القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

سكريبت مسابقه الرقص كامله

 سكريبت مسابقه الرقص كامله 



مسابقه الرقص 

قبل مسابقة الرقص الخاص بابنتي مزقت زوجـة شقيـق زوجـي فستانها، وابتسمت بعدها وكأنها خرجت منتصرة من حرب صغيرة دارت في رأسها وحدها.

كنا في بيت حماتي في المنصورة، المكان الذي اعتدنا دائمًا أن نجعله قاعدة استعداد قبل أي مسابقة لأنه الأقرب إلى القاعة. غرفة المعيشة كانت تعج بالفوضى المعتادة: حقائب مكياج مفتوحة، مكواة شعر موضوعة على الطاولة، دبابيس شعر متناثرة هنا وهناك، وأكواب قهوة نصف فارغة تركها الجميع على عجل.

كانت ابنتي ريم، ذات الاثني عشر عامًا، جالسة على السجادة مرتدية ملابس التدريب، تدندن بهدوء بينما تحرّك يديها بحركات صغيرة من روتينها الغنائي. كانت هادئة على غير العادة، مركزة، كأن العالم كله اختفى من حولها.

أما فستانها، فكان معلقًا على إطار الباب وكأنه قطعة ملكية. أزرق داكن، مرصع بأحجار لامعة، وتنورته ناعمة تتحرك كالماء مع أقل حركة. كل مرة كنت أنظر إليه، أشعر بالفخر وبالخوف في الوقت نفسه.

ثم دخلت نجلاء.

نجلاء من النوع الذي يتقن اللطف أمام الناس، ويجيد القسوة في الخفاء. تقدم كلماتها دائمًا على هيئة نصائح لكنها في الحقيقة سهام مغطاة بالابتسامات. وقفت تتأمل الفستان وقالت بنبرة متصنعة:

يا ساتر… ده فستان جريء قوي…

تجاهلتها تمامًا. كل تركيزي كان على ريم، على أن يمر الصباح بسلام. شهور من التدريب، تعب طويل، وبنت صغيرة انتظرت هذه اللحظة بكل قلبها. لم أكن لأسمح لأي شخص أن يفسد ذلك.

اقتربت نجلاء خطوة أخرى وقالت:

خليني أشوفه من قريب..

قبل أن أتمكن من إيقافها، كانت قد أمسكت بالفستان ورفعته كما لو كانت تفحصه بحثًا عن عيب. قلت بسرعة وأنا أشعر بعدم الارتياح:

نجلاء… خلي بالك

ابتسمت ابتسامة باردة لم تصل إلى عينيها، وقالت:اهدي يا منى، عندي بنتين، وأنا عارفة بعمل إيه..ثم حدث كل شيء في ثوانٍ.

ظفرها الطويل تعلّق بالقماش قرب الخصر، ومع سحبة واحدة حادة صدر صوت التمزق الواضح. تمزق نظيف، في قلب الخياطة.

تجمّدت في مكاني. عقلي توقف عن التفكير تمامًا.

نجلاء لم تتفاجأ، لم تعتذر، لم تظهر أي ارتباك. نظرت إلى التمزق للحظة، ثم ابتسمت…قالت بتعاطف مصطنع:

يا خسارة… الفساتين الرخيصة دي بتبقى حساسة قوي..

شعرت بأن حلقي انقبـ . ــض، ويديّ أصبحتا باردتين. نظرت إلى ريم، متوقعة أن تنهار أو تنفجر في البكاء.

لكن ما حدث كان العكس تمامًا.

وقفت ريم بهدوء غريب، هدوء لم أره فيها من قبل، كأنها كانت تتوقع ما سيحدث. اقتربت مني، وضعت يدها الصغيرة على ذراعي، وقالت بصوت واثق:ماما… اهدي

ثم مدت يدها خلف إطار الباب، وسحبت شيئًا جعل كل خوفي ينهار في لحظة واحدة.


ثم مدت ريم يدها خلف إطار الباب، وسحبت شيئًا جعل كل خوفي ينهار في لحظة واحدة.


كان فستانًا آخر.


أخرجته بهدوء، فردته أمامي بثقة، وكأنها تكشف سرًا لم يكن مخصصًا للانهيار، بل للانتصار. نفس اللون الأزرق الداكن، لكن بلمعة أعمق، وأحجار أكثر ثباتًا، وتنورة أكثر امتلاءً. الفستان الحقيقي. فستان المسابقة.


نظرتُ إليها غير مصدّقة، بينما قلبي الذي كان يخفق بعنــ . ــف منذ لحظات بدأ يهدأ تدريجيًا، كأنه عاد إلى مكانه أخيرًا.


قالت ريم بهمس واثق، وهي تبتسم ابتسامة صغيرة:


«ده فستان التدريب يا ماما… الحقيقي في الشنطة من بدري».


لم أتمالك نفسي. ضحكت. ضحكة خرجت رغماً عني، ممزوجة بالارتياح والدهشة والفخر. ضحكة لم أفهمها في لحظتها إلا كنوع من التفريغ، لكني أدركت معناها لاحقًا.


