القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

تظاهر بأنه عامل بناء فقير… وعندما دافعت عنه بلا تردّد، بدأت حربٌ صامتة داخل إمبراطورية كاملة

 


تظاهر بأنه عامل بناء فقير… وعندما دافعت عنه بلا تردّد، بدأت حربٌ صامتة داخل إمبراطورية كاملة




تظاهر بأنه عامل بناء فقير… وعندما دافعت عنه بلا تردّد، بدأت حربٌ صامتة داخل إمبراطورية كاملة


 

اتّسعت عينا جيني، وشعرت بنظراتٍ مسلّطة عليها من كل جانب؛ نظراتٍ تحمل حكمًا قاسيًا، وأخرى ازدراءً صريحًا، وقليلٌ منها شفقة خجولة. غير أن أشدّ ما آلمها كان صوت السيدة فيرا، صوتًا حادًّا كالسِّكّين، يمزّق كرامتها مرّة بعد مرّة.


قالت جيني بصوتٍ هادئ لكنه مرتجف:

«سيدتي، ليس متسوّلًا. إنه عامل بناء يعمل في موقع الإنشاء خلف المركز التجاري. لديه بطاقة تعريف—»


قاطعتها فيرا بحدّة:

«بطاقة تعريف؟! حتى لو كانت لديه بطاقة من السماء، فلن أسمح لهذا الرجل أن يسيء إلى صورة متجري! أيها الحراس!»


تقدّم حارسان. وقف تونيو — وهو في الحقيقة ترافيس — منتصبًا. لم يتراجع، ولم يرفع صوته. نظر إلى جيني، وابتسم ابتسامة خفيفة، ثم أومأ برأسه كأنه يقول لها: لا تخافي.


قال أحد الحراس باعتذار:

«سيدي، نأسف، عليكم مغادرة المكان».


أجاب تونيو بهدوء:

«لا بأس. سأغادر من تلقاء نفسي».


صرخت جيني محاولة منعه:

«لا! أنا معه».


ارتفع صوت فيرا غاضبًا:

«جيني! هل تريدين أن تفقدي وظيفتك؟ مكالمة واحدة إلى الموارد البشرية—»


قاطعَتها جيني بثباتٍ مفاجئ:

«إن فقدتُ عملي، فسيكون لأنني اخترتُ الدفاع عمّا هو


صواب».

ساد الذهول. لم تكن فيرا معتادة على أن يُردّ عليها. احمرّ وجهها من شدّة الغضب.


صرخت:

«اخرجا من هنا! كلاكما!»


وقبل أن يتحرّك الحراس، دوّى صوت خطواتٍ ثقيلة من الخلف. دخلت مجموعة من الرجال يرتدون بدلات رسمية أنيقة. كانوا يحملون أجهزة لوحية، ويضعون بطاقات تعريف تحمل شعار «مجموعة إمباير». توقّفت الهمهمات، وخيّم الصمت على المكان.


في المقدّمة، تقدّم رجل مسنّ، هو مدير العمليات في المركز التجاري.


قال بصوتٍ مهذّب لكنه بارد:

«سيدتي فيرا، ما سبب هذه الفوضى؟»


أشارت فيرا إلى تونيو قائلة:

«سيدي، كنتُ فقط أطرد شخصًا دخيلًا يسيء إلى صورة المتجر—»


لم تُكمل عبارتها.


في تلك اللحظة، تقدّم تونيو خطوة إلى الأمام. نزع القبّعة الباهتة عن رأسه، ومسح آثار الفحم عن وجهه، وعدّل وقفته. تغيّر حضوره فجأة؛ لم يعد عاملًا بسيطًا، بل بدا قائدًا.


وانحنى الرجال أصحاب البدلات واحدًا تلو الآخر.


قالوا بصوتٍ واحد:

«مساء الخير، سيدي ترافيس».


كأن دلوًا من الماء البارد أُفرغ على المتجر بأكمله.


تمتمت فيرا بتلعثم، وارتجفت ركبتيها:

«أنا… لم أكن أعلم… ظننتُ—»


قاطعها ترافيس بصوتٍ هادئ



لكنه ثقيل المعنى:

«ظننتم أنكم تستطيعون الدوس على إنسان بناءً على ملابسه ورائحته».

ثم التفت إلى جيني، وكان في عينيه إعجاب صريح.


