ للأسف الخبر وصلني وأنا في الطريق، سيادة اللواء كلمني وأعرب عن استيائه الشديد لما عرف إن حسن ابنك، وبلغني أبلغه إن اللي حصل ده مش هيعدي على خير.. !


تغيّرت ملامح سالم، وقال بحدّة:

ـ وأنت قلت له إيه ؟!


أجاب نادر بهدوءٍ عملي:

ـ قلت له طبعا إن حسن مكانش يعرف إن نائل يبقى إبنه.. واعتذرت له كتير جدا وقلت له إننا مستعدين للتعويض اللي يشوفه مناسب..



تنهد سالم، ثم قال بصوتٍ مرتفع يحمل غضبًا مكبوتًا:

ـ تعويض إيه يا نادر.. إحنا اللي المفروض نطلب تعويض.. ده كسر له ضلعه.. وبعدين ما هو أخد حقه تالت ومتلت، عايز ايه تاني؟!


هزّ نادر رأسه بأسف، وقال:

ـ حضرتك عارف إن حمدان الأسيوطي انتهازي ومش هيفوت فرصه زي دي غير لما يطلع منها بمصلحه.. والمثل بيقول اللي تعرف ديته اقتله.. وأكيد حضرتك عارف إنه طمعان في خيل ولا اتنين من المزرعه.. ضحيِ بيهم مقابل إن الموضوع يخلص.


أدار سالم رأسه بغيظ، وهزّه بعنف وهو يقول:

ـ أنا مش عارف هلاحق على إيه ولا إيه.. على الغبي اللي واقع لشوشته في بنت ناديه.. ولا التاني عديم المسؤوليه اللي قافل تليفونه ومش سائل وبيقول لك تخرب ما تعمر.. ولا الحمار الصغير اللي مش مستوعب إنه بقا عنده ابن مسؤول منه وعمال يهرب ..



ثم نظر إلى نادر بعينين مُثقَلَتين بالإنهاك واليأس، وقال بصوتٍ خافت:

ـ أعمل إيه يا نادر.. أتصرف معاهم ازاي.. هحل إيه ولا إيه.. أنا بقيت حاطط عيني في وسط راسي.. بنام مفتح عين ومغمض عين يا نادر..


ثم تابع وهو ينظر اليه بعينين لا تخفيان الخوف الرابض بهما :

ـ خايف.. لأول مره في حياتي أحس أني خايف.. ما بقتش عارف ايه اللي بيدور من ورا ضهري.. مابقتش عارف مين بيدبر لي إيه.. خايف على نفسي وخايف على ولادي.. ولا نسيم الهبله دي هي كمان اللي مرمية في حضن تِعبان كبير أول ما هيلدغ هيلدغها هي.. دلني يا نادر أعمل إيه ؟!


استبدّ العجب بنادر حين لمح تلك النظرة اليائسة المرتعشة في عيني سالم؛ نظرة لم يعتدها منه يومًا. فقد عرفه دومًا رجلًا صلبًا، لا يعرف للخوف طريقًا، لا يشغله الغد بقدر ما تشغله السيطرة على الحاضر وإحكام قبضته على كل ما حوله. أمّا الآن، فقد رأى في عينيه خوفًا عاريًا، واضحًا، لم يره من قبل.


ولم يكن ذلك الخوف مقتصرًا عليه وحده، بل امتدّ-وبصورةٍ أوجعت نادر في داخله-إلى خوفٍ أبويٍّ صادق على أولاده، خوفٍ لم يلمحه في عيني سالم يومًا، ولا سمع نبرته في صوته من قبل.

لذلك رقّت نبرته على غير عادته، وسأله بهدوءٍ حذر:

- طيب يا باشا طالما حضرتك خايف قوي كده.. إيه اللي مخليك صابر على ناديه بعد ما عرفت حقيقتها؟


أطلق سالم زفرةً مثقلة بالإرهاق، ثم أسند جبهته إلى أطراف أصابعه، كأن الأفكار أثقل من أن تُحتمل. بدت حركته انعكاسًا صادقًا لما يعتمل في داخله من توتر وحذر، قبل أن يواصل حديثه بنبرةٍ تحمل خبرة رجلٍ يعرف خصمه جيدًا:

- اللي زي ناديه دي لو عرفت إنها اتكشفت مش هتنسحب أو تستسلم زي ما انت متخيل يا نادر...


كان صوته هادئًا في ظاهره، لكنه مشحون بحسابات دقيقة، كأن كل كلمة تُقال بعد وزنٍ طويل :

ـ ناديه، لو أنا واجهتها بحقيقتها مش هيبقى عندها حاجه تخسرها..وساعتها هتحاول تهد كل حاجه فوق راسنا بما إنها اتكشفت، فهتبدأ تدور على خطط بديلة.. لكن الفرق أنها بدل ما كانت بتحاول تدمرني من تحت لتحت.. ساعتها اللعب هيبقى على المكشوف !



ثم تنهد تنهيدة متعبة، وقال:

ـ وأنا مش ضامن هتحاول تأذيني ازاي أنا وولادي.. متنساش إنها تقدر بسهوله تاخد عمر في صفها وتحوله لعدو يضرب في أخواته ويقف ضدهم.. اللي زي ناديه توقع منها أي حاجه .. ودلوقتي بعد ما المغفل حسن وقع في غرام بنتها ممكن جدا تسيطر عليه هي وبنتها وتحاربني بيه .. علشان كده لازم تفضل فاكرة نفسها مسيطره وخيوط اللعبة كلها في ايديها.. وانا قبل ما أكشفها لازم أخد حذري كويس قوي وأكون سابق بخطوة.. زائد إني دلوقتي مش عارف الحقيقه فين بالظبط.. مش عارف إذا كان عاصم هو السبب ولا هي ... ولا هم الاتنين متفقين مع بعض.. لازم أفضل مسيطر على الوضع لحد ما أعرف الحقيقة فين بالظبط يا نادر وبعدين أخد رد فعل .


هزّ نادر رأسه ببطء، وقد بدا عليه الاقتناع التام.. لم يستطع، رغم كل شيء، أن ينكر حدة ذكاء سالم وعمق نظرته للأمور. تنهد بدوره، ثم قال بصوتٍ يحمل تسليمًا صريحًا:

- مش هقدر أقول غير إن معاك حق...


ثم نهض من مجلسه، واقترب بخطوات هادئة، ثم وضع يده على كتف سالم في لفتةٍ صادقة تجمع بين المواساة والدعم، وقال بصوتٍ مطمئن:

- متقلقش يا باشا... أنا معاك وفي ضهرك، وإن شاء الله محدش هيقدر يقرّب لك ولا لأولادك. وبالنسبة لموضوع زيارة عاصم، هعمل اللي أقدر عليه وفي أقرب وقت علشان أتأكد دخل المستشفى وقتها ولا لأ. وكمان هتابع موضوع حسن ونائل، وأي جديد هيوصل لك فورًا.


رفع سالم كفّه وربّت به على يد نادر الموضوعة على كتفه، في إيماءة امتنان واضحة، ثم قال بنبرةٍ خالطها التعب:

- ربنا يقوّيك يا نادر... إنت متحمل معايا كتير أوي اليومين دول، ومش ملاحق على مشاكلنا.


ابتسم نادر ابتسامة خفيفة، وقال بإخلاص:لل

- أنا في الخدمة دايمًا يا باشا... وهو أنا ليا مين غيركم؟


توقف لحظة، وكأن كلمةً علقت في صدره، لكنه آثر الصمت. غير أن سالم التقط ذلك التردد من نظرة عينيه، فرفع رأسه إليه وسأله مباشرة:

- في حاجة عاوز تقولها يا نادر؟


- لا يا باشا... حاجة مش مهمة ومش وقتها.


- اتكلم يا نادر، إيه اللي مش مهم ومش وقته؟


تنحنح نادر بخفة، ثم قال وهو يتراجع خطوة إلى الخلف:

- بعدين يا باشا... لما نخلص من اللي إحنا فيه، أبقى أقول لك.


استأذن بعدها وانصرف، تاركًا سالم وحده في المكان.

ظل سالمفي موضعه، يحدّق في الفراغ أمامه، وقد بدأ صمت الغرفة يضغط على صدره أكثر من أي صوت. تسلّل إليه شعورٌ غريب، لم يعتده يومًا؛ خوفٌ مبهم من مجهول لا يرى له ملامح واضحة، ولا يعرف من أي اتجاه سيأتي.


استوقفه ذلك الإحساس، وأربكه، بل وأثار دهشته من نفسه؛ كيف لرجلٍ اعتاد السيطرة والاطمئنان إلى قوته أن يقف الآن حائرًا، يترقّب القادم بقلقٍ لم يعرفه من قبل؟




أدرك في تلك اللحظة أن ما يخيفه لم يكن خطرًا محددًا، بل تلك المساحات المظلمة التي لا يعلم ما يُحاك فيها بعيدًا عن عينيه... وأن هذا الخوف، على غير عادته، لم يعد حكرًا على نفسه فقط، بل امتد ليشمل أبناءه، ومستقبلهم، وكل ما قد يُنتزع منه في غفلةٍ واحدة.


༺═────────────────═༻


كانا يجلسان متقابلين، غير أن ملامح عمر لم تحمل شيئًا من مرحِه المعتاد، ولا ذاك البريق الذي كان يسبق حضوره دائمًا. بدا كأن شيئًا داخله قد انطفأ فجأة؛ ضيقٌ صامت ارتسم على وجهه، أثقل الجو من حولهما، وجعل حسن يرمقه بتردّد، راغبًا في فتح الحديث، ثم ما يلبث أن يتراجع في كل مرة.


خاصةً عندما انبعث صوت صراخ ذلك الطفل الذي تردد صداه في أرجاء البيت، فنهض عمر فجأة وقال بنبرةٍ مثقلة:

- أنا همشي يا حسن، مش قادر أقعد من كده .


حاول حسن أن يستبقيه، متكئًا على شعور المسؤولية، وضاغطًا عليه باسم الأخوّة:

- طيب على الأقل خليك معايا النهارده ، هو انت مش شايف الحالة اللي أنا فيها ؟!


تنفّس عمر بعمق، ثم قال باستسلامٍ واضح:

- حسن أنا لازم أمشي، لو فضلت هنا مفيش حاجه هتتغير !


تحرّك حسن ببطء، متألمًا، وعدّل جلسته على الفراش وهو يقول:

- ولو مشيت بردو مفيش حاجه هتتغير يا عمر، ما انت عارف أبوك، طالما حط حاجة في دماغه مفيش حد هيقدر يخليه يغير رأيه .


زفر عمر بحيرة، ثم جلس على طرف السرير مستسلمًا، وقد أدرك أن أخاه على حق. كان يعلم جيدًا أن والده، ما دام قد قرّر بقاء تلك المرأة في المنزل، فلن يفلح أحد في إبعادها. وبينما هو غارق في أفكاره، شدّ حسن انتباهه فجأة حين قال بنبرة جادّة:

- في حاجة مهمة عاوز أتكلم معاك فيها .


رفع عمر رأسه وقال:

- حاجة إيه ؟!


