رواية عز الصعيد كاملة وحصريه بقلم مايا خالد
رواية عز الصعيد كاملة وحصريه بقلم مايا خالد
عز الصعيد
اعتاد هذا الصعيدي أن يتزوج الجميلات ليله ويعيدهن بخيله، حتى ظهرت تلك المهرة الشرسة، فكسرت جنونه وتحدت رجولته وروضت قلبه.
ابتسم عزالرجال وهو على حصانه ونادى للغفير وقال:
ـ المهرة دي بتاعت مين يا حماد؟
الغفير بص للأحصنة وقال:
ـ أي واحدة فيهم يا عزالرجال بيه؟ الأحصنة كتير.
بصله وابتسم بسخرية وقال:
ـ وأنا مالي ومال الخيل! أنا بسأل على قمر الليل.. المهرة الصغيرة دي بت مين؟
ابتسم الغفير لما فهم قصده وقال:
ـ اااه.. جنابك قصدك على البنية.. دي صبا بت عبدالله اللي بيشتغل عند شيخ البلد.. أبوها بيجيب الخيول هنا يدربهم على الرماحة وهي بتاجي تساعده.
ابتسم وطلع بالحصان بتاعه وقرب منها ولف حواليها وقال:
ـ يا شقاوة الخيل وجنانه.. وياريتني كنت مكانه!
صبا اتفاجأت بيه، بصتله بدهشة بعيونها الواسعة وشدت الطرحة على وشها وجريت عند أبوها. عزالرجال ابتسم وبص للغفير وقال:
ـ قول للخدم يجهزوا الأوضة زين.. فيه عشوة حامية قوي.
الغفير اتنهد بيأس وقال:
ـ اللي تأمر بيه جنابك.
تاني يوم كانت صبا بتتكلم مع أبوها واتصدمت باللي قاله وقالت بذهول:
ـ بتقول إيه يا بوي؟ أتجوز مين؟ عزالرجال العداني! الفلتان ده! أنت عارف ده بيعمل إيه يا بوي وموافق تسيبني ليه؟
أبوها قال:
ـ يا بتي ده هيتجوزك على سنة الله ورسوله.
صبا قالت بغضب:
ـ ده مسموش جواز.. إحنا كلنا عارفين جوزاته.. بيتجوز الواحدة لجل يدخل عليها، وبيسيبها يوم صبحيتها فرجة للخلق.. أنا مش موافقة ومش هتجوزه واصل!
اتنهد أبوها وقال:
ـ ما هو أنا مش هقدر أوافقك المرادي يا صبا.. لأن إنتي عارفة عيلة العداني في البلد يعني إيه.. ده شيخ البلد بنفسه هو السياق.. معلش يا بتي زيك زي غيرك اتجوزيه، ولما يطلقك يجيكي نصيبك بعده.. يلا يا بتي ربنا يهديكي، أنا هبعت لشيخ البلد وأقوله موافقين، ده لقمتنا أنا وأمك وأخواتك عنده ومينفعش نقوله لأ.
أبوها طلع وصبا قعدت وحطت يدها على راسها وقالت بذهول:
ـ عاجبك كلام أبوي ده يا أما؟
أمها قالت بفرحة:
ـ وما يعجبنيش ليه؟ ده إنتي المفروض تقومي ترقصي! إنتي عارفة ده أجمل وأغنى شباب البلد.. ومعروف عنه إن الواحدة اللي بيتجوزها بتبقى فرز أول.. بكرة يطلع الكلام إن جالك عزالرجال العداني وأكيد عشان يختار بت واحد فقير تبقى بتو عجب.. وهتلاقي العرسان على الباب بالطابور.
صبا بصت لأمها بذهول من تفكيرها الغريب ودخلت أوضتها بغضب. تاني يوم كانت لبست فستان الفرح وزوقوها وبقت عروسة قمر. عزالرجال بعت السواق أخدها في العربية، وأول ما وصلت لقت البيت فاضي مفيش حد بيستقبلها، أخدتها واحدة من الخدم ودخلتها الأوضة اللي كانت جاهزة ومتزينة وفيه خمور على طاوله.
صبا بصت للخمور بغضب وقالت:
ـ استغفر الله العظيم.
