القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 عندما طردوني أبنائي




عندما طردوني أبنائي




لم تكن السيدة أميليا يوما ممن يرفعون أصواتهم. فقد تعلمت منذ صغرها أن الحياة تقوم على الصبر وعلى الأيدي العاملة وعلى إيمان صامت لا يحتاج إلى تصفيق. كانت أرملة منذ سنوات طويلة تخيط ثياب الآخرين حتى تتخشب أصابعها وتغسل الساحات وهي منحنية الظهر وتكوي قمصان الناس بينما كان بخار المكواة في بيتها يمتزج بزفراتها الثقيلة. ومع ذلك لم تقل يوما يا لبؤسي. بل كانت تردد دائما ما دامت ابنتي بخير فكل شيء يستحق العناء.

نشأت كارلا ابنتها الوحيدة بين المقصات والخيوط وبين تضحيات لا تظهر في الصور. حرمت أميليا نفسها من الملابس الجديدة ومن الطعام الأفضل ومن الراحة كي تدرس كارلا وكي تنتعل حذاء سليما وكي لا تشعر يوما أنها أقل من غيرها. غير أن الحب لا يرد دائما كما نتخيل. فقد أصبحت كارلا متعجلة قاسية ومع مرور السنوات غلب عليها الغرور. من أولئك الذين يعتقدون أن الحياة مدينة لهم وأن عاطفة الآخرين واجب مفروض لا هدية تمنح.

ومع ذلك أرادت أميليا أن تبقى قريبة. لا بدافع الحاجة بل بدافع ذلك النوع من الحب الذي لا يعرف كيف ينسحب. وعندما تزوجت كارلا من ساندرو وهو رجل بارد قليل الكلام كثير النظرات انتقلت أميليا للعيش معهما لفترة مؤقتة كما قالوا في


البداية. لكن تلك الفترة تحولت إلى عادة. كانت أميليا تطبخ وتنظف وتطوي الملابس وتعتني بالصغير صامويل الطفل البالغ من العمر أحد عشر عاما والذي كان الشيء الوحيد اللطيف في ذلك البيت الذي بدا كل ما فيه حاد الحواف.

كان الأمر مختلفا مع صامويل. كان يبحث عنها في صمت كأنه يعلم أن في ذلك المتجعد ملجأ آمنا. كان يجلس إلى جوارها وهي تخيط يستمع إلى حكايات عن زمن كانت فيه المدينة أصغر يضحك على نكات بسيطة ويتلقى قطعة من الكعك كأنها أفخر حلوى في العالم. وكانت أميليا تردد في داخلها من أجله يستحق الأمر. وحتى عندما كانت كارلا تؤذيها بالكلمات وعندما كان ساندرو يعاملها كقطعة أثاث قديمة كان صامويل يذكرها بأنها ما زالت إنسانة وأنها ما زالت ذات قيمة.

لكن هناك لحظة يتعب فيها المرء من طلب الإذن ليكون موجودا.

في تلك الظهيرة كان الصمت في البيت غريبا. لم يكن سلاما بل توترا مكبوتا كحبل مشدود قد ينقطع في أي لحظة. كانت أميليا في المطبخ تقلب الأرز بملعقة خشبية. كانت الرائحة متواضعة رائحة طعام بسيط رائحة بيت. تحركت يداها الموشومتان بسنوات التعب بحذر كأن ذلك الفعل المتكرر هو آخر ما يربطها بقيمتها.

في غرفة الجلوس كانت كارلا ممددة على الأريكة تمرر إصبعها


على هاتفها بعينين متبرمتين كأن كل ما حولها عبء ثقيل. أما ساندرو فقد رفع قدميه على الطاولة يحدق في التلفاز بوجه متجهم كأن العالم بأسره مدين له بالصمت.

كانت أميليا تحاول ألا تصدر صوتا. تحاول أن تكون غير مرئية. لكن حتى الاختفاء أحيانا يصبح عبئا.

قالت كارلا بنبرة ضيق 

أمي هل يمكنك التوقف عن ضرب الملعقة هكذا هذا الصوت يثير أعصابي.

خفضت أميليا رأسها كأن الملعقة كانت جريمة.

عذرا يا ابنتي لم أنتبه.

قاطعتها كارلا 

دائما الأمر نفسه. دائما تزعجين.

لم يلتفت ساندرو حتى.

كارلا على حق. أمك قدمت ما لديها. الآن تعيق أكثر مما تفيد.