- بخصوص جيلان!


تقلّص ما بين حاجبي عمر دهشةً، وهزّ رأسه متسائلًا وهو يعتدل في جلسته باهتمامٍ أشد:

- مالها چيلان ؟! في حاجه انتوا الاتنين مخبيينها عليا مش كده ؟!


تنفّس حسن بعمق، كمن يستجمع شجاعته، ثم قال بصوتٍ صريح لا يحتمل الالتفاف:

- أنا بحب جيلان يا عمر.


نظر إليه عمر بصدمةٍ واضحة وقال:

- بتحبها؟ ازاي يعني بتحبها؟


أجابه حسن دون مواربة:

- هكون بحبها إزاي يعني ؟!


تردّد عمر لحظة، ثم قال وكأنه يتحقّق من وقع الكلمة:

- أقصد... بتحبها حب بجد يعني ؟!


تنفّس حسن بضيق، وقد بدت نبرته مشوبة بشيء من نفاد الصبر :

- وهو في حب بجد وحب كده وكده ؟! أيوة طبعا بحبها بجد وعاوز أتجوزها كمان !


ارتفع حاجبا عمر دهشةً، وبدا عليه الذهول لثوانٍ، ثم انفجر ضاحكًا فجأة، ضحكةً غير متوقّعة، أثارت ريبة حسن وأشعلت ضيقه، فهتف بحدّة:

- بتضحك على إيه ؟!


قال عمر وهو يحاول كتم ضحكته:

- بصراحة؟ مش قادر أتخيلك انت وچيلان مع بعض نهائي !


تقلّص ما بين حاجبي حسن استنكارًا، ولم تَرُق له كلمات أخيه، إذ لم يعرف أيستخفّ به عمر أم يراه غير مناسب لأخته، فسأله مباشرة:

- تقصد ايه ؟! مش قادر تتخيلنا مع بعض ليه ؟! هو أنا ناقصني إيه ؟!


سارع عمر يوضّح مقصده، وقد خفّف من نبرته المرحة وجعلها أكثر جدية:

- لا طبعا مش ناقصك حاجه، أنا قصدي إن انت وچيچي مجانين زي بعض وما اعتقدش إنكم هتقدروا تتفقوا يعني..


شعر حسن بشيء من الارتياح، وزفر نفسًا عميقًا، ثم قال محاولًا إعادة دفة الحديث إلى مسارٍ أكثر جدية:

- سيبك من الكلام ده وركز معاايا ..


أومأ عمر برأسه موافقًا، فتابع حسن وقد اشتدّ تركيزه:

- تخيّل نفسك مكان جيلان... شايفني ازاي ؟!


ظلّ عمر ينظر إليه لحظات، كأنه يتقمّص نظرة جيلان نفسها، ثم قال بنبرةٍ جادّة لم تخلُ من خفّة ظلّ:

- شايفك عشوائي وهمجي.. وبربري كمان !


وما إن أنهى عبارته حتى انفجر ضاحكًا، فضحك حسن بدوره، وأومأ برأسه موافقًا وهو يقول:

- صحيح... هي بتقول كده دايما .


تبادلا الضحكات قليلًا، ثم خفَتَ صداها، وعادت الجديّة تزحف إلى ملامحهما. عندها سأله عمر بنبرةٍ متفحّصة:

- حسن... إنت بتتكلم بجد ولا بتشتغلني ؟! إنت بتحب جيلان فعلا ؟!


أجابه حسن دون تردّد، وقد اختلطت نبرته بالعفويّة والصدق:

- يا عم ورحمة أمي بحبها وبموت فيها كمان ..


ارتسمت ابتسامة دافئة على وجه عمر، بينما تابع حسن بصوتٍ أخفض، كمن يعترف بسرٍّ ثقيل:

- بس مش عارف ليه كل ما أجي أتكلم وأقوللها إني بحبها لساني يتلجم وأفضل ساكت ومتنح زي الحيطة بالظبط..


سكت لحظة، ثم أردف بصدقٍ موجع:

- لو ردها مكانش هو الرد اللي أنا مستنيه هتبقى ضربة في مقتل يا عمر !


تنفّس عمر بعمق، وخفّت ابتسامته لتحلّ محلّها نظرة مشفقة. نهض وجلس إلى جوار أخيه، وأحاط كتفيه بذراعه في تلقائيّة، ثم قال:

- من وجهة نظري، لازم تنشف كده وتصلب طولك وتواجهها بمشاعرك بكل صراحة وبعدين تسيب لها حرية الرد.. لو فضلت متردد صدقني مش هتاخد خطوة لقدام .. متخليش حاجة تخوفك أو توقفك .


زفر حسن أنفاسه ببطء، وقال بصوتٍ مثقل:

- للأسف... في حاجات كتير مخوفاني، وأولها أمك مثلا.


تساءل عمر باستغراب:

- أمي مالها ؟!


تنفّس حسن بعمق، تنهيدةً ثقيلة امتزج فيها الضيق بالعجز، ثم قال بصوتٍ خافت:

ـ أمّك شايفاني طمعان في جيلان، ومقتنعة إني بمشاعرها علشان أوقعها في حبّي. وطبعًا من وجهة نظرها إني ما أستاهلهاش، وإنها تستاهل واحد مناسب ليها... متعلّم، مثقّف، ويشرّفها على حد قولها.




هزّ عمر رأسه بمرارةٍ مستسلمة، وقال بنبرةٍ يغلّفها الاستنكار:

ـ وهي إمتى أمي شافت حد مناسب أصلًا؟! لا إنت مناسب لجيلان، ولا ميرال كانت مناسبة ليّ! أمي دايمًا شايفانا فوق الكل، مع إن الحقيقة غير كده خالص.


توقّف لحظة، ثم أكمل بحزمٍ صادق:

- بص يا حسن، ما تخليش حد يحبطك أو يتحكم في حياتك، وخصوصًا أمي. جيلان هي الوحيدة اللي ليها حق تقرر، وبعدين چيلان واعية وعمرها ما تسمح لحد يمشيها على مزاجه. لازم تتكلم معاها وتحسم الموضوع ده بسرعة.. ولو بتحبك زي ما إنت بتحبها، أوعى تسيبها... وأنا أول واحد هقف في ضهركم.


أطلق حسن زفرةً طويلة، وقال بصوتٍ مثقل بالحيرة:

- طب ولو ما كانتش بتحبني زي ما أنا بحبها؟ أعمل إيه ساعتها؟


تدلّت كتفا عمر في حيرةٍ واضحة، ثم قال بهدوءٍ نابع من تجربة موجعة:

ـ يبقى على الأقل هتكون ريّحت نفسك وقلت اللي جواك. ما تعملش زيي وتفضل متردد وساكت لحد ما تخسر كل حاجة. اللي ممكن تخسره لو اتكلمت أقل بكتير من اللي هتخسره لو فضلت ساكت .


اتّسعت ابتسامة حسن وقال مازحًا:

- اللهم صلّي على النبي... إيه الحكمة دي كلها؟! من إمتى وإنت عاقل ورزين كده يا حبيب أخوك ؟


ارتسمت على شفتي عمر ابتسامةٌ موجعة، وتنهد بحزنٍ صريح، ثم قال:

- الموضوع مش موضوع حكمة وعقل.. كل الحكاية إني راجعت نفسي وندمت لأني كنت جبان ومتردد.. اتأخرت أوي على ما قدرت أخد قرار إني أقول الحقيقة، وللأسف قلتها متأخر .. علشان كده مش عايزك تتأخر وتندم زيي .


كان لحديث عمر أثرٌ عميق في نفس حسن؛ إذ أيقظ فيه شجاعةً كان يؤجّل استدعاءها، وحسم تردّدًا طال أمده. عندها قرّر أن يتقدّم، وأن ينطق بما ظلّ حبيس صدره طويلًا، وألا يسمح لشيءٍ بعد اليوم أن يعيده خطوةً إلى الوراء أو يقيّده بسلاسل الخوف والانتظار.


تمدّد على السرير، وراح يحدق في السقف بشرودٍ طويل. وعلى الرغم من الألم الذي كان يسري في جسده، فإن ذاكرته كانت تنتصر عليه كلّ مرة؛ فكلّما استحضر يديها وهما تداويان جرحه برفق، ونظرة الفزع المرتعشة في عينيها وهي تبكي خوفًا عليه، وتلك اللحظة التي وقفت فيها أمامه تحميه بجسدها، تبدّد وجعه وتلاشى شكّه.


كانت تلك المشاهد رسائل صامتة، لكنها أبلغ من كلّ اعتراف، أكّدت له أنها تشاركه الشعور ذاته، وأن تردّده لم يكن سوى وهمٍ صنعه الخوف. عندها أيقن أن الصمت لم يعد خيارًا، وأن عليه أن يتكلّم في أقرب وقت، وأن يخطو خطوةً حاسمةً وجادّة، مهما عظمت المخاوف وتكاثرت الهواجس.



༺═────────────────═༻


كان فريد ممدّدًا على الفراش، غارقًا في نومٍ مضطرب لا يعرف السكون. تعاقبت أنفاسه متلاحقة، وبدأ العرق يتسلّل إلى جبينه ثم ينحدر على صدغيه، فيما راحت رأسه تهتزّ ببطءٍ متوتر، كأنما يخوض صراعًا خفيًّا لا يُرى. كانت ملامحه مشدودة، وعضلات فكه متيبّسة، وكأن شيئًا ما يشدّه من عالمٍ آخر لا يستطيع الإفلات منه، ولا يملك فيه سوى محاولة يائسة للنجاة.



ازدادت حركته اضطرابًا، وتشنّج جسده فجأة، ثم انتفض من نومه انتفاضة حادّة، جالسًا في مكانه وهو يلهث، يتصبّب عرقًا كأنما أُخرج لتوّه من معركةٍ طويلة. أخذت عيناه تدوران في الغرفة بذهول، متفحّصًا المكان حوله، وكأنه لم يعد بعد إلى واقعه، وكأن روحه ما زالت معلّقة في عالمٍ آخر، لم يفهم بعد كيف غادره.


وفي تلك اللحظة المرتبكة، التفت فجأة، فاصطدمت عيناه بنغم التي كانت قد استيقظت على أثر حركته المفاجئة، تنظر إليه بقلقٍ ودهشة. حدّقت في وجهه المتعرّق، وفي ملامحه المشدوهة، ففهمت دون كلمات أنه كان أسير كابوسٍ قاسٍ.


لم يمهلها لحظة أخرى؛ اندفع نحوها فجأة، وجذبها إلى صدره بعنفٍ مرتجف، وكأنه يخشى أن تفلت من بين يديه. أحاطها بذراعيه بكل ما فيه من قوة، وراح صوته يخرج مبحوحًا وهو يسألها بلهفةٍ لا تخطئها الأذن:

- انتِ كويسة؟


كان سؤاله أشبه برجاءٍ مضطرب، لا يبحث عن إجابةٍ بقدر ما يبحث عن طمأنينة. كان يريد أن يتأكّد، بملمسها وقربها ونَفَسها، أنها بخير... وأنها هنا، سالمة، ولم يمسّها أيّ مكروه.


