قصة أحمد والعائلة
قصة أحمد والعائلة
كان أحمد يبدو في الصور كحمل وديع عينان واسعتان لا تشي إلا بالهدوء وابتسامة خجولة تلتصق بكتف أم أنهكها العمر. نشأ في بيت متواضع بدار السلام بيت بناه أبوه حجرا فوق حجر لا يعرف من الدنيا سوى العمل والعرق والصبر رجل عصامي لم يدخل مدرسة قط لكنه تعلم من الشقاء ما يكفي ليخرج أولاده إلى بر آمن. كانت الأم قلب البيت النابض تدير تفاصيله الصغيرة وتحتمل بصمت وكان الإخوة يملؤون المكان ضجيجا عاديا ضجيج الفقراء الذين يصنعون أفراحهم بأيديهم. كبر أحمد في هذا الجو درس واجتهد حتى تخرج مهندسا وفي اللحظة التي ظن فيها الجميع أن الحلم اكتمل بدأ شرخ خفي يتسلل إلى قلبه. لم يعد يرى في البيت أمانا بل قيدا ولم يعد يرى في بساطة أهله فضيلة بل عبئا. كان يريد قفزة أكبر عنوانا أرقى بابا لامعا في حي لا يعرف وجوه الجيران. وحين ضاق صدره بالمستقبل الذي يراه بطيئا توجه إلى أقرب طريق في ظنه البيت ذاته.
طلب من أبيه أن يكتب له البيت باسمه. قالها ببرود حاول أن يخفي ارتجافه. رفض الأب ليس غضبا بل دهشة تورثني وأنا حي وأمك عايشة وليك إخوات حاول أحمد أن يكسو طلبه بثوب المنطق تحدث عن تأمين المستقبل وعن الاستثمار وعن الشقة الراقية التي تفتح أبواب الفرص لكن الكلمات اصطدمت بجدار صلب اسمه العدل. تكررت المحاولات وتصلبت الإجابة. كانت الأم تنظر بينهما بعينين تترجيان الهدوء وكان البيت يشهد ليالي صامتة بعد كل جدال صمت أثقل من الشجار. ومع
الوقت تغير أحمد صار صوته أعلى ونفسه أقصر وعيناه لا تستقران. وفي داخله كان شيء ما يتكون فكرة سوداء تتغذى على الإحباط وتكبر.
جاء يوم من ديسمبر اتصل أحمد وقال إنه قادم للغداء. فرح الأب والأم أعدا الطعام كما اعتادا وضعت الأم الخبز الساخن على المائدة وتبادل الأب مع نفسه أملا صغيرا بأن الأمور ستحل. جلسوا جميعا وتبادلوا أحاديث قصيرة ثم فتح أحمد الموضوع مرة أخرى. أخرج أوراقا تحدث عن توقيع بسيط حاول أن يظهره كإجراء لا يغير شيئا. رفض الأب بشدة وتحول الهدوء إلى توتر. في إحدى الروايات داخل الحكاية يقال إن أحمد حاول استغلال بساطة أبيه وإن الشك دب في قلب الرجل فثار وفي رواية أخرى أن الجدال احتدم لأن الأب شعر بأن ابنه لم يعد يراه إلا سلما. مهما تعددت الروايات فالنقطة التي لا يختلف عليها أحد أن شيئا انكسر في تلك اللحظة. أحمد كان مستعدا. لم تكن الفكرة وليدة ثانية. كان قد هيأ نفسه لسيناريو الرفض وهيأ معه وسيلة لا رجعة بعدها.
حين ارتفع الصوت واشتعل الجدال مد أحمد يده إلى ما لم يكن ينبغي أن يكون في بيت كهذا. لحظة واحدة اختلط فيها الغضب بالخوف بالطموح المشوه لحظة قصيرة لكنها كانت أطول من العمر كله. دوى الصوت وسقط الأب وتجمد المكان. الأم صرخت صرخة خرجت من عمق الروح والإخوة اندفعوا لكن الزمن كان قد قال كلمته. لم يكن في البيت إلا ذهول كثيف وندم لم يجد طريقه بعد. أحمد نفسه بدا وكأنه استيقظ فجأة من حلم أسود
لكن الاستيقاظ جاء متأخرا.
