القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل السابع والاربعون 47بقلم سيلا وليد حصريه


رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل السابع والاربعون 47بقلم سيلا وليد  حصري




رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل السابع والاربعون 47بقلم سيلا وليد  حصريه




الفصل السابع والأربعون 1


"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "


يقولون إن الحب عِشقٌ يحيي الروح…

لكنهم لم يخبرونا أن بعضه موتٌ مؤجَّل.


عشق يحيي الروح لقلب فقد الأمل في الوصول إليها…

ومع أول اعتراف، تأكد أن قلوبهما خُلقت لتجتمع.


وقال أحدهم:

"الجميع يغمض عينيه أمام الشمس لشدة ضوئها… إلا أنا، لا أستطيع أن أزيح بصري عنكِ."


وموت مؤجل لآخر… يبتسم في وجه الجميع، ويخوض حرباً عالمية بداخله، سلاحها الحنين، وضحيتها هو.


فماذا سيحدث حين يُحكَم على القلب بالابتعاد،

وهو لم يتعلّم يوماً كيف يرحل؟

حين تصبح أقسى العقوبات: الصمت.

وحين يصبح الحب عذاباً، يظل القلب صامداً… متمسكاً بما لا يُمكن أن يُمسك


قفزت بقوَّةٍ لتلتقط مابيدها غير عابئةٍ بما ترتديه، فانفكَّ حزام روبها على حين غفلة..اتَّسعت عيناها فجأة، وتجمَّد جسدها في مكانه.

نظرت إليه، ألقت مابيدها سريعًا، وراحت تلملم روبها بارتباك، لكن العقل خذلها حين امتدَّت يده تسحبها بقوَّة.

اصطدمت بصدره فارتجف جسدها بين ذراعيه، وابتلعت ريقها بصعوبة، ثم همست بصوتٍ متقطِّع:

_ بلال…وسَّع، عايزة ألبس هدومي.

رفع أنامله إلى عنقها، وعيناه تتأمَّلان خصلاتها الندية التي تساقطت منها قطرات الماء ببطء.

_ ليه أبعد؟

رفعت بصرها إليه، وليتها لم تفعل. لمعةٌ غريبة لم تعهدها من قبل…أهي لمعة رغبةٍ أم حب؟ لم تستطع أن تجزم.

لفَّ ذراعه الأخرى حولها، فأطبق عليها بذراعيه معًا.

_ مابتردِّيش ليه؟

تابعته بعينيها في صمتٍ عاجز، لم تقدر على النطق.. كأنَّ الكلمات هربت من بين شفتيها، أو لعلَّ اللسان خانها،

وقلبها وحده كان يصرخ…ضعيفًا، مرتعشًا.

وضع جبينه فوق جبينها يهمس بهمس العاشق الذي أرهقه البعد:

_خايفة منِّي، هوَّ أنا أوَّل مرَّة أشوفك كدا، تفتكري أنا ضعيف كدا؟ 

رفعت عيناها المرتعشة كحال قلبها إليه:

_بلال..عايزاك تحبِّني أوي.

قالتها بصوتٍ يحمل رجاءً طفوليًا،

_عايزة أعيش قصِّة حب أسطورية، زي اللي قرأت عنها…نفسي حبيبي مايبقاش شايف غيري، وتكون سعادتي أهمِّ حاجة في حياته.

نظر إليها طويلًا، عينيه تبحثان عن إجابةٍ تعرفها قبل أن تُقال.

_وإنتِ مش حاسة بكده معايا..مش شايفة إنِّك أهمِّ شيء في حياتي؟

رفرفت بأهدابها،و تهرَّبت من نظراته، ثم همست:

_بس…فكَّرت في غيري.

تراجع خطوة، دون أن يبعد عينيه عنها:

_مافكَّرتش، حاولت ومقدرتش، المهم علشان مانزعلش تاني غيَّري هدومك، وأنا هدخل أتوضى..نقضتي وضوئي يا أستاذة.

_إنتَ ليه بتهرب؟

تجمَّدت خطواته، واستدار إليها:

_بهرب, إزاي مش فاهم؟

اقتربت منه، وعيناها لا تفارقان عينيه:

_لمَّا سألتك فكَّرت في غيري؟

_مفكَّرتش يا رولا…أنا حاولت أداوي وجعي.

_بغيري يا بلال, طيب فين حبَّك اللي بتقول عليه؟

دنا منها أكثر، وقال بصوتٍ مكسور:

_أعمل إيه؟ وإنتِ رافضاني وشايفة إنِّي مالقِش بيكي.

رفعت كفَّيها وضعتهم على وجنتيه، وعانقته بعينيها قبل ذراعيها:

_تقنعني, مش تبعد..لو بتحبِّ بجد اثبت ده، زي ماأنا هثبته لك دلوقتي.

صمتت لحظة، ثم قالت بصدقٍ عارٍ:

_بحبَّك، ومش عايزة غير إنِّّي أكون حبيبتك، ومستحيل تقدر تفكَّر في غيري.

ابتسم بحنانٍ موجوع:

_عمري ماأفكَّر في غيرك.

نظرت في عينيه بجرأةٍ لم تعهدها من نفسها:

عايزة نتعامل زي أي اتنين متجوِّزين.

اقتربت أكثر بعدما رأت الصدمة على ملامحه، ولمست شفتيه بثغرها في صمت، لحظة واحدة فقط كانت كافية ليفقد توازنه، احتضنها في قبلةٍ جامحة، كظمآنٍ تاه في صحراءٍ طويلة. دقيقة…ربما اثنتان، وهما يغرِّدان كبلابل هاربة من القيد.

ابتعد قليلًا، ومازال يحتويها بين ذراعيه، حرَّك أنامله على حزامها، وعيناه معلَّقتان بعينيها..ارتفع نبضها، وارتجف قلبها بعنف، فهَمَس لها:

_إنتِ عارفة إنِّي هموت وتبقي مراتي… بس خايف، مش عايز أخسرك.

_علشان اللي حصل؟

_لا…عايزك تثقي فيَّا.

ابتسمت بهدوء، وقالت بثبات:

_واثقة…

ضمَّ رأسها إلى صدره، وتنهَّد بهدوءٍ كمن يحاول تهدئة قلبه قبل أن يهدِّئها.

_رولا…ماتفكَّريش إنِّ اللي حصل ده هيخلِّيني أحبِّك أكتر، ولا يقرَّبنا من بعض.

رفع ذقنها برفق، وأجبرها على مواجهته، عيناه ثابتتان في عينيها:

_عايزك تاخدي وقتك براحتك… وتتأكَّدي أنا بعشق كلِّ حاجة فيكِ، مش مستنِّي مقابل، ولا مستعجل خطوة.

عادت تدفن رأسها في صدره، كأنَّها وجدت ملجأها الأخير.

أغمض عينيه، وحاول ضبط انفعاله… نعم، كان يحاول أن يمنحها الوقت، لا لأنَّه لا يريدها، بل لأنَّه يخشى أن تندم.

كان يعرف أنَّ الحبَّ الحقيقي لا يُنتزع، ولا يُؤخذ على عَجَلة…بل يُنتظر مهما كان الوجع.


بعد فترةٍ هبط إلى الأسفل وهو يعانق كفَّها، دلفا إلى غرفة المعيشة حيث كان الجميع قد اجتمع حول طاولة الطعام.

ألقى التحيَّة بهدوء، فرفع أرسلان نظره إليهما وأومأ له، بينما توقَّفت غرام تشير إليه بالجلوس جوار والده، وهي تجلس إلى جانبه.

سحب مقعدًا لها أوَّلًا، ثم جلس هو بهدوءٍ تام، وكلُّ ذلك كان يجري تحت نظرات فريدة المتفحِّصة.

في تلك الأثناء، كان إلياس يتحدَّث مع مصطفى في بعض الأمور، قبل أن تصل ميرال وتشير للخدم بترتيب طاولة الطعام..جلس الجميع في أجواءٍ تملؤها البهجة والرضا، بينما كانت فريدة تتنقَّل بنظراتها بين أبنائها وأحفادها، وكأنَّها تلتقط تفاصيلهم واحدًا واحدًا.

لاحظ أرسلان شرودها، فسألها بلطف: _ماما، مابتكليش ليه؟

التقط إلياس الحديث، فالتفت إليها يناظرها بصمت، قبل أن يتدخَّل مصطفى مبتسمًا: 

_هتقولَّك شبعانة من وجودكم.

أومأت فريدة بابتسامةٍ دافئة وقالت: _والله شبعانة بوجودهم…ياريت يزن كان جه معاكم.

قطع إلياس قطعة لحم وأجابها: 

_أخته يا ماما، مينفعش يسيبها لوحدها، قاعدة معاه لحدِّ مايخلص بيتها.

هزَّت رأسها بتفهُّم: 

_أيوة، عارفة.

ثم اتَّجهت بنظرها إلى يوسف وسألته بحنان:

 _مابتكلش ليه يا حبيبي؟

أجابها بابتسامةٍ خفيفة: 

_شبعان يا تيتا، محبتش أزعَّلك، هشرب القهوة.

عقَّبت ميرال بعبوسٍ معتاد:

 _أهو كده على طول، مش كفاية شغل طول اليوم!