وقعدت على السرير واتنهدت بضيق وقالت:
ـ الحمد لله.. السرير مريح.. الواحد ياخدله نومة والصباح رباح.
حطت راسها على السرير ونامت بفستانها. بعد ساعة رجع عزالرجال وقال للغفير:
ـ الحتة فوق؟
الغفير ابتسم بخبث وقال:
ـ وكل حاجة جاهزة زي العادة يا باشا.
ابتسم وطلع بحماس وهو بيفتكر ملامحها، وتفكير وسخ غير ملامحه، أول ما دخل اتصدم لما لقاها نايمة على السرير بهدوء. قرب منها وهزها بيده بقوة وقال بصوت واطي ومرعب:
ـ جومي يا بت.. إنتي فاكرة نفسك في دار أبوكي؟ جومي شوفي "عزالرجال" عمل فيكي إيه!
صبا فتحت عيونها ببرود ملوش وصف، بصتله من فوق لتحت وقالت:
ـ وعليكم السلام يا ولد العداني.. مكنتش خابر إنك عِفِش كدة وتصحي الناس من أحلى نومة.. أدب الصعايدة بيقول السلام قبل الكلام!
عزالرجال اتنرفز من برودها وقال:
ـ سلام إيه وكلام إيه! إنتي عارفة الليلة دي هيحصل فيكي إيه؟ أنا هكسر مناخيرك دي قبل ما الشمس تطلع وأرميكي لأهلك زي اللي قبلك!
صبا قامت وقفت وبقت في مواجهته وقالت بقوة:
ـ اللي قبلي كانوا غلابة وخافوا منك، لكن أنا "صبا".. والاسم ده معناه ريح شديدة بتهد الجدران.. لو فاكر إنك راجل بجد عشان بتشتري بنات الناس بفلوسك وترميهم الصبح، تبقى غلطان.. الراجل الحقيقي هو اللي تفتحله الست قلبها مش تفتحله باب أوضتها وهي مكسورة!
عزالرجال وقف مكانه مذهول، الكلمة وجعته في كبريائه، ولأول مرة يحس إن اللي قدامه مش مجرد صيدة سهلة، دي مهرة محتاجة فارس يروضها بجد.عزالرجال ضحك ضحكة عالية رنت في الأوضة كلها، بس ضحكته المرة دي كان فيها غل وحداقة، قرب منها لحد ما بقوا نفس واحد وقال وهو بيجز على سنانه:
ـ ريح شديدة وبتهد جدران؟ طب وريني يا صبا كيف هتهدي جدران عزالرجال العداني الليلة دي.. أنا مش عايز قلبك، أنا عايز أكسر خشمك اللي مرفوع ده وأوريكي إن الله حق.
صبا مرجعتش خطوة واحدة لورا، بالعكس، رفعت راسها أكتر وقالت بصوت هادي زي السم:
ـ جرب يا ولد العداني.. بس افتكر إنك لو كسرتني بالقوة، هتكون كسبت "جثة"، وهتخسر سمعتك في البلد كلها.. الناس هتقول عزالرجال معرفش يروض صبا إلا بالدراع، وده ميبقاش فارس.. ده يبقى غاصب.
الكلمة نزلت عليه زي الميه الساقعة، فضل باصص في عيونها الواسعة اللي مفيش فيها ذرة خوف، ولأول مرة يحس بضعف قدام ست. ساب دراعها وزقها بعيد عنه وراح قعد على الكرسي وسند راسه لورا وهو بيولع سيجارة، وبص لها من تحت لتحت وقال:
ـ ماشي يا بت عبدالله.. خليكي قاعدة كدة زي الصنم، أنا مش هلمسك.. بس متفتكريش إنك كسبتي.. أنا هخليكي في البيت ده لا طايلة سما ولا أرض، وهتشوفي عزالرجال هيعمل فيكي إيه من غير ما يمد يده عليكي.
صبا قعدت على طرف السرير بوقار وقالت:
ـ وأنا راضية.. البيت بيتك، والشرع شرعك، بس الكرامة كرامتي.. ومين عارف، يمكن ربنا يهديك وتعرف إن الدنيا مش خمرة وجواز ليلة.
