من فتاة منسية إلى امرأة تعلم الجميع كيف يبدأ الغد
من فتاة منسية إلى امرأة تعلم الجميع كيف يبدأ الغد
حين كان الفجر ما يزال وعدا خلف الضباب نزلت هيلينا من العربة وهي تضم إلى صدرها كيسا قماشيا. في داخله ثوبان ومعطف قديم وعمر كامل من الصمت. لم يرافقها أحد إلى مدخل المزرعة. لم يعدل أحد شعرها ولم يقل لها أحد احذري. تركت أمها رسالة قصيرة يابسة كأنها تسلم حملا هي هذه. تصلح للأعمال الشاقة. خذوها.
هكذا كانت الحياة في ذلك الزمن من أزمنة السرتاو حين كان الوجه أثمن من القلب. في فيلا براڤورا كانت العائلات تحرس الجمال كأنه ميراث وتحمي البنات الجميلات من الشمس والكد كأن العرق قد يفسد مستقبلهن. أما الأخريات فكن يرسلن حيث لا يرغب أحد في النظر. كانت هيلينا تعرف جيدا الموضع
الذي وضعها فيه العالم موضع الزائدة التي لا تلفت والتي إن غابت لا يسأل عنها أحد.
ظهرت مزرعة مونتس في آخر الطريق كأنها بلد مستقل بيت كبير وحظائر ومرعى لا ينتهي ومخزن قديم ملاصق للإسطبل من خشب داكن ورائحة تبن. إلى هناك أرسلت هيلينا لتنظيف المخزن كأن قدرها أن تكنس حياة الآخرين.
استقبلها سيفيرينو القيم بنظرة سريعة وسؤال بلا مودة ولا سخرية
أأنت الجديدة في الخدمة
نعم سيدي جئت لتنظيف المخزن قالت بخفوت دون أن ترفع عينيها كثيرا.
ابدئي من الداخل. المالك يصل اليوم. ليكن كل شيء مرتبا.
دخلت هيلينا المخزن واستنشقت بعمق. ملأت رائحة التبن حلقها لكن ما أصابها أكثر كان شيء
آخر الصمت. صمت مختلف عن صمت بيتها حيث كان الصمت عقاپا وازدراء. هنا كان سكونا فحسب. لا أحد يقيمها في كل لحظة ولا أحد ينتظر عثرتها ليشير. للمرة الأولى ولو داخل مخزن شعرت أنها موجودة بلا مقياس.
عملت تلك الصبيحة حتى احټرقت ذراعاها. وحين أخذت الشمس تميل سمعت خطوات ثابتة عند المدخل. لم تلتفت فورا اعتادت أن تصغر حين يصل المهمون.
هيلينا سأل صوت رجولي شاب لكنه قاس كالأرض اليابسة.
التفتت ببطء قابضة على المكنسة بكلتا يديها.
نعم سيدي. أنا هي.
كان كايو مونتس واقفا عند الباب. صاحب المزرعة ابن عائلة عريقة محترم ومهيب بحزمه. جسده موسوم بالشمس ونظرته نظرة من يأمر بلا صړاخ.
انتظرت هيلينا الحكم المعتاد إيماءة اشمئزاز أو عبارة تعيدها إلى مكانها. لكن كايو نظر إليها على نحو آخر لا كمن يرى وجها بل كمن يحاول قراءة ما أخفته الحياة.
ماذا قالوا لك أيضا سأل.
أن أعمل ولا أشتكي أجابت كمن يردد قاعدة قديمة.
قطب كايو جبينه.
هنا لا يأتي أحد ليعيش منحنيا. العمل موجود والاحترام كذلك. هل فهمت
تأخرت هيلينا لحظة بدت كلمة احترام غريبة.
لست معتادة على الاحترام اعترفت لكنني سأحاول.
علقت تلك الجملة في صدر كايو. غير معتادة على الاحترام كأن الاحترام ترف لغيرها.
أول تحول في حياتها بالمزرعة لم يكن عناقا ولا وعدا بل قرارا عمليا. في الليلة الثانية رأى كايو
ضوءا واهنا يرتعش
داخل المخزن فدخل. وجد هيلينا جالسة على الأرض تخيط قطعة قماش كأنها تصنع وسادة.
