القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

ترك ابنه المقعَد تحت المطر ليختبر الناس… ولم يكن يتخيّل أن نادلة فقيرة ستقلب حياته رأسًا على عقب

 ترك ابنه المقعَد تحت المطر ليختبر الناس… ولم يكن يتخيّل أن نادلة فقيرة ستقلب حياته رأسًا على عقب



ترك ابنه المقعَد تحت المطر ليختبر الناس… ولم يكن يتخيّل أن نادلة فقيرة ستقلب حياته رأسًا على عقب

 

كانت الأمطار تهطل بلا رحمة تلك الليلة على مدينة مكسيكو تضرب إسفلت شارع أفينيدا ريفولوسيون بعنف يحول الأرصفة المتكسرة إلى أنهار من ماء أسود ممزوج بالزيت. وكانت أضواء المصابيح تتراقص واهنة تكافح لتضيء المباني البالية والأكشاك التي أغلقت منذ مدة بأغطية زرقاء. كان الوقت قد تجاوز الحادية عشرة ليلا وكان ينبغي للمقهى الصغير ركن الأمل أن يغلق أبوابه منذ نصف ساعة غير أن سيلينا كارديناس لم تكن يوما ممن يصدون أحدا عن الباب لا حين تعرف معنى أن يبيت الإنسان بمعدة فارغة وروح متجمدة.

كانت سيلينا تمسح سطح الطاولة المصنوعة من الفورميكا المتآكلة وقد لمع جلدها الأسمر بعرق التعب بعد مناوبة قاسية امتدت اثنتي عشرة ساعة. كانت قدماها تؤلمانها وظهرها يئن ومحفظتها شبه خالية لا تكاد تحمل إلا ما يكفي لأجرة الحافلة وربما رغيفا صغيرا تتعشى به. كانت أمها تحتاج إلى دواء والإيجار يرتفع كل شهر ومع ذلك كانت سيلينا تحافظ على ابتسامة صادقة وإن أنهكها الإرهاق. وفي تلك اللحظة بينما كانت تعصر خرقة رمادية باهتة لمحته.

كان هناك جسد صغير منحن على كرسي متحرك قديم صدئ خارج النافذة مباشرة يتلقى المطر الغزير.

كان الطفل لا يتجاوز العاشرة من عمره. كان شعره الداكن ملتصقا بجبينه من البلل وكان يرتدي سترة مهترئة لا تقيه برد ليلة العاصمة القارس. جلس ساكنا لا يتحرك وقد تشبثت يداه ببطانية بالية وكان يرتجف ارتجافا واضحا. كان تحت اللافتة المتقشرة للمقهى مباشرة كأنه يتوهم أن ضوء النيون الخافت سيمنحه شيئا من الدفء.

عقدت سيلينا حاجبيها وأسقطت الخرقة من يدها وشعرت بتلك الوخزة المألوفة في صدرها مزيج الغضب والرحمة الذي كان يجرها دائما إلى المتاعب. لم تتردد.


دفعت الباب الزجاجي فارتعشت حين صفعها الهواء البارد ورائحة التراب المبتل.

نادته بصوت منخفض حتى لا تفزعه وأسرعت نحوه ثم انحنت بجانبه تحت سقف المظلة الصغيرة

أيها الصغير أيها الصغير! ماذا تفعل هنا وحدك

انتفض الطفل كما لو كان ينتظر توبيخا أو طردا ثم رفع رأسه. كانت عيناه كبيرتين داكنتين وفيهما حيرة لا ينبغي لطفل أن يعرفها.

تمتم بصوت بالكاد يسمع وسط ضجيج السيارات التي تشق الطريق المبتل وأصوات الأبواق البعيدة

إنني أنتظر أبي.

نظرت سيلينا يمينا ويسارا. لا شيء. كلب ضال يبحث عن مأوى ولافتة نيون لمحل رهن تومض من بعيد. كان الشارع خاليا وخطرا.

قالت بإلحاح وقد عقد القلق حنجرتها

وأين هو والدك يا عزيزي

هز الطفل كتفيه وشد البطانية المبللة بأصابعه المتجمدة.

زفرت سيلينا وعضت شفتها. كانت قد رأت ليالي كثيرة كهذه في هذه المدينة ورأت أطفالا كثيرين تركوا وحدهم بينما الآباء يعملون أو والأسوأ لا يعودون أبدا.

قالت بابتسامة دافئة تشعرك بأن كل شيء سيكون بخير

لا يمكنك البقاء هنا ستصاب بالمرض من هذا البرد وقد تشتد عليك العلة. تعال معي. ادخل إلى الداخل الجو دافئ وأعدك أن أعد لك شيئا طيبا.

تردد الطفل لحظة وكانت عيناه تمسحان وجه سيلينا تبحثان عن علامة خطر فلم يجدا إلا حنانا يشبه حنان الأم. فأومأ ببطء موافقا.