قال لها بصوتٍ منخفض:

«شكرًا لكِ».


بعد ذلك، واجه الجميع وقال بوضوح:

«اسمي ترافيس. نعم، أنا مالك هذا المركز التجاري».


جلس بعض الحاضرين من شدّة الصدمة، ووضع آخرون أيديهم على أفواههم، واغرورقت عيونٌ بالدموع.


تابع قائلاً:

«على مدى ثلاثة أشهر، عملتُ كعامل بناء لأرى كيف يُعامل من لا يبدو “لائقًا”. واليوم، رأيت الحقيقة».


ثم نظر إلى فيرا وقال:

«سيدتي فيرا، اعتبارًا من هذه اللحظة، أنتِ موقوفة عن العمل إلى حين انتهاء التحقيق. مجموعة إمباير لا مكان فيها للإهانة والتمييز».


تعالت الأصوات بين تصفيقٍ وهمسٍ وذهول.


ناداها ترافيس:

«جيني».


تقدّمت نحوه، وما زالت ترتجف.


قال لها أمام الجميع:

«أريدكِ أن تعلمي أنكِ لم تخجلي يومًا من الحق. وهذا هو النوع من الأشخاص الذي أريد أن يكون إلى جانبي».


وأمسك بيدها.


وأضاف:

«إن وافقتِ، لا بصفتي مديرًا تنفيذيًا، بل بصفتي ترافيس… أودّ أن أتقدّم لخطبتك».


انسابت دموع جيني، وارتسمت على شفتيها ابتسامة صادقة.


قالت:

«أوافق».



وفي ذلك اليوم، تعلّم الجميع في المركز التجاري أن الغنى الحقيقي لا يُقاس بما نرتديه، وأن الكرامة لا تُشترى، وأن من تظنّه عاملًا بسيطًا… قد يكون هو من يمسك بزمام إمبراطورية كاملة.


ولم تكن جيني، رغم كل ما حدث، قادرة على استيعاب الأمر.


حتى بعد أن انتهت الفوضى، وبعد إغلاق المتجر لاجتماعٍ طارئ، وبعد أن رأت المديرين التنفيذيين يرافقون ترافيس بأنفسهم، ظلّت يداها ترتجفان.


قالت له بصوتٍ خافت وهما يجلسان جنبًا إلى جنب في صالة خاصة داخل المركز:

«ترافيس… هل أنت فعلًا المدير التنفيذي؟»


ابتسم بتعبٍ صادق وقال:

«نعم. لكنني كنتُ تونيو لوقتٍ أطول في الأشهر الماضية».


انخفض رأس جيني، وشعرت بثقلٍ في صدرها.


قالت والدموع تترقرق في عينيها:

«هل خدعتني؟ هل كنتُ مجرّد اختبار؟ تجربة؟»


نهض ترافيس فورًا، وجثا أمامها — بلا كاميرات، بلا جمهور، بلا استعراض.


قال بحزم:

«لا. إن كان هناك شخص لم ألعب بمشاعره، فهو أنتِ».


تنفّس بعمق وأكمل:

«دخلت حياتي نساء كثيرات أحببن اسمي ومالي ونفوذي. أما أنتِ… فقد أحببتِ رجلًا ظننتِ أنه لا يملك شيئًا».


ظلّت جيني صامتة.


تابع قائلاً:

«أطعمتِني حين


كنتِ أنتِ بحاجة. دافعتِ عني حين كنتِ أنتِ من أُهين. وحين كان بوسعكِ التمسّك بالسلطة، اخترتِ التمسّك بالكرامة».


 

رفعت جيني رأسها، وانهمرت دموعها.


قالت بصدق:

«لكن الأمر ما زال مؤلمًا. كأن العالم تغيّر فجأة».


أومأ ترافيس برأسه وقال:

«للحقيقة ثمن».


في اليوم التالي، انتشر الخبر في كل مكان:

«مدير تنفيذي يتخفّى كعامل بناء… وإيقاف مديرة بسبب الإهانة».


تصدّر اسم جيني مواقع التواصل الاجتماعي.


منهم من نظر إليها بإعجابٍ صريح، ومنهم من استقبل الخبر بشكٍّ مكتوم، ومنهم من اكتفى بهزّ كتفيه قائلًا إنها لم تكن سوى محظوظةٍ صادفها القدر في لحظة نادرة. تباينت الآراء، وتعدّدت الألسنة، لكن اسم جيني ظلّ يتردّد في أرجاء المكان، يسبقها أينما ذهبت، كأنه صار عبئًا جديدًا لم تطلبه يومًا.