أتنامين هنا سأل بصرامة توحي بالڠضب.
هذا ما أمرت به وقد اعتدت.
اعتدت النوم على الأرض
ابتلعت هيلينا ريقها.
اعتدت ألا يكون لي خيار.
تنفس كايو بعمق.
غدا يجهز لك غرفة قرب المطبخ. لن تنامي في البرد بعد اليوم.
لكنني لا أريد أن أسبب إزعاجا
الإزعاج أن يترك إنسان على الأرض قاطعها. انتهى.
خفضت هيلينا نظرها لم تعرف كيف تشكر. فالشكر ينبت حيث وجد رعاية وهي لم ترع يوما. في الصباح كانت غرفة بسيطة بانتظارها سرير غطاء جرة ماء ونافذة صغيرة. وقفت طويلا تحدق في الفراش كأنه شيء مقدس. لم تكن سعادة بعد كان
ارتياحا أول إشارة إلى أن وجودها قد يهم.
مرت الأيام وبقيت هيلينا صامتة لا كبرياء بل عادة. سمعت همسا في المطبخ وشعرت بنظرات في الساحة. هي القبيحة التي أرسلت قالوا بلا قول. وذات يوم تجرأت امرأتان قرب الحظيرة
يقولون إن العائلة سلمتها لأن لا أحد يريدها.
وبهذا الوجه من يريدها
مضت هيلينا كأنها لم تسمع. لكن كايو على بعد خطوات سمع. ولم يسكت. اقترب دون رفع صوته بحزم يغلق الأفواه
في هذه المزرعة لا نقاس الناس بوجوههم. من جاءت للنميمة فلتعد إلى بيتها. هنا يبقى من يعمل ويحترم.
غادرتا محمرتين. لم تبك هيلينا لكن صدرها ارتجف. لم يدافع عنها أحد هكذا من قبل لا شفقة بل عدلا.
في تلك
الظهيرة وجدها كايو تنظف الأدوات.
لا تحملي كلماتهم على ظهرك قال.
اعتدت همست. أشياء تكف المرأة عن الإحساس بها حين تشيخ من الداخل.
هز رأسه.
لا. يعتاد المرء الصمت ونقص العناق لكن لا أحد يعتاد انعدام المحبة يتعلم فقط إخفاءه.
نظرت إليه بدهشة.
إذا أخفيته يؤلم أقل.
لا يؤلم أقل يؤلم مخبوءا والمخبوء أثقل.
منذ ذلك اليوم تغير شيء لا في وجه هيلينا بل في طريقة شغلها للمكان. لم يعد كايو يراها زائدة بل شخصا لم يكتشف نفسه بعد. وكان هذا يخيفها أكثر من أي إهانة لأن الأمل أيضا مخيف حين تعلمك الحياة أنك لا تستحقه.
اشتد العمل مع موسم معرض الماشية. وبالعادة كانت هيلينا تأكل في الأخير.
الآخرون أولا هكذا تعلمت. حتى جاء الحساب. صباحا وهي ترفع الأكياس داهمها الحر فترنح المكان وسقطت. استدعي كايو فجاء مسرعا ركع ولمس وجهها.
هيلينا هل تسمعينني
أفاقت بين ظلال وماء محلى ونظرة قلق.
منذ متى لم تأكلي جيدا سأل بلا مواربة.
كان إرهاقا
لا. الإرهاق يسقط ببطء الجوع يسقط فجأة.
أطبقت شفتيها خجلا.
لست معتادة أن أبدأ بنفسي.
هنا ستأكلين كالجميع قال. ولا جدال. إن لم تفعلي لأجلك فافعلي لعملي لن أفقد أحدا بالإهمال.
كلمة أحد هزتها. لم يقل خادمة. فهمت عندها أن الأصعب ليس السقوط بل اكتشاف أن هناك من يهتم.
ليلة بعد الجولة وجدها جالسة في المخزن تحدق في العدد كأنها تشغل يديها
لئلا ينكسر رأسها. جلس قبالتها وبينهما
فانوس.
احكي لي عن قبلك قال بلا ضغط.