أمسكت سيلينا بمقابض الكرسي بثبات ودفعته إلى داخل المقهى. كان الانتقال صاعقا إذ لفحهما الدفء فورا مع رائحة القهوة المطبوخة بالقرفة وخبز خرج للتو من الفرن. قادته إلى طاولة في زاوية قرب المطبخ نزعت عنه البطانية المبللة ووضعت على كتفيه منشفة جافة نظيفة ثم أخذت تفرك ذراعيه لتعيد إليه الدفء.

انحنت نحوه وغمزت بعينها

اسمي سيلينا ما

اسمك أنت أيها النحيل

قال وهو يشهق قليلا ويمسح أنفه بكم قميصه

دانيال.

ابتسمت سيلينا وهزت رأسها بإعجاب وأصلحت شعره

دانيال اسم الشجعان. هل أنت جائع يا داني

أومأ الطفل خجلا. ولم تحتج سيلينا إلى أكثر. مضت مباشرة إلى المطبخ وأشعلت صفيحة الشواء التي كانت قد نظفتها بجهد وأخرجت شريحتين سميكتين من خبز التوست وقطعة جيدة من جبن المانشيغو وقليلا من اللحم البارد.

وبعد دقائق وضعت أمامه أفضل شطيرة رآها في حياته محمرة ذهبية مقرمشة يلمع عليها الزبد والجبن يفيض من الجوانب وبجوارها كوب من شوكولاتة ساخنة فوارة كثيفة كأنها من صنع الجدات.

قالت وهي ترتب منديلا على ركبتيه

هذه على حسابي يا ملكي كل فمع الخبز تهون الهموم.

تلألأت عينا دانيال حين أخذ أول قضمة. امتد الجبن خيوطا طويلة شهية.

همس بصوت امتلأ بدهشة قريبة من السحر

إنها لذيذة جدا إنها ألذ شيء ذقته في حياتي.

ضحكت سيلينا ضحكة خفيفة وهي تراه يلتهم الشطيرة.

قالت بمزاح رقيق

الطعام اللذيذ يشفي كل شيء يا بني.

لكنها من الداخل كادت تبكي فأن ترى طفلا صغيرا يحمل كل ذلك الوحدة ويظهر هذا الامتنان لشطيرة بسيطة كان يفتت قلبها.

وما لم تكن سيلينا تعلمه وما لم يكن يخطر ببالها وهي تصب له مزيدا من الشوكولاتة أن على الجانب الآخر من الشارع وفي ظلال زقاق متوار عن الأنظار كانت تقف سيارة سوداء مصفحة من طراز فاخر لامعة لا تشوبها شائبة تساوي أكثر من قيمة الحي كله. وكان داخلها رجل نافذ يراقب حركاتها كلها عبر الزجاج المعتم.

كان الرجل داخل السيارة يجلس في مقعده كأنه في حصن من الجلد والحديد. لم يكن في ملامحه ما يدل على تردد أو شفقة عينان رماديتان باردتان وحضور صامت يوحي بأن كل شيء محسوب. كان يراقب

المشهد الذي يجري خلف زجاج المقهى المتكاثف بالبخار كما يراقب صياد حركة فريسته قبل أن يقرر.

كان اسمه رايموندو هويرتا. وفي عالم الأعمال كانوا يلقبونه بقرش بولانكو. بلغ السادسة والأربعين وبنى إمبراطورية تكنولوجية في المكسيك على قاعدة واحدة السيطرة المطلقة. كانت هويرتا ديناميكس قلب الابتكار النابض في سانتا في آلة لصنع المال تعمل بالكفاءة لا بالمشاعر. أمضى سنوات طويلة يضمن ألا يسمح لشيءلا لإنسان ولا لعاطفة ولا لضعفأن يتسلل إلى إرثه.

ومع ذلك ها هو ذا ينظر ويشعر بشيء ظنه مات منذ زمن.

كان دانيال ابنه. ابنه الوحيد.

وتلك المرأة تلك النادلة السمراء بالمئزر المتسخ في مقهى يكاد يتداعى كانت تطعم ابنه مجانا.

شد رايموندو فكيه حتى تصلبت عضلات وجهه. لقد تأخر في مكالمة بالغة الأهمية مع مستثمرين يابانيين وفي لحظة من ضغط واختبار قاس قال لابنه أن ينتظر خارجا دقائق معدودة بينما حراسه يراقبون من بعيد ليرى إن كان العالم قاسيا كما لقنه دائما. لم يتوقع هذا. لم يتوقع لطفا.

أخرج هاتفه واتصل برقم محفوظ سريع.

نورا قال حين أجابت مساعدته من أول رنة تعالي إلى مقهى في شارع أفينيدا ريفولوسيون. بلا بدلات رسمية بلا كعوب عالية. أريدك هنا خلال عشرين دقيقة. ارتدي ثيابا عادية كأنك واحدة من الناس في الشارع.

ساد صمت قصير من الطرف الآخر.

سيدي

قبض رايموندو على الهاتف حتى ابيضت مفاصله.

اجمعي كل ما تستطيعين عن المرأة التي أطعمت ابني الآن. أريد أن أعرف من تكون وما ديونها وما الذي يؤلمها كل شيء.

