القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

عاد بعد عامٍ حاملًا المال ليُنقذ عائلته





عاد بعد عامٍ حاملًا المال ليُنقذ عائلته

  عاد بعد عامٍ حاملًا المال ليُنقذ عائلته… لكن ما رآه خلف الباب جعله يكتشف أن الغياب أخطر من الفقر


عاد بعد عامٍ حاملًا المال ليُنقذ عائلته… لكن ما رآه خلف الباب جعله يكتشف أن الغياب أخطر من الفقر


توقّفت آخرُ حافلةٍ ليليةٍ في هذا الخطّ بصريرٍ حادّ أمام لافتةٍ وحيدةٍ كُتب عليها: ريد وود بلينز. كان الوقت عالقًا بين الشفق والظلام الكامل، وكانت سماء نيفادا قد بدأت تبرد متحوّلةً إلى لونٍ بنفسجيّ داكن.

لفحَتْ ريحٌ باردة موقفَ السيارات الخالي، فحملت معها دوّاماتٍ من الغبار التصقت بحذاء مايلز هاروود وهو يهبط على الإسفلت المتشقّق.

لم يكن يحمل ما يستحقّ الذكر سوى شيءٍ واحد: حقيبةٌ قماشيّة باهتة مشدودة على صدره. في داخلها، رُصّت رزمٌ كثيفة من النقود داخل أغطيةٍ بلاستيكية. ثمانون ألف دولار من أوراقٍ مهترئة.

كلّ دولارٍ منها كُسب خلال عامٍ كامل في أماكن نادرًا ما يصلها ضوء النهار، ولا تُذكر فيها الأسماء بصوتٍ مسموع.

عامٌ في المناجم خلف الحدود. عامٌ كانت فيه الجبال تُفجَّر بحثًا عن المعادن، وكان الرجال يختفون دون أن يتوقّف أحدٌ ليعدّهم.

في ذلك الصباح، على أطراف الصحراء، قال لنفسه: هذا المال سيُصلح كلّ شيء. كانت الجملة نفسها التي أبقته صامدًا خلال اثني عشر شهرًا من العمل بلا نوم. لم يتّصل بالبيت.

لم يكتب.


ولم يُرسل مالًا ولو مرّة واحدة.

كان يريد أن يظهر يومًا ما على عتبة الباب ويقول: لقد فعلتُها. كان يتخيّل ملامحها. كان يتخيّل احتضان طفله من جديد.

كانت زوجته تيسا كليرمونت قد أنجبت قبل ثلاثة أشهر فقط من رحيله. وكان ابنهما كال لم يفتح عينيه جيّدًا بعد حين صعد مايلز إلى شاحنةٍ صغيرةٍ أبعدته عنهم. كانت تيسا قد ترجّته أن ينتظر بضعة أشهر أخرى، لكن الفقر كان كذئبٍ ينهش عظامهم. وكان يعتقد أن التضحية ستجعله بطلًا.

وهو يسير مبتعدًا عن موقف الحافلة، بدا له أنّ البلدة أصغر ممّا يتذكّر. واجهات المتاجر مائلة كأنها شيوخٌ متعبون. مطعمٌ واحد فقط كان مضاءً عند الزاوية، ولافتته النيون تومض.

بقيت بقيّة ريد وود بلينز تراقب في صمت. أسرع خطواته وهو يشدّ على الحقيبة.

ظهرت شارعه. كانت البيوت على الجانبين تضجّ بالحياة. موسيقى ريفيّة تنساب من شرفةٍ قريبة. رائحة دجاجٍ مشويّ تملأ الهواء. ظلالٌ تتحرّك خلف الستائر. وللحظةٍ واحدة، سمح مايلز لنفسه أن يبتسم. كلّ شيء سيكون على ما يرام.


ثم رأى بيته.

كانت كلّ النوافذ مظلمة. العشب قد ارتفع إلى مستوى الأكتاف بمحاذاة السور. تقشّر الطلاء عن الجدران في شرائط طويلة، كأنّ البيت نفسه يتساقط.

كان سقف الشرفة متهالكًا، وأحد الأعمدة الداعمة متشقّقًا إلى نصفين تقريبًا. صندوق البريد ملقى على الأرض، محطّمًا.

اجتاحه غثيانٌ مفاجئ.

فتح البوّابة، فأصدرت صريرًا عاليًا. صعد إلى الشرفة وطرق الباب. لا جواب. كان مقبض الباب مرتخيًا حين أدارَه. انفتح الباب ببطء، وضربته رائحة كصفعة.

تعفّن. رطوبة. شيءٌ حامض، طبيّ، خانق.

تحسّس مفتاح الإضاءة، لكن لا شيء استجاب. رفع هاتفه وشغّل المصباح.

شقّ الضوءُ الظلامَ كاشفًا غرفة جلوسٍ منزوعة الفرح. أثاثٌ مدفوع إلى الجدران. بقعٌ داكنة على السجّاد. كوب قهوة يزهر داخله العفن. وعلى الطرف البعيد من الغرفة، كان هناك جسدٌ مكوّر تحت بطانيةٍ رقيقة.

