كأس ماء غيّر حياة طفلة… وكشف سرًّا ظلّ مخفيًا لسنوات
كأس ماء غيّر حياة طفلة… وكشف سرًّا ظلّ مخفيًا لسنوات
لم تنطق ابنة المليونير يوما بكلمة واحدة لكن حين قدمت لها فتاة فقيرة كأس ماء حدث ما يشبه المعجزة.
كلمتها الأولى زلزلت الجميع الماء الذي غير كل شيء.
طفلة بلا صوت وأخرى بلا منزل ولقاء واحد كشف حقيقة لم يتخيلها أحد.
لكن ما جرى بعدها تجاوز كل التوقعات.
كانت الشمس تضرب بقسوة شوارع بولانكو أحد أرقى أحياء مكسيكو سيتي.
كان دييغو ميندوزا ذو الخمسة والثلاثين عاما يمشي بخطوات واثقة نحو سيارته ال BMW السوداء وهو يعدل ربطة عنقه المصنوعة من الحرير الإيطالي.
كانت بدلته المفصلة خصيصا تلمع تحت ضوء الظهيرة بينما ينظر إلى ساعة رولكس سابمارينر في معصمه.
الوقت 230 ظهراتماما كما خطط لاصطحاب إيزابيلا.
وبجانبه كظل صغير صامت كانت تمشي ابنته ذات الست سنوات.
كانت إيزابيلا ميندوزا طفلة جميلة ذات عينين بنيتين واسعتين تحملان حزنا لا يناسب عمرها.
فستانها الأبيض النقي وحذاؤها اللامع كانا يضيفان إلى مظهرها الملائكي لكن الصمت الذي يحيط بها كان ثقيلا.
منذ ولادتهاإيزابيلا لم تنطق بكلمة واحدة.
قال دييغو بلطف وهو يمد يده نحوها
هيا يا أميرتي.
رفعت إيزابيلا نظرها إليه ثم أمسكت يده دون أن تصدر صوتا واحدا.
كان هذا جزءا من روتينهما اليومي
الخروج من عيادة طبيب الأعصاب
حيث يتلقيان كل شهر الإجابة ذاتها
وهي إجابة تكسر قلب دييغو كل مرة.
حاول أفضل أطباء المكسيك علاجها.
وجاء أطباء من هيوستن ومن إسبانيا بل إن جراحا عالميا من سويسرا حضر خصيصا لرؤيتها.
وكلهم توصلوا إلى النتيجة نفسها
جسد إيزابيلا سليم تماما.
لا تلف في الأعصاب.
لا إصابة في الدماغ.
لا صدمة جسدية.
قال الطبيب راميريز ذلك المساء وهو يغلق ملفها الطبي
الأمر نفسي سيد ميندوزا.
ابنتك تمتلك القدرة على الكلام
لكن شيئا عميقا بداخلها يمنعها.
كان دييغو يشد على المقود بقوة وهو يقود باتجاه منزله.
قصره في لوماس دي تشابولتيبيك كان ينتظر وصوله
حدائق مشذبة بعناية
وخدم لا يخطئون
ومظاهر ثراء لا تنتهي
لكن كل هذا الرفاه لم يمنحه ما يتمناه أكثر من أي شيء في الحياة
سماع صوت ابنته ولو كلمة واحدة.
كانت إيزابيلا تجلس بصمت في المقعد الخلفي تنظر إلى المدينة من خلال الزجاج المظلل.
كانت يداها الصغيرتان تعبثان بطرف فستانهاعادة تظهر فقط عندما تكون خائفة أو قلقة.
وعند تقاطع ريفورما لاحظ دييغو شيئا غير معتاد.
كانت هناك فتاة صغيرة في الثامنة تقريبا تقترب من السيارات لتبيع أكياسا صغيرة من الماء البارد.
كانت نحيلة ذات شعر داكن مربوط بضفيرتين فوضويتين.
كانت نظيفة لكنها ترتدي ملابس مهترئة تدل على طفولة عرفت الفقر أكثر مما عرفت الطمأنينة.
ماء بارد يا سيدي! صاحت الفتاة وابتسامتها تلمع رغم الظروف القاسية. بخمسة بيزو فقط.
في العادة لم يكن دييغو يتوقف في مثل هذه المواقف
لكن شيئا في إصرار تلك الفتاة الصغيرة حرك شيئا في داخله. أنزل زجاج السيارة ولوح لها بيده.
ركضت الفتاة نحوه مبتسمة على اتساع وجهها
مرحبا يا سيدي هل تحب أن تأخذ بعض الماء البارد الجو حار جدا اليوم أليس كذلك
قال دييغو
أريد كيسين.
وأخرج ورقة نقدية من فئة مئة بيزو من محفظته.
اتسعت عينا الفتاة دهشة
لكن يا سيدي لا أملك فكة لمبلغ كبير كهذا.
ابتسم دييغو وقال
لا أريد منك باقيا. ما اسمك أيتها الصغيرة
إسبرنثا يا سيدي. إسبرنثا مورالس في خدمتك.
في تلك اللحظة اعتدلت إيزابيلا في جلستها في المقعد الخلفي.
كان في صوت إسبرنثا الدافئ الصادق ما جذب انتباهها. اقتربت من النافذة وأخذت تحدق في الفتاة الواقفة عند الشارع.
لاحظت إسبرنثا تلك العينين الكبيرتين فابتسمت لها برقة
مرحبا أيتها الأميرة الصغيرة هل تريدين أنت أيضا بعض الماء البارد
هزت إيزابيلا رأسها بخفة وهو ما أدهش دييغو فقد كانت نادرا ما تتفاعل مع الغرباء.
قالت إسبرنثا وهي تقترب من النافذة أكثر
تعلمين هذا الماء ليس عاديا. جدتي تقول إنه عندما يكون المرء عطشان ويقدم له أحدهم الماء بمحبة تحدث أشياء جميلة.
أخذت أحد أكياس الماء فتحته بحذر وقدمته لإيزابيلا بيديها الصغيرتين المتشققتين لكن الكريمتين
خذي يا زهرتي الصغيرة الجو حار جدا اليوم.
مدت إيزابيلا يديها وأمسكت بالكيس.
لبرهة قصيرة تبادلتا النظر في صمت.
كان هناك شيء لطيف في تلك اللحظة رابط غير مرئي تخطى كل الفوارق الطبقية بينهما.
راحت إيزابيلا تشرب ببطء وعيناها مثبتتان على إسبرنثا كأنها ترى فيها شيئا لا يراه سواها.
سألتها إسبرنثا باهتمام صادق
هل أعجبك الماء يا أميرتي
هزت إيزابيلا رأسها مرة أخرى لكن هذه المرة حدث شيء لا يصدق.
تحركت شفتاها قليلا كأنها تحاول أن تنطق.
راقب دييغو المشهد من مرآة السيارة الأمامية وقد حبس أنفاسه.
لم يسبق له طوال تلك السنوات أن رأى ابنته تحاول التكلم بهذه الطريقة.
همست إسبرنثا وهي تقترب أكثر من النافذة
هل تحبين أن أخبرك بسر صغير
أنا أيضا كنت خائفة من الكلام عندما كنت صغيرة لكن جدتي علمتني أن صوتنا هدية والهدية خلقت لتشارك.
كانت إيزابيلا تنظر إليها بنظرات مليئة بالترقب وكأن كل كلمة أمل تنطق بها إسبرنثا كانت تهدم جدارا خفيا في قلبها.
انقلبت إشارة المرور إلى الأخضر وبدأت السيارات خلف دييغو تطلق أبواقها. كان يعلم أنه يجب أن يتحرك لكن ما كان يحدث داخل سيارته لم يكن شيئا عاديا.