التفت يوسف لوالدته بنظرة عتاب، بعد أن فتحت عليه باب المواجهة مع ضي التي لم تفوتها الفرصة:

 _المفروض تشكريه إنُّه حضر الغدا، في أيام مابنشوفوش فيها غير وقت النوم.

تنهَّدت ميرال، بينما تمتمت فريدة : 

_معلش يا حبيبتي، هيَّ حياة الدكاترة كده.

ثم غيَّرت دفَّة الحديث قائلة:

 _المهم…بكرة صيام، مين هيصوم؟

ردَّ بلال سريعًا:

 _متعملوش حسابي على الصيام، عندي شغل ورسالة ومش هركِّز.

تهكَّم يوسف ضاحكًا: 

_اسم الله عليك من التركيز يا خويا!

رفع بلال حاجبه وردَّ بثقة: 

_ركِّز إنتَ مع قلوب مرضاك يا أخويا، ملكش دعوة بيَّا.

ضحك الجميع على طريقتهما، بينما كانت هي تراقبه بصمت، كأنَّها تراه للمرَّة الأولى..تساءلت في سرِّها:

هل بعد هذا القرب بينهما صارت تراه بعينٍ أخرى؟

عينًا لا تكتفي بالشكل ولا بالكلمات، بل تنفذ لما هو أعمق..دقَّاتٌ عنيفة تضرب صدرها وهي تتخيَّله زوجها، تلعن غباءها عن رفضها منذ البداية، كان يتحدَّث مع يوسف وضحكاتهما تملأ المكان، ومشاكسته مع شمس وعنادها الطفولي لصدِّها له في محاولة مضايقة يوسف، لا تعلم لماذا شعرت بالضيق منها، تعلم علاقته بها، ولكن قلبها يؤلمها تريده لها بمفردها، لم تشعر سوى وهي تقترب وتحتضن ذراعه وهو منشغلًا بالحديث معهما. 

شعر بها، فاتَّجه بنظره إليها ومازالت ابتسامته تنير وجهه، انحنى يهمس لها:

_مالك فيه حاجة؟ 

هزَّت رأسها بالنفي، وتعلَّقت بعينيه:

_لا بس حاسَّة إنِّي دايخة.

رفع ذراعه يحاوط جسدها..والجميع منشغل بأحاديثهم الجانبية. 

كلُّ ذلك تحت نظرات أرسلان، الذي راقب نظرات رولا لابنه، فتسلَّلت إلى صدره غصَّة حادَّة كأنَّها قبضت على أنفاسه.

كان يعلم جيدًا أنَّ زواجهما ليس سوى واجهة، اتِّفاق بلا روح، متذكِّرًا  زواجه  من الأخرى.

انسحب بذاكرته قسرًا إلى تلك الزيارة التي شعر بأنَّ ابنه دفع  الثمن، فكان عليه أن يتزوج بحبيته.


دلف بلال فجأة، وعيناه تستقرَّان على والده باستغراب:

 _بابا! بتعمل إيه هنا؟

التفت أرسلان إلى كارما أوَّلًا، ثم أعاد نظره إلى ابنه وقال بنبرةٍ قاسية لم يخفِها:

 _إيه..مش اتجوِّزت من ورا أبوك؟ 

التفت إلى كارما:

_أنا جاي بس أفهم…أفهم منِّك إنتِ يا بنتي، إزاي تقبلي تتجوِّزي واحد لسه متجوز، ومكمِّلش شهرين؟!

وناسي متجوِّز مين؟ بنت عمُّه! يعني كده بتوقَّعي العيلة في بعض.

ارتعشت شفتا كارما، وامتلأت عيناها بالدموع، فبادر بلال مقاطعًا قبل أن تنكسر:

 _كارما، اعملي قهوة سادة لبابا… وقهوتي لو سمحتي.

ثم اتَّجه بنظره إلى يوسف بعتابٍ حاد: 

_أنا ماقولتش حاجة…عمَّك عرف، وأبوك عرف، ناسي كانوا شغَّالين إيه؟

اقترب أرسلان منه بخطواتٍ غاضبة، وعيناه تقدحان شررًا: 

_مكنتش عايزنا نعرف، إيه مش صابر لمَّا تطلَّق مراتك؟!

التفت بلال بسرعة يتفحَّص المكان حوله بقلق، وكأنَّه يخشى أن تكون الكلمات قد وصلت إلى أذن كارما: 

_بابا، إيه اللي حضرتك بتقوله ده؟ أنا حكيت لعمُّو إلياس اللي حصل، وهوَّ قالِّي هيتصرَّف.

لكزه أرسلان بقوَّة في صدره، حتى تراجع خطوةً للخلف، وصوته خرج مشحونًا بالغضب والخوف معًا:

_اللي أعرفه إنَّك تطلَّقها..

مش عايز حريقة في العيلة.

ولمَّا تطلَّق، ابقى اتجوِّز براحتك!

ساد الصمت، صمتٌ ثقيلٌ كأنَّه إنذار، بينما كانت دموع كارما تسقط في صمت، معلنةً أنَّ هذا الزواج لم يكن يومًا طريقًا آمنًا.


بابا ممكن تسمعني. 

_أسمعك دي في بيتنا مش هنا، التفت إلى كارما: 

_أنا عاملتك زي بنتي، لكن شغل السبع ورقات دا بعيد عن ابني. 

_بابا.. 

_اخرس، مش عايز أسمع صوتك، رايح تتجوِّز على مراتك في شهر عسلها. 

_دا مش جواز يا بابا، دا تأمين لكارما علشان تعرف تسافر، وخلاص هيَّ بتجهَّز ورقها، هتخلَّص امتحانات السنة وتسافر، دا كلِّ الموضوع. 

رمقه أرسلان بغضب، ثم التفت إليها: 

_أنا كلِّ اللي يهمِّني إنَّك تطلَّقها قبل مامراتك تعرف، هوَّ كلِّ اللي عايز يسافر يتجوز. 

_لو سمحت يا عمُّو كفاية، أنا مطلبتش من الدكتور حاجة.

قاطعهم رنين هاتف أرسلان، نظر للهاتف ثم إليها: 

_أنا اللي أعرفه مفيش بنت محترمة تحاول تخطف راجل من مراته، قالها وتحرَّك للخارج يردُّ على هاتفه:

_سامعك. 

_البنت يتيمة يا باشا، اتجوِّزت رجل أعمال اللي كان عايز يخطف الدكتور، شخص غامض مالوش في الشمال، بس عرفت إنُّه طلَّقها تلات مرَّات وكان عايز يجوِّزها محلِّل وهيَّ رفضت، علشان كدا الدكتور ساعدها وجب لها شقَّة، وكمان عملَّهم قضية شرف، وطلب من ابن عمَّها بعد الضغط عليه يشهد عليها إنَّها مش تمام، وللأسف كان الدكتور ضمن اللي ابن عمَّها قال عليهم وأثبت بالصور، وفيه حاجة كمان الجواز عرفي، وإلياس باشا عارف. 

_دا كلِّ اللي وصلت له؟ 

_أيوة...البنت سمعتها كويسة، وحياتها كانت مستقرَّة، لكن منعرفش ليه طلَّقها.

_خلاص، اقفل..قالها وشرد بكلمات إلياس: 

_ممكن يكون لعبة علشان جوزها يرجعلها، المهمِّ في كلِّ الأحوال، روح لها وشوف أخرتها إيه، وأنا هتكلِّم مع بلال. 

_ليه يوسف مقالش إنُّه اتجوزها؟ 

_مكنشِ يعرف، متفاجئ أو بيقول كدا، ماإنتَ عارفهم، المهم لمِّ الموضوع قبل مايزن يعرف، عارفين الجواز صوري، لكن مش كلُّه يعرف إنُّه صوري وكدا بنأكِّد للكلّ البنت فيها عيب. 

خرج أرسلان من شروده على صوت فريدة: 

_أرسلان مابتكلش ليه؟ 

_باكل يا ماما، قالها وذهب ببصره إلى ابنه الذي يتحدَّث بهمس مع رولا ويضحك. 

_ياترى إنتَ ناوي على إيه يا بن أرسلان، ونظراتك دي تمثيل ولَّا بتحبِّ البنت فعلًا؟


بعد فترة خرج الجميع إلى حديقة المنزل.

في أحد الأركان تمدَّد على ساقيها..

قال وهي تمرِّر أناملها بين خصلات شعره:

_عايزة تروحي فين؟

ابتسمت بخفَّة:

_مش فارقة صدَّقني، المهمِّ نخرج مع بعض…تعرف مخرجتش بقالي قدِّ إيه؟

سحب كفَّيها وقبَّلهما ثم قال بنبرةٍ هادئة:

_عارف إنِّي مقصَّر معاكي بس غصب عنِّي صدَّقيني، عايز أثبت نفسي أكتر من كده.

مسَّدت على شعره مبتسمة وقالت:

_أنا قرَّرت حاجة وعايزة آخد رأيك.

اعتدل في جلسته أمامها:

_في إيه؟

تردَّدت لحظة ثم ابتسمت:

_عايزة أفتحFashion Design

رفع حاجبيه باستغراب:

_ديزاينر! بس إنتِ شغالة مترجمة ليه؟

تنهَّدت:

_إنتَ عارف من زمان إنِّي بحبِّ الرسم، وأخدت كورسات كتير، بحبِّ التصميمات أوي…مش عارفة ليه مدخلتش هندسة أصلًا.