وأغلق الخط دون أن ينتظر ردا.

في داخل المقهى كان دانيال يضحك للمرة الأولى طوال تلك الليلة يحرك ساقيه اللتين تتدليان من الكرسي. كانت هناك بقعة شوكولاتة على ذقنه. مسحتها سيلينا بمنديل وهي تهز رأسها مبتسمة.

أنت

 

فوضوي في الأكل أليس كذلك قالت له بحنان.

وعلى الجانب الآخر من الشارع كان رايموندو يراقب وملامحه لا تقرأ لكن عقله كان يعمل يحسب ويرتب. فهو لم يكن يؤمن باللطف الذي لا مقابل له. كان يؤمن بالديون. وسواء أراد أم لم يرد فإن سيلينا كارديناس جعلته مدينا لها.

مسحت سيلينا يديها بمئزرها ونظرت إلى النافذة حيث ظل المطر يرسم خطوطا متعرجة على الزجاج. كان دانيال ينهي آخر لقمة من شطيرته ولم تعد أصابعه ترتجف صارت دافئة. خف التوتر عن وجهه وتراجعت تلك النظرة الحذرة التي يتعلمها أطفال الأحياء الشعبية مبكرا. شعرت سيلينا برضا صغير لحظة سلام. وكان ذلك يكفيها.

ثم انفتح الباب فجأة.

دخل الهواء البارد أولا ثم دخلت امرأة ترتدي سروال جينز وسترة رياضية رمادية وقد أخفت شعرها الأشقر تحت قبعة رياضية. لم تكن غريبة عن المكان بملابسها فحسب بل بطريقة حركتها واثقة حادة تمسح المكان في ثانية واحدة كما لو كانت تقرأ خريطة خطر. كانت سيلينا قد عملت طويلا في خدمة الزبائن لتعرف من يأتي من أجل القهوة ومن يأتي لسبب آخر.

استقرت نظرة المرأة فورا على دانيال. لانت ملامحها لحظة لكن التغير كان سريعا أكثر مما ينبغي كأنه تمثيل مدروس. انحنت بجانب الطفل.

مرحبا يا بطل حان وقت الرحيل قالت بنبرة خفيفة غير أن شيئا في صوتها بدا مصطنعا كأنه جملة محفوظة.

قطب دانيال جبينه ومسح فمه بالمنديل الذي أعطته إياه سيلينا.

لكنني لم أنه الشوكولاتة بعد

أمالت المرأة رأسها بابتسامة متقنة.

يمكنك أخذها معك. وسيلتك بانتظارك.

اشتعل حدس سيلينا كجرس إنذار. رأت كثيرا من الناس يساقون وسمعت قصصا مخيفة في الأخبار. عقدت ذراعيها وحدقت في المرأة بريبة ثم تحركت خطوة لتقفولو قليلابينها وبين الطفل.

هل تعرفينه سألت

سيلينا وقد اختفى الدفء من صوتها تماما.

لم تهتز ابتسامة المرأة لكن كتفيها توترا توترا خفيفا لا يكاد يرى.

نعم قالت بهدوء أنا عمته.

لم تطرف سيلينا. التفتت إلى دانيال مباشرة.

هل هذا صحيح يا حبيبي

تردد دانيال. كان ترددا لا يتجاوز ثانية لكنه بالنسبة إلى سيلينا كان دهرا كاملا.

شدت المرأةنورافكها. كانت سيلينا تعرف الخوف وتعرف وجه الطفل الذي لا يريد الرحيل. وكانت تعرف أيضا أن تلك المرأة ليست عمة لأحد. انحنت بجانب دانيال تنظر في عينيه وتتجاهل الشقراء تماما.

هل أنت بخير يا داني سألت برفق هل تريد أن تذهب معها

نظر دانيال بين المرأتين وأصابعه تعصر المنديل حتى ابيضت مفاصله.

ثم تمتم أخيرا

إنها تعمل عند أبي أظن أن علي أن أذهب.

لم تتحرك سيلينا. كان شيء في داخلها يصرخ اطلب المزيد اصرخ اتصل بالشرطة لا تدعه يخرج. لكنها كانت تعرف واقعها أيضا امرأة بسيطة في مواجهة أشخاص يبدو عليهم المال والنفوذ. لو صنعت ضجة فغالبا من سيدفع الثمن هي.

ومع ذلك لن تدعه يغادر خالي اليدين.

اتجهت إلى طاولة العرض أخذت بسكويتة كبيرة برقائق الشوكولاتة كانت قد احتفظت بها لعشائها لفتها بمنديل ثم وضعتها في يد دانيال.

للطريق قالت.

أطبق دانيال أصابعه الصغيرة على البسكويتة وابتسم للمرة الأولى ابتسامة حقيقية.

شكرا يا سيلينا أنت الأفضل.

أجبرت سيلينا نفسها على ابتسامة لكن عقدة ثقيلة التفت حول معدتها. شاهدت نورا وهي تدفع الكرسي نحو الباب. كان التوتر بين المرأتين كثيفا كأنه يقطع بسكين.