شكرا على الماء يا إسبرنثا قال دييغو. هل تأتين إلى هنا كل يوم
أجابته
نعم يا سيدي. كل يوم بعد المدرسة أساعد أمي في بيع الماء. علينا أن ندخر للإيجار.
قال دييغو دون أن يعرف حتى لماذا نطق بهذا
إذن نراك قريبا.
وأثناء انطلاق السيارة ظلت إيزابيلا تلتفت إلى الخلف تراقب إسبرنثا حتى
اختفت وسط الزحام.
في طريق العودة إلى المنزل لاحظ دييغو أن ابنته تبدو مختلفة أكثر انتباها أكثر حضورا كأن شيئا ما استيقظ داخلها.
في ذلك المساء أثناء العشاء في غرفة الطعام الأنيقة بقصرهم كان دييغو يراقب إيزابيلا وهي تعبث بطبقها في صمت.
كانت كارمن المربية التي اعتنت بإيزابيلا منذ كانت رضيعة تقدم الحلوى كعادتها بكفاءة هادئة.
سألت كارمن
هل لاحظت شيئا مختلفا في إيزابيلا اليوم يا سيد دييغو
كانت المرأة الكبيرة في السن التي قضت أكثر من عشرين عاما في خدمة عائلة ميندوزا تنظر إلى الطفلة بعين خبيرة.
قالت
الآن بعدما ذكرت الأمر نعم. تبدو وكأنها استيقظت من شيء ما. عيناها تلمعان بطريقة مختلفة.
أومأ دييغو بتفكير.
لم يستطع طرد صورة لقاء ابنته بإسبرنثا من عقله. كان في تلك الفتاة الصغيرة نور خاص شعاع لمس روح إيزابيلا بطريقة لم يستطع أي طبيب أن يصل إليها.
بعد أن نامت إيزابيلا جلس دييغو في مكتبه يتصفح ملفات الفحوصات الطبية المتراكمة على مكتبه.
صور أشعة مقطعية تخطيطات دماغ اختبارات نفسية
كلها تقول الشيء نفسه
ابنته سليمة من الناحية الجسدية.
لكن صمتها ظل لغزا لا ينكسر.
اهتز هاتفه برسالة من زوجته فيكتوريا التي كانت في أوروبا في رحلة عمل
كيف حال إيزابيلا اليوم هل هناك أي تقدم مع العلاج الجديد
تردد دييغو قبل الرد.
فقد كانت فيكتوريا دائما أكثر عجلة وأكثر شدة مع حالة إيزابيلا تدفع دائما نحو طرق علاجية أكثر قسوة وتجريبية
بينما كان هو يفضل طريقا ألين أكثر حنانا.
أخيرا كتب
كل شيء هادئ. سأتصل بك غدا.
تلك الليلة لم ينم دييغو بسهولة.
في أحلامه رأى إيزابيلا تركض نحو إسبرنثا
ولأول مرة منذ ست سنوات سمع ضحكة ابنته بوضوح.
في اليوم التالي كان الحر أشد من اليوم السابق.
وخلال ساعات الليل كان دييغو قد اتخذ قرارا
سيعود إلى نفس الزاوية حيث التقى إسبرنثا.
لم يكن يعرف ما الذي يتوقعه لكن ردة فعل إيزابيلا في اليوم السابق لم تكن شيئا يمكن تجاهله.
قال لها أثناء الإفطار
ما رأيك يا أميرتي أن نذهب ونرى فتاة الماء اليوم
لدهشته هزت إيزابيلا رأسها بحماس واضح أكثر حماسة مما رآه منها منذ أشهر.
في الساعة الثانية والنصف تماما كما في اليوم السابق قاد دييغو سيارته إلى زاوية شارع ريفورما.
كانت إيزابيلا تجلس على حافة المقعد تشد نظرها عبر النافذة بقلق وترقب.
وهناك كانت إسبرنثا بعربتها الصغيرة المليئة بأكياس الماء تنادي بسعادة تحت شمس لا ترحم.
ولما رأت سيارة ال السوداء تقترب أضاء وجهها بابتسامة واسعة.
السيد دييغو! والأميرة إيزابيلا! صاحت وهي تركض نحو السيارة.
كم أنا سعيدة لأنكما عدتما!
كانت إيزابيلا تكاد تنتزع مقبض النافذة لتفتحها أسرع.
استغرب دييغو من شدة حماسها.
قال دييغو
مرحبا يا إسبرنثا. كيف عرفت أسماءنا
ضحكت
بخفة
بالأمس قلت لي إن اسمك دييغو وكنت تناديها بالأميرة لكن من وجهها واضح أنها إيزابيلا. لديها ملامح إيزابيلا حقيقية.
ابتسم دييغو ابتسامة صادقة لأول مرة منذ أسابيع.
قال لها
هل تشعرين بالجوع يا إسبرنثا أتودين أن تتناولي معنا شيئا
تلألأت عيناها ثم خفت لمعانهما بسرعة
يا إلهي لا أستطيع أن أترك مكاني. إن لم أبع الماء ستقلق أمي.
سألها دييغو
كم تبيعين عادة في فترة بعد الظهر
حوالي مئتي بيزو إن كنت محظوظة.
أخرج دييغو من محفظته ورقة من فئة خمسمئة بيزو وقدمها لها
اعتبري أنك بعتي كل شيء اليوم. هيا بنا نتناول الطعام.
وضعت إسبرنثا المال بعناية في حقيبتها المدرسية الصغيرة ثم صعدت إلى السيارة.
اقتربت منها إيزابيلا فورا وهو تصرف لم يعتده دييغو منها فهي عادة تتجنب الاقتراب من الناس.
سألهم دييغو
إلى أين نذهب
صرخت إسبرنثا بحماس
إلى تاكو دونيا ماريا! طعامها لذيذ ورخيص. المطعم قريب من السوق.
تردد دييغو للحظة.
فهو معتاد على أرقى المطاعم ذات الخمس نجوم.
لكن عندما رأى البريق في عيني إيزابيلا قرر أن يترك نفسه للتيار.
كان كشك تاكو دونيا ماريا تماما كما تخيله دييغو
طاولات بلاستيكية كراس غير متطابقة ورائحة carne asada الشهية تختلط بصوت صفيح الشواية الحار.
كان عالما مختلفا تماما عن حياته لكن فيه دفء وصدق لا تجده في الفنادق الفاخرة.
صرخت امرأة ممتلئة تقف خلف الصاج
إسبرنثا! لم تعودي تبيعين الماء فقط إذن!
ضحكت إسبرنثا
يا دونيا ماريا أعرفك على أصدقائي دييغو وإيزابيلا. لقد دعونا لنأكل التاكو.
نظرت دونيا ماريا إلى بدلة دييغو الفاخرة ثم إلى فستان إيزابيلا المصمم.
ظهر في عينيها مزيج من الفهم والفضول.
قالت بابتسامة حارة
مرحبا بكم في مشروعي المتواضع. ماذا تحبون أن تأكلوا
أثناء انتظار الطعام بدأت إسبرنثا تحكي لإيزابيلا عن حياتها
عن مدرستها معلميها وجدتها التي تصنع أفضل تاماليس في الدنيا.
كانت إيزابيلا تنصت لكل كلمة بانتباه لم يره دييغو من قبل.
قالت إسبرنثا وهي تمضغ التاكو
تعلمين يا إيزابيلا جدتي دائما تقول إنه عندما نلتقي شخصا مميزا يخبرنا قلبنا بذلك.