_طيب وشغلك؟

_هفضل فيه..آه، فيه حاجة نسيت أقولها…

نظر لها باهتمام:

_إيه؟

_في قناة أجنبية كلِّمتني وعايزة تتعاقد معايا، قناة إخبارية…إيه رأيك؟

ابتعد بنظره عنها وتنهَّد بعمق:

_إنتِ مش شايفة الموضوع هيكون مرهق عليكي..وبعدين إيه موضوع القناة ده؟ أنا مش عايزك تظهري على التلفزيون.

نظرت له بدهشة:

_بس دي فرصة كويسة يا يوسف، غير إنُّه شغلي.

قال بنبرةٍ ضاغطة:

_ضي، شغلك ترجمة في أماكن مغلقة، مش قدَّام ملايين على الهوا.

زفر باختناق ثم قال:

_أجِّلي الموضوع…بلاش نتكلِّم فيه دلوقتي.

نهض ينفض كفَّيه:

_هطلع أرتاح شوية، صحِّيني على تسعة.

قالت بهدوء وهي تراقبه يبتعد:

_تمام…


في منزل يزن..

ارتفعت الموسيقى في الخارج بينما كان يعمل على جهازه..دلفت والدته إليه:

_حبيبي، أعمل لك إيه ساندوتش، هتفضل من غير أكل؟

_لمَّا أخلص يا ماما…المهم وطِّي صوت الأغاني دي شوية.

ربتت على كتفه بحنان:

_معلش يا حبيبي، استحمل شوية..وكده كده زمان عمُّو كريم جاي، هيتصرَّف.

زفر بضيق:

_مش عارف أركِّز، همَّ فاكرين نفسهم في حفلة!

قالها ونهض من فوق مقعده متَّجهًا للخارج، وجدهم في إحدى الغرف ومعهم مدرِّبة رقص شرقي.

طرق الباب عدَّة مرَّات وخلفه رحيل.. أشار لوالدته بحدَّة:

_ادخلي إنتِ بدل ماأدخل أنا.

دلفت رحيل، فالتفتت إليها سدن بحماس:

_أنطي رحيل، تعالي شوفي اتعلِّمت إيه.

أغلقت رحيل صوت الموسيقى:

_حبيبتي، وطِّي الصوت شوية، آسر بيشتغل تحت.

نهضت آسيا بعدما لمحته بالخارج وقالت ببرود:

_الشغل برَّة البيت مش جوَّاه، فيه مكتب..البيت للراحة.

دفع الباب بقدمه واقترب منها مشيرًا بإصبعه:

_أنا اتخنقت يا بنت عمِّتي، روحي ديسكو أحسن.

قالها بصوت مشحونٍ أكثر ممَّا يحتمله الموقف. 

_والله اقنع عمِّتك أنا معنديش مانع.

اقترب منها وكاد أن يصفعها، ولكن توقَّفت رحيل بينهما: 

_حبيبي يالَّه علشان تخلَّص شغلك، يالَّه قالتها وهي تدفعه للخارج، بينما هو رمق آسيا مشمئزًّا وتمتم:

_الصورة غير الحقيقة، أوَّل مرَّة أتمنى الخيال يفضل خيال. 

قالها وتحرَّك للخارج، بينما هي تراجعت تغلق الباب بقوَّة وهي تتمتم:

_متخلِّف. 

_بس آسر جميل أوي يا آسيا، إنتي معرفش مالك وماله! 

حدجتها بنظرةٍ صامتة، وتحرَّكت إلى فراشها:

_أحسن حاجة عملها إنُّه قفل صوت الميوزك، عندي صداع، أوووف مش قادرة أتحمِّل العيشة هنا، ياريتني ماصدَّقت بابا.

_بس بابا فهَّمنا من هناك احتمال نستقرّ هنا. 

_قال جرَّبوا وأنا معاكم، أنا مش طايقة نفسي، ولا قادرة أقعد أكتر من كدا.. عايزة أرجع لحياتي تاني. 

مطَّت شفتيها وقالت: 

_وأنا كمان، خايفة من بابا يرجع يحطِّ قوانينه علينا، علشان كدا هصبر. 

_متخافيش مش هيعمل حاجة، بابا خايف منِّنا، خايف نسافر ونسيبه، أنا بجد نفسي أرجع لأنس تاني. 

_سمعتي ماما قالت هيرجع بعد فترة. 

_هكلِّمه وأقنعه مايرجعش، لحدِّ لمَّا نشوف هنمشي إمتى. 

بمنزل مالك.. 

عاد من عمله في وقتٍ متأخِّر، وجد والدته تجلس بمسبحتها كعادتها: 

_مساء الخير يا ماما، إيه اللي مصحيكي لحدِّ دلوقتي؟ 

أشارت إليه بالجلوس، جلس دون تردُّد حينما لمح نظرة القلق بعينيها:

_مالك حبيبتي؟ 

وضعت المسبحة وطالعته بصمتٍ للحظات ثم قالت:

_صحيح مايسة كانت عندك في الأوضة إمبارح؟ 

قطب جبينه وتساءل:

_هيَّ اللي قالت لك؟ 

استندت على المقعد وتوقَّفت مقتربة من جلوسه:

_دا اللي يهمَّك يا مالك، إزاي تسمح لها إنَّها تقرَّب منَّك وفي الظروف دي؟! 

هبَّ من مكانه ينظر إلى والدته بوجعٍ غير مصدِّق ماتلفَّظته، ثم قال:

_إيه اللي بتقوليه دا يا ماما، فين الثقة بيَّا، وبعدين نسيتي عملت إيه علشان أسمح لها بكدا، هيَّ جت فعلًا وأنا طردتها، عايز أعرف قالت لك إيه.

قصَّت له ماصار بينها وبين غادة، ابتسامة تجلَّت بملامحه، ثم هزَّ رأسه وتحرَّك للأعلى وهو يقول: 

_خلِّيهم يطلَّعوا لي العشا فوق، غادة لو صاحية مش هتنزل.

ابتسمت والدته بحنان وقالت:

_حاضر حبيبي. 

دلف إلى غرفة طفلته أوَّلًا، وجدها تغفو بأحضان والدتها، سحبها بهدوء، ففتحت غادة عيناها تشهق:

_مودِّيها فين؟ 

_بعدِّل نومها حبيبتي، قومي وسبيها نايمة والمربية هتيجي تبات عندها. 

_مش هقدر يا مالك. 

انحنى يحاوط جسدها وخطا بها للخارج:

_علشان خاطر مالك هتقدري، داعب أنفها ينظر لعينيها: 

_وحشتيني أوي. 

تذكَّرت بعدها عنه منذ أكتر من شهر حينما علمت بمرض ابنتها، اقتربت تدفن رأسها بصدره: 

_وإنتَ كمان حبيبي. 

لمس وجنتيها بحب: 

_طيب إيه مش هنتعشى؟


رفعت رأسها تنظر إليه:

_مالك ممكن أروح عند بابا الأيام دي؟  أنا محتاجة بابا وماما أوي.

ملَّس على شعرها بحنان: 

_طيب وأنا هتسبيني لوحدي، وكمان يهون عليكي فريدة تبعديها عنِّي الأيام دي؟ 

حاوطت خصره ووضعت رأسها على صدره:

_لا طبعًا مايهنش عليَّ، بس أنا محتاجة أمِّي وأبويا أوي، تعبانة وحاسَّة الدنيا بتخنقني. 

رفع ذقنها ونظر لعينيها: 

_غادة، فريدة هتخف صدَّقيني، وإن شاء الله هتكون كويسة، فترة صعبة عارف لكن هتعدِّي ومش هنحسِّ بيها،  متأكِّد من دا. 

مرَّر أنامله على وجنتيها:

_اضحكي بقى، وحشتني عيونك لمَّا بتضحك، كلِّك على بعضك وحشني أوي. 

_آسفة قصَّرت معاك. 

سحب كفَّيها وتحرَّك بها للغرفة وهو يمزح: 

_لا آسفة إيه، دا أنا قتيلك الليلة. 

أفلتت ضحكة وهي تحتضن ذراعه ودلفت معه للداخل. 

بمنزل طارق.. 

خرجت إلى الحديقة تتابع طفلها وهو يلهو مع مربيته، تنفَّست بهدوء تتذكَّر حديثها بالأمس مع طفل طارق الآخر: 

_أنا بكرهك وبكره ابنك، وابعديه عنِّي هموِّته.

اقتربت منه ورسمت ابتسامة:

_فيه حد يكره أخوه حبيبي؟ 

_أنا مش حبيبك، امشي اطلعي برَّة، بكرهك بكرهك. 

دمعة نزلت على وجنتيها تهمس لنفسها:

_وبعدين يا هند إمتى الدنيا هتضحك لك، هلاقيها منُّه ولَّا من أمُّه..أووف ياربِّي دا هتعامل معه إزاي، دا ممكن يئذي أخوه فعلًا، أقول لطارق ولَّا أعمل إيه.

فركت جبينها ثم نفخت بكفَّيها متنهدة: 

_يارب ساعدني. 

قاطع حديثها مع نفسها، قبلة طارق التي وضعها على جبينها: 

_عاملة ايه يا قلبي؟ 

رفعت رأسها تربت على كفِّه، وابتسمت:

_حمد الله على السلامة حبيبي، قالتها ونهضت متَّجهة للداخل.. 