همس: «تيسا…»

وانغلق حلقه.

أسقط الحقيبة واندفع نحوها. كان الضوء يرتجف بين يديه. بدا وجه تيسا غائرًا بزوايا حادّة. خدّاها غائرتان. وبشرتها رماديّة تحت طبقات الوسخ.

ارتعشت جفونها وانفتحت عيناها. حدّقت لثانية، كأنّ الأفكار تحتاج وقتًا لتتّصل.

«مايلز…» همست. بالكاد تشكّلت الكلمة. «أحقًّا أنت؟»

وضع يده على جبينها. حرارة. حُمّى مخيفة. نظر إلى جوارها فتجمّد. كان ابنهما كال ممدّدًا على بطنها، جلده شاحب كالشمع.

كان تنفّسه يخرج صفيرًا رطبًا ضعيفًا، كأنّ كلّ شهيقٍ يقاتل ليجد مكانًا.

انهارت رئتا مايلز إلى الداخل.

«يا إلهي… يا إلهي.»

ارتجفت شفتا تيسا. «حاولتُ… حاولتُ بكلّ ما أملك. طلبتُ المساعدة. لم يصدّق أحد أنك ستعود. قالوا إنك اخترت المال بدلًا منّا.»

شعر بشيءٍ داخله يتحوّل إلى غبار. «ظننتُ… ظننتُ أن هذا سينقذنا.»

سعلت بعنف. خرج صوتها خشنًا: «نُنقَذ… كنّا نحتاجك أنت. لا هذا الحلم بإصلاح كلّ شيء لاحقًا.»


ضمّهما معًا بين ذراعيه. كان جسد كال خفيفًا كأنّ العظام ناقصة. بالكاد تمسّكت تيسا بكتفيه. تعثّر عائدًا نحو الباب وهو يصرخ في البرد:

«أحدٌ ما! أرجوكم! زوجتي… ابني… أرجوكم!»

أضاءت أنوار الشرفات عبر الشارع. هرعت جارةٌ ترتدي رداء النوم فوق الحصى. رجلٌ آخر ركض من مدخل منزله وهو يصرخ طالبًا الاتصال بالإسعاف.

بعد دقائق، توقّفت شاحنة صغيرة تقودها امرأةٌ ذات شعرٍ فضّي. أنزلت النافذة وقالت بحزم:

«ضعهما في الخلف. أنا سأقود.»

أومأ مايلز دون أن ينطق. كان مذهولًا. احتضن تيسا وكال بينما اندفعت الشاحنة نحو مركز كولتون ريدج الطبي، أقرب مستشفى يبعد ثلاثين ميلًا.

زمجرت المحرّكات خلفهم، وتبعتهم عدّة سيارات، مصابيحها تطارد الظلال.

داخل قسم الطوارئ، انتزعت الممرّضات كال من ذراعيه. قاد أحدهم تيسا إلى سريرٍ آخر. سقط مايلز على ركبتيه في الممرّ، وغطّى وجهه بيديه، يبكي بلا سيطرة.


كانت الحقيبة قد انفتحت أثناء الطريق. تناثرت الأوراق النقدية على الأرض كجدولٍ أخضر. خطت ممرّضة فوقها دون أن تنظر إليها.

ظهر طبيب. كان صوته ثابتًا، موزونًا، مثقلًا بالأخبار السيئة:

«زوجتك تعاني سوء تغذية حادًّا. أعضاؤها تحت ضغط شديد، وهي تقاوم عدوى خطيرة. ابنك مصاب بالتهاب رئوي، ورئتاه تكافحان. سنفعل كلّ ما بوسعنا. كلاهما في حالة حرجة.»

حدّق مايلز عبر الطبيب نحو الأبواب المتأرجحة. كانت تيسا خلفها في مكانٍ ما. وكان كال في غرفةٍ مليئةٍ بالآلات.

قال بهدوءٍ مكسور: «غادرتُ لأمنحهما حياةً أفضل.»

لم يُجب الطبيب. وضع يده على كتف مايلز لثانيةٍ واحدة ثم مضى.

مرّت الساعات. كانت الممرّضات يعبرن الممرّات مسرعات. الأجهزة تُصدر صفيرًا متواصلًا. جلست امرأةٌ ترتدي معطفًا من الفلانيل بجوار مايلز وأمسكت يده المرتجفة. تعرّف عليها بصعوبة. كانت جارتهما جانيت بروكسايد.

قالت: «تفقدتُ تيسا مرّتين. كانت تقول إنك عائد. الجميع قال إنها في إنكار. كان يجب أن أضغط أكثر لأساعد.»



ابتلع مايلز ريقه. «وأين كانت أمّي؟ كان من المفترض أن تطمئن عليهما.»

تردّدت جانيت. «انتقلت إلى ساكرامنتو مع أختك. قالت إنها لا تستطيع انتظارك إلى الأبد.»