وقبل أن تخرج نورا إلى المطر التفتت إلى الخلف. لم تقل شيئا. اكتفت بأن غرست نظرتها في عيني سيلينا. عرفت سيلينا تلك النظرة فورا كانت تحذيرا.

كانت تقول لا تتدخلي.

عبرت نورا الشارع وعند اقترابها أضاءت مصابيح

السيارة السوداء لحظة. انفتح الباب الخلفي وحده قبل أن تلمسه وخرج رايموندو إلى المطر. كان حضوره طاغيا يقطع الضوء حوله كأن النيون نفسه يخجل أمامه.

ما إن صار دانيال في الداخل بأمان مربوطا في المقعد الجلدي حتى استدار رايموندو نحو نورا تحت المطر وقال بصوت واحد

حسنا

زفرت نورا وهي تزيل غطاء رأسها.

إنها ذكية اعترفت لم تبتلع حكاية العمة. كادت تفتعل مشكلة.

لم تتغير ملامح رايموندو.

لكنها تركتك تمضين.

لم يكن أمامها خيار قالت نورا ببرود أنت تعرف كيف تسير الأمور. امرأة مثلها إذا صنعت مشهدا هي من ستخسر لا أنا.

شعر رايموندو بوخزة شيء غريب ربما احترام. قال كأنه يحدث نفسه

ليست مثل الآخرين

كان يعرف ذلك. رآه منذ اللحظة التي خرجت فيها إلى المطر دون تردد. الطريقة التي خاطبت بها دانيال كأنه مهم لا كأنه عبء أو موضوع شفقة. رأى كثيرين يزحفون من أجل ماله لكن هذه المرأة لم تكن تعرف حتى من يكون.

فتح باب الراكب الأمامي وجلس ثم قال بصوت منخفض حاد

أريد كل شيء عنها. الاسم العنوان الخلفية الديون أريده على مكتبي صباحا.

تحركت السيارة مبتعدة عن الرصيف تاركة المقهى خلفها يتضاءل في المرآة الخلفية. لكن رايموندو لم يكن يفكر في الأعمال ولا في الملايين التي سيكسبها غدا. كان يفكر في سيلينا كارديناس وفي الطريقة التي سيسدد بها دينه.

طلع الصباح التالي رماديا على منطقة سانتا في. ومن الطابق الخامس والأربعين في برج هويرتا بدت مدينة مكسيكو كأنها دائرة إلكترونية لا تنتهي من الخرسانة والدخان وحشا يتنفس العادم ويبتلع البشر. كان مكتب رايموندو هويرتا معبدا للتقشف القاسي زجاج في كل مكان فولاذ لامع وخشب أسود داكن. لا صور عائلية لا نباتات لا فوضى. سلطة خالصة.

وقف رايموندو أمام الواجهة

الزجاجية يراقب حركة السيارات المتلاصقة في الأسفل حين انفتح الباب بصوت إلكتروني خافت.

الملف جاهز يا سيدي قالت نورا وهي تدخل حاملة جهازا لوحيا وخطوات كعبيها ترن بإيقاع منتظم على أرضية الرخام.

لم يلتفت رايموندو فورا.

اقرئيه. لخصيه. لا أريد حشوا.

تنحنحت نورا ومررت إصبعها على الشاشة.

سيلينا كارديناس تسعة وعشرون عاما. تقيم في حي لا دوكتورس في مبنى سكني قديم بشارع دكتور أندراده. منطقة خطرة يا سيدي. ليست مكانا ينصح بإدخال سيارة فاخرة إليه.

أشار رايموندو بيده لتتابع.

الحالة الاجتماعية عزباء. لا أبناء لها لكنها تعيل والدتها روزا كارديناس أربعة وستون عاما. السيدة روزا تعاني فشلا كلويا مزمنا في المرحلة الثالثة. تحتاج إلى غسيل كلوي مرتين أسبوعيا وأدوية لا يوفرها الضمان الحكومي دائما.

استدار رايموندو ببطء وثبت عينيه الرماديتين في مساعدته.

الوضع المالي

حرج للغاية أجابت نورا بلا مواربة متأخرة ثلاثة أشهر في الإيجار. عليها قرض بفوائد استغلالية من جهة تدعى قروض فورية وديون كبيرة في متجر للأجهزة المنزلية مقابل ثلاجة وغسالة. بحسب حساباتي وبعد راتبها وإكرامياتها يتبقى لها نحو خمسين بيزو فقط أسبوعيا للطعام بعد سداد الأدوية والأقساط الصغيرة. باختصار إنها تغرق.

أومأ رايموندو بوجه جامد بينما كان عقله يعمل بسرعة. خمسون بيزو. كان هذا ما يتركه إكرامية لفنجان قهوة لا يكمله. الفارق كان فاضحا لكنه بالنسبة إليه أداة.

سوابق جنائية

نظيفة تماما. ولا حتى مخالفة مرورية. في الواقع الجيران يصفونها ب ترددت نورا لحظة بالقديسة. تعتني بأطفال الجيران ليلا تنظم جمعيات صغيرة لمساعدة من يفقدون أعمالهم. زعيمة مجتمعية على مستواها.

