القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 لارا… وقصه غموض لا تنتهي




لارا… وقصه غموض لا تنتهي


أمروها أن تخلع سترتها أمام الجميع لكن القائد تجمّد حين رأى الوشم على ظهرها ولم تنته الحكاية عند تلك اللحظة لأن الصمت الذي ساد الحظيرة لم يكن صمت خوف عابر بل صمت معرفة متأخرة كأن المكان كله أدرك فجأة أنه استهان بتاريخ ثقيل كان يسير أمامه منذ دقائق دون أن يراه أحد. لارا أعادت سترتها ببطء وأغلقت السحاب حتى أعلاه وأمسكت لوح الفحص من جديد وكأنها تغلق صفحة قديمة لا تحب الرجوع إليها لكنها اعتادت أن تُفتح بالقوة كلما ظن أحدهم أنها مجرد امرأة عابرة في مكان لا يشبهها.


تحرك العميد هشام بخطوات محسوبة وأشار بيده للرقيب سامي أن يتبعه بينما انسحب العريف طارق بوجه شاحب وعينين زائغتين لم يعد فيهما شيء من الغرور الذي دخل به الحظيرة منذ ساعة فقط وكان الجنود يشيحون بنظرهم عنه لا شماتة بل خوفا من أن يصيبهم ما أصابه لأن الجميع فهم أن الخطأ هذه المرة لم يكن تقنيا ولا سلوكيا بل خطأ في الفهم وفي التقدير وفي افتراض أن السلطة تُمارس على من لا تاريخ له.


أما لارا فقد كانت قد وصلت إلى الطائرة ووضعت يدها على جسمها المعدني وأغمضت عينيها لحظة قصيرة جدا كأنها تسمع صوتا قديما لم تسمعه منذ سنوات صوت المحركات في ليل بلا أضواء صوت المروحيات وهي تهبط دون إعلان وصوت الأوامر المختصرة التي لا تقبل نقاشا ولا تترك أثرا مكتوبا. لم تكن تحن إلى تلك الأيام لكنها كانت تعرف أن جسدها ما زال يتذكرها أكثر مما تريد.


بدأت عملها بهدوء فحصت الدعامات السفلية ومررت أصابعها على الشقوق الدقيقة التي لا تراها العين غير المدربة وكانت تحرك رأسها قليلا كما لو أنها تستمع إلى الطائرة نفسها لأن المعدن حين يشيخ يتكلم لمن يفهم لغته. أحد الفنيين الشباب وقف يراقبها من بعيد ثم اقترب بحذر وسألها إن كانت تحتاج شيئا فهزت رأسها بلا وقالت له أن يمسك الضوء في زاوية محددة وحين فعل أومأت برضا خافت. لم تقل شكرا لكنها أعطته ما هو أثمن من الكلمة نظرة اعتراف صامت بأن عمله له معنى.


في الجهة الأخرى من الحظيرة كان العميد هشام يجلس في غرفة جانبية مغلقة أمامه ملف قديم بلون باهت فتحه ببطء وكأنه يخشى أن يتناثر ما بداخله من الغبار والذكريات. قرأ الاسم مرة أخرى لارا الصبّاغ ثم قرأ الرمز الذي يعرفه جيدا لأنه رآه قبل عشرين عاما على ظهر رجال لم يعودوا موجودين في أي سجل رسمي. أغلق الملف وتنهد وقال للرقيب سامي هل تعلم من هذه المرأة فأجاب سامي بصوت منخفض لا يا فندم لكني أعلم أنني أخطأت حين سمحت بما حدث. هز العميد رأسه وقال الخطأ ليس خطأك وحدك نحن ننسى أحيانا أن من خرجوا من الظل قد يعودون إليه لكنهم لا يفقدون قيمتهم أبدا.