غرست الجملة شظيّةً في صدره.

شعر ببرودة الهاتف في يده وهو يطلب رقم أمّه. رنّ مرّتين قبل أن تجيب. كان هناك ضحك وموسيقى خلف صوتها.

«مايلز؟ سمعتُ أنك عدت. أختك أخبرتني.»

«إنهما يحتضران،» قال، وصوته يتكسّر. «تيسا… كال. كانا يتضوّران جوعًا. وحدهما.»

صمت. ثم تنهيدة.

«لقد اخترتَ طريقك،» تمتمت. «أحيانًا لا يحقّ لك أن تتوقّع الغفران.»

حدّق في أرضية البلاط الأبيض. تشابك الغضب والحزن كالسلك الشائك. أغلق الهاتف دون كلمة، فسقط على الأرض.

التفت إلى جانيت، وصوته خام: «ظننتُ أن المال سيُصلح كلّ شيء. ظننتُ أنه سيجعلني جديرًا.»



ربتت جانيت على كتفه برفق: «الجدارة لا تُشترى. إنها خيارٌ تتّخذه كلّ يوم. في اللحظات الصغيرة.»

من خلف زجاج وحدة الأطفال، راقب مايلز كال راقدًا في حاضنة. أنابيب دقيقة تمتدّ من أنفه. صدره يرتفع وينخفض بإصرارٍ هشّ.

وعلى الجانب الآخر من الممرّ، كانت تيسا نائمة تحت الأغطية، بشرتها شاحبة لكنها أكثر هدوءًا. كانت المحاليل الوريدية تضبط إيقاع قلبها.

وضع مايلز كفّه على الزجاج الفاصل بينه وبين ابنه، وهمس: «إن بقيتَ… إن قاومتَ… فلن أتركك مجددًا. أقسم أن المفاجأة التالية التي نراها معًا ستكون لنا.»

تسلّل الصباح ببطء إلى السماء. امتلأت كافتيريا المستشفى بأصواتٍ خافتة. لم يتحرّك مايلز من مقعده. راقب تيسا تتحرّك. ارتعشت جفونها وانفتحت.

أسرع إلى جوارها. نظرت إليه، فمرّ الارتباك على ملامحها قبل أن يستقرّ الفهم.

«عدتَ،» همست.


أومأ: «أنا هنا. أنا هنا الآن. لن أختفي مجددًا. أنا آسف. لا أستطيع محو ما حدث، لكن إن سمحتِ لي، سأعيد البناء قطعةً قطعة.»

لانَت نظرتها. لم تُجب. لم يكن لازمًا. ضغطُ أصابعها الخفيف حول يده كان كافيًا.

بعد يومين، أكّد الأطباء أنّ حالة الاثنين بدأت تستقرّ. احتاج كال إلى أسابيع في جناح الأطفال. وستبقى تيسا تحت المراقبة شهرًا على الأقلّ.

استأجر مايلز غرفةً مقابل المستشفى، رافضًا أن يبتعد أكثر من نبضة قلب.

باع الأرض التي كان يحلم يومًا بتحويلها إلى ورشة. استخدم نصف ما كسبه لسداد الفواتير الطبية، وتبرّع بالباقي لمخزن الطعام المجتمعي الذي حاول دعم تيسا حين ضعفت عن الوقوف في الطوابير.

الجيران الذين كانوا يتهامسون عن الهجران جلبوا الآن البطانيات والحساء. زارت جانيت يوميًّا لتقرأ لتيسا. عرض ميكانيكيّ وظيفةً على مايلز دون أسئلة.

للمرّة الأولى، لم يشعر أنّ العالم حكمٌ عليه، بل دعوة.


في مساءٍ متأخّر، وبينما تسلّل ضوء الشمس عبر الستائر، راقبت تيسا مايلز وهو يحمل كال الذي استعاد قوّةً تكفي ليصدر أصواتًا صغيرة.

قالت بهدوء: «أتدري ما الذي افتقدته أكثر شيء؟ لم يكن المال. كان صوت شخصٍ يفتح الباب، وأنا أعلم أنه أنت.»

قبّل مايلز رأس كال: «أفهم الآن.»

مدّت يدها ولمست معصمه: «إذًا لنتقدّم. معًا. بلا اختفاءٍ بعد اليوم.»

في الخارج، امتدّت ريد وود بلينز هادئةً ومتواضعة، لكنها حيّة. أدرك مايلز أنّ الثروة لم تكن رقمًا قطّ. كانت ابتسامة تيسا تعود ببطء.

وكانت أصابع كال تلتفّ حول إبهامه. وكان ثقل الانتماء إلى بيتٍ لم يستسلم.

نظر إليهما، وقلبه ممتلئ، مثخن، لكنه يخفق بقوّة. وفهم أنّ المهمّ ليس الغنى الذي تعود به، بل الشجاعة على البقاء.

لا كنز يضاهي لحظة عبوره بابًا ليجد عائلته تتنفّس، تنتظر، حيّة.


تعليقات

التنقل السريع
    close