ما تلا ذلك كان سلسلة من الإجراءات الباردة التي لا تعرف الدموع. سيارات أسئلة أوراق قاعات. صورة الشاب الوديع انتشرت ومعها صورة الأم التي فقدت زوجها وابنها معا في لحظة واحدة. تحولت الحكاية إلى حديث الناس كل يضيف تفسيرا كل يقتطع جزءا يناسب فكرته عن الطمع أو العقوق أو فشل التربية. في أروقة العدالة صارت الأوراق أثقل من الكلمات وحين أحيل الملف إلى المفتي أدرك الجميع أن القصة خرجت من كونها مأساة بيت إلى مصير يقرره ميزان لا يميل للعاطفة.
وفي الزنزانة حيث يضيق الليل جلس أحمد وحيدا. لا بيت يملكه ولا مستقبل ينتظره كما تخيل فقط أسئلة تنهشه متى تحول الحلم إلى وحش ومتى صار البيت الذي بناه الأب بعرقه سببا لضياع الجميع كان يسمع في ذاكرته صوت المائدة رائحة الغداء ونظرة الأم قبل أن ينفجر كل شيء. هناك فهم متأخرا أن الأمان الذي كان يبحث عنه لم يكن في عقد ولا في حي راق بل في ذلك الرفض العادل الذي لو قبله لنجا الجميع. هكذا انتهت الحكاية كما بدأت صورة شاب هادئ تخفي وراءها عاصفة وبيت بسيط علم أبناءه كل شيء إلا كيف ينجون من أنفسهم.
لم ينته كل شيء عند باب الزنزانة كما تخيل أحمد فالأبواب التي تغلق على الحديد لا تغلق على الذاكرة والليل هناك أطول من أي ليل عرفه من قبل. كان الوقت يتحرك ببطء ثقيل كل دقيقة تشبه محاكمة جديدة وكل صمت يفتح بابا لصوت قديم. رأى أباه كما كان في الصباحات الأولى يخرج
إلى العمل بملابس متواضعة يعود متعبا لكنه لا ينسى أن يربت على كتف ابنه سمع ضحكته وهو يحكي حكايات عن تعب السنين وشعر بيده الخشنة حين كانت تمسك بيده الصغيرة لتعلمه المشي. تلك اليد نفسها التي سقطت في ذلك اليوم وتلك الضحكة التي انطفأت. حاول أحمد أن يهرب إلى النوم لكن النوم كان قاسيا يأتي على هيئة كوابيس تعيد المشهد بلا رحمة المائدة الأوراق الصوت الصرخة ثم الصمت.
في الخارج كانت الأم تمشي كظل مكسور. فقدت زوجها الذي كان سندها وفقدت ابنها الذي ربته حتى وهو حي صار بعيدا كالميت. لم تعد قادرة على البكاء كما يجب جفت الدموع وبقي الوجع. كانت تذهب وتعود بين البيوت والمحاكم تحمل صورة زوجها في قلبها وصورة ابنها في عينيها وكلما سألها أحد إزاي حصل كده كانت تهز رأسها فقط لأنها لم تعد تملك جوابا ينقذها من نفسها. الإخوة تفرقوا بين الغضب والحزن بعضهم لم يعد ينطق باسم أحمد وبعضهم كان يذكره في صلاته على استحياء كأن الدعاء نفسه يخجل.
ومع تداول القضية بدأ الناس ينسجون رواياتهم. من قال إن الطمع أعمى قلبه ومن قال إن الغربة عن الجذور تصنع وحوشا هادئة ومن قال إن الفقر حين يلامس الحلم قد يلد جنونا. لكن الحقيقة كانت أبسط وأقسى سلسلة اختيارات صغيرة تنازل هنا صمت هناك حتى وصل الجميع إلى لحظة لم يعد فيها مجال للتراجع. وفي قاعة الانتظار حين سمع أحمد أن الأوراق تحولت شعر بثقل لم يعرفه من قبل. لم يعد الأمر مجرد خوف من حكم
بل مواجهة
مع معنى ما فعله. لأول مرة تمنى لو عاد به الزمن إلى أول مرة سمع فيها كلمة لا من أبيه ليتعلم قبولها.