ثم وضعت يدها على صدرها
وعندما رأيتك بالأمس قلبي قال لي إنك مميزة.
اتسعت عينا إيزابيلا.
وبحركة خجولة وضعت يدها الصغيرة على صدرها هي أيضا تقلد إسبرنثا.
سألتها إسبرنثا بلطف
هل قلبك أنت أيضا يخبرك بأشياء
هزت إيزابيلا رأسها ببطء وهذه المرة ولدهشة دييغو بدأت شفتاها تتحركان مجددا كأن الكلمات على وشك أن تخرج.
قالت إسبرنثا وهي تمسك بيدها
لا بأس إن لم ترغبي في الكلام الآن. أحيانا لا تكون الكلمات مهمة بقدر ما نشعر به لكن عندما تكونين مستعدة سأكون هنا لأسمعك.
في تلك اللحظة شدت إيزابيلا على يد إسبرنثا وبجهد واضح همست بشيء خافت للغاية بالكاد سمع.
فجأة سقط التاكو من يد دييغو.
تجمدت دونيا ماريا وملعقتها في الهواء.
وبدا أن ضجيج السوق كله توقف لحظة.
همست إسبرنثا والدموع تلمع في عينيها
لقد نطقت باسمي.
هزت إيزابيلا رأسها
وهذه المرة قالتها بوضوح أكبر
إسبرنثا.
شعر دييغو أن الأرض تميد من تحته.
بعد ست سنوات من الصمت التام
كانت أول كلمة تنطق بها ابنته ليست بابا ولا ماما بل اسم فتاة صغيرة التقت بها للتو.
صاحت إسبرنثا وهي تقفز من كرسيها
إيزابيلا تكلمت! إيزابيلا تكلمت!
التفت الجميع في الكشك ناحيتهم وسرعان ما تجمع الناس في حلقة صغيرة حول الطاولة.
كان دييغو والدموع تنهمر على خديه يقترب من إيزابيلا
يا حبيبتي لقد تكلمت نطقت اسمها.
نظرت إليه إيزابيلا وقالت بصوت صغير لكن واضح
با با.
فانفجر الكشك بالتصفيق.
شاركت دونيا ماريا الجميع هذا الفرح وتلت دعاء شكر وهي ترسم إشارة الصليب.
أما إسبرنثا فكانت ترقص حول الطاولة من شدة السعادة.
لكن وسط كل هذه الاحتفالات لاحظ دييغو شيئا في عيني ابنته
كان فيهما خوف خفي.
كأن الكلام قد كسر تعويذة كانت تحميها وهي الآن تخشى ما سيأتي بعده.
سألها برفق
ما بك يا أميرتي
نظرت إليه إيزابيلا بعينيها البنيتين الكبيرتين وهمست بكلمات جعلت قلبه يختنق
ماما ستغضب.
شعر دييغو أن شيئا انكسر في صدره.
لماذا تخاف إيزابيلا من غضب أمها إذا تكلمت
ما السر الذي تخفيه طفلة صغيرة في هذا العمر
سمعت إسبرنثا ما قالت فاقتربت منها وربتت على شعرها
لماذا ستغضب ماما الكلام شيء جميل.
خفضت إيزابيلا رأسها وعادت إلى صمتها
لكن دييغو كان يعرف أن الصمت هذه المرة ليس كما كان من قبل.
لم يعد صمت عجز بل صمت مملوء بالأسرار والخوف.
في ذلك المساء بعد أن أعاد إسبرنثا إلى بيتها المتواضع حيث التقى بأمها ماريا إلينا امرأة مجتهدة تعمل عاملة نظافة في المكاتب ليلا عاد دييغو إلى قصره محملا بمليون سؤال.
إيزابيلا عادت إلى صمتها
لكن الآن كان يعلم يقينا أنها قادرة على الكلام.
السؤال لم يعد هل تستطيع
بل ما الذي منعها طوال هذه السنوات
في المنزل استقبلت كارمن الخبر وهي تذرف دموع الفرح
يا إلهي بعد كل هذه السنوات إنه حقا معجزة.
قال دييغو
نعم إنه معجزة
لكن عقله كان مشغولا بشخص واحد
فيكتوريا وعودتها في اليوم التالي.
في تلك الليلة اتصل بزوجته في باريس. أخبرها عن المعجزة عن إسبرنثا وعن كلمات إيزابيلا الأولى.
توقع أن يسمع صرخات فرح أو بكاء تأثر لكن ردها جاء باردا بشكل غريب
هل أنت متأكد أنها تكلمت حقا
قال دييغو
لا تتخيلين يا فيكتوريا لقد سمعتها بوضوح. قالت إسبرنثا ثم قالت بابا. كانت دونيا ماريا وكل الناس في السوق شهودا.
سكن الطرف الآخر من المكالمة لثوان طويلة.
ثم قالت
حسنا إذن انتهى الأمر.
حسنا سأعود بعد يومين. سنتحدث حينها.
انتهت المكالمة بشكل مفاجئ تاركة في قلب دييغو شعورا ثقيلا بعدم الارتياح.
لماذا لم تكن فيكتوريا متهللة
لماذا بدا عليها القلق أكثر من الفرح
تلك الليلة بقي دييغو ساهرا يفكر في كلمات إيزابيلا
ماما
ستغضب.
ماذا تعني
ما الشيء الكامن في ماضي عائلتهم الذي تخفيه طفلة في السادسة
في اليوم التالي قرر دييغو أنه يحتاج إلى إجابات.
وكان يشعر في قرارة نفسه أن إسبرنثا بشكل غامض هي المفتاح لكشف السر الذي أحاط بابنته طوال حياتها.
في اليوم الثالث انتظر دييغو حتى خرجت كارمن للتسوق ليتمكن من الحديث مع إيزابيلا على انفراد.
وجدها في غرفتها تلعب بهدوء بعرائسها كما فعلت لسنوات.
قال لها وهو يجلس على طرف سريرها
إيزابيلا يا حبيبتي أمس تحدثت. نطقت كلمات جميلة. لماذا لا تريدين أن تتابعي الكلام
رفعت رأسها تنظر إليه فرأى في عينيها صراعا داخليا واضحا.
كانت تريد أن تتكلم هذا ما كان جليا لكن شيئا ما كان يشدها إلى الخلف.
سألها برفق
هل أنت خائفة من شيء ما يا أميرتي
هزت رأسها ببطء علامة على الموافقة.
تابع بصوت يكاد يهمس
هل أنت خائفة من ماما
كانت ردة فعلها فورية.
انكمشت على نفسها وضمت معصميها إلى صدرها وبدأت ترتجف قليلا.
شعر دييغو بأن الدم تجمد في عروقه.
قال بحنان ممزوج بالقلق
إيزابيلا يا روحي هل قالت لك ماما شيئا عن عدم الكلام
بصوت ضعيف يكاد لا يسمع همست
ماما تقول إذا تكلمت ستحدث أشياء سيئة.
ارتج عالم دييغو كله.
سألها بصوت متهدج
أي نوع من الأشياء السيئة يا حبيبتي
أجابت وهي لا تزال مطأطئة الرأس
أنك ستذهب وأنك لن تحبني بعد الآن وأن الناس سيعرفون السر.
قال وهو يكاد يختنق
وأي سر هذا يا إيزابيلا
لكنها عادت إلى صمتها كأنها أفلتت من فمها أكثر مما يجب وخافت أن تكمل.
دييغو برفق وقال
يا حبيبتي اسمعيني جيدا.
أنا لن أتركك أبدا.
وأنا أحبك أكثر من أي شيء في هذا العالم سواء تكلمت أو لم تتكلمي.