سار رايموندو نحو مكتبه كتلة سوداء من حجر لامع وأخذ سترته.

حضري السيارة نورا.

رفعت نورا حاجبيها

 

بدهشة نادرة.

سيدي ألا تفضل إرسال مندوب بشيك هذا هو الإجراء المعتاد. تبرع مجهول يخصم ضريبيا و

لا قطعها وهو يعدل أزرار أكمامه الذهبية سأذهب بنفسي.

لكن لديك اجتماع المستثمرين الكوريين عند الثانية وتلك المنطقة

الاجتماع يلغى. وتلك المنطقة هي تحديدا حيث يجب أن أذهب. نظر إليها بثبات هذه المرأة تملك شيئا لا يشترى في البورصة نورا. وسأعرف إن كان معروضا للبيع.

بعد ساعة كانت السيارة السوداء تنساب كسمكة قرش ضلت طريقها في الشوارع الضيقة المليئة بالحفر في حي لا دوكتورس. توقف الناس على الأرصفة ينظرون. لم يكن في عيونهم إعجاب بل ريبة. في تلك الأحياء سيارة كهذه تعني أمرين تاجر مخدرات ثقيل أو سياسي فاسد. لم يفكر أحد برجل أعمال نزيه.

كان السائق وهو عسكري سابق يدعى سانتوس يراقب المرايا بقلق.

المكان ساخن يا سيدي. لا يعجبني نظر أولئك الشبان في الزاوية.

أوقف أمام الرقم 428 ولا تطفئ المحرك أمر رايموندو وهو ينظر عبر الزجاج الداكن إلى واجهة المبنى المتقشرة.

كان المبنى قديما من تلك الأبنية التي كانت جميلة في الخمسينيات قبل أن ينهكها زلزال عام 1985 والإهمال. كان الطلاء الأصفر يتساقط كجلد ميت والملابس معلقة على شرفات صدئة.

ترجل رايموندو من السيارة. كانت الرائحة خليطا من طعام الشارع والمجاري وعادم السيارات. كان بدله الإيطالية الثلاثية القطع التي تساوي أكثر من المبنى بأكمله تلمع تحت شمس الظهيرة كدرع معدني. تجاهل نظرات رجلين موشومين يشربان عند المدخل وعبر البوابة.

في الداخل كان فناء المبنى يعج بالحياة والضجيج. راديو قديم يشغل موسيقى صاخبة أطفال يركضون خلف زجاجة بلاستيكية ورائحة البصل المقلي كثيفة. بحث رايموندو عن الرقم 14.


صعد الدرج الخرساني المتشقق إلى الطابق الثاني. كان باب الشقة 14 من خشب قديم لكنه مطلي بلون أزرق سماوي فاقع محاولة عنيدة لفرض الكرامة وسط الخراب.

طرق رايموندو ثلاث طرقات جافة آمرة.

سمعت خطوات متثاقلة في الداخل ثم صوت أقفال تفتح واحدا تلو الآخر وأخيرا انفتح الباب بصرير.

ظهرت سيلينا على العتبة. بدت مختلفة من دون زي العمل. كانت ترتدي بنطال جينز باهتا وقميصا أبيض وشعرها منسدل رطب على كتفيها. كانت الهالات الداكنة تحت عينيها تحكي عن ليال بلا نوم.

ما إن رأته حتى انتقلت ملامحها من الفضول إلى الخوف ثم إلى الدفاع في لحظة. جالت عيناها على بدلته الباهظة وحذائه اللامع وساعته البراقة.

إن كنت من شركة التقسيط فقد قلت لهم إنني سأدفع يوم الجمعة قالت بسرعة وهي تحاول إغلاق الباب لا أملك شيئا الآن.

وضع رايموندو يده المغلفة بالجلد على الباب وأوقفه بسهولة.

لم آت لتحصيل شيء يا سيلينا.

تجمدت عند سماع اسمها. رفعت رأسها وحدقت في عينيه الرماديتين الباردتين. بدتا مألوفتين على نحو غامض. وفجأة أدركت.

شدت فكها.

أنت أنت صاحب السيارة قالت بصوت خفيض خطر الذي كان يتجسس البارحة. والد دانيال.

أومأ رايموندو إيماءة خفيفة.

رايموندو هويرتا. هل تسمحين لي بالدخول

ضحكت سيلينا ضحكة جافة لا تصديق فيها وعقدت ذراعيها لتسد المدخل بجسدها الصغير الصلب.

اسمع يا سيد هويرتا. لا أعرف عادات عالمك لكن هنا لا يدخل المرء بيت غيره لمجرد أنه يرتدي بدلة غالية. ماذا تريد هل جئت لتتأكد أنني لم أسرق الملعقة التي حركت بها قهوة ابنك

جئت لأتحدث عن دانيال. وعنك.