مرت أيام وبدأ أحمد يكتب. لم يكن يعرف لماذا ربما ليحتمي بالكلمات من الجنون. كتب لأمه رسالة طويلة لم يطلب فيها الغفران لأنه شعر أنه لا يستحقه لكنه قال لها إنه فهم أخيرا ما كانت تقوله عن القناعة عن أن البيت ليس جدرانا بل قلوب. كتب أنه لو خرج يوما سيخرج إنسانا آخر وإن لم يخرج فليكن ما كتبه شاهدا على ندم لا يغير الماضي لكنه يعترف به. لم يعرف إن كانت الرسالة ستصل ولم يعرف إن كانت أمه قادرة على قراءتها لكنه كتب.
وفي جلسة لاحقة حين وقف يسمع الكلمات الرسمية الباردة شعر بأن العالم كله يتقلص إلى نقطة واحدة في صدره. لم يعد يرى القاعة ولا الوجوه كان يرى فقط ذلك اليوم من ديسمبر ويرى نفسه واقفا على حافة قرار واحد. فهم متأخرا أن المستقبل لا يؤمن بسرقة الحاضر وأن الارتقاء الذي لا يحترم من سبقوه سقوط مؤجل. وحين انتهى كل شيء وعاد إلى مكانه لم يكن في داخله صراخ كان هناك فراغ واسع لكنه فراغ صادق.
أما البيت في دار السلام فبقي واقفا. الجدران التي شهدت التعب شهدت المأساة لكنها لم تسقط. كانت الأم تفتح النوافذ كل صباح يدخل الهواء كأنها تصر على أن الحياة لا تتوقف حتى وإن انكسرت. في بعض الليالي كانت تضع طبقا إضافيا على المائدة ثم تتذكر فتسحبه بهدوء. تعلمت أن تعيش مع الذكرى لا ضدها
وأن تحول الألم إلى صلاة طويلة. هكذا استمرت الحكاية بعد أن ظن الجميع أنها انتهت شاب دفع ثمن لحظة أب ترك إرثا من القيم لا من العقود وأم تعلمت أن أقسى الفقد هو الذي يأتي من الداخل. وفي مكان ما بين القضبان والبيوت المفتوحة ظل السؤال معلقا لو عاد الزمن دقيقة واحدة هل كان يكفي أن يقول أحدهم كلمة مختلفة
لم تكن الأيام التي تلت أثقل الأحكام هي الأصعب بل تلك التي سبقتها حين كان الانتظار يلتهم الأعصاب ببطء مقصود. الانتظار يجعل الإنسان يواجه نفسه بلا أقنعة وأحمد هناك واجه كل شيء دفعة واحدة. بدأ يسمع حكايات الآخرين كل يحمل خطيئته على كتفيه وكل يبررها بطريقته لكنه كان يعرف في قرارة نفسه أن لا تبرير هنا. كان ينهض قبل الفجر يجلس إلى الحائط البارد ويستعيد التفاصيل الصغيرة التي أهملها يوما كيف كان أبوه يضع الخبز في كيس ورقي بعناية كأنه كنز كيف كانت أمه تخيط أزرار قميصه قبل الامتحانات وتقول له ربنا يفتحها في وشك وكيف كان البيت يضيق بهم لكنه يتسع بالمودة. أدرك فجأة أن ما كان يراه ضيقا كان في الحقيقة احتواء وأن ما كان يراه بساطة كان حكمة.