ولا يوجد سر في الدنيا يمكنه أن يغير هذا.
لأول مرة منذ أيام رفعت إيزابيلا عينيها لتنظر مباشرة في عينيه.
سألته بصوت خافت
حقا حقا يا بابا
ابتسم وهو يمسح على شعرها
حقا وأكثر من الحق.
ثم قال لها
هل ترغبين الآن أن نذهب لرؤية إسبرنثا
تغيرت ملامح وجهها على الفور أضاءت عيناها وهزت رأسها بحماس واضح.
ذلك المساء عندما وصلا إلى زاويتهم المعتادة ركضت إسبرنثا باتجاه السيارة بابتسامة واسعة
إيزابيلا! هل تحدثت أكثر اليوم
فتحت إيزابيلا النافذة بالكامل وقالت ولديهغو يسمع بدهشة بوضوح تام
مرحبا يا إسبرنثا كيف حالك
صرخت إسبرنثا من الفرح
أنت تتكلمين بشكل جميل! لم تعودي خائفة إذن!
أجابت إيزابيلا بصراحة طفولية
ما زلت خائفة لكن معك أشعر بالأمان.
كان دييغو يراقب هذا التبادل بينهما بمزيج من الفرح والقلق المتزايد.
فلم يعد هناك شك إيزابيلا تستطيع الكلام تماما.
إذا ماذا فعلت فيكتوريا كي تبقيها صامتة كل هذه السنوات
التفت دييغو إلى إسبرنثا وسألها
إسبرنثا هل تحبين أن تأتي معنا لرؤية بيتنا
إيزابيلا لديها ألعاب كثيرة تود أن تريك إياها.
اتسعت عينا إسبرنثا
حقا بيت رجل غني
ضحكت إيزابيلا ضحكة لم يسمعها والدها منذ سنوات
نعم لكن أكثر شيء ممتع هو الحديقة.
وأضافت
هناك مسبح وأرجوحات.
في الطريق إلى حي لوماس دي تشابولتيبيك لم تتوقف إسبرنثا عن طرح الأسئلة
حقا عندكم مسبح
وكم عدد الغرف
وهل عندكم بستاني
وكانت إيزابيلا تجيب عن كل شيء بفرح معد.
كان واضحا أن حضور إسبرنثا لم يحرر صوتها فقط بل حرر شخصيتها كلها التي كانت حبيسة الخوف لسنوات.
عند وصولهم إلى القصر بقيت إسبرنثا صامتة للحظات من شدة الذهول.
الحدائق المشذبة بعناية النافورة في المدخل الأعمدة الرخامية
كل هذا بدا لها كأنه قصر في حكاية خيالية بالنسبة لفتاة تعيش في شقة صغيرة في حي متواضع.
قالت مندهشة
إيزابيلا أنت تعيشين في قصر حقيقي.
أجابتها إيزابيلا وهي تمسك بيدها
تعالي سأريك غرفتي.
وقف دييغو يراقب كيف تتحول ابنته بالكامل في حضور إسبرنثا
تضحك تجري تتحدث بلا خوف
هكذا كان من المفترض أن تكون حياتها منذ البداية.
في غرفة إيزابيلا بقيت إسبرنثا تدور بنظرها بين الدمى والكتب والألعاب التي تملأ الأرفف.
قالت بدهشة صادقة
لديك ألعاب أكثر من كل ألعاب محل اللعب في وسط المدينة!
سألتها إيزابيلا
هل ترغبين في اللعب
يمكننا أن نلعب ما تشائين.
بينما كانت الفتاتان تلعبان ذهب دييغو إلى مكتبه واتصل بالدكتور راميريز طبيب إيزابيلا العصبي.
قال له مباشرة
دكتور أريد أن أسألك سؤالا واضحا
هل من الممكن أن يكون أحدهم يعطي إيزابيلا دواء يجعلها لا تتكلم
ساد صمت قصير على الطرف الآخر ثم أجاب الطبيب
من الناحية الطبية هذا ممكن.
هناك أدوية تؤثر في تطور الكلام أو تسبب نوعا من الصمت الانتقائي.
لماذا تسأل
قال دييغو
إيزابيلا تكلمت لأول مرة أمس والآن تتكلم بشكل طبيعي
لكنها خائفة من أن تعرف أمها بالأمر.
قال الطبيب بقلق واضح
هذا مقلق للغاية.
أنصحك أن تحضرها فورا لإجراء تحاليل دم.
إن كان أحدهم يعطيها دواء دون إشراف مناسب يجب أن نعرف ذلك.
أغلق دييغو الهاتف وهو يشعر بأنه على وشك اكتشاف شيء ثقيل.
عاد إلى غرفة ابنته فوجدها تلعب مع إسبرنثا بسعادة.
قالت له إيزابيلا عندما رأته
بابا كنت أخبر إسبرنثا عن ماما
وأنها دائما مسافرة وحتى عندما تكون هنا تبقى مشغولة جدا.
سألها دييغو وهو يجلس على الأرض معهما
وعن ماذا كنت تخبرينها أيضا يا إيز
قالت
ماما دائما تعطيني دواء خاصا في الليل.
تقول إنه كي أنام جيدا وكي لا أقول أشياء قد تجرح الناس.
شعر دييغو بأن أنفاسه تختنق في صدره.
سألها محاولا أن يبدو هادئا
أي نوع من الدواء يا حبيبتي
حبوب صغيرة بيضاء.
تقول إنها فيتامينات خاصة للبنات مثلي.
كانت إسبرنثا تنصت بقلق وارتسمت على وجهها تعابير رفض
للبنات مثلك ماذا تقصد بذلك
خفضت إيزابيلا صوتها وهمست
ماما تقول إنني مختلفة
وأن
في داخلي شيئا سيئا قد يؤذي بابا إن أخرجته بالكلام.
كان على دييغو أن يبذل جهدا خارقا ليحافظ على هدوئه.
سألها برفق
إيزابيلا متى كانت آخر مرة تناولت فيها هذا الدواء
قبل ثلاثة أيام من سفر ماما
أي قبل يوم واحد من لقائي مع إسبرنثا.
بدأت قطع اللغز تتجمع في ذهنه.
التفتت إسبرنثا إلى إيزابيلا وقالت لها بحزم لطيف
ليس فيك شيء سيئ.
أنت أجمل وأطيب فتاة رأيتها في حياتي.
سألتها إيزابيلا بصدق مؤثر
حقا تعتقدين هذا
أجابتها إسبرنثا
نعم
وأتعلمين
صوتك جميل
لا تدعي أحدا يخبرك بألا تستخدميه.
ذلك المساء بعد أن أوصل دييغو إسبرنثا إلى شقتها المتواضعة حيث تعرف أكثر إلى أمها ماريا إلينا المرأة الكادحة التي تنظف المكاتب ليلا رجع إلى قصره بعزم جديد.
توجه مباشرة إلى غرفة إيزابيلا وفتح درج منضدة السرير الصغيرة.
هناك وجد علبة صغيرة تحتوي على حبوب بيضاء دون ملصق واضح.
أخذها ووضعها في جيبه ثم اتصل فورا بالدكتور راميريز.
قال له
دكتور عثرت على العلبة.
هل يمكنك تحليل محتواها
بالطبع أحضرها مع إيزابيلا صباح الغد باكرا
سنجري لها تحاليل دم أيضا.
تلك الليلة وأثناء العشاء كانت إيزابيلا تتحدث أكثر من أي وقت مضى في حياتها.
حكت لكارمن عن إسبرنثا وعن تاكو دونيا ماريا وعن كل ما عاشته خلال تلك الأيام الثلاثة التي بدلت حياتها.