في المتجر، لم تكن كل النظرات ودّية كما كانت من قبل. بعض الزملاء ابتسموا لها ابتسامات باردة لا تخلو من الترقّب، فيما همس آخرون من خلفها دون أن يكلفوا أنفسهم عناء الخفض الحقيقي لأصواتهم:

«ها قد جاءت… يبدو أنها ستترقّى بسرعة».


وقال آخرون بنبرةٍ امتزجت فيها السخرية بالحسد:

«غدًا ستكون مشرفة، وبعد غد مديرة».


كانت جيني تسمع كل شيء، حتى ما لم يُقصد أن يُسمع. كانت الكلمات تصلها واضحة، ثقيلة، كأنها أحجار صغيرة تُلقى في قلبها واحدة تلو الأخرى. وهناك، وسط تلك الهمسات، أدركت ثمن الصدق؛ ففعل الخير لا يُقابل دائمًا بالتصفيق، والوقوف إلى جانب الحق قد يجلب لك الشك أكثر مما يجلب لك الاحترام.


وفي خضمّ ذلك كله، استدعاها ترافيس إلى مكتبه، لا ليستعرض سلطةً ولا ليؤكّد موقعًا، بل ليضع حدًّا واضحًا بين ما هو شخصي وما هو عادل.


دخلت جيني بخطوات مترددة،


تشعر بأن الأرض تحت قدميها لم تعد كما كانت قبل أيام. جلست أمامه، وضمّت يديها في حجرها محاولة أن تُخفي الاضطراب الذي يتسرّب إلى أنفاسها. رفع ترافيس نظره إليها بهدوءٍ خالٍ من أي تعالٍ، هدوء رجلٍ يعرف تمامًا ثقل الكلمة التي سيقولها، وقال بصوتٍ واضح لا يحتمل الالتباس:

«لا أريد أن أمنحكِ أي امتيازٍ خاص».

كانت العبارة صادمة بقدر ما كانت مطمئنة. تفاجأت جيني، ورفعت عينيها إليه بدهشة صادقة، وكأنها تحاول أن تتأكد مما سمعته. لم تكن تتوقع هذه الجملة، لا منه، ولا في هذا التوقيت الذي ظنّت فيه — ولو لثانية — أن الأمور قد تسير لصالحها بسهولة.


أضاف بعد لحظة صمت قصيرة، بدا فيها وكأنه يمنحها الوقت لتستوعب:

«إن كان هناك عرضٌ ما، فأريدكِ أن تختاريه لأنكِ مستعدة له فعلًا، لا بسببي، ولا بسبب ما حدث أمام الجميع».


ثم مدّ يده ووضع أمامها ملفًا أنيقًا، لم يكن ثقيلًا بقدر ما كان رمزيًا. كُتب على غلافه بخطّ رسمي:

برنامج تدريب علاقات العملاء – مجموعة إمباير.


قال لها بنبرة هادئة تحمل احترامًا صريحًا لا مجاملة فيه:

«إن أردتِ التقدّم، فافعلي ذلك عبر الطريق الصحيح، وبالجهد نفسه الذي يبذله الجميع. ستدرسين، وتُقيَّمين، وتُختبرين، وقد تخطئين وتتعلمين. وإن لم تريدي، فسأحترم قرارك كاملًا، دون أي عتاب أو ضغط، ودون أن يُسجَّل عليكِ شيء».


ظلّت جيني تنظر إلى الملف طويلًا، لا تقرأ العنوان بقدر ما تقرأ ما وراءه. كانت ترى فيه فرصة حقيقية، لكنها رأت أيضًا اختبارًا أقسى من أي إهانة تعرّضت لها سابقًا. فهذا الطريق لا يحمل



وعودًا سريعة، ولا يمنح حمايةً خاصة، ولا يقدّم ضمانات. طريقٌ مكشوف، يتطلّب صبرًا طويلًا، وقدرة على تحمّل نظرات الشك، وكلمات الهمس، ومراقبة الآخرين لكل خطوة تخطوها، وكأنهم ينتظرون زلّة واحدة ليقولوا: «كنا نعلم».