في أحد الأيام جاءه خبر أن أمه حاولت زيارته ثم عادت من منتصف الطريق. لم تستطع. لم يكن الضعف هو السبب بل القوة المكسورة تلك التي تخشى أن ترى ابنها فتنهار أو تراه فتسامحه قبل أن تسامح نفسها. ظل أحمد تلك الليلة ممسكا بالهواء كمن يحاول الإمساك
بيد غائبة. كتب مرة أخرى لكن هذه المرة كتب لنفسه عن ذلك الصبي الذي كان يحلم بلا حساب وعن الرجل الذي ظن أن الأوراق تصنع الأمان. كتب عن اللحظة التي اختلط فيها الطموح بالخوف وكيف يمكن للخوف حين يقنع صاحبه أنه محق أن يقوده إلى الهاوية.
في الخارج كانت الحياة تمضي بعناد. الجيران الذين كانوا يسلمون صباحا صاروا يكتفون بإيماءة وبعضهم أغلق الباب في وجه الذكريات وبعضهم فتحه على الفضول. انتشرت القصص تغيرت اللهجات لكن الحقيقة ظلت واحدة في قلب الأم. كانت تجلس ليلا إلى صور قديمة تمسح الغبار عن إطار خشبي وتتذكر كيف كانت تفرح بتفوق أحمد وكيف كانت ترفع رأسها بين الناس وتقول ده مهندس. لم تلعنه ولم تبرره فقط كانت تسأل الله أن يربط على قلبها. تعلمت أن الغفران ليس قرارا سريعا بل طريق طويل مليء بالحجارة.
مرت الشهور وتحول الصمت إلى رفيق. أحمد بدأ يقرأ أي شيء يصل إليه. قرأ عن العدل وعن معنى المسؤولية وعن أن القوة الحقيقية ليست في فرض الإرادة بل في كبحها. كان يراقب نفسه وهو يتغير ببطء لا لأنه يريد النجاة بل لأنه لم يعد يحتمل أن يبقى كما كان. في إحدى الجلسات سمح له بالكلام لم يلق خطابا لم يستعرض حججا قال فقط جملة واحدة خرجت من عمق منهك أنا خنت البيت اللي رباني. لم تكن الجملة كافية لتعيد ما ضاع لكنها كانت كافية لتكسر آخر جدار من الإنكار.
البيت في دار السلام ظل شاهدا. لم يبع لم يكتب
باسم أحد بقي كما هو كأن الجدران رفضت أن تكون جزءا من صفقة. الإخوة عادوا إليه في المناسبات يجلسون في الصالة نفسها يضحكون بحذر ثم يصمتون فجأة حين تمر ذكرى. تعلموا أن الفقد لا يلغى بل يدار. صاروا أكثر حرصا على بعضهم وأكثر حساسية لكلمة قد تشعل ما خمد. أدركوا أن العدالة داخل البيت تبدأ قبل أي قانون وأن الصراحة المبكرة قد تنقذ أعمارا.
وفي ليلة شتوية زارت الأم أحمد أخيرا. لم تقل الكثير. جلست نظرت إليه طويلا ثم قالت بصوت متعب أبوك كان دايما يقول إن الغلط الكبير يبدأ بفكرة صغيرة. لم تضف شيئا. قامت وغادرت. تلك الجملة كانت أثقل من أي حكم لأنها أعادت ترتيب كل شيء في رأسه. فهم أن الفكرة الصغيرة التي سمح لها أن تكبر هي التي قادته إلى هنا وأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من مراقبة الأفكار قبل أن تتحول إلى أفعال.
انتهت الزيارة لكن أثرها بقي. أحمد لم يعد يحلم بالحي الراقي ولا بالباب اللامع. صار يحلم بيوم عادي بعمل شريف بكوب شاي مع أم تبتسم دون وجع. حلم بسيط لكنه صار يعرف ثمنه. هكذا امتدت الحكاية أطول مما ظن الجميع لم تكن عن جريمة فقط بل عن بيت تزعزع حين ضاعت البوصلة وعن إنسان اكتشف متأخرا أن الطريق الأقصر إلى الأمان هو الصبر وأن القفز فوق من رباك ليس تقدما بل سقوطا. وبقي السؤال معلقا في الهواء لا ليدان به أحد بل ليحذر به الجميع كم فكرة صغيرة نتركها تكبر في صمت ونحن نظن أننا نسيطر عليها


تعليقات
إرسال تعليق