كانت كارمن تبكي من الفرح
يا رب بعد كل هذه السنوات إنه حقا معجزة.
قال دييغو
نعم إنه معجزة
لكن عقله كان منشغلا بعودة فيكتوريا في اليوم التالي.
تلك الليلة رفضت إيزابيلا النوم وحدها في غرفتها.
قالت له
هل يمكنني أن أنام معك يا بابا
لا أريد أن أبقى وحدي.
نامت بجانبه في السرير
وظل هو مستيقظا طوال الليل تقريبا يراقب نومها الهادئ.
في الصباح التالي كان يعلم أنه سيحصل على الإجابات
وسيكتشف الحقيقة عما كانت تفعله فيكتوريا بابنتهما طوال هذه السنوات.
عمل مختبر الدكتور راميريز طوال الليل على تحليل الحبوب البيضاء وتحاليل دم إيزابيلا.
لم ينم دييغو بل ظل يتجول في ممرات أحد أرقى المستشفيات الخاصة في مكسيكو سيتي ينتظر أجوبة كان يخشى سماعها.
في الساعة الثامنة صباحا استدعاه الدكتور راميريز إلى مكتبه وقد ارتسمت على وجهه جدية لم يرها دييغو من قبل.
قال الطبيب وهو يغلق الباب
السيد ميندوزا تفضل بالجلوس.
ما سأخبرك به الآن سيغير حياتك إلى الأبد.
شعر دييغو بأن قلبه يكاد يتوقف.
سأل بصوت مخنوق
ماذا وجدتم
قال الطبيب
الحبوب تحتوي على مزيج من مهدئات خفيفة وعلى دواء محدد يستخدم عادة في بعض الاضطرابات النفسية.
وبالجرعات التي وجدناها في جسم إيزابيلا يمكن لهذا الدواء أن يسبب ميلا للصمت ويؤثر على مبادرة الطفل للكلام والتفاعل.
تابع الطبيب بنبرة حاسمة
بمعنى آخر نعم يا سيد ميندوزا
شخص ما كان يعطي إيزابيلا دواء يثبط كلامها واندماجها.
ثم قال
كما وجدنا آثار دواء آخر يؤثر في الذاكرة القصيرة الأمد.
هذا يعني أن إيزابيلا كانت تمر بفترات ضبابية في تذكر بعض الأحداث.
سأل دييغو وهو يحاول التقاط أنفاسه
لكن لماذا لماذا يفعل أحد هذا بطفلة
تردد الطبيب
لحظات قبل أن يقول
هناك أمر آخر
قمنا بإجراء فحص DNA في سياق تحقيقنا عندما اشتبهنا بوجود إساءة في التعامل مع الطفلة.
والنتيجة أن إيزابيلا ليست الابنة البيولوجية لزوجتك.
شعر دييغو كأنه يغرق.
ماذا تقول
أكمل الطبيب
إيزابيلا هي ابنتك أنت بيولوجيا بلا شك.
لكن من الناحية الجينية فيكتوريا ليست أمها.
بدأت الذكريات تنهال على دييغو
أعوام الطفولة الأولى لإيزابيلا
برود فيكتوريا تجاهها
إصرارها على أن تقوم المربيات بكل شيء
غياب أي حنان حقيقي منها.
سأل بصوت مبحوح
هل من الممكن أن تكون فيكتوريا قد دخلت حياة إيزابيلا بعد رحيل أمها الحقيقية بطريقة غير صادقة
أجاب الطبيب
ممكن
لكن بالنظر إلى نمط إعطائها الدواء
أنا أخشى أن يكون هناك ما هو أعمق من مجرد إخفاء حقيقة التبني.
ثم قال بجدية
أنصحك بالتواصل مع السلطات فورا.
هذا ليس فقط شأنا عائليا بل قضية تحتاج إلى حماية قانونية للطفلة.
خرج دييغو من المستشفى كأنه شبح.
كل ما اعتقده يوما عن حياته عن زواجه عن عائلته كان يتصدع.
رن هاتفه.
كانت فيكتوريا.
دييغو طائرتي تهبط الساعة السادسة مساء. كيف حال إيزابيلا هل توقفت عن الأوهام
كان البرود في صوتها يجعله يشعر بالغثيان.
قال
فيكتوريا علينا أن نتحدث عندما تصلين.
ردت بجفاء
بالطبع لدي أنا أيضا أمور مهمة لأخبرك بها عن إيزابيلا.
انتهت المكالمة تاركة وراءها شعورا مرعبا
فيكتوريا تعرف أو تشك أنه اكتشف شيئا ما.
عاد دييغو إلى المنزل فوجد إيزابيلا تلعب في الحديقة مع كارمن.
عندما رأته ركضت نحوه وهي تضحك
بابا! هل يمكننا أن نذهب لرؤية إسبرنثا اليوم
أريد أن أريها كتاب قصتي الجديد.
دييغو بقوة يشم رائحة شعرها
بالطبع يا حبيبتي
لكن أولا أريد أن أسألك شيئا مهما.
جلسا تحت ظل شجرة جاكاراندا كبيرة في الحديقة.
قال وهو ينظر في عينيها
إيزابيلا هل تتذكرين عندما كنت أصغر
هل تتذكرين ماما قبل فيكتوريا
عبست قليلا كأنها تحاول استحضار ذكريات بعيدة وغائمة
أحيانا أحلم بسيدة جميلة جدا كانت تغني لي.
لديها شعر بني مثل شعري وكانت رائحته مثل الزهور.
شعر دييغو بأن قلبه يشل.
سألها بلطف وهو يكاد ينفجر من الداخل
وماذا تتذكرين أيضا
قالت
كانت تقول لي إنها تحبني كثيرا
ثم تقول إنها مضطرة أن تذهب
وبعدها كل شيء صار مشوشا
ثم جاءت ماما فيكتوريا.
سألها
ومتى جاءت ماما فيكتوريا
فكرت قليلا
أظن عندما كنت في الثالثة من عمري
لكنني لم أحب أن تلمسني.
كانت يداها دائما باردتين.
ذلك المساء أخذ إيزابيلا لرؤية إسبرنثا كما وعدها.
بينما كانت الفتاتان تلعبان في غرفة الجلوس الصغيرة في شقة إسبرنثا جلس دييغو في المطبخ مع ماريا إلينا التي كانت تحضر القهوة.
قالت له
سيد دييغو سامحني إن تجرأت
لكنني رأيت الكثير في حياتي هذه الطفلة ابنتك مرت بشيء قاس.
سألها دييغو
ماذا تقصدين
قالت
يمكن أن ترى ذلك في عينيها.
الطفل
الذي تعرض لأذى نفسي أو عاش تحت ضغط طويل له نظرة مختلفة.
كانت إسبرنثا كذلك عندما هجرنا والدها
لكن إيزابيلا نظرتها نظرة طفلة أجبرت على الصمت كي لا تنكشف أمور لا تفهمها.
شعر دييغو أن كلماتها أصابت قلب الحقيقة.
قالت ماريا إلينا
هل تسمح لي بطلب
زوجتك ستعود الليلة أليس كذلك
ولديك شعور أن وجودها قد يكون ضغطا كبيرا على الطفلة وربما على آخرين أيضا أليس كذلك
هز رأسه بصمت.
تابعت
هل تحب أن تبقى إيزابيلا عندنا الليلة
بيتنا متواضع لكن قلوبنا واسعة.
الأطفال دائما مرحب بهم هنا.
امتلأت عينا دييغو امتنانا
ماريا إلينا هذا أكبر مما أستحق.