تذكّرت في تلك اللحظة كل ما مرّ بها: نظرات الاستعلاء، الكلمات الجارحة، لحظة وقوفها وحدها تدافع عن رجلٍ ظنّه الجميع بلا قيمة، فقط لأنه لم يكن “مناسبًا” في نظرهم. أدركت أن هذا الاختيار ليس مجرّد قرار مهني، بل استمرار لذلك الموقف ذاته، لكن بصيغة مختلفة.


رفعت رأسها أخيرًا، واستقرّت في ملامحها طمأنينة هادئة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة رصينة، ليست ابتسامة امرأة ارتبط اسمها بالمدير التنفيذي، ولا ابتسامة من يبحث عن حماية، بل ابتسامة امرأة قررت أن تقف على قدميها وحدها، مهما طال الطريق. قالت بثباتٍ لم تكن تعلم أنها تملكه:

«سأتقدّم. لا من أجلك… بل من أجل نفسي».


ابتسم ترافيس ابتسامة مختلفة، أصدق وأعمق، بدت أشرق من أي مركز تجاري يملكه. لم تكن ابتسامة رجل ربح معركة، بل ابتسامة إنسان رأى أمامه شخصًا يختار الطريق الأصعب لأنه الطريق الأصح، ويصرّ على أن يكون نجاحه مستحقًا لا مشكوكًا فيه.


غير أن المشهد لم يكن مكتمل الصفاء.


في زاوية بعيدة من المركز التجاري، حيث تخفت الأضواء، ولا تصل الكاميرات، ولا تُسمع التصفيقات، كانت هناك عين تراقب بصمت. امرأة تقف ويداها على خصرها، ظهرها مشدود، ونظرتها جامدة كأنها تحصي الأنفاس، وتعدّ اللحظات.


إنها فيرا.


لم يكن في وجهها غضبٌ عابر، ولا دهشة مؤقتة، ولا حتى



حزن على ما فقدته. ما استقرّ في ملامحها كان شيئًا أعمق وأخطر: رغبة في الانتقام، صامتة، باردة، محسوبة. كانت تتابع كل حركة، وكل كلمة، وكل اسم يُذكر، وكأنها تجمع خيوط قصة لم تكتمل بعد، لكنها مصمّمة على أن تكتب نهايتها بيدها.

تمتمت بصوتٍ منخفض لا يكاد يُسمع، لكنه كان مشحونًا بالوعيد:

«لم ينتهِ الأمر بعد. إن ارتفعتِ اليوم، فستسقطين غدًا».


وهكذا، خلف الأضواء اللامعة للمركز التجاري، وبين الواجهات الزجاجية التي تعكس وجوهًا مبتسمة لا تقول الحقيقة كاملة، بدأت معركة جديدة في صمت. معركة لا تُخاض بالصراخ ولا بالفضائح، بل بالنوايا، وبالترصّد، وبالصبر الطويل، وبالقدرة على الثبات حين يتمنّى الآخرون أن تتعثّر.


وفي تلك الليلة، وبينما كانت جيني تسير عائدة إلى منزلها، تحمل حقيبتها بيد، وأفكارها المتشابكة باليد الأخرى، شعرت بثقلٍ غريب يتنازعها. تعب الأيام الماضية يضغط على جسدها، والذكريات تتزاحم في رأسها، لكن الأمل كان يطرق قلبها بإلحاح لم تعرفه من قبل، أملٌ لا يصرخ، بل يهمس بثبات.


راحت تتساءل في صمت: أيّهما أثقل؟ نظرات الحكم التي لا ترحم، تلك التي تلاحقها في الممرات والهمسات، أم الحقيقة التي أثبتتها بجرأة ذات يوم، حين وقفت وحدها تدافع عمّا تؤمن به، دون ضمان، ودون حماية؟


كانت تعلم شيئًا واحدًا فقط، حقيقةً لا يمكن لأحد أن ينزعها منها مهما تغيّرت الظروف أو تبدّلت الوجوه: أن الكرامة لا تُقاس بالمنصب، ولا بالوظيفة، ولا بقربك من أصحاب النفوذ، بل بالقلب الذي ينهض للدفاع عن الصواب، حتى حين يقف وحيدًا،



وحتى حين يكون الثمن غاليًا، وحتى حين يبدو الطريق أطول مما يحتمل.


 

تعليقات

التنقل السريع
    close