اشتعلت العبارة في داخل أميليا. لم تكن ضربة في الجسد بل طعنة بطيئة في الكرامة. عضت على شفتيها بحثت عن شيء تنظفه كي لا تبكي رتبت قطعة قماش وسوت فنجانا كأن ترتيب الأشياء قد يرتب الألم.

وفي تلك اللحظة وكأن القدر قرر التدخل انزلق الكأس من يدها. سقط على الأرض وتحطم إلى شظايا بصوت حاد شق الهواء كصرخة.

قفزت كارلا واقفة 

مرة أخرى يا أمي! بالله عليك! ألا تستطيعين حتى إمساك كأس

ظهر صامويل عند باب المطبخ ساكنا بعينين واسعتين. نظر إلى الزجاج المتناثر ثم إلى وجه جدته. انحنت أميليا لتجمع القطع لكن كارلا


اندفعت وانتزعت منها الممسحة.

كفى! صرخت كارلا كأنها تريد أن يسمعها العالم لم أعد أحتمل! أنت لا تجلبين سوى المتاعب! عليك أن تفهمي أخيرا أنت لا تنفعين لشيء!

تمتم ساندرو ببرود 

لقد حان الوقت.

تجمدت أميليا في مكانها. لا خوفا بل خجلا. حزنا. ذلك الإحساس بأن الحياة تدفعك إلى زاوية وتتركك هناك بلا هواء. بحثت بعينيها عن صامويل. كان يكتم دموعه ويداه ترتجفان وتقدم خطوة نحوها.

جدتي همس.

لكن كارلا أمسكت بذراعه بقسوة.

لا يا صامويل. هي سترحل. الآن.

نهضت أميليا ببطء كمن يحمل عمرا كاملا على كتفيه. لم تصرخ. لم تتوسل. لم تذكر كارلا بكل الليالي التي لم تنم فيها ولا بكل الوجبات التي حرمت نفسها منها ولا بكل المرات التي اختارت فيها ابنتها على حساب نفسها. دخلت الغرفة أخذت كيسا فيه القليل مما تملك وحقيبة فيها ملابس مطوية بعناية ثم عادت إلى غرفة الجلوس.

نظرت إلى كارلا للمرة الأخيرة. لم تكن نظرة كراهية بل نظرة وداع ذلك النوع من الوداع الذي يؤلم لأنه لا يعرف إن كان هناك عودة.

عندما خرجت من الباب ضرب وجهها هواء الليل البارد. كان الشارع شبه خال تضيئه مصابيح خافتة. مشت أميليا بلا وجهة والحقيبة تثقل كتفيها شاعرة بأن كل خطوة لا تبعدها عن بيت فحسب بل عن فكرة

 


 


فكرة أن الحب يجد دائما مكانا.

جلست على مقعد في ساحة عامة ترتجف. جفف الهواء دموعها قبل أن تسقط. رفعت عينيها إلى السماء المظلمة تبحث عن إجابة لكن السماء لم تتكلم. كانت هناك فقط واسعة وبعيدة.

أأنت السيدة أميليا صوت ناعم متفاجئ مليء بالاهتمام.

التفتت فرأت دالڤا الجارة من الجهة المقابلة تحمل أكياسا من المتجر وملامح القلق على وجهها.

ماذا تفعلين هنا وحدك في هذا الوقت

ابتلعت أميليا ريقها.

ليس لدي مكان أذهب إليه.

وضعت دالڤا الأكياس على المقعد كأنها أخف من تلك الجملة وأمسكت بيديها.

إذن ستأتين معي. لا نقاش. لا أحد لا أحد يبيت في الشارع.

كان بيت دالڤا صغيرا جدرانه بالية لكنه مضاء بدفء . تفوح منه رائحة القهوة الطازجة وكعك الذرة. لم يكن هناك ترف كان هناك ما هو أفضل احترام. قدمت لها دالڤا شايا وجلست إلى جوارها دون استعجال.

حدثيني يا أميليا ماذا حدث

وتكلمت أميليا. بين رشفات وبين صمت وبين توقفات قالت أكثر مما تستطيع الكلمات قوله. تحدثت عن الاحتقار عن العيون التي تخترقها كأنها غير موجودة عن ذراع صامويل الممسوك بالقوة وعن عبارة لا تنفعين لشيء التي ما زالت تصدح في صدرها.

لم تقاطعها دالڤا. كانت فقط تضغط على يدها أحيانا كأنها تقول أنت لست وحدك.

وعندما انتهت الحكاية


ظلت أميليا تنظر إلى الأرض. ثم قالت بصوت منخفض كمن يعترف بسر ثقيل 

لقد ادخرت مالا طوال حياتي.

