ليس طفلي
ليس طفلي
بـعد ولادتـي وعـودتي إلـى المنـزل ألقـت ابنتـي ذات التـسع سـنوات نظـرة واحـدة عـلى الطـفل ثـم انفـجرت فـي البـكاء وأشـارت إلـى السـرير وهـي تصـرخ: أمـي تخلـصي منـه الآن! تجـمدت فـي مـكاني وسـألتها : مالك؟؟
جسدها كله كان يرتجف وهي تمسك بكمـي وتهمس؛ لأن هذا ليس طفلك …شعرت بركبتي تضعفان..
لا تزال رائحة غرفة الولادة عالقة في ذاكرتي خليط من المطهر والقطن الدافئ عندما وضعت الممرضة طفلي حديث الولادة على صدري كان وجهه محمرًا وغاضبًا من العالم قبضته الصغيرة مشدودة كأنه يتمسك بشيء لا أراه
همس زوجي سامر وهو يمرر يده على شعري المبلل مرة أخرى: مبروك يا هبة، عيناه كانتا دامعتين وللحظة ظننت أن هذا هو أسعد يوم في حياتي…ثم فُتح الباب
اندفعت ليلى ابنتي ذات 9 سنوات إلى الغرفة خطواته السريعة تصدر صوتًا حادًا على الأرضية وجنتاها محمرتان كأنها كانت تركض منذ وقت طويل لم تبتسم لم تنظر إليّ
حدقت في الطفل…ثم انكمش وجهها فجأة
وانفجرت في بكاء هستيري وهي تصرخ= أمي ارمي هذا الطفل بعيدًا الآن….تجمدت الغرفة
رمشت الممرضة مرتبكة وكأنها لم تسمع جيدًا وقف سامر فجأة واحتك الكرسي بالأرض
ليلى صرخت بها بصوت خشن ما الذي تقولينه
لكن ليلى لم تتوقف عن البكاء تراجعت للخلف وكادت تتعثر بجانب السرير يداها ترتجفان كأنها تتجمد
حبيبتي = قال سامر بنبرة هادئة وهو يمد يده نحوها هذا أخوك هو….لا ….صرخت ليلى ثم انخفض صوتها إلى همس مرتعش أمسكت بذراعي بقوة كأنها تتشبث بالحياة أصابعها كانت باردة ومبللة
اقتربت وهمست لأن هذا الطفل………
اصطدم قلبي في صدري
ماذا به سألت محاوِلة تثبيت صوتي ليلى انظري إلي
رفعت عينيها كانتا واسعتين وممتلئتين بالرعب, همست= هذا ليس طفلك هذا ليس لنا
حدقت فيها غير مصدقة ماذا تقصدين يا ليلى لقد ولدت للتو؟!
هزت رأسها بعنف: أمي من فضلك اسمعيني هذا الطفل ثم ابتلعت ريقها كأن الكلمات تؤلم هذا الطفل لديه علامة
نظرت إلى كتف طفلي الصغير وهناك قرب عظم الترقوة كانت وحمة داكنة بيضاوية الشكل قال الطبيب سابقًا إنها غير خطيرة…جف فمي…انكسر صوت ليلى مرة أخرى: أمي والدي الحقيقي لديه نفس العلامة
سقطت يد سامر عن كتفها كأنها احترقت,تحركت الممرضة بتوتر سيدتي هل يجب أن….
لكن سامر كان يحدق في وجهي وجهه شاحب ليلى قال بصوت مشدود ماذا قلتِ للتو؟!
انفجرت ليلى في بكاء أشد تشبثت بذراعي بقوة مؤلمة:.