- أنا كويسة يا حبيبي... مالك؟


لم يُجبها على الفور. مرّر يده على رأسها بقوةٍ لا تخلو من ارتجاف، ثم شدّها إليه أكثر، كأنما يحتمي بها من شيءٍ كان يطارده منذ لحظات. في داخله كان يهمس بالحمد، يحمد الله أن ما رآه لم يكن سوى كابوسٍ عابر، لا واقعًا دامغًا لا يُحتمل.


كانت تنظر إليه بعينين ممتلئتين بالشفقة والقلق، تراقب اضطراب أنفاسه وارتعاش ملامحه، ثم ابتعدت قليلًا عنه، ورفعت يدها تمسح قطرات العرق المتناثرة على جبينه ووجهه برفقٍ حنون، وقالت بصوتٍ خافت:

- مالك يا فريد؟ انت كنت بتحلم ولا ايه ؟


أومأ برأسه موافقًا، وكأنه لا يملك من الكلمات ما يفي بشرح ما كان فيه. أحاط وجهها بكفّيه، ينظر إليها نظرة طويلة، متأكّدًا من حضورها ودفئها، ثم أعادها إلى صدره مرة أخرى، وأطبق ذراعيه حولها بإحكام، كمن يخشى أن تضيع من بين يديه إن تراخى لحظة.


كان احتضانه هذه المرة أعمق، ممتلئًا بخوفٍ مكتوم واطمئنانٍ يتشكّل ببطء، كأنه لا يزال يحتاج إلى هذا القرب ليُقنع قلبه أن ما رآه قد انقضى... وأنها هنا، بين ذراعيه، حقيقة لا كابوس.


انتزعت نفسها برفقٍ من بين ذراعيه لتُبدّل موضعهما، فإذا به بعد لحظاتٍ يستكين بين ذراعيها. ضمّته إلى صدرها بقوّةٍ حانية، وأخذت تمسح جبينه المتصبّب براحـة كفّها في حركةٍ مطمئنة، ثم مرّت بأناملها على شعره وذراعه، كأنها تُعيد إليه سكونه المفقود وتنتزع عنه بقايا الفزع العالق بروحه.


أما هو، فقد أحاط خصرها النحيل بذراعه في تشبّثٍ صامت، وأسنَد رأسه إلى صدرها في اطمئنانٍ مستسلم، مستمدًّا من دفئها طمأنينةً يحاول بها طرد ذلك الكابوس المظلم من ذاكرته. غير أنّ صور الحلم بقيت عالقةً في ذهنه، تتردّد بإلحاحٍ رغم كل محاولاته لبعثرتها.



حاول طويلًا أن يستعيد هدوءه، لكنّه أخفق. فابتعد عنها قليلًا، وقد بدا الإرهاق واضحًا في صوته وهو يقول:

- أنا هقوم آخد شاور... جايز أعرف أنام تاني. وانتي كمّلي نومك.


ثم نهض على مهل، وتوجّه نحو الحمّام، تاركًا خلفه دفء حضنها، وماضيًا إلى عزلةٍ قصيرةٍ لعلّ الماء يُطفئ ما تبقّى في صدره من اضطراب.


وقف تحت انهمار الماء البارد، مغمض العينين، كأنّه يحاول أن يغسل عنه ما علق بروحه.

انسابت القطرات فوق جسده، غير أنّ برودة الماء لم تكن أشدّ وطأةً من برودة ذلك الحلم الذي باغته. وما إن تسلّل طيفه إلى ذاكرته حتى فتح عينيه فجأة، لاهثًا، كأنّه يفرّ من صورةٍ ملعونةٍ انغرست في قلبه ونهشته دون رحمة.


أطال الوقوف قليلًا، يحاول أن يستجمع أنفاسه، ثم أنهى حمّامه وخرج بخطواتٍ أهدأ مما كان عليه. ارتدى ثيابه، وتوجّه ليصلّي الفجر؛ وقف بين يدي الله بخشوعٍ صادق، يرجوه السكينة، ويتضرّع إليه أن يحفظها، وألا يفرّق بينهما أبدا .


عاد بعدها إلى الغرفة، فوجد نغم لا تزال في موضعها، ساكنة الجسد، لكن عينيها مفتوحتان في هدوءٍ مترقّب. تقدّم نحو الفراش، واستلقى إلى جوارها، ثم ضمّها إليه برفق، وقبّل أعلى رأسها بحنانٍ ممتد، وهمس بصوتٍ خفيض:

- منمتيش ليه؟


- مستنياك.


تنفّس بعمق، ثم شدّها إلى صدره بقوّةٍ مشوبةٍ بالاحتياج، وراح يمرّر كفّه فوق خصلات شعرها بحنان، وقال بصوتٍ خفيضٍ مطمئن:

- طيب يلا نامي.. أنا جنبك أهو..


أغمضت عينيها محاولةً أن تستدعي النوم من جديد، غير أنّ القلق ظلّ يهمس في داخلها، فتساءلت وهي مغمضة العينين:

- هو كان كابوس مرعب للدرجادي؟


لم يشأ أن يثقل قلبها بحقيقة ما شعر به؛ لم يُرد أن يخبرها أنّ الحلم كان قاسيًا إلى حدٍّ جعل قلبه ينقبض رعبًا، وأن أثره ما زال عالقًا في صدره كظلٍّ ثقيل. لذلك اكتفى بزفرةٍ هادئة، وقال بنبرةٍ حاول أن يجعلها عادية:

- كان حلم وراح لحاله.. يلا نامي قبل ما النوم يطير من عينيكي الحلوين دول.


ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ دافئة، ثم تغلغلت إلى حضنه أكثر، متشبّثةً بعناقه بكل ما أوتيت من قوّة، كأنّها تستمدّ منه الطمأنينة كما يمنحها.


ظلّ هو يمرّر أصابعه بين خصلات شعرها ببطءٍ إيقاعي، يساعدها على الاسترخاء، حتى هدأت أنفاسها وانتظمت، وعادت إلى نومٍ عميق، بينما بقي هو مستيقظًا لحظاتٍ أطول، يصغي إلى سكون الليل، ويحاول أن يقنع قلبه بأن كلّ شيءٍ بخير .


غير أنّ تلك اللحظات لم تكن عابرة كما ظنّ؛ فقد امتدّت وتمطّت حتى فوجئ بخيوط الضوء تتسلّل إلى الغرفة، والنهار يصعد رويدًا رويدًا، وهو ما يزال جالسًا في مكانه، غارقًا في أفكاره، كأنّ الليل أبى أن يتركه إلا مثقلاً بكل ما يؤرّقه.



وما إن أدرك أنّ الصباح قد أشرق، حتى مدّ يده إلى درج الكومود، وأخرج هاتفه على مضض. لم يكن راغبًا في فتحه، لكن شيئًا داخله ألحّ عليه هذه المرّة أن يطمئنّ إلى عائلته، خاصة بعد ذلك الكابوس الذي هزّ أعماقه وأيقظ فيه خوفًا لم يألفه.


قبض على الهاتف، وظلّ لحظاتٍ يحدق في شاشته الصامتة، يفكّر: من يهاتف أولًا؟

لم يكن مستعدًا الآن لسيل اللوم والعتاب من والده بسبب إغلاقه الهاتف؛ يعرف يقينًا أنّه سيسمع كلماتٍ عن الإهمال وعدم المسؤولية، وهو بالكاد يحتمل صراع أفكاره، فكيف بجدالٍ عقيم منذ الصباح؟


هل يتصل بحسن؟

تردّد قليلًا، لكنه يعلم أنّ حسن - مهما اشتدّت الأمور - لن يبوح له بكل ما يجري، وسيكتفي بإجاباتٍ مقتضبة لا تشفي فضوله ولا تطمئن قلبه.


أم يتصل بزينب؟

هزّ رأسه في صمت؛ زينب أيضًا لن تحكي له شيئا، لن ترغب في نزع مزاجه في أيام خاصة كتلك .


لم يبقَ أمامه سوى اسمٍ واحدٍ خطر بباله، فارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ باهتة رغم توتّره.

عمر.


عمر وحده الذي لا يعرف للسرّ بابًا يُغلقه، ولا يملك على لسانه حارسًا. إن كان هناك ما يُقال - صغيرًا كان أم عظيمًا - فسيخرجه بلا تردّد، حتى لو كان سرًّا قوميًّا لا ينبغي أن يُذاع.


لذا لم يتردّد طويلًا؛ ضغط على اسم عمر، ورفع الهاتف إلى أذنه، وقلبه يخفق بقلقٍ مكتوم. لم تمرّ سوى ثوانٍ قليلة حتى جاءه صوت عمر هادئًا :

- فريد.. وحشتني يا برو!


ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي فريد، ابتسامة امتزج فيها الشوق بشيءٍ من الراحة، وقال:

- وانت كمان وحشتني يا عمر.. وكلكم وحشتوني والله.. طمني عليك وعلى كل اللي عندك!


جاءه الردّ سريعًا، بنبرةٍ توحي بأن الأمور تسير، لا أكثر:

- احنا كويسين.. ماشي الحال!


لم يطمئن قلبه بالكامل، فتسلّل اسم حسن إلى لسانه بقلقٍ واضح:

- وحسن؟!


توقّف عمر لحظة، ثم قال بنبرةٍ تحمل شيئًا من الترقّب:

- انت سمعت عن اللي حصل ولا ايه؟!


انعقد حاجبا فريد دهشةً، وشدّ الهاتف أكثر إلى أذنه:

- هو ايه اللي حصل؟


جاءه صوت عمر هذه المرّة بشيءٍ من التلميح:

- طالما بتسأل تبقى معرفتش.


زفر فريد بنفاد صبرٍ واضح، وقد بدأت أعصابه المشدودة منذ الفجر تتمرّد:

- هو ايه اللي حصل وعرفت ايه بالظبط يا عمر؟! اتكلم... انا اعصابي بايظة اصلا.


تنفّس عمر بعمق، وكأنه يتهيأ لخبرٍ ثقيل، ثم قال:

- حسن اتخانق مع نائل الأسيوطي وضربوا بعض.. ونائل دشمل لحسن وشه وكسر له ضلع و...


لكن الجملة لم تكتمل؛ إذ انقطع صوت عمر فجأة، وحلّ محلّه اضطرابٌ مكتوم، ثم سُمع احتكاكٌ سريع، كأن الهاتف انتُزع من يده عنوة.



وفي اللحظة التالية، جاء صوت حسن نفسه، مشحونًا بحنقٍ مكبوت، وقد تولّى الحديث بدلًا منه...

- مبدئيًا كده أنا اللي ضربته الأول ، ثانيا ..عامل ايه با كبير ؟


اشتدّ القلق في صدر فريد، فاعتدل في جلسته، وصوته يخرج مشدودًا:

- ايه اللي حصل يا حسن؟! عمر بيتكلم بجد؟! انت اتخانقت مع نائل وضربك فعلًا؟!