ترددت سيلينا. سمعت سعال أمها الجاف من الغرفة الخلفية. عرفت أن بقاء رجل كهذا عند الباب سيجلب فضول

الجيران.

خمس دقائق قالت وهي تتنحى جانبا ولا تلمس شيئا. فكل شيء هنا ينكسر بمجرد النظر إليه بقسوة.

دخل رايموندو. كانت الشقة ضيقة غرفة واحدة تجمع المعيشة والطعام والمطبخ. أرضية من مشمع مهترئ لكنها نظيفة بعناية. في الزاوية مذبح صغير للعذراء وشموع مضاءة وصور عائلية في إطارات رخيصة تزين الجدران. كانت رائحة الفقر واضحة لكنها رائحة فقر مكافح كريم.

لم يجلس رايموندو رغم أن سيلينا أشارت إلى كرسي بلاستيكي. بقي واقفا في وسط الغرفة يبدو كعملاق في بيت دمى.

بيتك دافئ قال محاولا التهذيب.

وفر مجاملاتك يا سيد قالت سيلينا وهي تتكئ على طاولة الطعام أعرف أن هذا يبدو لك حفرة. لكنه قصر لنا لأنه يؤوينا. إلى صلب الموضوع. ماذا تريد

أخرج رايموندو من جيبه الداخلي ظرفا أبيض سميكا مختوما ووضعه على الطاولة قرب ملاحة بلاستيكية على شكل كتكوت.

بالأمس أطعمت ابني. حميته. منحته دفئا حين كنت حين كنت أضعه تحت الاختبار.

اختبار انتصبت سيلينا وشرر الغضب يتطاير من عينيها تركت طفلا على كرسي متحرك تحت المطر لاختباره أي إنسان مريض أنت

أب يعرف أنه لن يعيش إلى الأبد ويحتاج أن يكون ابنه قويا أجاب ببرود وإن كان كلامها يؤلمه في داخله لكن هذا ليس لب الموضوع. لبه أنك فعلت ما لم يفعله أحد. وأنا أسدد ديوني.

وأشار إلى الظرف.

فيه شيك بخمسين ألف بيزو. هو لك. اعتبريه مقابل خدمة ومقابل البسكويتة.

ساد صمت مطبق. خمسون ألفا. شعرت سيلينا بأن الهواء انسحب من رئتيها. بهذا المبلغ تسدد الإيجار المتأخر وتغلق ديون الأجهزة وتشتري أدوية أمها لأشهر. تستطيع أن تتنفس. أن تنام.

تحركت يدها لا إراديا نحو الظرف.

ثم رفعت عينيها إليه. رأت اليقين في وقفته اقتناعه بأن كل

شيء له ثمن. تذكرت ابتسامة دانيال الصافية. وشعرت أنها إن أخذت المال فإنها تلوث أجمل ما فعلته تلك الليلة. تبيع إنسانيتها.

ابتلعت ريقها نظرت إلى الظرف ثم إليه.

اخرج قالت بهدوء.

رمش رايموندو ظانا أنه لم يسمع.

عفوا أظن أنك لم تسمعي جيدا. خمسون ألف

سمعت جيدا! صاحت فاهتزت النوافذ أتظن أننا فقراء بلا كرامة أتظن أنني أطعمت ابنك بانتظار أن يأتي أبوه الثري ليرمي علي فتاتا فعلت ذلك لأنه كان جائعا وبردان لا لتشتري ضميري!

أخذت الظرف وضربت به صدره.

خذ مالك. وقل لدانيال إن احتاج طعاما يوما فليأت وسأطعمه مجانا. لأن المحبة لا تباع يا سيد هويرتا.

أمسك رايموندو بالظرف على صدره ونظر إليها نظرة مختلفة. لم يكن غضبا كان افتتانا. لقد وجد ما يبحث عنه.

أعاد الظرف إلى جيبه ببطء.

أنت محقة قال وقد تغير صوته لم يعد متعاليا بل حادا كرجل أعمال كان عرض المال خطأ. أعتذر.

كانت سيلينا تشير إلى الباب وأنفاسها متسارعة.

لكنني لن أغادر دون أن أقدم عرضا آخر تابع وظيفة.

ضحكت سيلينا ضحكة مريرة.

وظيفة بماذا تنظيف حماماتك الرخامية لدي عمل.

ليس تنظيفا. أريدك أن تعملي معي. في هويرتا ديناميكس.

بالكاد أنهيت الثانوية قالت لا أعرف شيئا عن الحواسيب أو الأعمال.

لا أحتاجك لتعرفي ذلك. لدي مئات المهندسين من أفضل الجامعات. ما لا يملكونه وما لا يملكه أحد في برجي هو ما أظهرته الآن الشجاعة الحس السليم الإنسانية. شركتي تفقد روحها. أحتاج من يقول لي الحقيقة لا ما أريد سماعه. من لا يخاف بدلة فاخرة.

نظرت إليه بريبة.

وماذا سأفعل

ستكونين حلقة وصل مؤسسية. عمليا ستكونين ضميري. تراجعين المشاريع من منظور إنساني. تقولين لي متى أكون أحمق كما فعلت قبل دقائق.