رمشت دالڤا بدهشة.

مالا

أومأت أميليا بلا فخر ولا مباهاة بل بتعب.

مليونا دولار.

فتحت دالڤا فمها لكن لم يخرج حكم ولا طلب ولا فضول. فقط دهشة وحزن لأنها فهمت شيئا أحيانا لا تخفى الثروة طمعا بل خوفا من أن يستغل صاحبها وخوفا من أن يتحول الحب إلى مصلحة.

لم أخبر كارلا أبدا تابعت أميليا كنت أريد أن أساعد يوما ما. لكنني الآن أفهم أن ليس الجميع يستحق المساعدة بالطريقة نفسها. وأنا أعرف ماذا سأفعل بهذا المال.

نظرت إليها دالڤا باحترام.

ماذا ستفعلين

تنفست أميليا بعمق وللمرة الأولى تلك الليلة ابتسمت ابتسامة صغيرة حازمة.

سأساعد من نظر إلي في عيني.

ومضت الأيام التالية هادئة على أميليا كما لم تتذكر من قبل. عاملتها دالڤا كأخت كبرى. كانت تطهو لها وتغطيها ببطانية حين يتسلل البرد وتحدثها عن أمور بسيطة المطر الجارة الثرثارة مسلسل العصر. وكانت أميليا في المقابل تساعد بما تستطيع تخيط ثنية تغسل طبقا تصلح زرا. وببطء لم تعد الحزن حفرة بل جرحا لا ينزف كثيرا.

في إحدى الأمسيات أمسكت أميليا بيد دالڤا.

أريد مساعدتك أنت أيضا. أنت وزوجك عاملتماني بكرامة دائما. أريد ترميم هذا البيت


ودفع ثمن أدوية دون جواو ومنحك بعض الطمأنينة.

بدأت دالڤا تهز رأسها باكية.

لا لا أستطيع

أوقفتها أميليا بحزم لطيف.

هذا ليس إحسانا. هذا امتنان. ولا أحد سيحرمني حق الشكر.

بعد ذلك بوقت قصير انتقلت أميليا إلى دار للمسنين. لم يكن مكانا فاخرا لكنه نظيف ومشرق وله حديقة تفوح منها رائحة الزهور والخبز المحمص. هناك كانوا ينادونها باسمها. هناك كانوا يقولون لها صباح الخير. هناك كانوا يسألونها كيف تشعرين. وكان هذا السؤال البسيط أغلى من أي أريكة فاخرة.

قدمت أميليا تبرعا كبيرا للدار دون ضجيج لتحسين الغرف وشراء الأدوية وزراعة مزيد من الأشجار. تغيرت الجدران ودبت الحياة في المكان. أولئك المسنون الذين كانوا يمشون كأشباح صاروا يبتسمون وكأن أحدهم أعاد إليهم جزءا من شبابهم.

لكن أميليا لم تنس صامويل.

في أحد الأسابيع جاء الطفل يحمل رسما مطويا بعناية. كان متوترا يلتفت خلفه كأنه يخشى أن يوبخ لأنه دخل.

جدتي رسمتك في الحديقة مع الزهور.

أمسكت أميليا الورقة واغرورقت عيناها. كمن يتمسك بشيء حقيقي.

يا صغيري يا صامويل.

جلسا على مقعد تحت الظل وتحدثت معه كما تقال الكلمات التي تغير حياة.

اسمعني جيدا قالت وهي تمسك بيديه لدي مال مدخر. كثير. لكن المال ليس الأهم. أريدك أن تستخدمه عندما


تبلغ الثامنة عشرة.

فتح صامويل عينيه بحيرة.

وأمي

زفرت أميليا بحزن بلا كراهية.

أمك تحتاج أن تتعلم شيئا لم يتعلمه أحد لها أن الاحترام لا يشترى. ستكبر وأنت تفهم هذا. وإن امتلكت يوما الكثير فليكن للخير لا للتعالي.

ابتلع صامويل ريقه ونظر إلى جدته كأنه يراها لأول مرة بقوتها.

أعدك أنني لن أسيء إليك أبدا همس أبدا.

ربتت أميليا على شعره.

أعلم ذلك يا حبيبي. أعلم.

كالعادة انتشر الخبر في المدينة همسا. هل سمعت أم كارلا قدمت تبرعا ضخما لدار المسنين. يقولون إنه مبلغ هائل. سمعت كارلا هذه الأحاديث في السوق وهي تختار الفاكهة وشعرت بأن جسدها يتجمد.