فضلوا هما الاتنين صاحيين، صبا في ركن بتسبح بصوت واطي مش مسموع، وعزالرجال عينه عليها، كل ما ييجي يغمض عينه يشوف صورتها وهي راكبة الخيل في الساحة، صورتها وهي متمردة وعنيدة.
أول ما الشمس بدأت تشقشق، والضلمة تروح، سمعوا خبط رزين على الباب، وصوت الغفير "حماد" وهو بينادي من ورا الباب بضحكة مكتومة:
ـ يا عزالرجال بيه.. الفجر أذن، والعربية جاهزة تحت، والرجالة مستنيين "العلامة" عشان يوصلوا الهانم لبيت أبوها زي كل مرة.
عزالرجال قام وقف، بص لصبا لقاها بتبص له بتحدي، وكأنها بتقوله "وريني هتعمل إيه". عزالرجال فتح الباب بعصبية، الغفير أول ما شافه ضحك وقاله:
ـ مبروك يا عريس.. نطلع الشنطة؟
عزالرجال مسك الغفير من رقبة الجلابية وزعق فيه بصوت زلزل سرايا العداني كلها:
ـ شنطة إيه يا حمار أنت! لم لسانك ده واصل.. صبا هانم بقت ست الدار دي، وحرم عزالرجال العداني لحد ما أموت.. والي هيجيب سيرة الطلاق أو الرجوع على لسانه، هقطع لسانو وأرميه للكلاب!
الغفير اتصدم ووقع المفتاح من يده، وصبا من جوه الأوضة غمضت عيونها واتنهدت تنهيدة طويلة، حست إنها كسبت أول معركة، بس لسه الحرب الكبيرة جوه البيت ده مع عيلة العداني لسه مابدأتش.
عزالرجال لف وبص لها وقال بلهجة فيها أمر:
ـ قومي غيري فستانك ده، وانزلي افطري مع أمي وخواتي.. ومن النهاردة، كلمتك مسموعة في السرايا دي كلها.. بس لو فكرتي إنك غلبتيني، تبقي واهمة يا صبا.. أنا بس أجّلت ترويضك لوقت تاني.
صبا ابتسمت ببرود وقالت:
ـ المهرة اللي تتروض بسهولة يا عزالرجال، متبقاش أصيلة.. وأنا أصلي غالي قوي.صبا قامت بكل ثقة، قلعت الطرحة البيضا وسرحت شعرها الأسود الطويل اللي واصل لحد ضهرها، ولبست فستان صعيدي غامق ووقور، ولفّت شالها على كتافها ونزلت ورا عزالرجال وهي سانة سنانها للمعركة الجديدة.
أول ما نزلت الصالة الكبيرة، لقت "الحاجة فضيلة" أم عزالرجال قاعدة على الكنبة الكبيرة وماسكة المسبحة، وحواليها أخوات عزالرجال البنات والخدم واقفين مستنيين "الفضيحة" المعتادة والعروسة اللي هتخرج مكسورة.
عزالرجال دخل وهيبته تسبقه، وبص لأمه وقال بصوت جهوري:
ـ صباح الخير يا أما.. دي صبا، مراتي وست البيت ده من النهاردة.. مسمعش حس ولا خبر يزعلها، والي يمس طرفها كأنه مس طرفي أنا.
الحاجة فضيلة رفعت عينها وبصت لصبا من فوق لتحت بنظرة كلها شك، وقالت بلهجة ناشفة:
ـ مبروك يا ولد العداني.. بس دي أول مرة عروسة تصبح في بيتك يا ولدي! إيه اللي حصل؟ البحر مالح وبقى عذب ولا إيه؟
عزالرجال بص لصبا لمح في عينها نظرة تحدي، فابتسم وقال:
ـ المرة دي يا أما المصيدة وقع فيها "صقر" مش حمامة.. صبا تختلف.