سكتت سيلينا.

وكم يدفع هذا الجنون سألت.

ثمانون ألف بيزو شهريا صافية. مزايا

 

تفوق القانون. تأمين صحي شامل لك ولوالدتك مباشرة قال بلا تردد بدءا من الغد.

توقف العالم عند سيلينا.

تأمين لوالدتي

أفضل أطباء المدينة. فورا.

نظرت نحو غرفة أمها وسمعت سعالا جديدا. كان كبرياؤها كبيرا لكن حبها لأمها أكبر.

إن كان هذا مزاحا أقسم أنني سأكسر وجهك قالت.

مد رايموندو يده.

لا أمزح في الأعمال. أراك غدا الثامنة صباحا.

صافحته. كان الفرق بين يديهما كفرق العالمين.

سأكون هناك.

خرج رايموندو تاركا خلفه رائحة عطر باهظ ستبقى أياما. وبقيت سيلينا واقفة لا تدري أوقعت عقدا مع الشيطان أم أن الله أخيرا سمع دعاءها.

لم تنم سيلينا تلك الليلة إلا قليلا. ظل صوت المطر العالق في ذاكرتها يمتزج بسعال أمها المتقطع وبصورة يد ممتدة تعرض مستقبلا لم تتعلم كيف تثق به. قبل الفجر بقليل نهضت أعدت قهوة خفيفة وبدلت ضماد أمها بعناية ثم جلست قرب السرير تمسك يدها حتى هدأ تنفسها. حين أشرقت الشمس كانت قد اتخذت قرارها ستذهب. لا لأن العرض مغر فحسب بل لأنها رأت في عيني رايموندوخلف البرودحاجة حقيقية لما لا يستطيع شراؤه.

وصلت إلى برج هويرتا قبل الثامنة بدقائق. كان الردهة فسيحة يلمع الرخام فيها كمرآة ويعكس وجوها سريعة لا ترفع رؤوسها. استقبلتها نورا بابتسامة مدروسة وقدمت لها بطاقة تعريف مؤقتة. لم تعلق على ملابس سيلينا البسيطة لكنها لاحظت كل تفصيل.

قادتها نورا إلى قاعة اجتماعات في الطابق التاسع والثلاثين. كان المديرون قد اصطفوا حول طاولة سوداء طويلة شاشات كبيرة تعرض مخططات وأرقاما. دخل رايموندو أخيرا وتوقف الحديث فجأة.

هذه سيلينا كارديناس قال بلا مقدمات ستكون جزءا من الفريق ابتداء من اليوم.

ارتفعت حواجب وتبادلت نظرات

سريعة. أحدهم رجل خمسيني بنظارة رفيعة قال بنبرة مهذبة تخفي اعتراضا واضحا

وبأي صفة سيدي

صفة تقول لي الحقيقة أجاب رايموندو حين تخذلنا الأرقام.

جلس الجميع. بدأت العروض. تحدثوا عن مشروع مصنع جديد للأجهزة الذكية في أطراف المدينة كلفة أقل سرعة أعلى. كانت الرسوم البيانية أنيقة والوعود براقة. وحين انتهوا نظر رايموندو إلى سيلينا.

رأيك

ترددت لحظة ثم تنفست بعمق.

إن بنيتم المصنع هناك ستقطعون الماء عن حيين مجاورين قالت بهدوء وستضاعفون المرور في شارع واحد ضيق. الناس هناك يعملون ليلا ونهارا. سيخسرون ساعاتهم وأعصابهم. وربما وظائفهم. هذه ليست تكلفة جانبية هذه حياة.

ساد الصمت. تحرك الرجل ذو النظارة في مقعده.

هذه أمور تعالج لاحقا بالمسؤولية الاجتماعية.

هزت سيلينا رأسها.

المسؤولية ليست ملصقا نضعه بعد الضرر. إن أردتم المشروع فغيروا الموقع أو استثمروا في البنية التحتية أولا. وإلا فأنتم تدفعون ثمنا لن يظهر في ميزانيتكم لكنه سيظهر في الشارع.

نظر رايموندو حول الطاولة.

سمعتم. أعيدوا الدراسة.

بعد الاجتماع اقتربت نورا من سيلينا في الممر.

لم يتجرأ أحد على مقاطعته بهذا الشكل منذ سنوات قالت بنبرة تجمع الإعجاب والحذر انتبهي. بعضهم لن يحبك.

لا أبحث عن الحب أجابت سيلينا أبحث عن النوم ليلا دون ندم.

في الأيام التالية تغير الإيقاع. رافقت سيلينا فرقا ميدانية زارت مصانع جلست مع عمال استمعت قبل أن تتكلم. كانت تعود إلى المكتب بملفات مليئة بملاحظات مكتوبة بخط يدها. في كل مرة كان رايموندو يقرأ يسأل ويغير قرارات.

وذات مساء طلب منها الدخول إلى مكتبه بعد انصراف الجميع. كانت المدينة تحت قدميهما بحرا من الأضواء.