كيف مال أمها تلك التي كانت تعد العملات لشراء الخبز

لم تنم تلك الليلة. اختلطت الصور في ذهنها أميليا بثيابها القديمة أميليا تنظف أميليا تعتذر عن وجودها. وفوق كل ذلك سؤال يحرق هل أخفت عني شيئا طوال هذا الوقت

في اليوم التالي ذهبت كارلا إلى الدار. مشت وهي تحمل كبرياءها لكن قلبها كان يخفق بسرعة. عندما دخلت رأت الزهور في الحديقة والمسنين يضحكون تحت شجرة وموسيقى هادئة تنبعث من ممر. كان المكان بسيطا لكن فيه سلام. وشعرت كارلا لأول مرة أن السلام ربما كان ما تبحث عنه أمها دائما.

قادتها الموظفة إلى الحديقة.

كانت أميليا هناك. جالسة على مقعد كتاب في حجرها ونظارة على طرف أنفها. كان

 


 

شعرها الأبيض يلمع تحت الشمس وملامحها هادئة. توقفت كارلا في مكانها كأن هذا الهدوء يرهبها أكثر من أي صراخ.

أمي

رفعت أميليا نظرها بلا عجلة.

مرحبا يا كارلا.

ابتلعت كارلا مشاعرها وقالت ما جاءت لأجله 

سمعت أشياء عن مال عن تبرعات. هل هذا صحيح

أغلقت أميليا الكتاب بهدوء.

نعم. استخدمت ما أملك لمساعدة من عاملوني باحترام.

تجهم وجه كارلا.

كيف كان لديك مال ولم تخبرينا ولم تساعدينا

نظرت أميليا إليها بثبات لم تعهده كارلا.

ساعدتك طوال حياتي يا ابنتي. بوقتي. بحبي. بحضوري. لكنك لم تريدي ذلك. أردت أن أختفي حتى ذكرك المال بوجودي.

هذا ليس عدلا. هذا المال من حق العائلة. لي حق فيه.

مالت أميليا قليلا إلى الأمام وقالت بهدوء صلب 

ما يخص العائلة هو الاحترام. وهذا الحق فقدته يوم قلت لي إنني لا أنفع لشيء.

فتحت كارلا فمها لكنها لم تجد كلمة. عندها قالت أميليا ما كان لا بد أن يقال 

كل ما سيبقى سيكون لصامويل عندما يبلغ الثامنة عشرة. وحتى ذلك الحين فليكبر وهو يتعلم ما نسيته أنت.

كان صامويل قريبا فتقدم وأمسك بيد جدته. لم يتكلم. وكان ذلك كافيا. شعرت كارلا بحرارة الخجل تصعد إلى عنقها. نظرت إلى ابنها ورأت للمرة الأولى مسافة في عينيه. ليست مسافة جسدية بل مسافة قيم.

غادرت كارلا الحديقة متعثرة الخطى. في الخارج كان العالم كما هو لكن في داخلها


شيء انكسر حقا. ليس كأسا بل ما هو أعمق.

ومع مرور الوقت عاشت أميليا بسلام لم تكن تتخيل يوما أنها ستتذوقه. سلام لا تصنعه الأموال ولا يشتريه الأثاث الفاخر بل يولد حين يتوقف الإنسان عن إثبات نفسه لمن لا يرى قيمته. صارت صباحاتها تبدأ بهدوء بسيط نافذة تفتح على ضوء لطيف فنجان شاي دافئ وخطوات بطيئة في الحديقة كأنها تعيد التعرف إلى الحياة من جديد. كانت تساعد المسنين واحدا واحدا تمسك يد هذا حين تضعف ساقاه وتقرأ لذاك رسالة من ابنه لأن عينيه لم تعدا تسعفانه وتربت على كتف امرأة أنهكها الحنين وهي تبتسم ابتسامة مرتجفة.

ثم عادت الخياطة تلك الصديقة القديمة التي لم تخذلها يوما. فتحت علبة صغيرة لاحتفاظها بالإبر والخيوط وكأنها تفتح صندوق عمرها كله. كانت تعلم من ترغب من النزيلات كيف يصلحن ثوبا ممزقا وكيف يصنعن من قطعة قماش بسيطة شيئا يليق بهن. ومع الإبرة كانت تمرر طمأنينة غير مرئية تقول لهن إن كل شيء قابل للإصلاح حتى لو بدا ممزقا أكثر مما ينبغي. وفي أمسيات طويلة حين تهدأ الأصوات وتخف الأضواء كانت تحكي قصصا صغيرة عن مدينة قديمة عن أحياء كانت تعرف بعضها عن أمهات كن يضحكن رغم التعب وعن تفاصيل لا تذكر في الأخبار لكنها تصنع حياة كاملة. وكان المستمعون يصمتون كما يصمت المرء أمام شيء يلمسه في القلب.

وكلما سألها أحدهم لماذا تفعلين كل هذا كانت تبتسم


ابتسامة ساكنة كأنها تجيب عن سؤال تأخر كثيرا ثم تقول 

لأن الحياة تصبح أخف حين نتعلم تقدير ما يهم حقا وحين نكف عن حمل ما لا يستحق أن نحمله.

ومع الأيام صار وجود أميليا في الدار أشبه بمصباح صغير لا يبهرك لكنه يجعلك ترى. كانت تمر على الغرف وتسأل هل تحتاج شيئا لا كواجب وظيفي بل كإنسان يتذكر جيدا كيف يكون المرء غير مرئي. كانت تعرف أن السؤال البسيط قد يرفع عن الروح نصف ثقلها. وحين كانت تسمع ضحكة في الممر تبتسم في سرها وتقول ها أنا أسمع الحياة مرة أخرى.

وفي عيد ميلاد صامويل أرادت أن تصنع له ذكرى لا تشبه ذكريات الوجع. نظمت احتفالا صغيرا في الحديقة كعكة بسيطة لكنها طازجة بالونات علقتها بيدها على غصن شجرة وأكواب ملونة رتبتها بعناية كأنها ترتب مستقبلا صغيرا. لم يكن هناك إسراف ولا صخب لكن كان هناك دفء حقيقي. جاء صامويل مترددا في البداية ثم ما لبث أن اقترب وركض نحوها كما لو أنه كان يبحث عنها منذ زمن. لا تشبه قوة طفل فقط بل قوة قلب تعلم سريعا الفرق بين من يحبك ومن يعتادك.

همست له 

لا تقس الناس بما يملكون بل بكيفية معاملتهم لمن يحبون فاليد التي تطمئنك في الخوف أثمن من كل ما يلمع.

كان صامويل يحدق في وجهها بعينين تلمعان. لم يعد طفلا بسيطا كما كان كانت هناك طبقة جديدة في نظرته طبقة فهم لا تمنحها الكتب وحدها. أومأ بصمت كأن هذه


الكلمات أصبحت عهدا داخله. وبدا نضجه كأنه لم يأت من العمر بل من جراح شاهدها ولم يستطع منعها ومن لحظات فهم فيها أن القسوة قد تأتي من أقرب الناس وأن الرحمة قد تأتي من حيث لا تتوقع.

وفي تلك الأمسية حين تلونت السماء بالبرتقالي وجلست الشمس تميل في الأفق كأنها تودع اليوم ببطء جلست أميليا وحدها على المقعد. شعرت بالهواء يحرك شعرها الأبيض برفق يشبه يدا حنونة. أغمضت عينيها وفكرت بلا ضغينة الحياة تعلم أحيانا تتأخر لكنها تعلم. لم تكن تبكي ولم تكن تضحك كانت فقط تنصت لطمأنينة صغيرة تنمو في داخلها طمأنينة تقول لها إن الكرامة ليست شيئا يعطى بل شيء يستعاد.

فثمة من يستهين بالبسيط حتى يكتشف يوما أن البسيط كان أثمن ما يملك

كلمة احترام سؤال صادق لا يجرح وبيت لا يشعرك أنك ضيف ثقيل. وحين يريدون العودة لا يعود الأمر بابا ولا بيتا ولا مالا بل مسألة كرامة. مسألة كيف ترمم ما كسر في القلب وكيف تعيد الاعتبار لمن أهين وهو صامت. وبعض الكسور لا تصلحها الأعذار المتأخرة لأن العذر لا يمحو أثر لحظة واحدة قيل فيها للإنسان أنت لا تنفع لشيء.

وإن حركت هذه القصة شيئا في داخلك فتوقف لحظة واسأل نفسك هل رأيت يوما شخصا يخسر إنسانا ثمينا بسبب كبريائه وهل مر بك وقت تمنيت فيه لو أنك قلت كلمة واحدة في وقتها سامحني قبل أن يصبح الاعتذار متأخرا وقبل أن تتحول العودة إلى مجرد رغبة لا مكان لها


 


 

تعليقات

التنقل السريع
    close