نعم أرجوك.
أشعر أن هذا هو القرار الصحيح.
عندما شرح الأمر لإيزابيلا وأخبرها أنها ستنام هذه الليلة عند إسبرنثا قفزت الصغيرة من الفرح
حقا مثل المبيت عند صديقة
ابتسم
نعم يا حبيبتي لليلة واحدة فقط.
وغدا آتي لأخذك.
قالت إسبرنثا بحماس
سنبقى مستيقظتين طوال الليل ونحن نتحدث!
وعندما هم بالمغادرة عانق إيزابيلا بقوة أكبر من المعتاد
يا حبيبتي تذكري دائما أنني أحبك أكثر من أي شيء مهما حدث.
قالت وهي تنظر إليه بقلق طفولي
وأنا أحبك يا بابا.
هل كل شيء بخير
أجابها بابتسامة مكسورة
كل شيء سيكون بخير يا أميرتي أعدك بذلك.
في الساعة السادسة والنصف مساء كان دييغو ينتظر في غرفة الجلوس بقصره عندما سمع وصول سيارة فيكتوريا.
كانت كارمن قد أخذت إجازة تلك الليلة بناء على طلبه كي يبقى وحده مع فيكتوريا في مواجهة لن تشبه أي مواجهة سبقتها.
دخلت فيكتوريا البيت بكامل أناقتها المعهودة تحمل حقائبها الفاخرة وتفوح منها رائحة عطرها الغالي.
في الثانية والثلاثين من عمرها كانت لا تزال جميلة لكن دييغو كان يرى الآن شيئا باردا حادا في عينيها الخضراوين لم ينتبه له من قبل.
أول ما قالت
أين إيزابيلا
أجابها
عند صديقة.
ثم قال بجدية
فيكتوريا علينا أن نتحدث.
ابتسمت ابتسامة لم تصل إلى عينيها
بالتأكيد لكن أولا علي أن أعطي إيزابيلا دواءها. أين حبوبها
شعر دييغو بأن الدم في عروقه يتحول إلى جليد.
قال متظاهرا بالجهل
أي حبوب يا فيكتوريا
رمقته بنظرة حادة
لا تتظاهر بعدم الفهم يا دييغو.
الحبوب التي تبقيها هادئة
التي تمنعها من القيام بمشاهد محرجة بقول أشياء لا يجب أن تقال.
سألها وهو يقترب من حافة الجرح
مثل ماذا
أي أشياء لا ينبغي لإيزابيلا أن تقولها
خلعت حذاءها العالي وسارت إلى بار المشروبات وصبت لنفسها كأسا من النبيذ.
قالت ببرود
مثل الأمور التي تتعلق بأمها الحقيقية
وبما حدث حقا قبل سنوات.
شعر دييغو بأن الأرض تميد من تحته
ماذا تقصدين
ماذا حدث قبل ثلاث سنوات يا فيكتوريا
نظرت إليه نظرة مباشرة وقالت
أمها الحقيقية اكتشفت شيئا لم يكن من المفترض أن تكتشفه عن أعمالي
شيئا كان سيدمر كل ما بنيناه.
وماذا اكتشفت
اكتشفت أنني أعبث بأموال الشركة منذ سنوات.
مبالغ
كبيرة حولتها إلى حساباتي في أوروبا.
كاتالينا هددتني بأنها ستخبرك بكل شيء.
انحبست أنفاس دييغو
كاتالينا
هذا كان اسمها
ابتسمت بسخرية خفيفة
نعم كاتالينا هيريرا سكرتيرتك الشخصية
وأم إيزابيلا.
ألا تتذكرها يا دييغو
لأنني أتذكر كل شيء جيدا.
بدأت الصور تتوالى في ذهنه
كاتالينا بشعرها البني وابتسامتها الهادئة
ليلة المؤتمر في غوادالاخارا
الشراب بعد إتمام أكبر صفقة له
ثم خبر حملها
ثم حادث السيارة الذي قيل له إنه وقع فجأة على طريق سريع وانتهى برحيلها المفاجئ.
همس
لكنها رحلت في حادث
هذا ما قيل لي
قالت بنبرة باردة دون الدخول في تفاصيل صادمة
الحوادث لا تقع دائما صدفة.
أحيانا يتم ترتيب الظروف بحيث يصبح وقوع حادث أمرا متوقعا جدا.
المهم أن السلطات اعتبرت ما جرى حادثا مأساويا وانتهى الملف بسرعة.
تجمد في مكانه
هل تحاولين إخباري بأنك تعمدت التسبب في ما حدث لها
رفعت كتفيها بلا مبالاة كبيرة
سمه ما شئت.
أنا أسميه حماية للمستقبل.
ثم أخذت إيزابيلا لأنني كنت أعلم أنها يوما ما قد تتذكر.
الأطفال يتذكرون أكثر مما نظن.
لهذا كان علي أن أبقيها هادئة إلى أن أنقلها لمكان آخر بعيد مدرسة داخلية أو أسرة أخرى في بلد آخر حيث لا تكون جزءا من حياتنا اليومية ولا من ملفاتنا.
قال لها دييغو وهو يرتجف من الداخل
كنت تعطينها الدواء لتضعفي ذاكرتها وكلامها فقط كي لا تتذكر ما حدث لأمها ولما ارتكبته يدك
اقتربت منه بخطوات بطيئة وابتسامة باردة
الدواء كان حلا مؤقتا يا دييغو.
حل مؤقت إلى أن يحين الوقت لإرسالها بعيدا.
لكن الآن بما أنها بدأت تتكلم
فنحن بحاجة إلى حل أكثر استقرارا من وجهة نظري.
وقف دييغو بغضب مكبوت
لن تقتربي منها مرة أخرى.
ابتسمت بثقة
أوه لكن يا عزيزي
من الناحية القانونية أنا أمها بالتبني.
لدي كل الأوراق الرسمية.
وأنت شاركت دون أن تدري في قرارات مالية مشبوهة كنت أديرها باسمك.
إن ذهبت إلى الشرطة قد تفتح ملفات كثيرة وقد تتأذى سمعتك أنت أيضا.
قد نخسر الكثير لكنني لن أتحمل المسؤولية وحدي.
سألته بابتسامة خبيثة
والآن أين إيزابيلا
أجابه
لن أقول لك.
رفعت هاتفها بابتسامة منتصرة
لا تحتاج أن تقول.
لقد استأجرت من يتابع تحركاتكم منذ فترة.
أعرف تماما أين هي الآن.
على شاشة هاتفها ظهرت صورة لإيزابيلا وإسبرنثا تلعبان في شقة ماريا إلينا الصغيرة.
قالت فيكتوريا بنبرة باردة
يا للأسف الأحياء الشعبية مليئة بالمخاطر تمديدات كهربائية سيئة مواقد غاز قديمة
حادث منزلي بسيط هناك لن يلفت نظر أحد.
في كلماتها تلميح إلى نية إحداث أذى كبير يخفى داخل حادث دون أن تصف ذلك مباشرة لكن المعنى لم يخف على دييغو.
قال برجاء ممزوج بالغضب
فيكتوريا أرجوك إنهن طفلتان بريئتان وأم عاملة شريفة
قاطعته ببرود
أنا لا أملك رفاهية التعاطف الآن.
إيزابيلا تعرف أكثر مما ينبغي وتلك الفتاة الأخرى
أيضا.
وجودهما بهذه الصورة تهديد مباشر لي.
في تلك اللحظة أدرك دييغو أنه لا يمكنه حماية ابنته فقط
بل عليه حماية إسبرنثا وأمها أيضا
وأن فيكتوريا لم تعد مجرد زوجة قاسية بل شخص مستعد لارتكاب تصرفات خطيرة للغاية.