لم يتأخر الردّ؛ جاءه صوت حسن مشوبًا بحنقٍ مألوف، وكبرياءٍ جريح:

- طب متقولش ضربك بس.. أنا طحنته الأول على فكرة، وهو حب يردها لي بس عشان هو جبان وقِلة معرفش يواجهني راجل لراجل..


ثم خفّض صوته قليلًا، وقد تسلّل إليه ضيقٌ واضح ولمحة خزي حاول إخفاءها خلف عناده:

- خلّى رجالته يكتفوني واتغاشم عليا .. بس معلش.. ملحوقة.


أغمض فريد عينيه لحظة، ومسح على وجهه بضيقٍ واستياء، وكأن صداعًا مباغتًا طرق رأسه. ثم قال بنبرة حازمة لا تقبل جدالًا:

- اسمعني يا حسن.. اللي انت بتفكر فيه ده انساه تمامًا، سامعني؟! انت مش هتعمل أي حركة مجنونة من حركاتك، ولا هتوقع نفسك في مصيبة بسبب واحد تافه زي نائل.. اتفقنا؟!


لكن حسن لم يكن ممّن يبتلع الإهانة بسهولة؛ فهتف باعتراضٍ مشتعل:

- أومال عاوزني أسيب حقي ؟! ليه هو انا هِتية ولا ايه؟!


ساد صمتٌ ثقيل لثوانٍ، صمتٌ يحمل بين طيّاته غضب شابٍ متهور، وقلق أخٍ يحاول أن يمنع كارثة قبل وقوعها...


تنفّس فريد بعمق، وكأن صدره يضيق بما فيه، ثم قال بصوتٍ يحمل عجزًا مكتومًا:

- لا، انت مش هِتية ولا حاجة، انت زي الفل.. بس في حاجة اسمها عقل نفكّر بيه، وقانون يجيبلك حقك من غير ما تودي نفسك في داهية.


لم يمهله حسن لحظة؛ قاطعه فورًا بنبرة منزعجة، حادّة كعادته:

- لا لا.. سيبك من كل ده. انا لا بتاع قانون ولا كلام فاضي من ده. القانون ده اتعمل للي ما يعرفش يجيب حقه بدراعه، إنما انا ربنا اداني بدل الدراع اتنين، واعرف اجيب حقي كويس أوي.


ثم لم يترك لفريد فرصة للردّ، فاستطرد بإيجازٍ حاسم:

- يلا مش هطوّل عليك وأوجع دماغك.. عمر معاك.


وانتقل الهاتف إلى عمر، بينما كانت ملامح فريد قد غزاها الضيق واليأس معًا. كان يعرف، في قرارة نفسه، أن حسن لا يُصغي للعقل ولا يعترف بالمنطق؛ فهذه أشياء لا تمتّ لعالمه المندفع بصلة .


وبينما تولّى عمر مواصلة الحديث مع فريد، قال بصوتٍ بدا عليه التردّد:

- فريد... انت هترجع امتى؟


ظلّ السؤال يتردّد في رأس فريد بإلحاح. لم يكن ينوي الانصياع لأمر والده والعودة، على الأقل قبل يومين إضافيين؛ غير أنّ ما سمعه عن حسن، وما استشفّه من نوايا أخيه غير المطمئنة، جعلاه يدرك أنّ البقاء بعيدًا لم يعد خيارًا آمنًا. لم يعد في الغياب أي جدوى، بل ربما خطرٌ يتفاقم مع كل ساعة.

تنفّس بعمق، ومسح وجهه بيده في حركةٍ تعكس قلة حيلته، ثم قال:

- النهارده يا عمر... هحجز دلوقتي وأشوف هلاقي ميعاد مناسب إمتى.




تنهد عمر بارتياحٍ خفيف، وقال:

- كويس بردو... وجودك هيفرق معانا كلنا أكيد.


لكن فريد التقط من نبرته شيئًا لم يعجبه، ضيقًا خفيًا لم يخطئه سمعه، فسأله باهتمامٍ مشوب بالقلق:

- مال صوتك انت كمان؟!


تنهد عمر من جديد، وقال محاولًا التهرّب:

- مفيش حاجة...


زفر فريد بنفاد صبر، وقال بعجلةٍ واضحة:

- اتكلم يا بني... هبّبت إيه انت كمان؟!


جاءه ردّ عمر مندفعًا، غاضبًا، كأن غضبه كان جمرةً تحت رماد لم يعد قادرًا على إخفائها:

- مش أنا اللي هبّبت... أبوك هو اللي هبّب!


تساءل فريد بعفويةٍ أربكها القلق:

- هبّب إيه؟! ... أقصد عمل إيه؟!


ردّ عمر بحدةٍ مقتضبة، حملت في طيّاتها ثِقَل المفاجأة:

- قعد لاتويا في البيت مع ابنها!


- نعم؟!!


انفلتت صيحة مندهشة من فريد مدوّيةً قبل أن يستدرك نفسه، إذ وقعت عيناه على نغم الغافية إلى جواره. ابتلع دهشته سريعًا، وخفّض صوته، ثم نهض بخطواتٍ حذرة وغادر الغرفة، متجهًا إلى غرفة المعيشة، وهو يردّد بذهولٍ مكتوم:

- قعّد لاتويا في الفيلا؟!


أتاه صوت عمر عبر الهاتف مثقلًا بالضيق:

- أيوة، وأنا مشيت.. مكنتش ناوي أرجع، كنت فاكر إن دي ممكن تكون وسيلة ضغط تجبره يمشيها، لكن لما عرفت إن حسن اتضرب كان لازم...


وما كاد أن ينهى عبارته حتى انقطعت كلماته فجأة، إذ باغته حذاءٌ طائر ارتطم بمؤخرة رأسه.


ساد صمتٌ خاطف، أعقبه ضحكته الخافتة، ثم تابع وهو يحكّ رأسه في شيءٍ من المرح الممتزج بالألم:

- كان لازم أفضّل جنبه.


مرّر يده على وجهه ببطء، ثم دفع أصابعه في خصلات شعره كمن يحاول أن يفيق من صدمةٍ مباغتة، غير أنّ الكلمات خانته، وبدا لوهلةٍ وكأنه فقد القدرة على النطق. ظلّ صامتًا، يبتلع ما يعتمل في صدره، ثم تنفّس تنهيدةً مثقلة بالتعب، قبل أن يسأل بصوتٍ خافتٍ يكسوه اليأس:

- حصل إيه تاني في غيابي يا عمر؟


على الطرف الآخر، ضيّق عمر عينيه، ومطّ شفتيه في تفكيرٍ متردّد، وأطلق همهمةً قصيرة، ثم قال بنبرةٍ حاول أن يجعلها عادية:

- لا، مفيش حاجة تانية حصلت... الوضع تحت السيطرة.


ارتسم على شفتي فريد شبهُ ابتسامةٍ باهتة، أقرب إلى سخريةٍ موجوعة، وزمّهما قائلًا بأسى:

- واضح...!


ثم أطلق زفرةً مقتضبة، كأنها تختزل ضيقه كلّه، وأضاف بجدّيةٍ حاسمة:

- خَلّي بالك من أخوك لحدّ ما أرجع... رجلك على رجله مكان ما يروح تروح معاه. بلاش يحطّ نفسه في مصيبة تانية.


أجابه عمر سريعًا:

- أوكي يا برو، متشغلش بالك... تيجي بالسلامة إن شاء الله.


أنهى فريد الاتصال ببطء، وبقي الهاتف بين يديه كحمل ثقيل لا يعرف أين يضعه. أخذ يحدّق في شاشته المطفأة، يهزّ رأسه بأسىً صامت. كان يدرك جيدًا أن يومًا واحدًا في عائلته كفيلٌ بأن يحمل الكثير والكثير مما يفوق الاحتمال... لكنه، رغم كل توقّعاته، لم يكن يتخيّل أن يبلغ هذا "الكثير" حدَّه الذي سمعه الآن.



༺═────────────────


توالت الطَّرَقات على باب غرفة حسن طرقًا متتابعًا، حتى أدرك حسن وعمر أن والدهما يستدعيهما للنزول إلى مائدة الإفطار.


التفت عمر إلى حسن وقال بصوتٍ خافتٍ حاسم:

- ههرب أنا.. هستناك في المزرعه وانت حصلني على هناك .


نظر إليه حسن بضيقٍ صامت، نظرةً تحمل ما بين الاعتراض والتفهّم، ثم هزّ رأسه موافقًا دون جدال. وغادرا الغرفة معًا.


وما إن هبطا الدرج، حتى انفرج باب الغرفة في الطابق السفلي، وخرجت لاتويا تحمل طفلها بين ذراعيها.


في لحظةٍ واحدة تبدّلت ملامحهما، وتجهم وجه عمر على نحوٍ حاد، واشتعلت عيناه بغضبٍ مكبوت. همَّ أن يندفع خارج الفيلا دون التفات، لولا أن صوت والده أوقفه قائلًا بصرامة:


- تعالى يا عمر.


استدار نحوه، وكلّ قسمات وجهه تنطق بالضيق:

- نعم؟


- رايح فين؟


- ماشي.


- ماشي على فين؟ مش هتقعد تفطر الأول معانا؟


كان عمر على وشك الرد، غير أن والده سبقه بنبرةٍ لا تقبل المساومة:

- تعالى افطر... في حاجة مهمة عايز أتكلم معاك فيها.


ثم مضى إلى غرفة الطعام دون أن ينتظر إجابة.


وقف عمر لحظةً يتنفّس بثقل، ثم نظر إلى حسن. لم ينطق حسن بكلمة، لكنه رمقه بنظرةٍ صامتة يرجوه فيها أن يمرّ هذا الصباح بأقل قدرٍ ممكن من الانفجار.


تنهد عمر على مضض، وانصاع لرغبة أخيه، ودخلا معًا إلى غرفة المائدة... لتلحق بهما لاتويا، وطفلها بين ذراعيها .


اتخذ كلٌّ منهم موضعه حول المائدة في صمتٍ ثقيل، وجلسوا كما اعتادوا ينتظرون إشارة البدء منه، تلك الإشارة التي لم يكن يتأخر عنها يومًا.


غير أنّهم هذه المرّة تبادلوا النظرات في حيرة... فقد بدا سالم شاردًا على غير عادته. كانت عيناه معلّقتين بنقطةٍ غائبة، وملامحه منقبضة كأنّ طيف كابوسٍ مظلم ما يزال ماثلًا أمامه، يطارده حتى في وضح النهار.


تعجّب حسن من حاله، فمدّ يده ووضعها برفق فوق قبضة والده المنقبضة على الطاولة، وقال بنبرةٍ هادئة:

- خير يا باشا... في إيه شاغل بالك؟


انتبه سالم كأنّه أفاق من غيبوبة خاطفة، وهزّ رأسه قليلًا كمن ينفض عنها أثر شرودٍ ثقيل، ثم قال بصوتٍ حاول أن يجعله طبيعيًا:

- مفيش... قولي، مفيش أخبار عن أخوكم؟


أومأ حسن مجيبًا:

- فريد كلمنا من شوية... وقال إنه راجع النهارده.