الحاجة فضيلة قامت وقفت وقربت من صبا، وفضلت تدور حواليها وهي بتفحصها بذكاء الستات الكبار، وقالت بصوت واطي مسموع:
ـ هنشوف.. السرايا دي ليها نظام يا بت عبدالله، والي تدخلها لازم تكون قد شيلتها.. إنتي عارفة إن عزالرجال مبيحبش الست اللي صوتها يعلى، ولا الست اللي بتناقش في أمره؟
صبا ردت بكل هدوء وثبات:
ـ وأنا يا حاجة فضيلة عارفة الأصول زين، وبنت ناس وأعرف أحشم دار جوزي.. بس اللي يطالب بالأصول لازم يديها الأول.. والراجل اللي يحترم مراته، تشيله فوق راسها وتاج.. والي يهينها، تدوس على قلبه بمداسها.
البنات والخدم شهقوا من الجرأة، وعزالرجال نفسه اتفاجئ، بس الحاجة فضيلة ابتسمت ابتسامة صفرا وقالت:
ـ لسانك طويل يا صبا.. وده أول مسمار في نعش هدوئك هنا.. انزلي يا بت على المطبخ، شوفي الخدم بيعملوا إيه، وورينا شطارتك.. دار العداني مفيهاش هوانم بيقعدوا يحطوا إيدهم على خدهم.
عزالرجال كان لسه هيتكلم، بس صبا سبقته وقالت:
ـ من عيوني يا حاجة.. المطبخ والدار والخدم كلهم هيبقوا تحت نظري، لجل ما عزالرجال بيه يعرف إنه متجوز ست بيت بجد، مش مجرد "صورة" لليلة واحدة.
نزلت صبا المطبخ، والخدم كانوا بيبصوا لها بغيره وشماتة، وبدأوا يرموا عليها الشغل التقيل عشان يكسروها. في الوقت ده، عزالرجال كان واقف في البلكونة بيبص عليها من بعيد وهي بتتحرك في حوش السرايا بنشاط، وقلبه اللي كان قاسي بدأ يحس بوجع غريب.. وجع "الإعجاب" اللي بيحاول يداريه ورا غضبه.
وفجأة، سمع صوت صريخ طالع من المطبخ، وصوت صبا وهي بتزعق في واحدة من الشغالات:
ـ إنتي فاكرة نفسك بتكلمي مين يا بت؟ أنا اهنه "ستك" وست الدار دي، والي يدخل السرايا لازم يعرف مقامه زين!
عزالرجال نزل يجري يشوف صبا عملت إيه، ولقى صبا ماسكة إيد الخدامة اللي كانت بتحاول توقع طبق مية سخنة عليها، وعينيها بتطلع شرار.عزالرجال دخل المطبخ ولقى المنظر يغلي، صبا ماسكة إيد الخدامة "هنية" بقوة، والخدامة وشها أحمر وبتحاول تفلفص وهي بتعيط. هنية دي كانت مقربة من الحاجة فضيلة وعارفة إنها عينها في البيت، فكانت فاكرة إنها تقدر تدوس على صبا.
عزالرجال زعق بصوت هز الحيطان:
ـ فيه إيه اهنه؟ إيه الخبل ده يا صبا؟ سيب البت!
صبا مسيبتش إيدها، بالعكس زادت في مسكتها وبصت لعزالرجال وقالت بكل ثبات:
ـ البت دي كانت هتدلق المية السخنة على رجلي وهي بتتميلح وتقول "يا عيني محستش"، وأنا مبيتعملش عليا الدور ده واصل يا ولد العداني. الخدامة اللي متعرفش مقام ستها، يبقى مالهاش مكان في السرايا دي.
الحاجة فضيلة دخلت ورا عزالرجال وقالت بشهقة:
ـ سيبيها يا بت عبدالله! هنية دي في السرايا من قبل ما إنتي تولدي، وإنتي لسه داخلة بشنطة هدومك امبارح وجاية تعملي علينا هانم؟
صبا لفت وشها للحاجة فضيلة، وسابت إيد هنية بقرف وقالت:
ـ الأقدمية بالأدب يا حاجة، مش بالسن. اللي يحترمني أحطه في عيني، واللي يفكر بس يإذيني، هقطعلوا الإيد اللي اتمدت.