_خمس دقايق والغدا يكون جاهز. 

_استنِّي يا هند...قالها واقترب منها، أمال بجسده ينظر لعينيها:

_مالك حبيبتي؟.

هزَّت رأسها وردَّت بهدوء: 

_مفيش، هجهِّز الأكل لمَّا تغيَّر هدومك، قطعت حديثها حين وقعت عيناها على ابن طارق وهو يخرج من باب المنزل واتَّجه إليه:

_أنا عايز أشوف ماما، مش عايز أقعد معاك. 

التفت إليه طارق يطالعه بصمت، ربتت هند على ذراع طارق:

_قرَّب منُّه، وحاول تسمعه ضروري. 

كان الطفل يرمقها بنظراتٍ حادَّة، ثم اقترب خطوةً من والده:

_قولت إيه؟ 

تركتهما هند ودلفت للداخل، بينما طارق سحب كفَّيه وتحرَّك به للمقعد وأشار إليه: 

_اقعد عايز أتكلِّم معاك. 

جلس الطفل يهزُّ ساقيه، راقبه طارق بصمت، ركض طفله الآخر إليه:

_بابي..بابي، التفت إليه مبتسمًا، ثم رفعه إليه وأجلسه على الطاولة:

_عامل إيه علوش؟

_كويس..وصلت المربية وقالت:

_قولنا إيه يا علي؟ 

_كويس الحمد لله يا بابي. 

أومأ لمربيَّته وقال:

_سبيه معايا، وشوفي مدام هند.

_تحت أمرك يا أفندم. 

احتضن علي وجه والده:

_بابي أنا زعلان من حازم، لأنُّه ضرب علي هنا. 

التفت إلى طفله:

_إنتَ بتضرب أخوك الصغير، ليه عملت كدا؟!

هبَّ من مكانه: 

_كدَّاب، الستِّ اللي جوَّا هيَّ قالت له كدا. 

ولا..احترم نفسك، إيه الستِّ اللي جوَّا دي!! 

رمق والده بنظرةٍ غاضبة:

_هتقول إيه مش الستِّ دي اللي خلِّتك تخطفني من أمِّي. 

صاح طارق على المربية..هرولت إليه: 

_نعم يا طارق باشا.

_الواد دا ضرب أخوه؟ 

صمتت تنظر إلى حازم ثم أومأت: 

_أيوة يا باشا. 

أشار بيده إليها بالتحرُّك، بينما هو نهض مقتربًا من طفله الذي تراجع للخلف، ركضت هند بعدما استمعت إلى صراخه على المربية، توقَّفت بينهما: 

_طارق هتعمل إيه..اهدى. 

_ابعدي يا هند، مفكَّرة هضربه، أنا عايز أتكلِّم معاه.

_طارق الواد لسة صغير، اهدى لو سمحت. 

_بقولِّك ابعدي يا هند. 

هرول الطفل للداخل وهو يبكي ويهتف بصراخ:

_أنا بكرهكو، أنا عايز ماما. 


عند حمزة.. 

توقَّف أمام بعض الخريجين الجدد وبدأ يتحدَّث معهم في كيفية التدريب على قيادة الطائرة، توقَّف أمام إحدى الشاشات برسومات الطائرة، يشرح كلَّ تفصيلٍ بها.

ثم قال:

_دلوقتي هنعمل اختبار لكلِّ واحد على أرض الواقع.


خرج معهم إلى أرض المطار، توقَّف أمامهم في هدوءٍ يليق بمن اعتاد النظر إلى الموت من الأعلى...هنا تغيَّر حمزة ليتحوَّل حمزة القائد الحربي، نظر إليهم بقامةٍ مستقيمة، ملامحه جامدة، عينيه كانتا تقولان إنَّ هذا الرجل رأى مايكفي ليصمت كثيرًا ويتكلَّم قليلًا.

قال بصوتٍ منخفض، ومع ذلك وصل إلى آخر الصف:

قبل مانبدأ…عايزكم تنسوا حاجة اسمها نفسكم.

من اللحظة دي في حاجة واحدة بس مهمَّة..المهمَّة.

رفع أحد المتعيِّنين يده بتردُّد:


_يعني إيه يا كابتن؟ إحنا جايين نتعلِّم الطيران مش أكتر.

توقَّف حمزة لحظة، ثم نظر إليه نظرةً ثابتة لا تحمل غضبًا ولا سخرية، بل شيئًا أثقل من ذلك، وقال:


غلط...إنتَ جاي تتعلِّم وتمسك روحك بإيدك، وتسيبها في السما لو البلد احتاجت.

_طب لو خفت؟

ابتسم حمزة وقال: 

_تبقى بني آدم..اللي ميخافش مجنون.

بس اللي يسيب الخوف يسوقه ده عمره مايبقى طيَّار حربي.

توقَّف لحظة ثم قال بنبرةٍ حاسمة:


إنتَ مش هتطلع السما علشان تحقَّق حلمك.

إنتَ هتطلع علشان تحمي حلم ملايين تحتك..فاهم الفرق؟

_إنتَ مش جاي تطير لمجرَّد بتحبِّ الطيران، إنتَ جاي تنقذ أرواح، يعني وإنتَ فوق على سرعة ألف كيلو، مفيش أمَّك هتجري عليك، ولا حد هينقذك لو غلطت.

زرِّ واحد زيادة…يعني مدينة كاملة ناقصة.

الطيران أسهل حاجة هنا..لكن الصعب إنَّك تعرف إمتى تطير.

ساد صمتٌ قصير، قبل أن يتابع بصوتٍ أعمق:

_الطيَّار الحربي مش شجاع علشان بيطلع السما، هوَّ شجاع علشان وهوَّ فوق عارف كويس إنِّ في احتمالات كتير…مايرجعش..مش علشان الناس تصقفلك.

ساد الصمت من جديد، صمتٌ ثقيل 

_ولو فشلنا؟

أجاب حمزة دون تردُّد:

_حطِّ في دماغك، الفشل في التدريب درس...الفشل في المهمَّة..جنازة.

ثم قال جملته الأخيرة بنبرةٍ هادئة، لكنَّها قاطعة:

_اللي شايف السما لعبة، الباب وراه.. واللي فاهم إنَّها أمانة…يفضل واقف.

لم يتحرَّك أحد.


بعد عدَّة أيام، ذهب حمزة إلى فيلَّا السيوفي، فاستقبلته فريدة بترحاب:

_أهلًا يا حبيبي اتفضل، شمس شوية ونازلة.

_إزي حضرتك يا تيتا.

_أنا كويسة حبيب تيتا.

دلف أرسلان من الخارج، فنهض حمزة من مكانه على الفور:

_عمُّو أرسلان، وحشتني.

_عامل إيه يا حبيبي، لسه راجع من الشغل؟

_أيوة.

ثم أشار إلى فريدة قائلًا:

_كلِّمت تيتا من ساعة، ولمَّا عمُّو إلياس مردِّش، قلت أجي آخد شمس… النهاردة عيد ميلادها.

نظر أرسلان إلى ساعته وقال:

_إلياس غالبًا في اجتماع، طيب اقعد لمَّا شمس تنزل.

وصلت الخادمة تقف أمام فريدة:

_شوفي خطيب شمس يشرب إيه يا بنتي؟

تردَّد حمزة قليلًا ثم قال:

_لا…شكرًا، لازم بس نتحرَّك علشان نرجع بدري.

ردَّت فريدة بحزمٍ لطيف:

_لازم تشرب برضه، لسه شمس مجهزتش، وكمان يوسف مرجعش، ومينفعش تخرج من غيره، خلِّي حماك راضي عنَّك.

ابتسم حمزة باستسلام:

_أهو علشان حمايا هشرب نسكافيه.

ضحكت فريدة على طريقته، ونهضت لتجلس بجواره:

_بقولِّك يا تيتا…مش معقول كلِّ ماأحبِّ أخرج مع شمس يكون يوسف أو غيره معانا..

عمُّو إلياس رفض الجواز دلوقتي وحقُّه ماقولتش حاجة، بس إيه رأيك تكلِّميه نكتب الكتاب؟

أكيد هوَّ لو واثق فيَّا مش هيرفض.

ربتت على كتفه وابتسمت بحنان:

_هكلِّمه حاضر يا حبيبي، بس لازم تقنعه.

رفع كفَّها وقبَّله:

_ستِّ الكل والله إنتِ يا تيتا، ربِّنا يبارك لنا في حياتك يارب.

كان أرسلان يراقب حديث حمزة مع فريدة، فذهبت ذاكرته إلى والدته زينب، وكأنَّ المشهد يتكرَّر مع أمِّه زينب. 

أغمض عينيه محاولًا منع الدموع التي هدَّدت بالانزلاق.

التفتت فريدة إليه حينما شاكسها حمزة:

_شوف حمزة يا أرسلان بيقول إيه…

لكنَّها قطعت حديثها حين رأت عينيه تلمعان بالدموع.

_أرسلان مالك يا حبيبي؟

هبَّ من مكانه يهزُّ رأسه عاجزًا عن الرد، ثم تحرَّك إلى الأعلى دون أن ينطق بكلمة، راقبته بعينيها وقلبها يرتجف خوفًا من أن يكون أصابه مكروه.

ربت حمزة على كفِّها:

_ممكن يكون فيه مشكلة في الشغل ولَّا حاجة، متقلقيش.