استأذن سامي وخرج بينما بقي العميد وحده للحظة ثم ضغط زر الاتصال الداخلي وطلب من مكتب القيادة إعداد تقرير رسمي عن حادثة تجاوز الصلاحيات دون ذكر تفاصيل إضافية ثم أضاف بعد تردد قصير أوقفوا العريف طارق عن العمل مؤقتا وأعيدوا تقييمه نفسيا. أغلق الخط ونظر إلى الحائط أمامه كمن يرى صورا لا تظهر لغيره.


بعد ساعات انتهى فحص لارا وسجلت ملاحظاتها بدقة وأشارت إلى نقاط ضعف ستحتاج إلى تدعيم عاجل وسلمت التقرير للرقيب سامي الذي قرأه بعناية ثم قال بنبرة أكثر احترامًا مما بدأ به اليوم أشكرك على مهنيتك. أومأت لارا برأسها وقالت العمل عمل لا يحتاج شكرا ثم حملت صندوق أدواتها وتوجهت إلى الخارج.


كانت الشمس تميل إلى الغروب حين خرجت من القاعدة وكان الهواء أقل قسوة لكن الصحراء ما زالت تفرض صمتها. جلست في سيارتها القديمة وأغلقت الباب وبقيت للحظة دون أن تدير المحرك أراحت رأسها على المقعد وأغمضت عينيها وعاد إليها وجه آخر من الماضي وجه امرأة شابة كانت تحمل الاسم نفسه لكنها لم تكن بعد لارا التي يعرفها هذا المكان. كانت يومها في السابعة والعشرين حين وقفت لأول مرة أمام بوابة تدريب مغلقة وقيل لها إن المكان ليس للنساء وإن بعض الأبواب لا تُفتح إلا لمن وُلدوا في الجهة الصحيحة من العالم.


يومها لم تجادل كثيرا لكنها لم تنسحب بل ذهبت طريقا أطول وأصعب طريقا بلا خرائط ولا وعود. عملت وتعلمت وتدربت في الظل وشاركت في مهام لا تحمل اسما ولا علما وكانت تعود في كل مرة أقل كلاما وأكثر صمتا حتى صار الصمت لغتها الأولى. الوشم الذي رأوه اليوم لم يكن شجاعة ولا استعراضا بل كان قبرا صغيرا لأسماء سقطت في أماكن لا تُذكر ولأحداث لا يُسمح لها أن تُروى.


أدارت المحرك أخيرا وانطلقت على الطريق الطويل الذي يشق الصحراء وفي مرآة السيارة الخلفية كانت القاعدة تصغر شيئا فشيئا حتى صارت نقطة ثم اختفت. ظنت أن اليوم انتهى وأن الحكاية ستُغلق عند هذا الحد لكنها كانت تعرف في أعماقها أن بعض القصص لا تحب أن تنتهي بسهولة.


في اليوم التالي تلقت اتصالا من رقم غير مسجل انتظرت حتى يرن مرة أخرى ثم أجابت فجاءها صوت هادئ رسمي يعرف نفسه بأنه من مكتب العميد هشام ويطلب منها الحضور لاجتماع قصير. لم تسأل عن السبب ولم تبد اعتراضا فقط قالت سأكون هناك في الموعد المحدد.


عادت إلى القاعدة في الصباح التالي لكن الجو كان مختلفا لم يكن أحد يضحك بصوت عال ولم تتبعها نظرات فضول بل نظرات حذر واحترام غير معلن. دخلت غرفة الاجتماع فوجدت العميد هشام وحده واقفا قرب النافذة التفت إليها وقال اجلسي من فضلك ثم صمت لحظة قبل أن يتكلم. قال أعلم أنك لا تحبين العودة إلى هذه الأماكن وأعلم أيضا أن ما حدث أمس لم يكن يجب أن يحدث. نظرت إليه دون أن تقاطعه فقال بعد ذلك لدينا برنامج جديد لإعادة تقييم البنية الهيكلية لأسطول قديم ونحتاج شخصا لا يكتفي بالتقارير بل يفهم ما بين السطور.