تنفّس سالم بارتياحٍ واضح، وانفرجت أساريره قليلًا:

- طيب الحمد لله... كفاية عليهم قوي كده. يرجع يشوف شغله ومصلحته... وعلى الأقل يبقى جنبك في افتتاح المزرعة.



ثم التفت إلى عمر، وقد استعادت نبرته شيئًا من صلابتها:

- وإنت يا عمر... بعد الفطار عايزك تروح تطمّن على أختك.


عقد عمر حاجبيه بعفوية، وقال متعجبًا:

- أختي مين؟


جاءه الردّ حادًا:

- هتكون مين يعني؟ هو إنت ليك أخوات غيرها؟ نسيم طبعًا!


رمقه عمر بنظرةٍ مشوبة بالاستغراب، وقبل أن ينبس بكلمة، انفتح باب الغرفة ودخلت نادية، لتقول باستهجانٍ ظاهر:

- أيوه طبعًا ليه !... جيلان!


تحوّلت أنظار الجميع نحوها، فيما ارتسم على وجه سالم مقتٌ داكن. لم يعد يراها في تلك اللحظة إلا ككتلةِ شرٍّ متحرّكة، ظلٍّ ثقيلٍ يتسلّل إلى بيته وأبنائه... وكان في داخله يقينٌ يتعاظم: إن لم يُقطع هذا الخيط سريعًا، فسوف يلتفّ حول عنق العائلة بأكملها.


لذلك هتف بضيقٍ مقصود، لا ليُجيبها فحسب، بل ليُصيب قلبها في مقتل. كان يتعمّد أن يثير غضبها، متلذذًا بشرارة الاحتراق التي تومض في عينيها كلّما لامستها كلماته. رفع فنجان قهوته ببطءٍ محسوب، وارتشف منه رشفةً قصيرة، ثم قال ببرودٍ لاذع:

- أخته اللي شايلة نفس اسمه.


وتعمّد أن يطيل الرشفة هذه المرّة، كأنّه يمنح عبارته وقتًا لتستقرّ في صدرها وتشتعل. ثم أعاد الفنجان إلى المائدة برفقٍ متأنٍ، ورفع عينيه إليها يتابع بصمتٍ تلك الحرب الباردة التي لا تحتاج إلى سيوف... يكفيها نظراتهما المتأججة.

وأضاف، بصوتٍ أكثر انخفاضًا لكنه أشد وقعًا:

- الإخوات... هما اللي دمهم نفس الدم يا نادية هانم.


تلقّت كلماته دون أن ترمش. كان في عينيها بريقُ شرٍّ متوهّج، غضبٌ مكبوت يشتعل تحت سطحٍ هادئ. غير أنّ نظرتها انخفضت ببطءٍ إلى فنجان القهوة... إلى السائل الداكن الذي انحسر حتى بلغ نصفه.

وعلى شفتيها ارتسمت ابتسامة خفيفة، توحي بانتصارٍ لم يُعلن بعد...


استنشقت نفسًا عميقًا، طويلًا، أعاد إلى ملامحها سكونًا مصطنعًا، ثم تقدّمت بخطواتٍ وئيدة نحو المائدة، واتخذت مكانها في هدوءٍ بالغ، كأنّ شيئًا لم يكن...


أشار إليهم بالبدء، فانشغل كلٌّ بطبقه في صمت لم يخترقه إلا صراخٌ مفاجئ، حادّ، اندلع من الصغير فالتفتت إليه الأعناق دفعةً واحدة.


نهضت زينب على الفور، واستلّت الطفل من بين ذراعي لاتويا بحنوٍّ خبير، تضمّه إلى صدرها وتهدهده بكلماتٍ هامسة، غير أنّ بكاءه ازداد حدّة، كأنّه يعلن احتجاجًا لا يُفهم.


كان عمر أول من أصابه ذلك الصوت بضيق شديد.

شعر بوخزٍ داخليٍّ غامض، ذبذباتٍ متسارعة تعبث بأعصابه دون تفسير. أخذ يهزّ قدمه تحت الطاولة بعصبيةٍ ظاهرة، محاولًا أن يستعيد اتزانه، وأن يُبقي عينيه بعيدتين... بعيدتين فقط عن ذلك الطفل.


لكنّه لم يستطع.


تساءل سالم بقلقٍ ظاهر:

- ماله الولد يا زينب؟!



أجابته بابتسامةٍ مطمئنة، تخفي خلفها شيئًا من الإجهاد:

- متشغلش بالك يا باشا... شوية تعب بسيط من التطعيم. هاخده أديه مسكّن، وهيبقى كويس.


وفي تلك اللحظة، كأنّ قوّةً خفيّةً جذبت عمر رغمًا عنه. رفع عينيه... والتقت عيناه بعينين صغيرتين، دامعتين، معلّقتين به وحده دون سواه.


تجمّد في مكانه.. وهو يرى ذلك الطفل الباكي يمد يده نحوه.

خُيّل إليه أنّ تلك القبضة الصغيرة تنفتح نحوه، تمتدّ في الهواء طلبًا لشيءٍ لا يُدركه. كأنّ الطفل، وسط بكائه، يختاره هو... دون غيره.


قطّب جبينه في ارتباكٍ حاد، وشعر بحرارةٍ خفيفة تصعد إلى وجهه. لماذا ينظر إليه هكذا؟ ولماذا يشعر هو... بهذا الاضطراب؟


ابتلع ريقه بصعوبة، ونهض فجأةً عن الطاولة، يدفع كرسيّه للخلف بصوتٍ خافت، وقال بنبرةٍ حاول أن يجعلها عاديّة:

- أنا شبعت... هستناك في العربية يا حسن.


وغادر المكان بخطواتٍ متعجّلة، كأنّه يهرب... لا من بكاء الطفل فقط، بل من شيءٍ أعمق بكثير.


نظر نادر إلى حسن نظرةً ذات مغزى، ثم قال بصوتٍ منخفضٍ لكنّه مشحون بالتحذير:

- حمدان الأسيوطي بيشغّل دماغه علينا... بيرسم على خيل ولا اتنين من المزرعة علشان يعدّي عملتك السودة.


ابتلع حسن لقمته على مضض، وكأنّ الطعام صار حجارةً في حلقه، ثم رفع عينيه إلى والده وقال ببرودٍ مستفز:

- سيبه يخبط دماغه في الحيط.


اشتعلت عينا سالم غضبًا، وهتف بانفعالٍ مكتومٍ سرعان ما انفجر:

- أسيبه يخبط دماغه في الحيطة إزاي يعني؟! يا ابني هو إنت مبتفهمش ولا ناوي تجلطني؟! ده لِوا... فاهم يعني إيه لِوا ؟! يعني له معارف يودّوك إنت واللي خلفوك ورا الشمس!


أومأ حسن بلا اكتراث، وعاد يتناول طعامه كأنّ الحديث لا يعنيه، وقال بفتورٍ جاف:

- لما أروح ورا الشمس محدش ييجي معايا.


عندها ألقى سالم شوكته بقوةٍ على المائدة، مُحدثًا صوتًا حادًّا شقّ السكون، وهتف بنفاد صبرٍ غاضب:

- إنت كمان ليك نفس تهزر؟! اسمع يا بني آدم انت... لو ملمّتش نفسك وبطّلت مشاكل مع خلق الله، هتشوف مني وشّ تاني مش هيعجبك.


التفت التفاتةً سريعة نحو نادية، ثم عاد ببصره إلى حسن، وعيناه تومضان بتحذيرٍ خفي:

- وكونك بقى عامل فيها حامي الحمى، وماشي تلفّ وراها من هنا لهنا، وتتخانق مع ده وتضرب ده علشانها... الجو ده مش هيمشي معايا يا حسن، وإنت عارف كده كويس. هي مش صغيرة. تروح مطرح ما تروح، مالكش دعوة بيها مرة تانية. سامع ولا لأ؟


كانت نادية تتابع المشهد بنظراتٍ متسائلة، تدرك في قرارة نفسها أنّ المقصود هو ابنتها، لكنها تجهل التفاصيل. فقالت بحدّةٍ مشوبةٍ بالفضول:

- هي إيه الحكاية بالظبط؟


أجابها سالم بنبرةٍ تقطر ازدراءً واشمئزازًا:

- الهانم بنتك كانت سهرانة في كباريه مع نائل الأسيوطي.


ثم أشار إلى حسن بإيماءةٍ ساخرة، وأضاف بتهكّمٍ لاذع:

- والباشا عامل فيها فدائي وبيتخانق مع نائل بسببها. قال إيه نائل كان بيضايقها!


ثم ثبت نظره في حسن، وقال ببرودٍ جارح:

- مين قال لك إنه كان بيضايقها؟ وليه ما تكونش مصاحباه وماشية معاه ودي طريقة تعاملهم سوا؟ البنت اللي تروح تسهر في مكان زي ده تتوقع منها أي حاجة.


في تلك اللحظة رفع حسن عينيه إلى والده، وكان الغضب يتأجج فيهما كجمرٍ تحت رماد. نهض عن المائدة ببطءٍ مشدود، وكأنّه يقاوم رغبةً عاتية في الردّ. الكلمات ازدحمت في صدره، لكنّه لم يجد لها مخرجًا.


كيف يدافع عنها وهو يعلم في قرارة نفسه أن والده محق؟! ... كيف يدافع عنها وهي لم تترك له ما يدافع به؟


اكتفى بنظرةٍ أخيرة، موجعةٍ وصامتة، ثم غادر المكان بخطواتٍ ثقيلة، يجرّ خلفه غضبًا لا يقلّ اشتعالًا عن كلمات أبيه.


بينما التفت سالم إلى نادية، التي لم تبرح ملامحُ الدهشة وجهَها بعد، قال بحدّةٍ قاطعة، وصوته كحدِّ السيف:

- نبّهي على بنتك تبعد عن سِكّة ابني يا نادية. أنا معنديش استعداد ابني يضيع مستقبله بسببها... ومش هسمح بكده أبدًا، حتى لو اضطرّيت أقف لها بنفسي.


كانت كلماته ثقيلة، مشبعة بوعيدٍ لا لبس فيه. ثم حرّك مقعده المتحرك بعصبيةٍ خفيفة، معلنًا انتهاءه من الطعام، وغادر غرفة المائدة دون أن يلتفت خلفه. وقبل أن يدخل مكتبه، التفت فجأةً إلى زينب وقال بلهجة آمرة:

- اعملي لي فنجان قهوة جديد، وهاتيه على المكتب يا زينب.


نظرت إليه زينب بعفويةٍ صادقة، وقالت بنبرةٍ يغلب عليها القلق:

- بس إنت بقيت بتشرب قهوة كتير قوي اليومين دول يا باشا... وده غلط على صحتك.


لم يحتمل ملاحظتها، فاستدار نحوها صارخًا بانفعالٍ حاد:

- وإنت مالِك يا زينب؟! هو إنتِ هتخافي على صحتي أكتر مني؟! اسمعي الكلام من سكات.