نادت على الخادمة التي ركضت سريعًا:

_فين مدام غرام؟

_مع مدام ميرال عند حمَّام السباحة يا هانم.

_ابعتيها.

تحرَّكت الخادمة بطاعة، وفي تلك اللحظة نزلت شمس.

هنا توقَّف الزمن عند حمزة..توقَّفت أمامه مبتسمة، طاف بقلبه قبل عينيه على تفاصيلها، كانت ترتدي فستانًا أبيض ينساب حولها بنعومة، وحجابًا فيروزيًّا يحيط بوجهها كإطارٍ من ضوء، يبرز صفاء ملامحها وهدوء ابتسامتها. نهض من مكانه دون أن يشعر، اقترب منها بخطواتٍ بطيئة كأنَّه يخشى أن تكون مجرَّد حلم، وعيناه تلتهمان كلَّ تفصيلةٍ فيها، من انحناءة كتفيها، إلى ارتباك أصابعها وهي تمسك طرف حجابها.

اشتاق إليها حدَّ الوجع…لا الشوق.

أسبوعًا كاملًا مرَّ عليه كأنَّه عام، كان يراها في كلِّ الأشياء، في شاشة هاتفه، في صوته الداخلي، حتى شعر بصخب قلبه من الاشتياق.

_عاملة إيه يا شموس؟

قالها بصوتٍ خرج أهدأ ممَّا يشعر، وكأنَّ روحه هي من تتكلَّم لا لسانه.

_كويسة الحمد لله، إنتَ عامل إيه؟

_أنا دلوقتي، بقيت كويس.


طاف بعينيه على هيئتها التي جعلتها أقرب لملكةٍ هادئة خرجت من لوحة، بلا صخب ولا بهرجة، جمالها في احتشامها، في نعومة ألوانها، في اتِّساع فستانها الذي زادها رقيًّا، وفي حجابها الذي لم يخفِ جمالها بل زاده هيبةً وبهاءً.

كان ينظر إليها وكأنَّه يراها لأوَّل مرَّة… وكأنَّه يخشى أن تختفي لو رمش بعينيه.

قطع شروده رنين هاتفه، فتراجع خطوة، ينظر إلى الشاشة وابتسم:

_ده باباكي، أيوة يا عمُّو.

أجاب إلياس من الطرف الآخر:

_حبيبي كنت في اجتماع، عامل إيه؟

تلاقت عينا حمزة بعيني شمس وهو يرد:

_أنا في البيت عند حضرتك، هاخد شمس ونخرج نحتفل بعيد ميلادها.

نظر إلياس إلى ساعته وقال:

_شمس صايمة، طيب خلِّيكوا لبعد الفطار، وكده كده عيد ميلادها لسه، إنتَ عايز تحتفل بيها قبله.

غمز حمزة لشمس وهو يضحك:

_لا ماهو أنا هحتفل النهاردة وبكرة… دي شموسة.

توقف إلياس أمام سيارته:

_أهو رجعنا للغُلب تاني، ماتمشيش، أنا جاي.

قالها وأغلق الهاتف.

جلس بجوارها بانتظار الياس، وصلت إليهم ميرال: 

_حمد الله على السلامة يا حبيبي. 

_الله يسلِّمك يا طنط ميرال، حضرتك عاملة إيه. 

_أنا كويسة يا حبيبي..اتَّجهت بنظرها إلى شمس. 

_خلِّيكم لبعد الفطار وبعدين اخرجوا، وكدا كدا يوسف مرجعش. 

_رولا وبلال هيجوا معانا، يوسف كلِّمني واعتذر.

قطبت جبينها وجلست إلى جوار فريدة، وقد تسلَّلت نبرة القلق إلى صوتها دون أن تشعر:

_وبعدين بقى في يوسف يا ماما، هوَّ كده طبيعي؟

تنهَّدت فريدة، وأراحت ظهرها إلى المقعد كأنَّها تحمل همًّا أثقل من أن يُقال بسهولة:

_ميرال سيبي الولد يعمل اللي هو عايزه، يوسف مبقاش صغير وقالُّكم مليون مرَّة يا بنتي إنُّه عايز يثبت نفسه، والطبِّ شغله كده.

_بس هيموِّت نفسه يا ماما!

قاطعهم حمزة معتذرًا، وهو يحكُّ عنقه في توتُّر خفيف:

_آسف يا طنط ميرال، بس الطبِّ رسالة فعلًا وعايز اجتهاد زي ظابط الحربية، شوفي حياته كلَّها بتكون كده، مفيش وقت، مفيش نوم، كلُّه ضغط.

التفت إلى شمس بنظرة امتنان صافية:

_أنا كنت هسيب الشغل، بس شمس رفضت… 

ابتسمت شمس، وارتسمت على ملامحها طمأنينة دافئة:

_إنتَ لسه قايل يا حمزة دي رسالة، وكلِّ واحد بيأدِّي رسالته يا كابتن. 

أنا عارفة يوسف بيتعب، بس ده تمن النجاح، مفيش نجاح سهل، وحتى لو كان سهل بيروح بسرعة، اللي يتعب يفضل فخور بنفسه طول عمره.

مال حمزة نحو شمس، وصوته انخفض على غير عادته، يهمس باعترافٍ خرج من قلبه قبل لسانه:

_تعرفي…لو ماكنتيش مراتي في يوم من الأيام، أنا هنتحر وأكون شهيد الحب.

ساد صمتٌ قصير، قبل أن يقاطعه إلياس بنبرةٍ ساخرة:

_وياترى هتكون شهيد بالدم ولَّا بالغرق يا خطيب بنتي؟

 التفت حمزة إلى إلياس بدهشةٍ مصطنعة:

_هوَّ حضرتك مخبِّي جهاز تنصُّت علينا!! سمعتنا إزاي؟!

ضحك إلياس واقترب منه، وربت على صدره بخفَّة:

_لا يا شهيد الحب…إنتَ الأهبل وصوتك عالي.

ثم ضمَّه فجأة، وفي صوته دفءٌ غير معلن:

_كان نفسي أقولَّك وحشتني…بس مالحقتش.

ابتسمت فريدة وهي تهزُّ رأسها:

_إخص عليك يا إلياس، ده الكابتن نوَّر العيلة.

ردَّ بسخريةٍ معتادة:

_عيلة مين يا مدام فريدة؟ عيلته هناك، أنا ناقص مجانين؟ كفاية الدكاترة اللي عندي.

اقتربت شمس منه بمرح..

_طب وحياة طنط ميرال…وحشتك ولَّا لأ؟

_وحشك قرد ينطِّ عليك.

_بعد الشرِّ عليه يا بابي!

في لحظةٍ خاطفة، جذبها حمزة إلى صدره:

_أنا مستعدّ أبقى شهيد بعد كده رسمي..حاولت الإفلات منه..

_نزِّل إيدك يا حيوان، اتجنِّنت، يلَّا قدَّامي..أومال من ورايا بتعمل إيه؟

_بلاش أقولَّك…إنتَ كبير وخايف على قلبك من الصدمة.

سحب إلياس شمس بعيدًا عنه، متصنِّعًا الغضب:

_وإنتِ يا أختي، لسه ماكتبش عليكِ وخايفة عليه، أومال لمَّا تبقي مراته تعملي إيه؟!

عاد حمزة يجذبها إليه بعناد:

_ماتنقِّش وحياة طنط ميرال، وابعد عنِّنا وخلِّيك حما عسل واكتب كتابنا.

هدأ الضحك تدريجيًا، وساد المكان صمتٌ خفيف، كأنَّ الجميع شعر بأنَّ شيئًا مختلفًا سيُقال.

اقترب حمزة من إلياس، وصوته خرج هذه المرَّة جادًّا تمامًا:

_أنا بتكلِّم بجد يا عمُّو…عايز أكتب كتابي يوم وقفة عرفات.

رفع إلياس حاجبه بدهشةٍ هادئة:

_إشمعنى؟

_يوم بركة يا عمُّو، اليوم ده أحسن يوم في السنة كلَّها.

ارتسمت على وجه إلياس ابتسامةٌ غامضة:

_ماهو علشان كده، مش عايز أكرهه.

_تقصد إيه؟

سألها حمزة وقد تسارعت دقَّات قلبه دون سببٍ واضح.

أجابه إلياس بهدوءٍ صادم:

_أقصد بعد عشر سنين…يوم خمسة يونيو هنكتب كتابك.

تجمَّد حمزة،، وتبادلت العيون نظراتِ ذهولٍ حقيقية.

فتح حمزة عينيه على اتِّساعهما:

_حضرتك…بتهزَّر صح؟

في تلك اللحظة، دخل يوسف وبلال:

_فيه إيه يا بابا؟

التفت حمزة إليهما بانفعال:

_أبوك عايزني أستنى عشر سنين علشان أكتب كتابي! أومال هتجوِّز إمتى؟

ردَّ إلياس ببرودٍ قاتل:

_بعدها بخمس سنين.

كتمت ميرال ضحكتها وهي تلكزه في ذراعه:

_بس بقى…هتجلطه.

تمتم حمزة وهو يكاد لا يصدِّق:

_أكيد بيهزَّر…كنت عارف مستحيل.

اقترب إلياس منه وربت على كتفه بنبرةٍ أهدأ:

_لمَّا شمس تكمِّل تلاتين سنة… علشان تبقى ناضجة يا أهبل.