دانيال يسأل

عنك قال فجأة.

ابتسمت سيلينا دون قصد.

كيف حاله

أفضل. بدأ العلاج الفيزيائي يثمر. صمت لحظة لم أشكره كما يجب لأنني لم أعرف كيف.

نظرت إليه.

قل له الحقيقة. الأطفال يفهمون أكثر مما نعتقد.

أومأ ثم قال بصوت أقل حدة

كنت أظن أن القوة هي أن تختبر العالم وتنجو. تعلمت منك أن القوة أحيانا هي أن تمد يدك.

مرت أشهر. سددت ديون سيلينا تحسنت صحة أمها وتحول دورها في الشركة إلى منصب رسمي له فريق وصلاحيات. تغيرت مشاريع وتغيرت نبرة. لم تختف المقاومة لكنها خفت. لأن النتائج كانت واضحة.

وفي ليلة ممطرة أخرىأقل قسوةمر رايموندو بالمقهى القديم. كان مغلقا. وقف لحظة تحت المظلة وتذكر كيف بدأت القصة بطفل يرتجف وامرأة لم تغلق الباب.

أخرج هاتفه وكتب رسالة قصيرة

شكرا لأنك لم تتجاهلي.

وصلته الإجابة بعد دقيقة

الشكر لمن يتعلم.

ابتسم.

في الأسبوع التالي بدأ اسم سيلينا يذكر في أروقة الشركة بلهجة مختلفة. لم تعد الوافدة الجديدة ولا اختيار الرئيس الغريب بل صارت المرأة التي أوقفت مشروعا قبل أن يتحول إلى أزمة والتي أعادت توجيه استثمار ضخم نحو حي كان منسيا. لم تكن ترفع صوتها ولم تكن تتودد لكنها كانت تسأل الأسئلة الصحيحة في اللحظة التي يتجنب فيها الآخرون الكلام.

وفي صباح أحد الأيام وصلت رسالة داخلية عاجلة تدعو إلى اجتماع طارئ في قسم الإنتاج. كان هناك خلل خطير في أحد الأجهزة الطبية الذكية التي تستعد الشركة لإطلاقها في السوق. الأرقام تقول إن نسبة الأعطال مقبولة لكن شكاوى المستشفيات بدأت تتراكم.

دخلت سيلينا قاعة الاجتماع وجلست تستمع. تحدث المهندسون عن تحديثات برمجية وعن احتمالات الاستخدام الخاطئ وعن بنود قانونية تحمي الشركة. وحين

انتهوا نظرت إلى الجهاز المعروض أمامهم ثم رفعت رأسها ببطء.

هذا الجهاز يستخدم مع مرضى لا يملكون رفاهية الخطأ قالت بهدوء نسبة مقبولة تعني إنسانا حقيقيا يتألم الآن.

قال أحد المديرين بنفاد صبر

سحب المنتج سيكلفنا ملايين ويؤخر الإطلاق ستة أشهر.

أجابت دون تردد

وتأخير علاج مريض سيكلفه عمره كله.

ساد الصمت. نظر رايموندو إليها ثم إلى الفريق.

أوقفوا الإطلاق قال نعيد الاختبارات من الصفر.

خرج القرار إلى العلن وانهالت الانتقادات من الإعلام والمستثمرين. هبط السهم يومين متتاليين. لكن بعد شهر حين كشف عن الخلل بشفافية وأعلن عن النسخة الآمنة عاد السهم أقوى مما كان وارتفع معه اسم الشركة بوصفها الأكثر التزاما.

في ذلك المساء جلس رايموندو في مكتبه وحده. كان يحمل تقريرا عن سيلينا لا أرقام فيه بل شهادات من عمال وممرضين ومديرين صغار. أغلق الملف وتنفس بعمق. لأول مرة منذ سنوات شعر أن الشركة تشبه الإنسان.

رن هاتفه.

أبي كان صوت دانيال.

نعم يا بطل.

هل تعرف اليوم ساعدت طفلا في المركز. علمته كيف يحرك العجلات دون أن يؤذي يديه.

ابتسم رايموندو.

ومن علمك ذلك

سيلينا أجاب ببساطة قالت إن القوة الحقيقية هي أن تجعل الطريق أسهل لمن يأتي بعدك.

أغلق رايموندو الهاتف ونظر عبر النافذة إلى المدينة. لم يعد يراها كتروس تدور بلا رحمة بل كشبكة من القصص الصغيرة التي يمكن لمسها وتغييرها.

بعد أيام عاد المطر. ليس عاصفا كما في تلك الليلة الأولى بل هادئا منتظما. مرت سيلينا قرب المقهى القديم بعد انتهاء دوامها وتوقفت لحظة. كان المكان قد أعيد افتتاحه بواجهة جديدة ولافتة صغيرة كتب عليها الكرامة تقدم ساخنة.

ابتسمت وأكملت طريقها.

كانت تعرف الآن أن بابا واحدا لم يغلق في ليلة ممطرة قادر على تغيير مصائر كثيرة.

 

تعليقات

التنقل السريع
    close