ارتبكت زينب وأومأت برأسها في انصياعٍ صامت، ثم أسرعت إلى المطبخ تُعدّ له قهوته الخاصة، تلك التي لا يستسيغ سواها ولا يحتسيها إلا من صنع يديها، وكأنّ مذاقها وحده قادرٌ على تهدئة ما يضطرم في صدره.


أما نادية، فبقيت جالسةً في مكانها، ظهرها مستقيمٌ وعيناها ساهمتان في الفراغ، تُجبر نفسها على ابتلاع كل إهانةٍ وكل نظرة ازدراءٍ ألقاها سالم في وجهها. كانت ملامحها هادئةً على السطح، لكن تحت ذلك السكون كانت نارٌ تتأجج ببطء.


قبضت على حافة المائدة بخفة، ثم أرخَت أصابعها متعمدةً التماسك.

هي تعرف... وتوقن في أعماقها... أن هذا الوضع لن يدوم طويلًا.

وكانت تُمنّي نفسها، في صمتٍ مظلم، بأنّ الخلاص بات أقرب مما يتخيّلون !


༺═────────────────═༻


في أثينا ..


كان اليخت يشقُّ صفحةَ بحرِ إيجه بثباتٍ وهدوء، كأنّه سهمٌ أبيض أُطلق في زرقةٍ لا نهاية لها. المياه من حولهما تتلألأ تحت شمسٍ صيفيّةٍ ساطعة، تتكسّر أمواجها الصغيرة على جانبي الهيكل في إيقاعٍ رتيبٍ عذب، تاركةً خلفهما خطًّا رغويًّا أبيض يمتدّ كأثرِ حلمٍ على سطح الماء.


الهواء مالحٌ منعش، يحمل رائحة البحر الصافية، ويمرّ عبر وجهيهما فيداعب ملامحهما. وعلى مد البصر، كانت الجزر اليونانية تبدو كقطع زمردٍ مبعثرة فوق بساطٍ أزرق، تتدرّج ألوانها بين صخورٍ رمادية وبيوتٍ بيضاء تتلألأ تحت الشمس.


وقف فريد خلف عجلة القيادة بثقةٍ واضحة؛ يداه تمسكان المقود البحري بإحكامٍ مريح، وعيناه تراقبان الأفق وأجهزة الملاحة أمامه بتركيزٍ هادئ. كان يرتدي سروالًا جينزيًّا أزرق داكنًا، ينساب على قامته برشاقةٍ بسيطة، مع قميصٍ قطنيٍّ أبيض ضيّق الأكمام يبرز صلابة كتفيه، وقد لفّ نظارةً شمسية سوداء على عينيه، زادت ملامحه وقارًا وجاذبية. شعره يتحرّك بخفةٍ مع الريح، لكنه ظلّ ثابت النظرة، واثق الحركة، كأنّ البحر صديقٌ قديم يعرف مزاجه.


إلى جواره، جلست نغم على المقعد الجانبي، مبهورةً بكل ما يحيط بها؛ بعينين تتنقّلان بين الماء والسماء، وبين الجزر البعيدة، ثم تعودان إليه في خلسة إعجاب. كانت ترتدي فستانًا صيفيًّا خفيفًا بلونٍ فيروزيٍّ يميل إلى زرقة البحر، يتماوج قماشه الناعم مع نسمات الهواء، ويكشف عن ذراعيها وشيءٍ من ساقيها في بساطةٍ أنيقة. وقد جمعت شعرها في ربطةٍ عالية، ووضعت ربطة رأس عصرية مزدانة بنقوشٍ زهريةٍ صغيرة، تنسجم مع الأجواء وتمنحها مظهرًا عفويًّا منعشًا.


ظلت تحدّق في الأفق لحظات، ثم التفتت إليه فجأةً وقد علا وجهها اندهاشٌ صادق، وقالت:

- هو إنت بتسوق اليخت بالسهولة دي إزاي؟! أنا اتفاجئت بصراحة... مكنتش متخيّلة إنك تعرف تسوقه أصلًا!


ابتسم فريد ابتسامةً جانبية هادئة، دون أن يزيح عينيه عن الأمواج أمامه، وقال بنبرةٍ يغلب عليها الهدوء وثقة مرحة:

- ما أنا قلت لك قبل كده.. جوزك متعدد المواهب.


ثم ألقى نظرةً سريعة نحو لوحة العدادات، حيث تظهر بيانات السرعة واتجاه الرياح وعمق المياه، وأردف:

- زمان، لما كنت في الجامعة، سافرت كورس صيفي في إيطاليا. صاحب المكان اللي كنت قاعد فيه كان عنده مارينا صغيرة، وكان بيحب البحر بجنون. وهو اللي علّمني أساسيات الإبحار... إزاي تتحكمي في الدفّة، وتقرأي اتجاه الرياح، وتظبطي السرعة على حسب حالة الموج. حتى خدت رخصة قيادة يخوت صغيرة وقتها.


ثم ابتسم وهو يضيف:

- والحمدلله جه بفايدة أهو .. قدرنا نطلع باليخت براحتنا من غير ما نضطر لوجود كابتن معانا .


نظرت إليه نغم بإعجابٍ جديد، ليس لأنه يعرف قيادة اليخت فحسب، بل لأنها اكتشفت فيه جانبًا لم تره من قبل؛ جانبًا هادئًا، متزنًا، يعرف كيف يروض الأمواج...


باختصار شديد.. هو يعرف كل شيء .


وتحت سماءٍ لا يعكّر صفوها شيء، ظلّ اليخت يشقّ مياهه الزرقاء، يحمل معهما لحظةً بدت وكأنها خُلقت خصيصًا لهما وحدهما.


انشغلت نغم بالتقاط الصور؛ تارةً ترفع هاتفها نحو الأفق حيث تتعانق زرقة السماء بعمق البحر، وتارةً توجه عدستها إلى فريد وهو يقف خلف الدفّة بمهارةٍ آسرة، كأنّه وُلد بين الموج وتربّى على صوته. كانت تلتقطه من زوايا مختلفة؛ مرةً والريح تعبث بخصلات شعره، وأخرى وهو يثبت قدميه بثقةٍ خفيفة كلما داعب اليختَ موجٌ عابر.



ضحكت وهي تهمس لنفسها:

- الصورة دي لازم تتحط في برواز...


بعد نحو ساعةٍ من الإبحار الهادئ، مال فريد بعجلة القيادة قليلًا، وبدأ اليخت يخفّف سرعته تدريجيًا. ظهرت أمامهما جزيرة صغيرة، أشبه بقطعة صخرٍ عذراء تستريح فوق صفحة الماء.


- وصلنا، قالها بهدوء.


كانت جزيرة كيروس ..

إحدى جزر سيكلاديس غير المأهولة تقريبًا، وهي جزيرة محميّة أثريًا في معظم أجزائها، إذ عُثر فيها على بقايا حضارة قديمة تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد. لهذا السبب تُمنع الإقامة الدائمة فيها، ولا توجد بها فنادق أو منتجعات سياحية، ما يجعلها مقصدًا نادرًا لعشّاق العزلة والطبيعة البِكر.


المكان بدا ساكنًا على نحوٍ يكاد يكون مقدّسًا؛ لا أصوات بشر، لا موسيقى، لا حركة قوارب سياحية صاخبة. فقط امتداد رمليّ فاتح يتدرج نحو مياه شفافة بلون الفيروز، وصخور ناعمة تنعكس عليها الشمس في لمعانٍ هادئ.


هذا النوع من الجزر لا يقصده إلا من يبحث عن الخصوصية الحقيقية؛ أزواج يريدون الهروب من ضجيج العالم، أو مغامرون يعشقون العزلة الصافية. هنا، لا شيء يقتحم لحظتك... كأن البحر نفسه يتعهد أن يحرس سرك.


ألقى فريد المرساة في بقعةٍ ضحلة، فتوقّف اليخت برفقٍ على تمايلٍ خفيف. أطفأ المحرّك، فعمّ الصمت فجأة، ولم يبقَ سوى همس الماء وهو يلامس الهيكل.


نظرت نغم حولها بانبهارٍ مضاعف:

- معقول فيه مكان بالجمال ده ومفيهوش حد خالص؟


ابتسم فريد:

- عشان كده اخترته... محدش بييجي هنا إلا اللي عايز ينعزل تماما ..


بدأ كلاهما يستعدّ للنزول.

خلع فريد قميصه بهدوء، فكشف عن صدرٍ رياضيٍّ لفحته الشمس بلونٍ ذهبي خفيف، ثم خلع سرواله الجينزي واستبدله بسروال سباحة داكن كان قد أعدّه مسبقًا.

أما نغم، فتقدّمت بخطواتٍ خجولة نحو المقصورة الصغيرة داخل اليخت، وخرجت بعد دقائق ترتدي ثوب سباحةٍ بلونٍ نيليّ، ينسجم مع لون البحر من حولها، وقد أسدلت فوقه كيمونو شفافًا خفيفًا يتحرّك مع الهواء كنسمةٍ إضافية. نزعت ربطة شعرها وأعادت تثبيتها بإحكامٍ أعلى رأسها، حتى لا يعيقها الماء.


وقفت على حافة اليخت، تنظر إلى الماء الشفاف أسفلها، حيث يمكن رؤية القاع الرملي بوضوحٍ مذهل.

مدّ فريد يده إليها قائلاً بابتسامةٍ مشجّعة:

- متخافيش... المية هنا هادية وعمقها مناسب.


ترددت لحظةً، ثم وضعت يدها في يده، فشدّها برفق. قفزا معًا، واخترق جسداهما سطح الماء في لحظةٍ واحدة، فتبعثرت قطراتٌ لامعة حولهما كحبات كريستال، وعلا صوت ضحكتهما معًا ..


كان الماء دافئًا على نحوٍ مدهش، يلفّ الجسد بنعومةٍ ويحتضنه كأنّه جزء منه.

وفي تلك البقعة المنعزلة من العالم، لم يكن هناك شيءٌ سوى زرقةٍ ممتدة، وضحكةٍ صافية، وقلبين يسبحان بحرّيةٍ كاملة... كما لو أنّ الحياة، أخيرًا، قررت أن تمنحهما هدنة من كل شيء.




༺═────────────────═༻


توقف عاصم بسيارته أمام مركز طبيبة النساء الخاصة بنسيم.


ترجل من السيارة ثم فتح لها الباب وأمسك بيدها وتقدما سويًا نحو الداخل حيث أنه من المفترض أنهم سيصبح بإمكانهما التعرف على جنس الجنينين اليوم.


دعتهم الطبيبة للدخول إلى غرفة الفحص، فتمددت نسيم على السرير الطبي، وقلبها يخفق بقوةٍ مسموعة.. وكذلك عاصم الذي كان يجلس في مقعده بحماس مكتوم .


وضعت الطبيبة المجسّ على بطنها برفق، فظهر على الشاشة سوادٌ يتخلله وميضٌ نابض.


حبست نسيم أنفاسها. اقترب عاصم خطوةً دون أن يشعر، وعيناه معلّقتان بالشاشة كأن مصيره كلّه يتشكّل هناك.


