خيا.نه زوجيه
خيا.نه زوجيه
فـي نقـطة التفتيـش بالمطـار سـأل الضـابط حقيبـة ميـن دي ؟زوجـي شـاور عـليا بسـرعة وقـال = دي بتاعتـها ولما فتحوها لقوا مخـد, رات واتقبـض علـيا فـي لحظـتها وهـو كـان واقـف بيتـفرج عليـا وبيبتسـم كـأنه كسـب الجـولة
كـان طابور التفتيش الأمني في مطار القاهرة الدولي يتحرك ببطء شديد وكانت دينا الشاذلي تنظر إلى ساعتها للمرة الخامسة خلال دقائق قليلة الرحلة المتجهة إلى شرم الشيخ بعد أقل من ساعتين وزوجها يوسف كان هادئا على غير عادته رغم أنه أكثر شخص يكره الانتظار نظرت إليه باستغراب=غريب عليك الهدوء ده
ابتسم يوسف وعدل نظارته الشمسية ذات الماركة وقال بثقة=
المرة دي أنا معملتش حاجة خالص انتي اللي جهزتي كل حاجة فاكرة..
كان كلامه صحيح دينا كانت تركض طوال الأسبوع بين اجتماعات عملها وتحضيرات رحلة ذكرى زواجهما يوسف كان عاطلا عن العمل منذ عام كامل ويكرر دائما أنه مرهق نفسيا ويحتاج إلى راحة
وصلا إلى جهاز الفحص ووضع كل منهما حقيبته اليدوية على السير المتحرك حقيبة يوسف كانت شبه فارغة هاتف ومحفظة فقط أما حقيبة دينا فبدت ممتلئة أكثر مما تتذكر أنها وضعت فيها
سمعوا صوتا حازما=مدام لو سمحتم على جنب
تقدمت دينا بخطوة مرتبكة فيه مشكلة، أشار موظف الأمن إلى الشاشة التي أظهرت شكلا مريبا داخل حقيبتها، الشنطه دي بتاعة مين.؟ قبل أن تنطق دينا بكلمة واحدة تراجع يوسف نصف خطوة للخلف ومد إصبعه نحوها وقال بسرعة=دي بتاعتها
نظرت إليه مذهولة=بتقول ايه…؟!
لم ينتظر الضباط النقاش فتح أحدهم الحقيبة وأخرج منها جرابا أسود اللون فتحه أمام الجميع كان بداخله لفافة محكمة من مسحوق أبيض وكيسان من حبوب مغلقة ومظروف ممتلئ بأموال نقدية شهقت دينا بصوت مرتجف…ده مش بتاعي أنا محطتش الحاجات دي…ضم يوسف ذراعيه إلى صدره ونظر إليها بابتسامة جانبية…متأكدة انتي اللي قولتي إنك كنتي مستعجلة
لم يهتم الضباط بالكلام دار أحدهم نحوها وبدأ بتلاوة حقوقها القانونية بينما أطبق الآخر القيود المعدنية الباردة حول معصميها
أنتي متهمة بحيازة مواد مخد، رة بقصد الاتجار
جف حلق دينا ونظرت إلى يوسف بعينين ممتلئتين بالصدمة
يوسف قولهم الحقيقة لكنه لم ينظر إليها…كان واقفا فقط…يراقب
ويبتسم…كما لو أن كل شيء سار تماما حسب خطته
صلي على محمد وال محمد وتابع 
لم تكن القيود التي أُغلقت حول معصمي دينا هي الأشد قسوة في تلك اللحظة، بل نظرة يوسف، تلك النظرة الباردة الواثقة، كأنه يشاهد مشهدًا أعاد تدريبه عليه مرات لا تُحصى، لا ذرة ارتباك، لا خوف، لا حتى محاولة إنكار، فقط ابتسامة خفيفة بالكاد تُرى، لكنها كانت كافية لتهدم عالمًا كاملًا بُني على سنوات من العِشرة والثقة.
اقتادوها بعيدًا عن صالة السفر، خطواتها كانت متعثرة، قدماها تتحركان لكن عقلها متوقف عند ثانية واحدة فقط، عند اللحظة التي أشار فيها يوسف بإصبعه وقال “دي بتاعتها”، كأن الكلمة خرجت منه دون وزن، دون تاريخ، دون عشر سنوات زواج، دون ليالٍ كانت تحسبه فيها أمانها الوحيد.
في غرفة التحقيق الأولى كان الهواء ثقيلاً، الجدران رمادية بلا نوافذ، الكرسي المعدني بارد، وضوء أبيض حاد مسلط على وجهها، جلست دينا تحاول استيعاب ما يحدث، أعاد الضابط السؤال بهدوء مهني لا يحمل أي تعاطف، اسمك كامل؟ وظيفتك؟ محتويات الحقيبة تخصك؟
كانت تجيب آليًا، لكن عندما وصل السؤال الأخير، شعرت أن لسانها يلتصق بحلقها، لا، مش بتاعتي، أقسم بالله، عمري ما شُفت الحاجات دي، زوجي هو اللي جهز الشنطة، هو اللي…
قاطعها الضابط بنبرة حاسمة، زوجك قال إنك انتي اللي جهزتي كل حاجة.