شهقت شمس:

_إيه!! أنا عيِّلة؟!

ردَّ حمزة بسرعة وبابتسامةٍ عاشقة:

_لا…أنا عاجبني تكون عيِّلة.

تدخَّلت فريدة أخيرًا بصوتٍ حنونٍ حاسم:

_اقعدوا كلُّكم…وبطَّلوا جنان، اللي مكتوب هييجي في وقته، والفرح لمَّا ييجي صح بيستاهل الانتظار.


بعد فترة..انتهى الجميع من وجبة إفطارهم، بعد صيامهم في أحد أيَّام العشرِ ذو الحجَّة. 

جلس حمزة بجوار إلياس: 

_عمُّو، بجد حضرتك مش واثق بيَّا؟ 

قطب حاجبيه بتساؤل: 

_ليه بتقول كدا يا بني؟!

_ليه حضرتك رافض كتب الكتاب، ماهو مش معقول كلِّ مانخرج حد يخرج معانا، لو سمحت أنا بتكلِّم بجد نكتب الكتاب، والفرح بعد ماشمس تخلص. 

تنهَّد إلياس وقال:

_ومستعجل ليه؟

_عمُّو أنا دلوقتي بروح شغلي وفيه أيَّام مابرجعش على حسب الشغل، وممكن يكون أسابيع، مش معقول الوقت اللي أقعده مع خطيبتي يكون بالطريقة دي. 

ضغط إلياس على شفتيه، وأومأ قائلًا:

_لمَّا ترجع الإجازة الجايَّة نتكلِّم في الموضوع دا، لازم باباك يكون موجود، دي مواضيع للكبار.

_حضرتك شايفني صغير؟!

_أبدًا..شمس لسة مخلصتش امتحانات، ولو الأيام دي مش إجازة مكنتش خرجت، خلِّيها تخلَّص امتحانات وترجع من شغلك، وباباك لازم يكون موجود، دي الأصول حبيبي. 

ابتسم له وقال

_يا سيدي لو على إجازة أنا موافق. 


بالأعلى، بغرفة بلال…

انتهت رولا من ارتداء ملابسها، جلست أمام المرآة تكمل زينتها، سحبت أحمر الشفاه ومرَّرته على شفتيها ببطء.

خرج بلال من الحمَّام وهو يغلق أزرار قميصه، توقَّف فجأةً عندما وقعت عيناه عليها.

_خلَّصتي يا حبيبتي؟

لم تجبه مباشرة، كانت تفرد اللون بحركةٍ ناعمة من شفتيها، ثم نهضت تهزُّ رأسها بخفَّة:

_هلبس الحجاب.

اقترب منها دون وعي، عيناه معلَّقتان بشفتيها أكثر من أي شيءٍ آخر. استدارت نحوه، لاحظت نظرته فتلعثمت:

_هتبات هنا ولَّا هتنزل المكتب؟ لسة قدَّامك كتير…ما…

توقَّفت الكلمات في حلقها عندما شعرت بنظراته تلتهمها:

_بتبصِّ ليَّ كده ليه؟

لم يجبها، مدَّ أنامله ولمس شفتيها برفق، وكلُّ مايريده أن يتذوَّقها.

_ليه الروج ده؟

ارتبكت، وابتلعت ريقها بصعوبة:

_أنا…أنا بخرج بيه على طول…

لم يدعها تكمل، انحنى فجأةً يحتضن ثغرها في قبلةٍ مشتعلة، ليست رغبةٌ فقط، بل اشتياقٍ مكبوت، توتُّر أيام، ولهفة رجل يخشى أن يفقد لحظته معها.

ارتجف جسدها، وتلاشت قوَّتها تمامًا، فاستندت عليه بكلِّ ثقلها، كان الأكثر ترحيبًا، هو يحكم ذراعيه حولها كأنَّها ملاذه الوحيد من العالم.

وفجأة…انفتح الباب:

_بلال هتروح مع شمس..

توقَّف يوسف مذهولًا، وتراجع بسرعة:

_آسف…آسف جدًّا.

انغلق الباب في ثوانٍ، لكنَّ الصمت الذي تلاه كان أثقل من أي صوت.

شهقت رولا، واحمرَّ وجهها بشدَّة، قلبها يدقُّ بعنفٍ حتى شعرت أنَّه سيفضحها أكثر من الموقف نفسه، فسقطت على المقعد عاجزة عن الوقوف.

مسح بلال وجهه بيده وهو يسبُّ يوسف في سرِّه، ثم التفت إليها فوجدها تغطِّي وجهها بكفَّيها.

_رولا…إنتي مراتي، اللي حصل ده طبيعي.

خرج صوتها متقطِّعًا من خلف يديها:

_إزاي هبص في وشُّه تاني؟

تجمَّد مكانه لحظة، لم يتوقَّع ردَّها، اقترب منها، انحنى أمامها وأمسك يديها ليبعدهما عن وجهها:

_تبصِّي له ليه أصلًا؟ 

هزَّت رأسها بدموعٍ محبوسة:

_الموقف كان صعب…حسِّيت إنِّي اتعرِّيت.

شهق ووقف وكأنَّها طعنته، تراجع بصمت، ورغم صمته إلَّا أنَّ أنفاسه تحرق كلُّ مايقترب منه، دقيقة واحدة شعرت بها كعامٍ وهي ترى تغيُّره المفاجئ، اقتربت منه: 

_بلال. 

_اخرسي، مش عايز أسمع صوتك. 

حدجته مذهولة:

_ليه، إنتَ ناسي الكلِّ عارف جوازنا إزاي؟

لم يرد عليها، تركها وخرج يغلق الباب بقوَّة حتى انتفضت من مكانها. 

بغرفة يوسف.. 

دلف للغرفة يدور حول نفسه كالمجنون، دلفت ضي وهي تتحدَّث مع إحدى صديقاتها:

_تمام بعد العيد إن شاءلله، قالتها وأغلقت الباب تنظر إليه، ضيَّقت عيناها واقتربت منه:

_مالك يايوسف؟ 

اتَّجه إلى الخزانة وقال:

_اجهزي علشان هننزل مع حمزة وشمس، مينفعش أسبها، عيد ميلادها لازم أحتفل معاها. 

أمسكت ذراعه تنظر إليه:

_فيه حاجة، مالك؟ 

قاطعهم طرقات على باب الغرفة، دلف بلال بعد سماعه صوت ضي بالدخول، دلف وعيناه على يوسف.. التفت إليه يرمقه باشمئزاز: 

_عايز أتكلِّم معاك. 

_مش فاضي، نازل دلوقتي. 

قالها والتفت إلى ضي:

_اجهزي علشان ننزل دلوقتي مع شمس. 

أوقفه وهو يقبض على ذراعيه: 

_لازم نتكلِّم. 

نفض ذراعيه يطالعه بغضب:

_إنتَ حقير يلا، سمعتني حقير. 

اقتربت ضي تنظر إلى يوسف بذهول: 

_فيه إيه، ليه بتقول عليه كدا؟ 

سحب سجائره وهتف بصوتٍ غاضب:

_أنا مستنِّيكي تحت..قالها وتحرَّك، فهتف بلال: 


البنت اللي كنت قولت لك عليها أيَّام ثانوي…كانت رولا.

تجمَّد يوسف في مكانه.

توقَّف الزمن للحظة، وكأنَّ الاسم وحده كان كافيًا يسحب الهواء من صدره.

استدار ببطء، وعيناه تبحثان في وجه بلال عن أي علامة تكذيب.

أومأ بلال برأسه، وصوته خرج منخفضًا، مكسورًا:

_ هيَّ رولا يا يوسف.

اقترب يوسف خطوة، ثم أخرى، وكأنَّ الأرض تميد تحته:

_ إزاي؟

ابتلع ريقه بصعوبة: 

_ وبعد ده كلُّه…اتجوزتها؟!

ساد صمتٌ ثقيل..

صمتٌ يشبه الاعتراف.

اقترب يوسف أكثر، صوته ارتعش رغم محاولته الثبات:

_ بلال…أوعى يكون ده انتقام، أوعى تكون بتصفِّي حساب.

هزَّ بلال رأسه ببطء: 

_ لا…

ثم رفع عينيه، وفيهما وجعٌ قديم:

_ أنا بحبَّها..لسه بحبَّها، ومقدرتش أتخطَّاها يوم واحد.

شعر يوسف وكأنَّ أحدهم ضربه على مؤخِّرة رأسه.

تراجع خطوة، يمرِّر يده على وجهه كمن يحاول أن يستوعب صدمةً أكبر من عقله.

_ طيب…وكارما؟

قالها بصوتٍ خافت، كأنَّ الاسم نفسه يؤلمه.

_ كنت عايز أثبت لك.

ضحك يوسف ضحكةً قصيرة، مختنقة:  _تثبت إيه؟!

ثم صرخ فجأة:

_ إنتَ هتجنِّني يا بني! بتقول إيه؟ بتلعب بحياة بني آدمين؟!

اقتربت ضي بخوف، قلبها بدأ يشعر بالخطر: 

_ ممكن أفهم إيه اللي بيحصل؟ يوسف..في إيه؟

سحبها يوسف بسرعة، كأنَّه ينقذها من حريق:

_ حبيبتي مش دلوقتي، بالله عليكي.