سألته بهدوء هل هذا عرض أم طلب فقال هو الاثنان معا. ابتسم ابتسامة خفيفة بالكاد تُرى وقالت سأراجع التفاصيل ثم أقرر. أومأ العميد وقال هذا حقك وأخرج ملفا جديدا ووضعه على الطاولة. لم تفتحه بل وقفت وقالت سأعود إليك خلال أيام.


حين خرجت شعرت أن شيئا ثقيلا كان جاثما على صدرها بدأ يخف لم تكن تبحث عن منصب ولا اعتراف لكنها كانت تعرف أن الخبرة التي تحملها لا يجوز أن تُهدر فقط لأنها لا تناسب الصور النمطية. في طريق العودة توقفت عند مقهى صغير على أطراف المدينة وجلست في زاوية بعيدة وطلبت قهوة سوداء. نظرت إلى يديها ورأت فيهما آثار سنوات من العمل الشاق وتذكرت كل مرة قيل لها فيها إن ما تفعله مؤقت وإن مكانها الحقيقي في مكان آخر لم يحدده أحد.


في المساء فتحت الملف الذي أعطاها العميد وقرأت التفاصيل بعناية كانت المهمة معقدة والخطر فيها حقيقي لكن عقلها تحرك تلقائيا وبدأ يربط الاحتمالات ويحسب المخاطر. أغلقت الملف مع الفجر وقد اتخذت قرارها ليس بدافع الحنين ولا التحدي بل بدافع المسؤولية التي لم تتخل عنها يوما حتى حين حاول العالم أن يتخلى عنها.


بعد أسبوع عادت إلى القاعدة كعضو رسمي في فريق استشاري خاص ولم يكن في الأمر احتفال ولا إعلان فقط تغيير بسيط في مسار الأمور. العريف طارق لم يكن موجودا قيل إنه نُقل إلى وحدة أخرى بعد إعادة التأهيل وربما تعلم درسا لن ينساه. الرقيب سامي صار يتعامل معها بثقة كاملة وكثيرا ما كان يسأل رأيها في أمور تتجاوز حدود عملها لأنها كانت ترى ما لا يراه غيرها.


مرت الأشهر وبدأت نتائج عملها تظهر تحسنت كفاءة الطائرات وتقلصت الحوادث وأصبحت التقارير أدق وأصدق. لم تظهر لارا في الإعلام ولم تُذكر في البيانات الرسمية لكنها كانت تعرف أن أثرها موجود في كل رحلة آمنة وفي كل طيار يعود سالما. وفي بعض الليالي حين كانت تسير وحدها بين الحظائر الخالية وتلمس أجسام الطائرات كانت تشعر أن الأصوات القديمة تهدأ وأن الأشباح التي حملتها معها طويلا بدأت تجد مكانها أخيرا.


في أحد الأيام وقفت أمام المرآة في سكنها الصغير ونظرت إلى الوشم على ظهرها طويلا ثم غطته بملابسها وقالت بصوت خافت لنفسها لست ما كنت فقط بل ما صرت إليه. أطفأت الضوء واستلقت على السرير بلا قلق هذه المرة لأنها تعلم أن الاحترام الحقيقي لا يُنتزع بالصوت العالي ولا يُفرض بالقوة بل يُكتسب حين يضطر الآخرون إلى التوقف والنظر جيدا ثم الاعتراف.


وهكذا استمرت لارا في عملها امرأة لا تبحث عن تصفيق ولا تخاف من مواجهة ولا تحتاج أن تشرح نفسها لكل من يسيء الفهم. تعلمت أن بعض المعارك لا تُخاض بالكلمات وأن بعض الحقائق لا تظهر إلا حين يُجبرك الآخرون على كشف ظهرك فتخرج الحقيقة كاملة صامتة وثقيلة ولا يملك أحد بعدها سوى أن يصمت.


 تمت 

تعليقات

التنقل السريع
    close