نجلاء كانت واقفة في مكانها، تنظر بين الفستان الممزق والفستان السليم، وملامح وجهها بدأت تتصلب. لم تتكلم. لم تعلّق. ابتسامتها اختفت، وحلّ مكانها صمت ثقيل.


لم أقل لها شيئًا. لم أحتج.


ريم كانت قد قالت كل شيء.


اقتربتُ من ابنتي، احتضنتها للحظة قصيرة، ثم بدأت أساعدها في ارتداء الفستان الحقيقي. كانت هادئة، ثابتة، وكأن ما حدث لم يكن سوى تفصيلة جانبية في يومها الكبير.


سألتها وأنا أضبط السحاب الخلفي:


«إنتي كنتِ عارفة؟»


هزت رأسها بهدوء.


«مش عارفة… بس كنت حاسة. عشان كده خبّيت الفستان من بدري».


لم تقلها بتشفٍّ، ولا ببراءة زائدة. قالتها وكأنها حقيقة بسيطة. شيء بديهي. شيء تعلّمته دون أن أعلّمها أنا.



وفي تلك اللحظة، شعرت بشيء يشبه الوخز في صدري.


متى كبرت هكذا؟


ومتى تعلّمت الحذر؟


ومتى فهمت أن الطيبة وحدها لا تكفي دائمًا؟


غادرنا المنزل بعد دقائق. نجلاء لم تودّعنا. حماتي كانت مشغولة في المطبخ، وكأنها اختارت ألا ترى ما حدث. الصمت كان أسهل للجميع.


في السيارة، كانت ريم صامتة. تنظر من النافذة، تتنفس ببطء، تحرك أصابعها في الهواء وكأنها تراجع الحركات مرة أخيرة.


قلت لها بهدوء:


«أنا فخورة بيكِ».


ابتسمت دون أن تنظر إليّ.


«أنا عايزة أرقص حلو… بس».


وصلنا إلى القاعة. المكان كان مزدحمًا، أصوات موسيقى تتداخل، فتيات بفساتين لامعة، أمهات يركضن هنا وهناك، مدربات يصرخن بتعليمات متوترة. عالم كامل يدور حول لحظة واحدة على المسرح.


في غرفة الاستعداد، ساعدتها في وضع اللمسات الأخيرة. ربطت شعرها بإحكام، ثبّتُ الدبابيس، مسحتُ أي توتر من على جبينها بقبلة خفيفة.


حين نادوا اسمها، وقفت، أخذت نفسًا عميقًا، ثم التفتت إليّ.


«ماما… لو حصل أي حاجة، ما تزعلِيش».


نظرتُ إليها وقلت بثبات:


«إنتِ كسبانة قبل ما تطلعي».


ابتسمت. ثم دخلت.


وقفتُ في الصفوف الخلفية أتابعها وهي تصعد إلى المسرح. الأضواء سطعت، الموسيقى بدأت، وكل شيء آخر اختفى. لم أعد أسمع همسات الجمهور، ولا أرى الحكام. كنت أراها فقط.


كانت ترقص بثقة. ليست الثقة المصطنعة، بل تلك التي تأتي من الداخل. حركاتها كانت دقيقة، تعبيرها صادق، وكأنها تحكي قصة لا تحتاج إلى كلمات.


في منتصف العرض، شعرت بعينيّ تدمعان. ليس لأنها مثالية، بل لأنها كانت حقيقية. لأنها كانت نفسها.


عندما انتهت، دوّى التصفيق. تصفيق طويل، صادق. عرفت حينها أن النتيجة لم تعد تهم.


لكنها فازت.


المركز الأول.


حين نادوها لتسلّم الكأس، رأيتها تبحث بعينيها عني وسط الجمهور. رفعتُ يدي، ولوّحت لها، وابتسامتي كانت أوسع من قلبي.


بعد الحفل، ونحن في طريق العودة، كانت تحمل الكأس في حــ . ــضنها، تنظر إليه وكأنه شيء مؤقت، لا أكثر.


سألتها:


«مبسوطة؟»


قالت ببساطة:


«آه… بس أكتر حاجة مبسوطة بيها إن الفستان ما اتقطعش».


ضحكتُ، ثم سكتُّ.


في تلك الليلة، وأنا أعلّق الفستان مرة أخرى في الخزانة، توقفت أمام الفستان الممزق. فستان التدريب. لم أرمِه. طويته بعناية، ووضعته في درج جانبي.


ليس لأنه مهم…


بل لأنه ذكرني بشيء لن أنساه أبدًا.


أن أبناءنا أحيانًا يرون ما لا نراه.


ويستعدّون لما نفضّل نحن إنكاره.


وأن القوة لا تكون دائمًا في المواجهة…


أحيانًا تكون في الاستعداد الصامت.


وأن ابنتي، دون أن تدري، علّمتني درسًا لن أحتاج إلى تكراره.


تمت


تعليقات

التنقل السريع
    close