عزالرجال كان واقف بين نارين، كبرياءه كرجل وسيد البيت، وإعجابه السري بشخصية صبا اللي متهزتش قدام أمه. قرب من هنية وقالها بلهجة تخوف:
ـ روحي على أوضتك يا هنية، ومشوفش وشك في المطبخ واصل النهاردة.. وحسابك معايا بعدين.
الحاجة فضيلة بصت لعزالرجال بصدمة:
ـ بتكسر كلمة أمك عشان خاطر بت لسه مكملتش ليلة في دارك يا عزالرجال؟
عزالرجال بص لأمه وقال بهدوء:
ـ أنا مكسرتش كلمتك يا أما، بس البيت ده ليه "ست" واحدة من بعدك، وهي صبا.. والي يغلط فيها يبقى بيغلط فيا.
صبا بصت لعزالرجال نظرة خاطفة، ولأول مرة تحس إن في حاجة جوه قلبها اتحركت ناحيته، بس سرعان ما افتكرت إنه "عزالرجال" بتاع البنات، فقفلت قلبها تاني وقالت:
ـ عن إذنكم.. هكمل أنا عمايل الوكل، عشان الرجالة اللي في الغيط زمانهم جاعوا.
فضلت صبا في المطبخ، وعملت أكل صعيدي "على أصوله" ريحته قلبت السرايا كلها. لما الأكل اتحط على الطبلية، عزالرجال مكنش مصدق إن دي البت اللي كانت بتسرح الخيل، شطارة في المطبخ، وقوة في الشخصية، وجمال يداوي الجروح.
وهما قاعدين بياكلوا في صمت، دخل الغفير حماد وهو بينهج وقال:
ـ يا عزالرجال بيه.. عبدالله أبو صبا واقف بره، وعيونه بتطق شرار، ومعاه رجالة من عيلة "الرماحة".. بيقولوا إنهم جايين ياخدوا بنتهم لإنهم سمعوا إنك هتطلقها النهاردة زي العادة، ومش هيسيبوا حقهم المرة دي!
صبا وقفت، واللقمة وقفت في زورها، وبصت لعزالرجال بخوف لأول مرة يظهر في عينيها. عزالرجال مسح إيده في المنديل ببرود، وقام وقف، وطلع المسدس من جيبه وحطه في حزامه وقال:
ـ خليهم يدخلوا يا حماد.. خليهم يشوفوا إن صبا بقت "عدانية" ومحدش يقدر يخرجها من السرايا دي إلا وهي على كفنها.
خرج عزالرجال للساحة، وصبا طلعت وراه، ولقوا أبوها واقف ومعاه سلاح ورجالة. عبدالله زعق:
ـ هات بنتي يا ولد العداني! إحنا فقراء آه بس شرفنا غالي، ومحدش هيرجع بنتي مكسورة الخاطر والناس تتفرج عليها!
عزالرجال قرب من عبدالله بكل هيبة، ومسك إيد صبا ورفعها قدام الكل وقال:
ـ بنتك مش هترجع يا عبدالله.. بنتك الليلة دي علمتني يعني إيه "فارس" ويعني إيه "مهرة". صبا مراتي، وفرحنا الكبير هيبدأ دلوقت، والبلد كلها هتعرف إن عزالرجال العداني "تاب" على إيد المهرة دي.
الناس كلها وقفت مذهولة، وصبا دموعها نزلت غصب عنها.. المرة دي مش دموع قهر، دي دموع بداية قصة جديدة.البلد كلها اتقلبت، الطبول دقت والمزامير اشتغلت، وعزالرجال أمر بدبح الذبائح وتوزيع الوكل على الفقير قبل الغني. الكل كان بيتوشوش: "إيه اللي عملته بت عبدالله عشان تخلي سبع السرايا يركع كدة؟".
صبا كانت واقفة وسط الزيطة دي كلها وهي لسه مش مصدقة، حاسة إنها في حلم، بس كبرياءها كان لسه صاحي. دخلت أوضتها، ولحقت بها أمها اللي كانت بتزغرط ووشها منور بالفرحة:
ـ شفتي يا بتي؟ مش جولتلك هتبجي ست الهوانم؟ عزالرجال بجى خاتم في صباعك!
صبا بصت لأمها بحزن وقالت:
ـ أنا مش عايزة خاتم يا أما، أنا عايزة "راجل" بجد.. عزالرجال عمل كدة عشان كبريائه اتهز قدام الناس، لسه مبردتش ناري منه واصل.
لما الليل ليل، والناس مشيت، دخل عزالرجال الأوضة وهو حاسس بانتصار غير أي انتصار دخله في حياته قبل كدة. قفل الباب وراه، وبص لصبا اللي كانت قاعدة وشها للناحية التانية وقال بصوت هادي وراسي:
ـ ريحتي بالك يا صبا؟ أبوكي مشي وهو رافع راسه، والبلد كلها عرفت إنك "ست السرايا".. مفيش كلمة شكر لولد العداني؟
صبا قامت وقفت، ولفت وشها ليه وكانت ماسكة في إيدها "خنجر" صغير كانت مخبياه وسط هدومها. عزالرجال اتصدم وبرق عينه، بس مهتزش.
قربت منه وحطت الخنجر على المنضدة اللي بينهم وقالت:
ـ الشكر ده للي بيعمل معروف يا ولد العداني، مش للي بيصلح غلطته.. إنت عملت كدة عشان شكلك قدام الرجالة، مش عشان سواد عيوني.
عزالرجال قرب خطوة، وعينه في عينها وقال بتحدي:
ـ والعمل يا صبا؟ إيه اللي يرضيكي ويخليني في نظرك فارس بجد؟
صبا ابتسمت بذكاء وقالت:
ـ المهرة اللي شفتها في الساحة، مابتركبش حد لمجرد إنه ملكها.. إنت دلوقت جوزي قدام الناس، لكن عشان تكون جوزي بجد، قدامك "رهان".
عزالرجال رفع حاجبه باهتمام:
ـ رهان إيه؟ جول وخلصيني.
صبا قالت:
ـ من بكرة، هتنزل معايا الساحة.. هنسابق بعض بالخيل.. لو سبقتني، هكون لك زوجة مطيعة وتنفذ كل أوامرك.. ولو أنا اللي سبقتك، تفضل في البيت ده "ضيف" لحد ما قلبي يميل لك بمزاجه، وم تلمس شعرة مني واصل إلا برضايا.
عزالرجال ضحك بقوة وهو واثق في نفسه:
ـ إنتي بتراهني فارس الصعيد على خيل؟ ده أنا مولود فوق ضهر الحصان يا بت عبدالله! موافق.. وبكرة الصبح، الشمس هتطلع على هزيمتك يا صبا.
صبا ردت بكل ثبات:
ـ بكرة نشوف يا ولد العداني.. والي يسبق، يربق.
تاني يوم الصبح، الساحة كانت مليانة خدم وغفر، والكل واقف يتفرج على المنظر الغريب.. عزالرجال وصبا، كل واحد راكب حصانه ومستعدين للسباق. عزالرجال كان راكب حصانه الأسود "الليل"، وصبا كانت راكبة مهرتها البيضا "فجر".
أول ما الغفير صفر، انطلقوا زي البرق. عزالرجال كان بيسوق حصانه بكل قوة، وصبا كانت طايرة كأنها جزء من المهرة. وفي نص الطريق، عزالرجال بص جنب منه ولقى صبا بتبتسم له بجرأة، وفجأة، عملت حركة مكنش يتوقعها.. مالت بجسمها وصرخت صرخة "الخيالة" الأصلية، والمهرة فجر سبقت الريح!
عزالرجال حاول يلحقها، بس صبا كانت حافظة الأرض وحفرها، لفت لفة ضيقة وسبقت الخط بمسافة كبيرة. وقفت في نهاية الساحة وهي بتنهج بجمال يخطف العقل، وبصت لعزالرجال اللي وصل وراها وهو مبهور ومذهول في نفس الوقت.
نزلت من فوق المهرة وقربت منه وهو لسه فوق حصانه وقالت:
ـ مبروك يا ولد العداني.. الهزيمة طعمها مر، مش كدة؟ دلوقت تنفذ الوعد.. "ضيف" في داري لحد ما أقول أنا غير كدة.
عزالرجال نزل من على الحصان، وبدل ما يغضب، قرب منها وباس إيدها قدام كل الغفر وقال بصوت واطي:
ـ وحق اللي خلقني يا صبا.. هزيمتي قدامك هي أحلى "نصر" دوُقته في حياتي.. من اللحظة دي، أنا مش بس ضيف، أنا "أسير" المهرة اللي روضتني بجد.مرت الأيام في السرايا، وعزالرجال فعلًا وفّى بوعده؛ بقى يتعامل مع صبا بمنتهى الأدب والتقدير، وكأنه غريب بيحاول يكسب رضاها، وده جنن الحاجة فضيلة اللي كانت شايفة إن هيبة ولدها بتضيع قدام "بت عبدالله".
لكن في الجانب التاني من البلد، كان فيه "منصور الهواري"، وده كان العدو اللدود لعيلة العداني، وبينهم طار قديم ودم مبردش. منصور لما سمع إن عزالرجال "وقع في شباك صبا" وبقى بيمشي وراها زي الظل، ضحك بخبث وقال لرجاله:
ـ أخيراً يا عزالرجال لقيت لك "نقطة ضعف".. المهرة اللي فخور بيها دي هي اللي هتدبحك من غير سكين!
في يوم كان عزالرجال في الغيط بيتابع الشغل، وصبا كانت لوحدها في الجنينة ورا السرايا بتمسح على مهرتها "فجر". فجأة، سمعت صوت حركة غريبة ورا الشجر، وقبل ما تنطق، هجموا عليها تلاتة رجالة ملثمين، وحطوا غماة على عينها وكمموا بوقها، وشالوها وطلعوا يجروا على الجبل.
لما رجع عزالرجال السرايا وملقاش صبا، الدنيا اسودت في عينه. نادى على حماد الغفير وزعق فيه:
ـ فين صبا يا حماد؟ انطق!
حماد وهو بيرتعش:
ـ والله يا بيه كانت في الجنينة، وفص ملح وذاب.. بس لقينا طرحتها واقعة عند سور الجنينة ووراها آثار خيول غريبة.
عزالرجال عرف فوراً إنها من عملة منصور الهواري. الدم غلي في عروقه، وطلع مسدسه وركب حصانه "الليل" من غير سرج، وصرخ بصوت زلزل البلد:
ـ يا رماحة.. يا عدانية! اللي بيحب عزالرجال يركب ورايا.. النهاردة يا الطار يخلص، يا نموت كلنا!
في المغارة فوق الجبل، صبا كانت مربوطة، ومنصور الهواري واقف قدامها بيضحك:
ـ يا خسارة الجمال ده في عزالرجال.. تعرفي يا بت إني هقتلك وأبعت له جثتك عشان أحرق قلبه زي ما حرق قلبي على أخويا زمان؟
صبا رغم الخوف، بصت له بقوة وقالت:
ـ عزالرجال مش هيسيبك.. ولو قتلتني، هيمحي عيلة الهواري كلها من على وش الأرض. إنت فاكر إنك بطل؟ إنت "ندل" لإنك استقويت على ست!
وفجأة، سمعوا صوت ضرب نار كثيف وصوت "صهيل" حصان مألوف لصبا. عزالرجال وصل، وهجم على المغارة كأنه إعصار، وبدأ يضرب نار يمين وشمال وهو بينادي بصوته كله:
ـ صباااااااا! وحق اللي خلقك لو لمسوا شعرة منك لهد الجبل ده عليهم!
منصور خاف من جنون عزالرجال، وسحب خنجره وحطه على رقبة صبا وقال:
ـ وقف عندك يا ولد العداني! خطوة كمان وهدبحها قدام عينك!
عزالرجال وقف، وصدره بيعلو ويهبط من النهجان، ورمى السلاح من إيده وقال بكسرة لأول مرة تبان عليه:
ـ سيبها يا منصور.. خدني أنا مكانها، خد تاري وتار أخوك مني أنا، بس هي ملهاش ذنب.. صبا غالية قوي يا منصور، أرجوك!
صبا لما شافت عزالرجال "السبع" وهو بيترجاه عشان خاطرها، قلبها اتفتح له تماماً، وعرفت إن توبته وحبه حقيقيين. وبلمحة بصر، صبا استغلت لحظة انشغال منصور بالكلام مع عزالرجال، وضربته بـ "كوعها" في بطنه بكل قوتها، وفلتت منه.
في اللحظة دي، عزالرجال هجم على منصور زي الأسد المعتفر، ونزل فيه ضرب لحد ما خلاه يقطع النفس، ورجالة عزالرجال سيطروا على المكان.
عزالرجال جري على صبا، وفك رباطها، وشدها لحضنه وهو بيترعش من الخوف عليها، وقال بصوت مخنوق:
ـ كنتي هتموتي مني يا صبا.. كنت هموت وراكي يا مهرتي.
صبا خبت وشها في صدره وقالت لأول مرة بكل حب:
ـ مكنتش هتموت.. المهرة متموتش وفارسها "عزالرجال" لسه عايش ومسندها.
رجعوا السرايا، وعزالرجال شال صبا ودخل بيها قدام أمه والكل، وبص للحاجة فضيلة وقال:
ـ الليلة دي يا أما، صبا أثبتت إنها مش بس ست البيت، دي شرف عيلة العداني كله.
ومن الليلة دي، صبا مابقتش "ضيفة"، بقت هي الروح اللي بتدب في السرايا، وعزالرجال اتغير تماماً وبقى فعلاً الفارس اللي صبا حلمت بيه، وعاشوا قصة حب بيحكي عنها الصعيد كله لحد النهاردة.بعد سنة من الليلة دي، السرايا حالها اتبدل تماماً. "عزالرجال" اللي كان اسمه بيترعب منه بنات البلد، بقى مثال للراجل اللي بيصون عرضه وبيحمي الغريب قبل القريب. مابقاش فيه خمرة ولا سهر ولا جوزات "الليلة الواحدة"، وبقت كلمته سيف، بس سيف في الحق.
في يوم، كانت صبا واقفة في بلكونة السرايا، ملامحها بقت هادية ومطمئنة، وبطنها كان باين عليها ملامح الحمل في الشهور الأخيرة. عزالرجال طلع وراها ولف دراعه حواليها بحنان وقعد يوشوشها:
ـ في إيه يا ست الهوانم؟ واخدة عقلك المهرة "فجر" ولا بتفكري في السباق اللي خسرته؟
صبا ضحكت بجمال وقالت:
ـ بفكر في إن ربنا كريم قوي يا عزالرجال.. بعتلي الفارس اللي روضته، وبعتلك المهرة اللي خلتك تعرف قيمة نفسك بجد.
عزالرجال باس راسها وقال:
ـ أنا اللي مدين ليكي بحياتي يا صبا.. عارفة، النهاردة الغفير حماد جالي وقالي إن فيه راجل فقير من طرف "الرماحة" عنده مشكلة، زمان كنت هطرده، بس النهاردة رحتله وحليت مشكلته وبست راسه كمان.. كأني بشوف في كل راجل غلبان "أبوكي"، وفي كل بنت "إنتي".
صبا بصتله بحب وقالت:
ـ هو ده عزالرجال اللي قلبي اختاره.. مش بس سيد الناس بماله، ده سيدهم بأصله.
فجأة، الحاجة فضيلة طلعت وراهم، وبصت لصبا بابتسامة حقيقية مش صفراء زي زمان، وقالت:
ـ يلا يا بتي، الوكل جاهز.. ولازم تتغذي زين عشان "عزالرجال الصغير" اللي جاي يشرف السرايا.. ده البلد كلها مستنية ولي العهد.
عزالرجال شال صبا بين إيديه بضحكة عالية وقال:
ـ ولي العهد هيطلع فارس لأمه، ومهرة لأبوه!
نزلوا كلهم على الطبلية الكبيرة، والبيت اللي كان زمان ريحته "خوف وكبرياء"، بقى ريحته "دفا وحب". صبا قدرت تكسر جنون الصعيدي، مش بالدراع، ولا بالجمال بس، لكن بالكرامة اللي مابتنحنيش، والذكاء اللي بيعرف يروض الوحش ويطلّع منه أغلى ما فيه.
النهاية.بقلم مايا خالد


تعليقات
إرسال تعليق