ابتسمت الطبيبة ابتسامةً دافئة، ثم قالت بنبرةٍ هادئة تحمل بشارةً خفيّة:

- الحمدلله يا نسيم كل حاجه تمام والحمل ماشي بشكل طبيعي.


أغمضت نسيم عينيها لحظةً كأنها تلتقط أنفاسها، بينما تنفّس عاصم بارتياحٍ عميق لم يدرك أنه كان يحتبسه.


لكن الطبيبة لم تُكمل بعد. حرّكت المجس قليلًا، ثم أشارت إلى الشاشة وقالت:

- احنا دلوقتي في آخر الشهر التالت.. يعني عمر البيبيز حوالي ١٢ أسبوع ..


ورمقتهم بابتسامة وتساءلت:

ـ ها.. جاهزين ؟!


التفتت نسيم نحوها بحماس شديد، وتعلقت عيناها بعاصم الذي يقف على مقربة منها يتابع الفحص بحماس مماثل، فتنهدت الطبيبة ثم قالت بابتسامة دافئة :

- في قدامي كتكوتة صغيرة أهي.. والبيبي التاني...


حركت المجس مرة أخرى لتتأكد أكثر وتابعت بابتسامة واسعة:

ـ كتكوتة تانية.. مبروك يا نسيم.. انتي حامل في بنتين .


ساد صمتٌ كثيف لثوانٍ، كأن الكلمات تحتاج وقتًا لتستقرّ في الوعي. نظرت نسيم إلى الشاشة بعينين اتّسعتا حتى الامتلاء، ثم التفتت إلى عاصم، فوجدته يحدّق بها كما لو أنه يراها لأول مرة.


لمعت عيناه ببريقٍ لم تستطع إخفاءه، وارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ مرتجفة. انحنى قليلًا، وأمسك يدها بين كفّيه، وضغط عليها برفقٍ يغلبه التأثر.


- بنتين؟... همست نسيم بذهول، يصاحبه ابتسامة عريضة.


فأومأت الطبيبة مؤكّدة، بينما بدأت تشرح التفاصيل الطبية، لكن الكلمات تلاشت في أذنيهما. كان كلّ ما يشغل قلبهما الآن هو ذلك النبض المزدوج، الذي يتردّد على الشاشة... حياةٌ تتضاعف، وفرحٌ يوشك أن يفيض.


انهمرت دمعة عفوية من عينيها وهي تستوعب في تلك اللحظة أن حلمها الذي لطالما راودها ها قد أصبح حقيقة منّ الله عليها بها.


بدأت الطبيبة في طباعة صور السونار، بينما كانت نسيم تنظر للصور بتمعن، بدأت تستوعب أن جسدها الآن يحمل حياتين .



نظرت إليها الطبيبة ثم قالت بابتسامة وهي تساعدها على النهوض:

ـ من النهارده الراحة أصبحت ضرورة .. خلي بالك من أكلك كويس، ارتاحي على قد ما تقدري، بلاش ترهقي نفسك، وأهم حاجة نفسيتك تكون مستقرة .


عدلت نسيم ملابسها أخيرا، وذهبت في اتجاه عاصم الذي أسرع يعانقها بفرحة عارمة ، ثم جلست على مقعدها من جديد فقالت الطبيبة بهدوء :

ـ من دلوقتي الوزن هيزيد أسرع بنسبة ٢٠٪ مقارنة بالحمل الفردي، وهتبدأي تحسي بالتقل بدري علشان كده يفضل تبدأي تنامي على الجنب الشمال لتحسين تدفق الدم للمشيمة .


أومأت نسيم بطاعة، فاختتمت الطبيبة حديثها قائلة:

ـ المتابعة من هنا ورايح هتكون كل أسبوعين علشان نتابع نمو البيبيز بانتظام ، ولو احتجتي أي حاجه متتردديش في انك تكلميني فورا .


وأنهت حديثها بابتسامة حنونة، فنهضت نسيم واستدارت حول المكتب، ثم فاجئتها حيث انحنت نحوها وعانقتها بقوة، فاستقبلت الطبيبة عناقها بترحاب دافيء، ومن ثم ودعتهما .


ما إن غادرت نسيم المركز، وبمجرد أن استقلا السيارة معًا، حتى فاجأت عاصم بأن اندفعت نحوه تعانقه بقوّةٍ صادقة. احتواها بهدوء، وشدّها إلى صدره في عناقٍ عميق، كأنه يتنفّسها ويستعيد بها توازنه، مستشعرًا دفءَ قربها وأمان وجودها بين ذراعيه.


رفعت رأسها إليه، وعيناها تلمعان بدموعٍ شفّافة، وقالت بصوتٍ يرتجف من فرط الامتنان:

- الحمد لله يا عاصم...مش قادره أصدق إن ربنا حقّق لي اللي كنت بتمنّاه.


فاضت عينيها في دمع مهيب، فضمها إليه من جديد فإذا بها تقول:

ـ دايمًا كنت بتخيّل نفسي معايا بنتين... وأسميهم أمل ونور.


ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ دافئة، وهو يتأمّل ملامحها بعينٍ عارفة؛ يدرك جيّدًا أنها لم تكن تختار أسماءً لبناتها المستقبليين فحسب، بل كانت، دون أن تشعر، تبحث عن خلاصٍ، عن ضوءٍ يعوّض عتماتٍ سكنت قلبها طويلًا. عن أملها الذي يهبها رغبةً في العيش من جديد، ونورها الذي يبدّد ما تبقّى من ظلال الماضي.


مدّ يده يمسح دموعها برفق، وقال بنبرةٍ مفعمة بالحنان:

- وفعلاً هما هيبقوا الأمل والنور... وينوّروا حياتنا كلّها.


عانقته مرة أخرى وابتسامة رضا ترتسم على شفتيها، فتنهد عاصم وهو يضيف بنبرة مرحة:

ـ مع أني كنت أتمنى نجيب حازم كمان مع أمل ونور في بطن واحدة.. يبقى هاتريك إنما إيه ..


ورسم فخرًا زائفًا على ملامحه فانفجرت ضاحكة وهي تقول:

ـ بعد ما يوصلوا أمل ونور بالسلامة نبقا نشوف موضوع حازم ده ..


أومأ ضاحكا وهو يقول:

ـ على رأيك.. هو احنا يعني هنروح من بعض فين ..


وأدار محرك السيارة وهو يتابع ممازحا :

ـ احنا لو فضلنا ماشيين بالمعدل ده كده وكل سنة نجيب توأم .. في خلال ست سبع سنين يبقا عندنا إمبراطورية ..




هزت رأسها بضحكة يائسة، ثم قالت:

ـ طيب قبل ما تفكر في تشييد الإمبراطورية يا ريت نروح نجيب شوية طلبات للبيبيهات ..


نظر إليها مبتسما وهو يشير إلى عين تلو الأخرى ويقول:

ـ ده احنا عنينا للبيبيهات ومامة البيبيهات.. أنا تحت أمركم .


لم يبتعدا كثيرًا حتى وجدا نفسيهما أمام أحد المتاجر الفاخرة لمستلزمات الأطفال. توقّفا لحظة عند الواجهة الزجاجية، حيث تتدلّى فساتين صغيرة بألوانٍ رقيقة، ورديّاتٍ ناعمة، وأبيض يشفّ عن براءةٍ طاهرة. تبادلا نظرةً صامتة، ثم ابتسم عاصم ابتسامةً واسعة وقال:

- واضح إننا مش هنخرج من هنا النهارده ..


ابتسمت نسيم، وأمسكت بيده، دلفا إلى الداخل، فاستقبلتهما أصوات موسيقى هادئة كأنها ترحّب بالزائرين.


مدّت نسيم يدها تتحسّس قماش فستانٍ صغير، بالكاد يسع كفّها، فارتجف قلبها وهي تتخيّل طفلتين تتشابهان في الملامح، ترتديان منه اثنين.


- ده تحفة !

همست، ثم أضافت بخفوتٍ حالِم: ناخد منه اتنين.


تنقّلا بين الرفوف كما لو كانا يكتشفان عالمًا جديدًا؛ جوارب صغيرة بحجم الأصابع، قبعات دقيقة الحياكة، بطّانيات ناعمة كالغيم. كانت نسيم تضع كل قطعةٍ في العربة برفقٍ شديد، وكأنها تودع فيها أمنية مختلفة. كلما اختارت لونًا، عادت لتختار له شقيقًا مطابقًا.


توقّفا أمام سريرين صغيرين للرضّع، متجاورين.

نظرت إليه طويلاً، ثم التفتت إلى عاصم وعيناها تلمعان ببهجة، وهي تقول:

- تخيلتهم وهما نايمين جنب بعض .


اقترب منها، ووضع يده على بطنها بحنو عميق، وقال بصوتٍ امتلأ بالحماس:

- صحيح يا نسومة.. هما لما الاتنين يعيطوا هتعملي إيه ؟!


نظرت اليه بابتسامة ثم تسائلت بعفوية:

ـ اومال انت رحت فين ؟! أنا هشيل واحدة وانت واحدة .


عاد ليتسائل ضاحكا :

ـ طيب ولو الاتنين جعانين وعايزين يرضعوا ؟!


أومأت بنفس العفوية وأجابته :

ـ بردو .. أنا هرضع واحدة وانت واحدة !


رفع حاجبه فجأة وهو يهتف متعجبا:

ـ ودي هعملها ازاي إن شاء الله ؟!


لتجيبه بحدة حانقة:

ـ هترضعها بالببرونة يا عاصم !!


هز رأسه متفهمًا، ثم ما لبث أن نظر إليها بحدة وقال:

ـ هو انتي مش ناوية ترضعيهم طبيعي ولا إيه ؟! لا اسمعي.. أنا أهم حاجه عندي صحتهم أنا بقولك أهو !


لم تستطع كبح ضحكاتها، رفعت يدها إلى جبينها في استسلام يائس، ثم نظرت إليه وتنهدت وهي تقول:

ـ عاصم حبيبي.. خلينا الأول نخلص شوبينج وبعدين لما نرجع البيت نبقى نتناقش في الموضوع ده .


أومأ موافقا، ثم أمسك بيدها وأكملا المسير ..

لم تكن مشترياتهما مجرّد أغراض لطفلتيهما المنتظرتين؛ بل كانت إعلانًا صريحًا عن بدايةٍ جديدة، وعن قلبين اتّسعا فجأة لنبضين. وحين وقفا عند صندوق الدفع، كانت الأكياس تمتلئ بضعفين من كل شيء، كما لو أن القدر قرر أن يضاعف الفرح، فقرّرا هما أيضًا أن يضاعفا الاستعداد له.



خرجا من المتجر وهما يحملان العديد والعديد من الأغراض التي قاما بشرائها استعدادا لمجيء أميرتيهما.

وكأنهما يحيكان بأيديهما أول خيوط الحلم، لطفلتين لم تريا النور بعد، لكن حضورهما أضاء العالم من حولهما.



༺═────────────────═༻


جلس سالم في مكتبه، مضطربًا، عاجزًا عن التركيز في أي شيء، يشعر بخوف لا يعرف مصدره، يشعر بقلق ينذر وكأن هناك خطر داهم وشيك ، أو عدو خفي يتربص به.