أبي الحقيقي كررت وهي ترتجف ليس أنت
وفي تلك اللحظة بدأت أرتجف أنا أيضًا لأن والد ليلى الحقيقي كان ….صـلي علي محمد وتابع معايا 👇❤️👇في تلك اللحظة بدأت أرتجف أنا أيضًا لم يكن ارتجاف جسد فقط بل ارتجاف ذاكرة قديمة دفنتها بإحكام وظننت أنها ماتت إلى الأبد نظرت إلى ليلى ابنتي التي حملتها تسعة أشهر وربيتها وحدي في أقسى سنوات عمري ابنتي التي كنت أظن أني أعرف كل تفاصيل روحها كانت تبكي ليس بكاء طفل غيور ولا نوبة غضب عابرة كان بكاء معرفة معرفة ثقيلة أكبر من عمرها وأثقل من قلبي
سامر ظل واقفًا يده معلقة في الهواء كأن الزمن توقف عند تلك اللحظة عيناه انتقلتا بين الوحمة الداكنة فوق كتف الطفل ثم إلى وجهي ثم إلى ليلى ثم عاد ينظر إلى الطفل مرة أخرى الممرضة تراجعت خطوة إلى الخلف وكأنها دخلت عالمًا لا يخصها الغرفة ضاقت الجدران اقتربت والهواء صار أثقل في صدري
قلت بصوت خرج مكسورًا ليلى كفاية اسكتي يا حبيبتي بس مش دلوقتي لكنها لم تسمعني كانت متشبثة بذراعي بقوة موجعة كأنها تغرق وتتمسك بآخر شيء في هذا العالم أصابعها كانت باردة ومرتجفة
همست وهي تقرب فمها من أذني أمي أنا شفت العلامة دي قبل كده قلبي دق بعنف حاولت أبتلع ريقي لكن فمي كان جافًا تمامًا سألتها شفتها فين يا ليلى رفعت عينيها لي كانت مليئة برعب حقيقي وقالت بصوت مبحوح عند بابا الحقيقي
سقطت الكلمة بيننا كحجر ثقيل بابا الحقيقي
سامر تحرك خطوة للأمام ثم توقف كأن قدميه لم تعودا تحملانه قال اسمها بصوت مشدود ليلى انتي بتقولي ايه لكن ليلى لم تنظر إليه ظلت تنظر إلي فقط
في تلك اللحظة عاد الماضي كاملًا دون استئذان عاد ذلك اليوم الذي ظننت أني نجوت منه للأبد اليوم الذي كنت فيه ضعيفة خائفة أبحث عن أي أمان حتى لو كان كاذبًا
كنت حينها وحيدة سامر كان مسافرًا أغلب الوقت والعمل ينهكني وليلى كانت صغيرة مريضة كثيرة البكاء وفي تلك الفترة دخل حياتنا شخص لم يكن من المفترض أن يدخل أبدًا شخص كنت أظنه دعمًا فإذا به جرحًا لا يندمل
لم أكن أتخيل أن خطيئة واحدة دفنتها بالصمت يمكن أن تعود بهذه الطريقة عبر طفلي الرضيع وعبر فم ابنتي ذات التسع سنوات
سامر اقترب مني ببطء صوته كان منخفضًا لكنه مليء بشيء يشبه الانكسار هبة قوليلي دلوقتي ليلى تقصد ايه رفعت رأسي ونظرت إليه أردت أن أكذب أن أنفي أن أصرخ لكن الحقيقة كانت أثقل من أي كذبة
الطفل بين ذراعي تحرك قليلًا وأصدر صوتًا خافتًا كأنه يشعر بالاضطراب حوله نظرت إليه مرة أخرى إلى الوحمة الداكنة البيضاوية نفس المكان نفس الشكل نفس العلامة التي رأيتها قبل سنوات على جسد رجل آخر
لم أعد أسمع شيئًا لا صوت الممرضة ولا همسات سامر ولا بكاء ليلى كل ما سمعته كان دقات قلبي وهي تصرخ داخلي انتهى انتهى
ليلى انكمشت أكثر وهمست أمي أنا خفت لما شفتها افتكرت الكابوس افتكرت اليوم اللي شوفته فيه بدون ما تحسي يومها قالي ما تقوليش لحد وأنا سكت
نظرت إليها بصدمة يوم ايه يا ليلى قالت اليوم اللي جيه البيت وانتوا متخانقين وانت خرجتي وأنا كنت مستخبية وشفته وهو بيغير هدومه
سقط سامر على الكرسي خلفه كأن أحدهم سحب الحياة من جسده الممرضة اقتربت مرة أخرى لكنها توقفت عندما رأت وجوهنا قالت بهدوء متوتر سيدتي هل تحبين أن آخذ الطفل إلى الحضانة قليلًا لكني ضممت الطفل أكثر إلى صدري وكأني أحاول حمايته من حقيقة لا ذنب له فيها
قلت لا بصوت خافت ثم نظرت إلى سامر وقلت أنا آسفة
كانت تلك أول مرة أقولها بصدق كامل
تمت


تعليقات
إرسال تعليق