تنفست
ولدت في بيت نادر فيه المديح. كانت أمي تقول إن الجمال يفتح الأبواب. أختي كانت الباب المفتوح. وأنا التي تحمل السلال وتخدم وتغادر حين تأتي الزيارات.
سكتت ثم أخرجتها دفعة واحدة
أرسلت إلى هنا لأنهم قالوا إنني لن أتزوج وإنني لا أحتاج. كان نسياني سهلا.
شد كايو فكه.
أرسلت لأنهم لم يعرفوك.
أرسلت لأنني كنت الخيار الثاني منذ ولدت.
وفي ذلك الصمت كشف كايو عن
شيء منه
تربيت على أن قيمة المزرعة في المال والهيبة ولم أسمع عن المعنى. مؤخرا أريد لهذه الأرض أن تخدم أكثر.
كيف سألت.
تردد.
أتخيل هذا المخزن مختلفا. مقاعد. أناس. تعلما.
معرفة قالت هيلينا بلا تكلف.
نظر إليها كمن
وجد مفتاحا.
نعم معرفة.
هناك بدأ القدر يدور حقا. فهيلينا التي ظنت أنها ولدت للطاعة تجرأت على التخيل. وحين يسمح المهان لنفسه أن يتخيل يهتز العالم قليلا.
في الفجر جاءت إلى المخزن بدفتر قديم. حركت الرزم فتحت النوافذ وكنست كأنها تنظف الماضي. رسمت في رأسها مقاعد وطاولة ولوحا. كانت تهمس وهي تعمل. حين وصل كايو وقف عند الباب.
ماذا تفعلين
أفسح مكانا لما رسمته وأخرجت دفترا بخططها القديمة. إن بدأنا صغيرا فلنبدأ جيدا.
شمر كايو وساعدها. لا سيدا وخادمة بل شخصين يدفعان حلما واحدا. جاءت الطاهية نايير بالطعام وقالت
إن كانت مدرسة فلتكن بطون شبعى أولا.
علقوا لوحة بيت الغد. اقشعرت هيلينا اسم بسيط كأنه كتب لها. في
الليلة الأولى حضر قلة خجولون. كتبت أهلا بخط متعرج. علم كايو الحساب ليجنب الخداع. طلبت امرأة تعلم التوقيع بدل البصمة. قالت هيلينا
توقيعك لباس كريم للورقة.
صار المخزن مستودع أمل. وتعالت الهمسات المالك جن بالقبيحة. لم تجب هيلينا. لم تعد تنام على الأرض.
جاء التحول الأكبر حين عاد كايو بعربة مغطاة ورسالة. سلمها أولا قلادة بمفتاح.
مفتاح
المفاتيح تفتح الأبواب والباب المفتوح يغير المصير.
ثم كشف غطاء العربة بيانو قديم مرمم. وضعت يدها على فمها ولمست مفتاحا فامتلأ المكان صوتا. تذكرت طفولة قيل لها فيها إن الموسيقى ليست لها.
سخروا حين قلت إنني أريد التعلم.
إذا نختار الموسيقى اليوم ونختارك معها.
فتح الظرف أوراق
تسجيل بيت الغد باسم هيلينا مديرة وشريكة بصوت مساو. تجمدت.
لماذا
لأن الفكرة كانت لي والروح لك. ولا أحد يعيش على فتات.
ارتعشت كان هذا رهبة الاتساع.
وفي اللحظة نفسها حضرت عائلتها إلى البوابة. قالت الأم بنبرة لم تخف ما فيها من دهشة ممزوجة بالمرارة
إذا صرت سيدة.
أجابت هيلينا بثبات لم تعرفه في نفسها من قبل
صرت أنا.
سألت الأخت بحسد لم تحسن تمويهه
ومن الذي دفع ثمن البيانو
تقدم كايو خطوة صوته هادئ وحاسم
ليس لها بل معها.
حاولت الأم أن تسدد الضړبة الأخيرة كمن يمسك خيطا قديما ليشده قبل أن ينقطع
كنت دائما في الركن.
تنفست هيلينا بعمق لا لتتجمل بل لتقول الحقيقة كاملة
نعم قبلت ذلك الركن طويلا. واليوم فهمت أنكم
بنيتموه داخلي. الباب هنا مفتوح للتعلم أما أنا
فلا أعود إلى الوراء.