ولأن الحيرة بلغت ذروتها، لم يجد مفرًّا من المواجهة.

أمسك هاتفه، واتصل بالممرضة، وطلب منها أن تحضر إليه فورًا...

إلى غرفة المكتب.


توجّهت الممرضة إلى المكتب على الفور، وقد تملّكها شعورٌ ثقيل بالرهبة؛ كانت خطواتها متعثّرة، كأن الأرض تميد تحت قدميها من شدّة الخوف.

فاستدعاء سالم لها في هذا التوقيت لم يكن أمرًا عابرًا، بل نذيرًا بأن شيئًا جديدًا قد طفا على السطح، شيئًا لم تكن مستعدّة لمواجهته.


ما إن دخلت المكتب حتى وقع بصرها عليه.

كان جالسًا خلف مكتبه، حبيس ذلك المقعد، ومع ذلك لم تفارقه هيئته الآمرة، تلك الهيمنة الصامتة التي تفرض نفسها دون حاجةٍ إلى حركة أو صوت.


رفع يده بإشارة مقتضبة، طالبًا منها أن تتقدّم، ثم أشار إلى المقعد المقابل له


فعل كل ذلك في صمتٍ مربك، صمتٍ أثقل على قلبها من أي توبيخٍ صريح.


تقدمت ثم جلست، وما إن استقرّت في مكانها حتى باغتها بسؤالٍ مباشر، خالٍ من أي تمهيد:

- مين اللي وراكي بالظبط ؟


عقدت حاجبيها في دهشةٍ مشوبة بالارتباك، وأجابت بصوتٍ متردّد:

- مش فاهمة يا باشا.


لم يتغيّر شيء في ملامحه، سوى حدّةٍ خفيّة تسلّلت إلى نبرته وهو يعيد السؤال، ببطءٍ مقصود:

- إيه اللي مش مفهوم في كلامي؟! بقولك مين اللي وراكي بالضبط؟


خرج صوتها مرتجفًا بعدما ابتلعت ريقها بصعوبة، وقالت محاولةً التماسك:

- مانا قلت لك قبل كده يا باشا عن الاتفاق اللي بيني وبين ناديه هانم.


رمقها بنظرةٍ نافذة لا تعرف الصبر، ثم قاطعها بحدّةٍ قاطعة:

- كدابة.. اللي وراكي من البداية هو عاصم الدالي !


لم يكن متيقنًا تمام اليقين من ذلك، غير أنّه آثر أن يجرّب حظّه؛ فإن كان ظنّه صائبًا، ستنهار وتفصح بسهولة،

وإن لم يكن، فستنكشف براءتها من تلقاء نفسها.


وكما توقّع، شحب لونها فجأة، وتلبّد وجهها، وابتلعت ريقها وهي تقول بارتباك:

- حضرتك... عرفت إزاي؟ نادية هانم هي اللي قالت لك؟


ضيّق عينيه، محاولًا التقاط ما أفلت منها، وقال بنبرةٍ متحفّظة:

- نادية تعرف إيه عن الموضوع ده ؟!



ارتجفت، وتعثّر لسانها، تتلعثم دون جوابٍ واضح،

حتى انفجر صوته صارخًا:

- اتكلمي! احكيلي كل حاجه من البداية للنهاية وإيّاكي تفكّري تكدبي عليا لأني وقتها هنسفك .


عندها انهار السدّ، وانسابت اعترافاتها دفعةً واحدة:

- نادية هانم سمعتني... كنت بتكلم في التليفون مع عاصم بيه.


تقدّم بصوته خطوةً أخرى، أكثر ضغطًا:

- كنتوا بتقولوا ايه وقتها ؟!


- يومها... عاصم بيه كان بيطلب مني أوقّف كل حاجة، وأسيب الفيلا، وأمشي.


عقد حاجبيه في دهشةٍ ثقيلة:

- ليه ؟!


هزّت رأسها بعجزٍ صادق:

- مش عارفه والله. فجأة كلّمني، وقال لي أنهي كل شيء وأرجع البلد.

وفي نفس الوقت... نادية هانم كانت سامعة المكالمة.

عرفت كل حاجة، وقالت لي أكمل الاتفاق زيّ ما هو، وأديك الدوا.


بدت ملامحه متصلّبة، وقد تسرّب الضيق إلى عينيه؛

لم يكن يتوقّع قطّ أن تكون يد عاصم هي اليد الخفيّة التي تدير كل ما جرى في الظل.

فقال وهو يحدّق فيها بعينين ضيّقتين:

- عاصم زارني في المستشفى... مش كده ؟!


هزّت رأسها بالإيجاب، هامسة:

- أيوة .


مرّ على وجهه إدراكٌ موجع، كأن قطعةً ناقصة استقرّت أخيرًا في موضعها.

أومأ برأسه ببطء، كأنه يخاطب نفسه، ثم سأل:

- إزاي أقدر أثبت إنه زارني في المستشفى ؟!


هزّت رأسها بأسى، وقالت بنبرةٍ يائسة:

- للأسف مش هقدر..

هو متّفق مع الدكتور جلال، الطبيب المشرف على حالتك، وهو اللي رتّب له الدخول بنفسه.


انقبضت ملامح سالم وهو يدرك الآن فقط أنه تم التلاعب به بواسطة شبكة كاملة من المخادعين معدومي الضمير ، فزفر زفرة مستاءة ثم قال :

ـ وكاميرات المراقبه ؟!


ـ حتى كاميرات المراقبة، لو حاولت ترجع لها مش هتستفيد حاجة، لأنهم أكيد مسحوا تسجيلاتها من ساعتها .


كانت لحظة إدراكٍ ثقيلة، أثقل مما يحتمل وعي سالم في تلك اللحظة.

لم يكن مهيأً لها، ولا مستعدًا لأن يواجه هذا المعنى العاري دفعةً واحدة.

صحيحٌ أنه كان يدرك رغبة عاصم العميقة في الانتقام منه، ويعلم يقينًا أنه لن يكتفي بشركات فريد التي استولى عليها بالحيلة، لكنّ ما لم يخطر له قطّ، ولو على سبيل الاحتمال، أن يهبط عاصم إلى هذا الدرك... أن يتجاوز كل الخطوط بهذا الشكل.


نظر إليها وقال بصوتٍ منخفض يخفي خلفه حدّةً قاسية:

ـ ليه خبّيتي عليّ إن عاصم هو اللي وراكي ؟


توترت ملامحها، وانسابت دموعها بغزارة من فرط الخوف، وابتلعت ريقها بصعوبة قبل أن تجيب بصوتٍ مرتجف:

ـ خفت... خفت يا باشا. لو اتفاقي مع عاصم اتكشف، الموضوع ممكن يوصل لإدارة المستشفى، وساعتها ممكن ألاقي نفسي في السجن. وعاصم... عاصم مش هيسكت لو انكشف، وأكيد هينفي كل شيء وينكر الاتفاق اللي بينا، وفي الاخر هلاقي نفسي بحاسب على المشاريب لوحدي.


قاطعها بحدّة، وقد اشتعل الغضب في عينيه:

ـ وإنتِ فاكرة إني بعد ما عرفت لعبتك القذرة معاه، مش هسجنك؟


تضاعف بكاؤها، وانهمرت دموعها بلا توقف، ثم فاجأته حين ارتمت فجأة عند قدميه، تقبّلهما بتذللٍ مهين، وصوتها يفيض توسّلًا وانكسارًا:

ـ علشان خاطر ربنا يا باشا... ما تعملش فيّ كده. أنا مستعدة أعمل أي حاجة تطلبها مني، أي حاجة، إلا السجن. أنا اللي بعول أسرتي، وعندي إخوات صغيرين بصرف على تعليمهم. أمي وأبويا متوفيين، ولو اتسجنت، إخواتي هيضيعوا من بعدي.


وفي تلك اللحظة، لم يكن سالم نفسه يدري ما الذي ينبغي عليه فعله.

كانت الأفكار في رأسه متشابكة، والطرق أمامه معتمة، لا شيء واضحًا ولا قرارًا مكتملًا.

نظر إليها نظرة جامدة، نظرةً كفيلة بأن تُثبّت الجسد في مكانه، ثم هتف بقسوةٍ باردة.

ـ قومي ..


نهضت على مضض، ووقفت أمامه كمدانةٍ تنتظر حكم الإعدام، بينما قال بصوتٍ لا يقبل نقاشًا:

ـ روحي على أوضتك... ولا كأنك قلتي لي حاجة. ولا كأن حاجة حصلت، واستني مني خبر.


هزّت رأسها بطاعةٍ مرتعشة، وهمّت بالتوجّه نحو الخارج، لكن صوته أوقفها في مكانها كالسهم:

ـ بس لو عرفت إنك كدبتي في حرف واحد من اللي قلتيه، أو مخبّية حاجة تانية، أو بتلعبي لعبة من ورا ضهري... صدّقيني، وقتها مش هكتفي بسجنك وبس.. ده أنا هخليكي تتحسري على نفسك وعلى اخواتك كمان .. ولو مش مصدقاني، تقدري تسألي مين هو سالم مرسال وقادر يعمل إيه .


سكنت في موضعها، وقد أدركت أن ما ينتظرها بات أخطر من الخوف ذاته.. أومأت بإذعان، ثم غادرت المكتب مسرعة.


وحين حاول أن يلتقط أنفاسه وسط هذا الإدراك المربك، تبلور الخوف الحقيقي في داخله على هيئة اسمٍ واحد: نسيم.


شعورٌ باغته، لم يكن يتوقّعه من نفسه، لكنه كان صادقًا إلى حدّ الوجع.

الخوف على ابنته، تلك التي تقبع-دون أن تدري-بين براثن رجلٍ ماكر، لا يعرف للرحمة طريقًا، ولا يتورّع عن الهدم إذا كان في الهدم شفاءٌ لثأره.


تدفّقت الأسئلة إلى ذهنه كالسيل:

ماذا لو كان يضمر لها أمرًا لا تعلم عنه شيئًا؟

ماذا لو كان ينسج انتقامه منها بخيوطٍ خفيّة، لا تُرى إلا بعد فوات الأوان؟


لم يعد عاصم رجلًا يمكن الوثوق به، ولا يمكن توقّع حدوده.

كل الاحتمالات باتت مفتوحة، وكل السيناريوهات واردة.

ولهذا، لم يعد أمام سالم خيارٌ آخر:

لذا عليه أن يُبعد ابنته عنه...

الآن، في هذه اللحظة بالذات،

لا في اللحظة القادمة، ولا بعدها بثانية.


عليه أن يكشف لها عن وجهه الخفي، أن يجرده أمامها من ذلك القناع الخفي الذي يختبأ خلفه، لن يتركها تعيش بين قبضته كالمغيبة، سيفعل ما بوسعه لإنقاذها.... مهما تطلب الأمر !



༺═──────────────═༻

#يتبع

تكملة الرواية من هناااااااا 

لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله الجزء الاول من هناااااااااا

الرواية كامله الجزء الثاني من هنااااااااا 

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات

التنقل السريع
    close