سقطت الكلمة عليها كصفعة، ليس لأنها جديدة، بل لأنها تأكدت، يوسف لم يكتفِ بالإشارة، بل كررها، وثّقها، ثبتها في محضر رسمي، كأنها حقيقة لا تقبل الجدل.
في تلك الليلة لم تُغلق دينا عينيها، الزنزانة كانت ضيقة، تشاركها ثلاث نساء، لكل واحدة حكاية، لكن الصمت كان سيد المكان، جلست على الأرض وظهرها للحائط، تحاول أن تسترجع كل تفصيلة في الأيام الماضية، متى دخل يوسف إلى الغرفة؟ متى لمس الحقيبة؟ لماذا أصرّ أن تكون حقيبتها هي الأكبر؟ لماذا بدا هادئًا بشكل غريب في المطار؟
كل الأسئلة كانت تتجمع في نقطة واحدة، الخيانة، لكنها لم تكن خيانة رجل لامرأته فقط، بل خيانة شريك لشريكه، خيانة إنسان لإنسان وثق به.
في الصباح، حضرت لها محامية انتدبتها النيابة، سيدة في منتصف الأربعينيات، نظراتها حادة، كلامها مباشر، الأدلة ضدك قوية، مخ’درات، أموال، شهادة زوجك، محتاجين نثبت حاجة واحدة بس، إن في حد غيرك كان له سيطرة عل’ الحقيبة.
ردت دينا بص’وت مبح’وح، هو، يوسف، هو اللي عمل كده، أنا متأكدة.
سألتها المحامية، عند’ك دليل؟ رسالة؟ تسجيل؟ شاهد؟
هزت رأسها بلا، والدموع تنساب بصمت، أنا وثقت فيه.
مر أسبوع، ثم أسبوعان، و’اسم دينا الشاذلي بدأ يتردد في محاضر رسمية، موظفة ناجحة، متهمة بحيازة مواد مخد’رة بقصد الاتجار، جريمة كفيلة بإنهاء ’حياتها المهنية والاجتماعية، في حين كان يوسف حرًا، يتحرك، يعيش، وربما يخطط.
طلبت دينا رؤيته، لم تكن تعلم لم’اذا، ربما لتصرخ، ربما لتتأكد أن ما يحدث حقيقي، جاء في الزيارة القصيرة، خلف زجاج سميك، حمل سماعة الهاتف ونظر إليها، نفس الابتسامة، لكن هذه المرة بلا تظاهر.
ليه؟ سألتها بصوت مكسور.
مال للأمام قليلًا وقال بهدو’ء صادم، عشان أعيش.
لم تفهم، عايش كنت، معايا، ف’ي بيتنا.
ضحك ضحكة قصيرة، عيشة دي؟ مديونة، شغلك سابقني، كل الناس شايفاني عاطل عايش على حساب مراته، كنت محتاج بداية جديدة.
في تلك اللحظة أدركت دينا الحقيقة كاملة، يوسف لم يفعلها بدافع لحظة، بل بدافع سنوات من الغل، من الإحساس بالنقص، من المقارنة الصامتة بينها وبينه، كان يحتاج كبش فداء، ووجدها في أقرب إنسانة.
مرت الشهور، القضية تحولت إلى معركة، المحامية استطاعت بعد جهد أن تحصل على إذن بفحص هاتف يوسف، مكالمة واحدة كانت كافية لتغيير المسار، تسجيل صوتي يتحدث فيه مع شخص مجهول عن “الشنطة” و”السفر” و”الخلاص”.
عندما واجهته النيابة بالتسجيل، انهار، ليس ندمًا، بل خوفًا، حاول الإنكار ثم التبرير، قال إنها كانت موافقة، إنها تعرف، لكن كلماته لم تصمد أمام الأدلة.
في الجلسة الأخيرة، وقفت دينا في القفص، لكنها هذه المرة كانت مرفوعة الرأس، وعندما نطق القاضي بالبراءة، شعرت أن الهواء عاد إلى رئتيها بعد شهور من الغرق.
أما يوسف، فانتقل إلى القفص الآخر، متهمًا بالخيانة الزوجية وتلفيق التهمة وحيازة مواد مخ’درة.
خرجت دينا من المحكمة إنسانة أخرى، ليست المرأة التي وثقت بلا حدود، وليست الزوجة التي ظنت أن الحب وحده يكفي، بل امرأة تعلمت أن الخطر أحيانًا لا يأتي من الغرباء، بل من أقرب الناس، من اليد التي تمسكها وتبتسم وهي تدفعك إلى الهاوية.
في المساء، وقفت على شرفة شقتها، نفس الشقة التي شهدت سنوات زواجها، نظرت إلى المدينة، شعرت بالحزن، نعم، لكن أيضًا بالقوة، فقد نجت، ولم تعد ضحية، بل شاهدة، شاهدة على أن الخيانة قد ترتدي وجه الأمان، وأن الصمت أحيانًا أخطر من العدو.
رفعت رأسها للسماء وهمست، الحمد لله، ثم أغلقت الباب خلفها، هذه المرة، إلى الأبد.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق