القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

تزوّجتُ متسوّلة فأنجبت لي طفلين… ثم ظهرت الحقيقة التي أسكتت القرية كلّها

 

تزوّجتُ متسوّلة فأنجبت لي طفلين… ثم ظهرت الحقيقة التي أسكتت القرية كلّها




تزوّجتُ متسوّلة فأنجبت لي طفلين… ثم ظهرت الحقيقة التي أسكتت القرية كلّها




عندما بلغت السادسة والثلاثين من عمري كان الجيران يتهامسون كثيرا قائلين

في هذا العمر وما زال غير متزوج سيبقى أعزب إلى الأبد!

في الحقيقة كنت قد ارتبطت بعدد من النساء من قبل لكن الأقدار لم تسمح لأي علاقة أن تكتمل. وكنت أقضي أيامي بهدوء أعتني بحديقتي الصغيرة وأربي الدجاج والبط وأعيش حياة صامتة لا يعكر صفوها سوى مرور الأيام.

وفي إحدى أمسيات الشتاء المتأخرة وبينما كنت في السوق لمحت امرأة نحيلة ترتدي ثيابا رثة جالسة على جانب الطريق تمد يدها طلبا للطعام. لم يكن مظهرها البائس هو ما شد انتباهي بل عيناها كانتا صافيتين وديعتين لكنهما ممتلئتان بحزن عميق. اقتربت منها


وقدمت لها بعض الكعك وزجاجة ماء. تمتمت بشكر خاڤت ورأسها مطأطأ إلى الأسفل.

على نحو غريب لم تفارق صورتها ذهني تلك الليلة. وبعد أيام رأيتها مرة أخرى في زاوية مختلفة من السوق بالحالة نفسها. جلست إلى جانبها وبدأت الحديث معها. عرفت أن اسمها هانه وأنها بلا عائلة ولا مأوى وأنها عاشت سنوات طويلة تتسول في الشوارع لتبقى على قيد الحياة.

عندها تحرك شيء في داخلي. نظرت إلى عينيها وفجأة تفوهت بكلمات بدت لي حتى أنا متهورة

إن رغبت كوني زوجتي. لست غنيا لكنني أستطيع أن أؤمن لك الطعام وسقفا يقيك من العراء.

اتسعت عينا هانه دهشة وعدم تصديق. وبدأ السوق يعج بالهمسات والناس يقولون


إنني فقدت عقلي. غير أنها وبعد عدة أيام من التردد أومأت برأسها موافقة. أخذتها إلى بيتي وسط نظرات الذهول والدهشة من الجيران.

كان زفافنا بسيطا للغاية بضع موائد من الطعام لا أكثر. وبدأت القرية تتناقل الأحاديث

خاي تزوج متسولة لن يخرج من هذا الزواج خير.

لم ألتفت إلى كلامهم كان كل ما يهمني هو الطمأنينة التي شعرت بها في قلبي.

لم تكن الحياة بعد ذلك سهلة. لم تكن هانه تجيد الطبخ ولم تكن معتادة على أعمال الزراعة. لكنها كانت مجتهدة صبورة حريصة على التعلم. ومع مرور الوقت امتلأ بيتنا الذي كان صامتا بالضحك ودفء الأحاديث ورائحة الطعام الساخن.

بعد عام ولد ابننا الأول. وبعد


عامين جاءت ابنتنا إلى الدنيا. وفي كل مرة كنت أسمعهما يناديان

بابا ماما

كنت أدرك في أعماقي أن قراري كان أفضل قرار اتخذته في حياتي.

ومع ذلك لم يتوقف الجيران عن السخرية. كانوا يصفونني بالأحمق ويقولون إنني تزوجت متسولة وحكمت على نفسي بالبؤس. كنت أبتسم فقط. ما دام الحب يجمعني بزوجتي لم يكن يهمني شيء آخر.

إلى أن جاء يوم قلب حياتنا رأسا على عقب.

في ذلك الصباح بينما كنت أعمل في الحديقة دوى صوت محركات قوية عند بوابة المنزل. لم تكن سيارة واحدة بل ثلاث سيارات فاخرة لامعة توقفت أمام بيتنا. خرج أهل القرية مسرعين ليروا ما يحدث.

ترجل من السيارات رجال يرتدون بدلات أنيقة.


نظروا حولهم ثم


 


انحنوا باحترام أمام زوجتي قائلين

آنسة أخيرا وجدناك!

حبس أهل القرية أنفاسهم. أما أنا فبقيت مشدوها لا أفهم شيئا. شحب وجه هانه وأمسكت بيدي بقوة. وتقدم رجل في منتصف العمر وعيناه تفيضان بالدموع

يا ابنتي أبحث عنك منذ عشر سنوات طويلة.

عجزت عن الكلام. وتبين أن زوجتي لم تكن المرأة الفقيرة التي ظنها الجميع. لقد كانت ابنة عائلة ثرية يملك والداها إمبراطورية تجارية ضخمة. وقبل عشر سنوات وبسبب صراعات عائلية حادة حول الميراث هربت من المنزل ورفضت أن تكون جزءا من ذلك الڼزاع. وخلال سنوات التشرد اختارت أن تعيش متسولة حتى لا يعثر عليها أحد.

بكت


هانه وهي تسرد قصتها وصوتها يرتجف

ظننت أنني لم أعد أملك مكانا أعود إليه. ولو لم تفتح لي ذراعيك وتؤوني ربما لم أكن على قيد الحياة اليوم.

في تلك اللحظة لم يكن ما حدث مجرد انكشاف حقيقة غائبة بل كان أشبه باڼهيار جدار داخلي ظل قائما في عقلي لسنوات. انقشعت الغشاوة عن بصري لا لأن سر هانه انكشف فحسب بل لأنني أدركت دفعة واحدة معنى ما عاشته ومعنى ما عشته أنا معها ومعنى ما ظنه الناس وهم في الحقيقة أبعد ما يكونون عن الفهم. فهمت أن السنوات التي قضتها في الشوارع وما صاحبها من جوع قاس وتشرد طويل ووحدة خانقة لم تكن قدرا فرض عليها ولا نتيجة

ضعف


أو استسلام بل كانت قرارا واعيا مؤلما دفع ثمنه يوما بعد يوم في سبيل الهروب من عالم آخر لا يقل قسۏة عالم تلبس فيه الصراعات ثوب

الرفاه وتدار فيه الحروب باسم العائلة والميراث والنفوذ.

أدركت أنها لم تهرب من الفقر بل من الغنى حين يتحول إلى لعڼة ولم تفر من المسؤولية بل من صراع يسلب الإنسان ذاته قطعة قطعة حتى لا يبقى منه سوى اسم على أوراق وممتلكات. لقد رأت بعينيها كيف تتحول الروابط العائلية حين يتدخل المال إلى ساحات ڼزاع بارد وكيف يقاس الإنسان بما يملك لا بما يحمل في قلبه. اختارت أن تكون مجهولة منسية جائعة أحيانا لكنها حرة على أن


تكون محاطة بكل شيء إلا السلام.

حين تقدم والدها نحوي لم أر فيه رجل أعمال نافذا ولا صاحب إمبراطورية بل رأيت أبا أنهكته السنوات وكسرت قلبه المسافات وأتعبته الأسئلة التي لا إجابة لها. كانت خطواته ثقيلة كأن الأرض نفسها تذكره بكل يوم مر دون أن يعرف أين ابنته وبكل ليلة نام فيها وهو يتساءل إن كانت لا تزال على قيد الحياة. في ملامحه امتزج الوقار بالانكسار والقوة بالحسړة كأن المال الذي ملكه يوما لم يستطع أن يشتري له الطمأنينة حين فقد أغلى ما يملك.

أمسك يدي بقوة صادقة قوة لم أعرف فيها استعلاء ولا تفوقا بل رجاء وامتنانا وقال بصوت خرج من


أعماق قلب


 

متعب

شكرا لك لأنك رأيت ابنتي كما هي لا كما رآها الناس. شكرا لأنك لم تختصرها في ثيابها ولا في حالتها ولا في فقرها. لقد منحتها ما عجز المال عن منحه الأمان. المال والسيارات والعقارات وكل ما يتصارع عليه الناس يزول أو يورث أو ينسى أما القلب الصادق والبيت الذي تفتح أبوابه بمحبة فهما الثروة الوحيدة التي لا تخون صاحبها.

ساد صمت ثقيل في القرية صمت لم يكن فراغا بل كان محملا بمعان لم يعرفها الناس من قبل. صمت كشف هشاشة الأحكام وسذاجة الظنون وقسۏة الكلمات التي تقال بلا تفكير. أولئك الذين اعتادوا الهمس والسخرية الذين نظروا إلى هانه يوما نظرة شفقة ممزوجة بالازدراء وجدوا أنفسهم عاجزين عن


رفع أعينهم. الكلمات التي قالوها في الماضي عادت إليهم الآن ثقيلة كأنها حجارة سقطت فجأة على صدورهم.

لم يتخيل أحد أن المرأة التي مروا بها يوما دون اكتراث أو رموها بنظرات قاسېة كانت ابنة واحدة من أغنى العائلات ولا أن الرجل الذي عاش بينهم حياة بسيطة يحرث أرضه ويربي دجاجه سيصبح يوما صهرا لتلك العائلة التي كانوا يظنونها بعيدة عن عالمهم بمسافات لا تقاس.

لكنني وسط هذا الانقلاب كله لم أشعر بأن شيئا تغير في داخلي. لم ينتابني شعور النصر ولا الرغبة في الرد ولا لذة المفاجأة. الألقاب الجديدة بدت لي فارغة والمكانة الاجتماعية لم تلمس قلبي. كل ما فعلته أنني الټفت إلى هانه ونظرت في عينيها طويلا.


هناك في عمقهما كان الصفاء نفسه والبساطة نفسها والصدق ذاته الذي شدني إليها يوم رأيتها أول مرة في زاوية السوق. لم تغير الحقيقة الجديدة شيئا فيها لم تتبدل ملامحها ولا طريقتها ولا تواضعها الذي لم يعرف التكلف يوما.

عندها أدركت أن الحب الحقيقي لا يفاجأ بالحقيقة لأنه لم يبن أصلا على وهم. أحببتها حين كانت لا تملك شيئا وحين لم يكن لها اسم ولا مكان فكيف لي أن أتغير الآن أحببتها لأنها شاركتني القليل دون تذمر وتحملت معي الشدة بصمت ومشت إلى جواري في طريق صعب لم يكن فيه ضمانات ولا وعود. كانت امرأة اختارت الكرامة حين كان بوسعها أن تختار الرفاه واختارت الصدق حين كان بإمكانها أن تختبئ خلف


الأقنعة.

ومنذ ذلك اليوم تغيرت القرية أو لعل الناس هم من تغيروا. توقفت الثرثرة وانحسر التندر وحل محلهما صمت مختلف صمت التفكير والمراجعة. صاروا ينظرون إلينا نظرة أخرى لكنني لم أبحث عنها ولم أحتج إليها. بقيت كما كنت أستيقظ مع الفجر أعتني بأرضي وأعود في المساء إلى بيت أعرف فيه معنى السکينة.

وفي نهاية كل يوم حين يهدأ كل شيء كنت أرفع بصري إلى السماء وأشكر القدر شكرا لا ترافقه كلمات لأنه ساقني في تلك

الأمسية الشتوية البعيدة إلى زاوية السوق. هناك

حيث ظن الناس أنني وجدت امرأة متسولة بينما كنت في الحقيقة قد وجدت شريكة عمري ووجدت معها معنى الحياة الذي لم يعرفه المال يوما ولن يعرفه مهما


كثر وتضاعف.


 

تعليقات

التنقل السريع
    close