نظراته كانت مضَّطربة:

_ البسي يلَّا، هنتكلِّم بعدين.

عاد إلى بلال، صوته انخفض لكنَّه صار أثقل: 

_ افهم بقى…لمَّا إنتَ مش بتحبِّ كارما…اتجوَّزتها ليه؟

نظر بلال للأرض، وقصَّ له كلُّ شيء.

بعد ساعات..

جلس يوسف في شرفة مكتبه، الليل يلفُّ المكان بسكونه الثقيل ومازالت

كلمات بلال تدور في عقله..لسه بحبَّها، مقدرتش أتخطَّاها.

تأفَّف بضيق، نهض كمن لا يعرف أين يهرب من نفسه.

فتح جهازه، ارتدى نظَّارته، حاول أن يبدو طبيعيًّا…لكنَّه لم يكن.

رنَّ الهاتف.

_ أيوه يا بلال.

_ يوسف، أنا رجعت البيت..لو سألوا عليَّ.

_ إيه اللي حصل؟

_ مفيش…

صمت لحظة: 

_ الرسالة بعد العيد على طول، وفيه حاجات لسه مخلَّصتهاش.

_ رولا معاك؟

جاء الردُّ متردِّدًا: 

_ لأ…عندك.

ثم بصوتٍ منخفض: 

_ بلاش تقولَّها حاجة…أتمنَّى كده.

_ تمام.

أغلق الهاتف، وبقي للحظة يحاول أن يسيطر على غضبه ممَّا يحدث مع صديقه.

ضغط زرَّ الاتصال: 

_عايز قهوتي.


بعد دقائق، دخلت زهرة.«وضعت الفنجان أمامه.

_ حطِّيها هنا يا زهرة.

رفع رأسه، لاحظ أنَّها لم تتحرَّك.

نزع نظَّارته:

_ محتاجة حاجة؟

كانت تنظر إليه..لا كخادمة، بل كأنثى ترى رجلًا حلمت به طويلًا..عيناها لم تهربا، وصوتها خرج متهوِّرًا، صادقًا حدَّ الوقاحة:

_ أنا بحبَّك.

في اللحظة نفسها، فُتح باب المكتب.

_حاضر يا ماما…ولكنَّها توقَّفت فجأة.

تجمَّدت الكلمة في حلقها.

الهاتف انزلق من يدها وسقط على الأرض.

نظرت إلى زهرة…ثم إلى يوسف…

ثم عادت إلى زهرة.

والكلمة لطمتها بعصا ثقيلة، قاتلة:

"أنا بحبَّك."..ويدها تضعها على كتفه. 

هنا شعرت ضي وكأنَّ قلبها اشتعل،  خطت إليها كالمجنونة، تسحبها بقوَّة من خصلاتها وألقتها حتى سقطت على الأرض، وهدرت بها بعنف. 

سحبها يوسف بغضبٍ ممَّا تفعله، علا صوتها، حتى تجمَّع الجميع على صراخ ضي، دفعت يوسف: 

_بتحبِّي مين يا بت؟! أنا اللي أستاهل يا حيوانة، إنِّي لمِّيتك في بيتي. 

سحبها يوسف بقوَّة مع وصول أرسلان يهدر بابنته من حالتها المجنونة:

_اتجنِّنتي يا بت...قالها وانحنى يرفع زهرة التي ارتفع بكاءها من فوق الأرض.

_والله ماعملت حاجة.



القسم الثاني 47

صرخت ضي:

_يخربيتك..البنت دي تخرج حالًا من البيت. 

في إيه، إيه اللي بيحصل هنا؟! 

هتف بها مصطفى بصوتٍ مرتفع، لم تستمع إلى أحد، وانحنت بجسدها تسحبها من خصلاتها بقوَّة: 

_محدِّش له دعوة، البنت دي مستحيل تقعد دقيقة هنا. 

_ضي..كفاية بقى. 

قالها يوسف بغضب، ثم أشار إلى غرام:

_خدي البنت يا طنط غرام من هنا، ثم التفت إلى ضي: 

_حصل لك إيه اتجنِّنتي، بتحطِّي عقلك بعقل خدَّامة، وكمان عيِّلة؟! 

لكزته بقوَّة أمام الجميع، وهدرت به:

_إيه يا دكتور، عجبك سهوكة البت؟

ضغط على ذراعيها بقوَّة آلمتها:

_لمِّي الدور يا محترمة، وعيب أوي تنزلي للمستوى دا. 

_أتمنى العرض بتاعك يا بنت أخويا يكون خلص، قالها إلياس الذي وصل للتوِّ هو وميرال. 

_آسف للجميع، ضي أعصابها تعبانة، وحطِّت غلَّها في البنتِ الغلبانة.

تكوَّرت الدموع بعينيها وهزَّت رأسها:

_بالظبط زي ماالدكتور قال، ضي اتجنِّنت علشان كدا اتبلِّت على البنت. 

قالتها ودلفت إلى غرفتها بصمت. 

بمنزل آدم.. 

وصلت إيلين مع ابنتها إلى المنزل وهي تحمل بعض الحقائب، رمقهم رائد: 

_إيه دا ياماما، أنتوا جايبين مصر كلَّها ولَّا إيه؟

_دي طقوس العيد يا حبيبي. 

هبط آدم إليهم وهو يضحك:

والله زمان يا إيلين، من زمان مشفناش الحاجات دي. 

ركضت فرح إلى والدها:

_بابي مصر طلعت حلوة أوي، أنا زرت مع مامي أماكن كتير واو واو. 

قبَّل رأسها ونظر إلى ابنه: 

_هيَّ مصر فعلًا أحسن بلد كفاية ريحة أهلها.

رفعت فرح حاجبها:

_أكيد يا بابي بيحطُّوا برفن. 

قرصت إيلين وجنتيها: 

_يقصد الطيبة يا قلبي، وحنين أهلها، ونيلها وكلِّ مكان فيها، دي أمِّ الدنيا. 

زمَّ رائد شفتيه:

_أتمنى نكمِّل السنة فيها على خير يا دكتور. 

حاوط أكتاف ابنه وتحرَّك معه إلى غرفة المعيشة:

_فكَّرت في عرض إلياس الشافعي؟ 

توقَّف ينظر إليه: 

_اللي حضرتك شايفه مناسب يا بابا اعمله. 

بالجامعة.. 

خرج من قاعة المحاضرات يتحدَّث بهاتفه:

_أيوة حموزي، أنا كويس، أديني بتعلِّم على السكاشن لحدِّ مانخلَّص الدكتوراه، زهقت وملِّيت. 

على الجانب الآخر: 

_لا شدِّ حيلك كدا..ظلَّ يتحدَّث معه بعض الدقائق ثم أغلق الهاتف واتَّجه إلى سيارته: 

_أستاذ عمران. 

التفت على الصوت، اقتربت منه تتطلَّع إليه بابتسامة: 

_إزيك...قالتها وهي تمدُّ يدها. 

ابتسم لها، ثم مدَّ يده:

_أهلًا بحضرتك، مين؟ 

_أنا إسراء الفيومي، دكتورة في السن.

_أهلًا وسهلًا.

_أنا أخت صاحب كابتن حمزة. 

_آاااه قولتي لي كابتن حمزة. 


بعد يومين، وفي مساء ليلة العيد،

كانت تجلس في شرفة غرفتها التي اتَّخذتها مهربًا من الجميع، منذ أن ترك فيلَّا السيوفي..احتضنت جسدها كأنَّها تحتمي بنفسها، ترفع عينيها نحو السماء التي تزيَّنت بالغروب، وأصوات التهليل والتكبير تعلو المكان، بينما دموعها تنساب بصمتٍ ثقيل.


هذا اليوم الذي يقضيه الناس بين الدعاء والرجاء.

وهي قضته بين الصمتِ والانتظار.

مدَّت كفَّيها للسماء كما فعلت مئات المرَّات هذا اليوم..

لكن دعاءها هذه المرَّة خرج مكسورًا:

"يارب…أنا تعبت."

يكفي مايحدث لها…

ظنَّت أنَّ اعترافهما سيجعل الحياة بينهما أهدأ، أصدق، أقرب، لكنَّه هرب.

مرَّةً إلى غرفة مكتبه في الأسفل بحجِّة الدراسة، والآن إلى منزله…دون كلمة، دون تفسير.

في يومٍ يُغفر فيه الذنب وتُجاب فيه الدعوات، كانت دعوتها الوحيدة أن يطمئن قلبها، ويجمع شملهما.


يومان لا تراه، لا تسمع صوته،

وقلبها يصرخ بالاشتياق أكثر ممَّا تبكي عيناها.