قال بصوت مكسور متظاهرا بالاستسلام
حسنا أنت على حق.
ماذا تريدين مني أن أفعل
ابتسمت بنشوة الانتصار
أريدك أن تذهب وتحضر إيزابيلا.
تجلبها إلى هنا تهدئها وغدا في الصباح الباكر نأخذها إلى المطار.
رحلة خاصة إلى بلد بعيد إلى عائلة مناسبة من وجهة نظري.
وسأتكفل أنا بأمر تلك الأسرة الليلة بطريقة لا تثير الشبهات.
قال لها
أحتاج إلى وقت لأجد عذرا مقنعا لأخذها دون أن يساورهم الشك.
قالت
لديك ساعة واحدة فقط.
وتذكر يا دييغو إن حاولت أن تتصرف من وراء ظهري لن أتردد في استخدام كل أوراقي ضدك.
خرج دييغو من المنزل وهو يحمل ثقل الدنيا على كتفيه
لكن للمرة الأولى منذ أيام كان لديه خطة.
لقد ارتكبت فيكتوريا خطأ واحدا قاتلا بالنسبة لها
استهانت بحب الأب وبقوة الحقيقة والقانون.
قاد سيارته بسرعة عبر شوارع مكسيكو سيتي وقلبه يخفق بقوة حتى كاد يسمعه مع ضجيج السيارات.
كان أمامه أقل من ساعة لينقذ إيزابيلا وإسبرنثا وماريا إلينا
وليضع حدا لتصرفات فيكتوريا قبل أن تتحول نواياها إلى واقع.
كانت محطته الأولى مركز شرطة كواوتيموك.
دخل المكان كمن أصابته حالة طارئة طالبا مقابلة أعلى ضابط متواجد.
أرجوكم الأمر خطير. ثلاث أرواح في خطر.
استقبله المحقق مارتينز رجل في منتصف العمر على وجهه آثار تعب السنين وفي عينيه حزم الخبرة.
أدخله إلى مكتب بسيط مكدس بالملفات تفوح فيه رائحة القهوة.
قال له
اهدأ يا سيد ميندوزا أخبرني بما يجري.
سلمه دييغو زجاجة الحبوب ونتائج مختبر الدكتور راميريز وهو يرتجف
زوجتي كانت تعطي ابنتي أدوية دون إشراف طبي لأجل إسكاتها وإضعاف ذاكرتها
ووراء ذلك ماض مالي مظلم وواقعة حادث قديم تلمح إلى أن يدها كانت فيه.
والآن تخطط لافتعال حادث منزلي خطير في بيت أسرة فقيرة قد يتأذى فيه طفلان وامرأة.
تأمل المحقق مارتينز الأوراق بعينين ضيقتين ثم قال
هذا في غاية الخطورة يا سيد ميندوزا.
هل لديك دليل آخر
قال دييغو
اعترفت لي بكل شيء تقريبا قبل ساعة في منزلي.
اعترفت بدورها في الحادث القديم وبنية التسبب في حادث جديد لتتخلص من الشهود.
يمكنني أن أحصل على تسجيل منها إن لزم الأمر.
سأله المحقق بجدية
أين ابنتك الآن
أعطاه دييغو عنوان بيت ماريا إلينا.
قال المحقق فورا
سأرسل دورية لحمايتهم فورا.
لكن أحتاج منك أن تعود إلى المنزل
وأن تشغل زوجتك حتى نتمكن من تجهيز الإجراءات.
إذا شكت بنا الآن قد تهرب أو تتصرف بشكل متهور.
قال دييغو في ذعر
تريد مني أن أعود إليها إنها قادرة على التصرف بدون وعي.
أجاب المحقق بحزم
نفهم خوفك يا سيد ميندوزا
لكننا بحاجة إلى ما يثبت كلامك بوضوح.
هاتفك يمكنه تسجيل المحادثة.
إن أعدت ما قالته عن الحادث القديم وخططها الحالية سيكون لدينا ملف متكامل ضدها دون الحاجة إلى تفاصيل عنيفة أو صادمة.
خرج دييغو من المركز وقد صار حمله أثقل
لكن هذه المرة كان يعرف ما يجب عليه فعله.
شغل التسجيل في هاتفه ووضعه في
جيب قميصه الأمامي وهو يقترب من القصر.
وجد فيكتوريا في غرفة الجلوس وقد بدلت ملابسها إلى الأسود بالكامل.
قالت ببرود
تأخرت. أين إيزابيلا
قال
حدثت مشكلة.
العائلة لم ترغب في تركها بسهولة اضطررت لاختراع حالة طبية طارئة.
نظرت إليه بريبة
أي نوع من المشكلات
قال محاولا سحبها للكلام
قبل أن نكمل أريد فقط أن أفهم شيئا واحدا
أريد أن أسمعه منك مرة أخرى
كيف سمحت بأن يقع ذلك الحادث الذي رحلت فيه كاتالينا
تنهدت بضيق
لماذا تسأل الشيء نفسه مجددا
لقد أخبرتك بالفعل.
قال
لأنني لا أصدق أن زوجتي قادرة على أن تترك الأمور تنزلق إلى هذا الحد.
أريد أن أفهم كيف حدث كل ذلك بالضبط
بدأ التوتر يخف في ملامحها كأنها تستمتع بإعادة سرد ما تعتبره ذكاء
الأمر كان مزيجا من استغلال ظرف ودفعه خطوة إلى الأمام.
سيارة بحاجة لصيانة طريق خطير تأخير متعمد في إصلاح عطل مهم
ثم ترك الوقت يفعل ما يفعل.
المهم أن التحقيق أغلق على أنه حادث سير مأساوي.
لم يعد أحد إلى السؤال.
قال وهو يكاد لا يطيق سماع المزيد
ألم يشك أحد
ولماذا سيشكون
كاتالينا موظفة بسيطة لديها طفلة
الحوادث تقع كل يوم.
وفوق هذا كان هناك من فضل عدم التعمق حفاظا على علاقات معينة.
بعض الهدايا في المكان الصحيح تجعل الأسئلة تختفي.
ثم عادت لتتحدث عن خطتها الحالية
وبالنسبة لتلك الأسرة الصغيرة
لن يبدو الأمر سوى كعطل منزلي خطير.
تسرب شرارة كهربائية وأنت تعرف الباقي.
لن يربط أحد بيني وبين ما حدث.
في تلك اللحظة بدأ دييغو يسمع صفارات سيارات الشرطة من بعيد.
كانت تقترب بسرعة.
سمعتها فيكتوريا أيضا تغير وجهها فجأة
ما هذه الأصوات يا دييغو
قال متصنعا الجهل
لا أعلم ربما أمر في الشارع.
اقتربت من النافذة ورأت أن الأضواء الحمراء والزرقاء تملأ الحي.
صرخت
لقد تواصلت مع الشرطة خنتني
يا دييغو!
قال لها
اخترت أن أحمي طفلة وأسرة بريئة وأحمي ابنتي قبل كل شيء.
حاولت الهرب نحو المطبخ في حالة ارتباك لكن الباب كان قد فتح بقوة.
اقتحم المحقق مارتينز وثلاثة عناصر الباب الأمامي.
قال المحقق بصوت جهوري
شرطة! توقفي في مكانك.
توقفت فيكتوريا تنظر حولها كمن حوصر فجأة.
قال لها المحقق بحزم
فيكتوريا ميندوزا
أنت موضع تحقيق رسمي في قضايا تتعلق باستعمال أدوية بشكل مسيء ضد قاصر
والتلاعب في أموال شركة
والتسبب في حوادث خطيرة سابقة وحالية.
لك الحق في التزام الصمت وكل ما تقولينه يمكن أن يستخدم ضمن ملف القضية.
نظرت إلى دييغو نظرة حقد
هذا ليس النهاية يا دييغو.
لدي معارف وسأخرج يوما ما
قال لها دييغو بصوت ثابت على غير عادته
ما يهمني هو أن إيزابيلا الآن تحت حماية القانون
وأن ما فعلته لن يخفى بعد اليوم.
أعطاهم دييغو هاتفه وفيه التسجيل.
استمع المحقق إلى جزء منه ثم قال
هذا أكثر مما نحتاجه لبناء ملف قوي أمام القضاء.
أخذوها إلى سيارة الشرطة فيما كان عقل دييغو مع ابنته والأسرة التي استقبلتها تلك الليلة.
أبلغه أحد الضباط أن الدورية وصلت بالفعل إلى حي ماريا إلينا قبل أي تصرف مشبوه هناك وتم تأمين المبنى وإبلاغ الأسرة بأنه إجراء احترازي بسبب تحقيق في تهديدات محتملة.
بعد عدة ساعات من الإدلاء بإفادته الرسمية توجه دييغو إلى شقة ماريا إلينا.
فتح الباب فاندفعت إيزابيلا نحوه
بابا! كانوا هنا رجال الشرطة قالوا إنهم جاؤوا ليحمونا. ماذا يحدث
إلى صدره طويلا
كان هناك من يفكر بطرق مؤذية لكن هذا انتهى الآن.
أعدك يا حبيبتي لن يسمح لأحد أن يؤذيك بعد اليوم.
مرت الأشهر التالية ثقيلة بالإجراءات القانونية لكنها حملت معها بداية الشفاء.
بعد فترة من التحقيقات وجلسات المحكمة صدرت أحكام صارمة بحق فيكتوريا على خلفية
تجاوزات
مالية كبيرة
واستعمال أدوية بشكل مسيء ضد طفلة
وارتباطها بحوادث خطيرة تم توثيقها قانونيا
ومحاولة التخطيط لإيذاء أسرة كاملة.
سجنت وفق الأحكام الصادرة وتمت إزالة أي سلطة لها على إيزابيلا.
أصبحت الطفلة تحت حضانة أبيها الكاملة مع متابعة من مختصين.
بدأت مرحلة العلاج النفسي الحقيقي لإيزابيلا.
عملت معها أخصائية أطفال محترفة على
تفكيك الخوف القديم
وتصحيح صورتها عن نفسها
ومواجهة ذكرى الأم الحقيقية بطريقة آمنة
وفهم أن ما حدث لم يكن ذنبها.
مع الوقت تحول صمتها القديم إلى حوارات
وأسئلتها الصغيرة تحولت إلى أحلام كبيرة.
كانت إسبرنثا جزءا أساسيا من هذا الشفاء.
صداقة صادقة
ضحك حقيقي
لعب بلا خوف
حديث طويل قبل النوم
كل هذا أعاد إلى روح إيزابيلا طفولتها المسروقة.
أما ماريا إلينا فقد أصبحت أكثر من مجرد أم لصديقة.
كانت نموذجا للأم الحاضنة الطيبة التي تعطي حبا بلا شروط.
تغير شكل البيت بعد ذلك.
الصور الباردة استبدلت بصور مليئة بالضحك.
الأثاث الفاخر الجامد استبدل بأثاث مريح دافئ.
الممرات التي كانت صامتة صار يملؤها لعب الأطفال وركضهم.
عرض دييغو على ماريا إلينا أن تعمل معه في مؤسسة خيرية جديدة قرر تأسيسها
مؤسسة إسبرنثا للجميع
لمساندة الأطفال الذين مروا بتجارب قاسية فقر خوف إساءة نفسية أو إهمال.
وافقت بشرط واحد
أن تبقى قريبة من ابنتها ومن إيزابيلا.
قالت له ذات يوم في المطبخ
دييغو هذه الطفلة لم تعد فقط ابنتك.
هي جزء من عائلتنا أيضا.
وإسبرنثا ترى فيكما العائلة التي حلمت بها.
في صباح مشمس دخلت إيزابيلا إلى المطبخ ممسكة بيد إسبرنثا.
قالت بحزم طفولي
بابا أنا وإسبرنثا قررنا شيئا مهما.
ابتسم
ما هو
قالت
نريد أن نعيش كلنا معا كعائلة.
أنا وإسبرنثا مثل أختين.
وماريا إلينا مثل ماما لنا.
رمشت دمعة في عين إسبرنثا
وقالت بخجل
نعم لا نريد أن نفترق.
نظر دييغو إلى ماريا إلينا فوجد في عينيها خليطا من الخجل والرجاء.
قال بهدوء
أنتم بالفعل عائلتي لم يبق إلا أن نجعل ذلك رسميا في قلوبنا قبل الأوراق.
صرخت الفتاتان من الفرح وعانقتاه معا.
بعد فترة أخبره المحقق مارتينز أن الأموال التي كانت فيكتوريا قد حولتها بطرق غير قانونية ثم صودرت يمكن أن تعود إلى شركاته.
قال دييغو
لا أريد أن تعود هذه الأموال إلى حسابي الشخصي بالكامل.
أريد أن تستخدم في مشاريع تخدم الأطفال وتداوي آثار ما فعله الكبار.
مراكز علاج نفسي للأطفال برامج تعليمية مجانية ومبادرات لحماية الصغار من الاستغلال والصمت المفروض.
وهكذا تحول خطأ كبير في الماضي إلى مصدر خير لكثير من الأطفال.
في أحد الأيام كانوا جميعا على مائدة الإفطار
دييغو
ماريا إلينا
إيزابيلا
إسبرنثا.
ضحك فطائر ساخنة عصير شمس تدخل من النوافذ.
قالت إيزابيلا
بابا هل تذكر اليوم الذي التقينا فيه إسبرنثا لأول مرة
ابتسم
كيف أنساه كان يوما حارا جدا وكنت صامتة كعادتك.
قالت إسبرنثا
وكنت أبيع الماء وأتمنى أن يبتسم لي أحد.
قالت إيزابيلا
أنا أيضا كنت أتمنى أن يسمعني أحد دون أن يخيفني.
سألتهم ماريا إلينا بابتسامة
وماذا حدث
قالت إيزابيلا
كيس ماء واحد غير كل شيء.
أومأت إسبرنثا
وجدت أختا ووجدت عائلة ووجدنا بيتا.
رفع دييغو فنجان قهوته وقال
نخب الماء الذي قدم بمحبة
ونخب صوت طفلة قررت أن تتكلم أخيرا.
ونخب عائلة لم تولد من الدم فقط بل من الرحمة والصدق.
قالوا جميعا
نخب الحياة الجديدة.
في تلك اللحظة كان واضحا أن
الصمت لم يعد يملك مكانا في هذا البيت
الخوف لم يعد يحكم قلب إيزابيلا
الفقر لم يعد هوية إسبرنثا الوحيدة
والماضي المؤلم أصبح جزءا من قصة شفاء لا من حكاية تدمير.
وأهم ما في الأمر
أن كيس ماء بسيط في يوم حار قدم من طفلة فقيرة لطفلة صامتة
لم يرو عطش الجسد فقط
بل أعاد الحياة لصوت
وغسل بقايا خوف
وزرع بذرة عائلة جديدة
بنيت على الصدق والحب والأمل.


تعليقات
إرسال تعليق