انصرفوا بلا كلام لا لأنهم طردوا بل لأن المكان لم يعد يتسع لنسخة قديمة من الحكاية.
في تلك الليلة حين هدأ الضوء ونامت الحقول قال كايو بصوت لم يطلب تصفيقا
لا أجيد الوعود المزخرفة. أعدك بسقف واحترام وخبز ووقت تصان فيه الكلمة. لا أريدك عاملة معي بل شريكة طريق. إن كان هذا زواجا فهو ما أطلبه.
بكت هيلينا بلا خجل ولا دفاع
أقبل لكن ندا لند.
ولا أريدك ظلا قالها كأنه يقطع عهدا مع نفسه.
تزوجا ببساطة تشبه الحقيقة. جلست هيلينا إلى البيانو في مساء دافئ وكانت النغمات متعثرة لكنها صادقة موسيقى ممكنة وذلك كان المعجزة الأولى.
ثم جاءت العاصفة. ليل كثيف رعد يوقظ الخشب وريح
تجرب صلابة بيت الغد. ركض الناس واشټعل القلق وكاد المخزن يبدو هشا كقلب تعافى للتو. وحين انقشع الخطړ ظهرت الأم مبللة مذعورة بلا أقنعة
جئت لأرى إن كنت بخير خفت عليك.
أمسكت هيلينا الطباشير وكتبت على اللوح كلمة واحدة غفران. شرحتها ببطء لا كموعظة بل كطريق. قالت الأم بصوت منكسر
لا أعرف كتابتها هل تعلمينني
أمسكت هيلينا يدها وكتبت معها حرفا حرفا. خرجت الكلمة معوجة لكنها خرجت. وفهم الجميع أن بيت الغد ليس مدرسة حروف فحسب بل مدرسة وجود.
مع الوقت خفت الهمسات فحين تصير الحياة دليلا تصمت الألسنة. تعلم الناس القراءة والتوقيع والحساب وتعلموا أيضا أن يقفوا مستقيمين. كانت امرأة توقع اسمها لأول
مرة فتضحك ورجل يقرأ عقدا فلا يخدع وفتى يرفع رأسه لأنه صار يجيد السؤال. وكل سبت كانت هيلينا تعزف مقطوعتين بسيطتين وكايو يصف المقاعد كأن أعظم ثروة هي أن ترى الوجوه تزهر.
لم تتغير هيلينا فجأة كانت تعرف أن الشفاء مسار. بعض الليالي كانت تستيقظ على خوف قديم فتخرج إلى الشرفة تلمس الخشب وتعد الأنفاس. كان كايو يجلس بقربها دون أسئلة لأن الحضور أحيانا أبلغ من الكلام. وفي الصباح كانت تعود إلى اللوح تكتب درسا جديدا وتكتشف أنها تكتب نفسها من جديد.
كبر بيت الغد. صار له سقف أصلب ومكتبة صغيرة ودفاتر لا تقاس بالعدد بل بالجرأة. جاء أطفال من القرى المجاورة ثم آباؤهم. صار المخزن ملتقى تروى فيه
القصص كما تحل المسائل. وحين حاولت بعض الأصوات أن تعود إلى الغمز واللمز واجهها الواقع أرقام أوضح وجوه أهدأ وكرامة تمارس بلا ضجيج.
وذات مساء وقفت هيلينا أمام الصف وقالت
المعرفة لا ترفعنا فوق بعضنا بل تعيدنا إلى مستوى واحد مستوى الإنسان.
فهموا. لأنهم عاشوا.
وحين سئلت بعد سنوات كيف بدأ كل شيء لم تحب الزخرفة
بدأ حين أرسلت فائضا وهنا اكتشفت أنني بذرة.
وأضافت بابتسامة تعرف وزنها
والبذور لا تشبه ما يقال عنها بل ما تصير إليه.
وهكذا على طريق فيلا براڤورا ما زال من يقسم أنه حين يهد
أ الريح ويصفو الليل يسمع من مخزن مضيء صوت بيانو قديم
وضحكات رجال ونساء خرجوا من درس وهم يحملون الغد في صدورهم
غدا لا يستعار بل يبنى.


تعليقات
إرسال تعليق