تساءلت بمرارة، وهي تمسح دموعها بأنامل مرتعشة:

هل تهين كرامتها وتذهب إليه؟

دلفت ضي تبحث عنها، وجدتها بالشرفة:

_بلال جي في الطريق، ماما أصرِّت كلِّنا نكون موجودين، معرفش إيه اللي حصل، بس هوَّ بيحبِّك أوي، ودا سمعته منُّه، حافظي عليه متبقيش هبلة، وانسي كارما دي خالص...قالتها وخرجت متَّجهة ألى غرفتها، دلفت للداخل وجدته غارقًا بنومه، احتضنته بعينيها كما تحتضن الأم رضيعها، تعشقه حدَّ الجنون، اقتربت وجلست على طرف الفراش، عاقبته ولكنَّه لا يعلم أنَّها عاقبت نفسها مئات المرَّات قبله، لمست وجهه، فتح عيناه ثم أغلقها وهو يقول بصوتٍ مبحوح بالنوم:

_الساعة كام؟ 

_المغرب خلاص نصِّ ساعة، قوم ياله، صلِّيت العصر؟ 

اعتدل يمسح وجهه، ثم نظر بساعته وهي تراقبه، التفت إليها: 

_إيه نسيتي إنِّك مخصماني؟

_أنا دعيت كتير النهاردة ربِّنا يحبِّبك فيَّ أكتر وأكتر يايوسف، نفسي تحبِّني زي مابحبَّك، الناس كلَّها بتدعي ربِّنا يرزقها الجنَّة، وأنا بدعي ربِّنا يحنِّن قلب جوزي عليَّ ويحبِّني.

_إيه اللي بتقوليه دا، أنا مش بحبَّك؟!

_الليلة عيد ومش عايزة نزعل من بعض..

قوم الكلِّ تحت، ودكتور آدم وعمُّو يزن وعمُّو كريم، جدُّو مصطفى جمع الكلّ النهاردة، وإنتَ أكبر حفيد. 

سحب رأسها وقبل وجنتيها:

_دي تصبيرة لحدِّ مانفطر. 

ابتسمت بحزن ثم نهضت من مكانها بهدوء على غير عادتها. 

امتلأت حديقة السيوفي بالبهجة؛ طاولات الطعام مصطفَّة، الضحكات تتعالى من كلِّ زاوية، وقلوبٌ اجتمعت على صلة الرحم التي دعا إليها ربُّ العالمين، خاصَّةً في تلك الأيام العظيمة.

كانت ميرال تنظر حولها بشرود، وتهمس لنفسها:

ماأجمل أن يجمع الله القلوب بعد فرقة، وأن يجعل في اللقاء رحمة، وفي القرب طمأنينة.

تذكَّرت قول فريدة دائمًا:

"صلة الرحم مش بس زيارة، دي روح بتسند روح، ودعوة مستجابة قبل ماتطلع من اللسان."

وتذكَّرت حديثًا سمعته يومًا:

"أنَّ من يصل رحمه يبارك الله له في عمره، ويوسِّع له في رزقه" 

وكأنَّ الله يعوِّضه عن كلِّ تعبٍ بلُطفٍ خفيّ لا يُرى".

ابتسمت بمرارة وهي تفكِّر:

كم من القلوب تحتاج صلة قبل أن تحتاج اعتذارًا..

وكم من العلاقات تموت فقط لأنَّ أحدهم لم يمدّ يده في الوقت المناسب.

دلفت سيارة بلال من البوابة الرئيسية.

كانت تراقبها رولا وقلبها يدقُّ بعنف، كأنَّه غائبٌ منذ أعوامٍ لا أيام.

راقبها يوسف بصمتٍ موجع…

_هل يستطيع الإنسان أن يتغيَّر إلى هذا الحد؟

أم أنَّ الله يضعنا أحيانًا في اختبارات القرب،

ليرى، هل نصل كما أمر؟ أم نبتعد كما نخاف؟

اقترب بلال ملقيًا السلام على الجميع،

حيَّاهم بابتسامةٍ هادئة، ثم اتَّجه نحوها مباشرة..طبع قبلةً مطوَّلةً على رأسها…دون حديث.

ارتفع أذان المغرب ممزوجًا بالدعوات،

فتحوَّل المكان إلى لوحةٍ من البهجة والسكينة، بين قلوبٍ أدركت أنَّ صلة الرحم ليست عادة اجتماعية، بل عبادة خفيَّة..

من يفعلها يربح الناس…

ومن يحافظ عليها يربح الله.

بعد عدَّة ساعات.. 

صعد الى الغرفة وهو يحدِّث نفسه، كيف له الصمود وقلبه يحترق بنيران الاشتياق، دعا ربَّه بسرِّه أن يمرَّ الليل دون أن يؤذيها، فتح الباب ودلف للداخل بهدوء، وجد الظلام يعمُّ الغرفة سوى من الإضاءة الخافتة، ظنَّ أنَّها غفيت، تحرَّك إلى غرفة الملابس، ولكنَّه توقَّف وهو يرى ذلك الملاك، ترتدي قميصًا أبيض شفَّاف، لم تره..

كانت تواليه ظهرها، تضع لمسات تجميلية، ثم قامت بوضع عطرها الناعم، أغمض عيناه من الرائحة التي تسلَّلت إلى رئتيه، وكأنَّها حجبت الهواء بالكامل.

استدارت لتغادر، لكنَّها توقَّفت حين رأته يقف بطوله المهيب أمامها.

كان حضوره وحده كافيًا ليجعل قدميها تتجمَّدان مكانهما.

ظلَّت تنظر إليه، وهو ينظر إليها،

نظرة طويلة مشبعة بعتابٍ لذيذ، شوقٍ مؤلم، وأسئلة لم تجد طريقها للكلام.

اقترب منها ببطء، كأنَّه يخشى أن يفزعها..

حتى صار على بُعد أنفاس،

رفع ذقنها برفق، وصوته خرج دافئًا رغم ارتباكه:

_ياترى التجهيز ده علشاني ولَّا إيه؟

أزاحت يده بصمت،  قلبها لم يعد يحتملها.

تحرَّكت نحو الخارج، وخرج خلفها يطالعها بصمتِ موجع.

أردف بصوتٍ حاول أن يبدو ثابتًا:

_كلِّ سنة وإنتِ طيبة…دا أوّّل عيد وإنتِ مراتي.

التفتت إليه فجأة، وعيناها كانتا ممتلئتين بليلٍ طويل من البكاء:

_منتظر منِّي إيه، أحضنك..أضحك..أعمل إنِّ كلِّ حاجة تمام؟

وأنا كلِّ ليلة بنام ودموعي على خدِّي،

وإنتَ عارف إنِّي بموت من بعدك.

اقتربت خطوة، صوتها يرتعش:

_عملت إيه علشان تعمل معايا كده؟

بستناك كلِّ ليلة…بلبس، وأقول يمكن ييجي، يمكن ياخدني في حضنه ويقولِّي آسف..

وأنا أضعف وأقول له وأنا كمان…

بس الحقيقة، أنا موجوعة من كلِّ حاجة.

انهارت، وبكت دون محاولةٍ للتماسك:

_مش عايزة حد يبص لي على إنِّي منبوذة..

مش عايزة أبان ضعيفة قدَّام الناس،

قلبي وجعني منَّك أوي…

في الوقت اللي المفروض تكون ضهري، 

سيبتني أواجه الدنيا لوحدي.

سكتت لحظة، ثم همست بألمٍ أشد:

_حتى يوسف…أكيد فكَّر حاجة وحشة،

لأنُّه عارف إنَّك لسه بتحبَّها.

هنا لم يترك لها فرصة لإكمال الجملة..

لم يقاطعها بكلام، بل جذبها إليه فجأة، بقوّّة رجلٍ كان يتماسك منذ أيام.

احتواها بين ذراعيه احتواءً طويلًا، عميقًا، كأنَّ روحه هي التي تضمُّ روحها.

لم يكن عناقُ جسدين، كان عناقُ غياب…

عناق خوف…عناق شوقٍ انفجر دفعةً واحدة..توقَّفت عن البكاء تدريجيًا،

وسمع فقط صوت أنفاسهما المتداخلة:

_بلال أنا مش قادرة أعيش من غيرك. 


هنا لم يعد سوى دقَّاتُ قلبينِ تعلَّما أخيرًا نفس الإيقاع..مرَّت لحظات صامتة..

لحظاتٍ كانت كافية ليشعرا أنَّهما وحيدان في العالم..يغرق معها بدفء المشاعر، ينثر إليها ترانيم عشقه، ويصكُّ ملكتيه، في بداية الأمر كان يحاول أن يتلاشى من الذاكرة مارآه، حاول مرارًا وتكرارًا بغضبه منها ومن نفسه، شعرت به ولكنَّها تركته لم تعترض، لأنَّها تعلم أنَّها أخطأت بحقِّه وأذنبت، ورغم غضبه إلَّا أنَّها كانت تشعر أنَّه أمانها وحياتها، تمنَّت أن يتوقَّف الزمن والعالم كلِّه بين أحضانه.

ابتعد عنها قليلًا، ينظر إلى عينيها بدهشة،

وكأنَّه يكتشفها للمرَّة الأولى.

أغمضت عينيها بخجل، تهرب من نظرته..بعد اكتشافه لعبتها عليه. 

لم يفعل شيئًا سوى أن طبع قبلةً هادئةً على جبينها، قبلة طمأنينة رغم اشتعاله ممَّا فعلته، ولكن كان قلبه يصرخ بسعادةٍ صافية..همس بصوتٍ ممزوجٍ بالفرح والحيرة:

_ليه كذبتي عليَّ؟

سحبت الغطاء حولها بخجل،

وقالت بصوتٍ مرتعش:

_كان لازم أتأكِّد إنَّك بتحبِّني.

هزَّ رأسه غير مصدِّق، بابتسامةٍ موجوعة:

_معقول توصلي لكده؟!.

عارفة أنا حسِّيت بإيه يوم فرحنا، ليه تكسري ليلتنا؟

نظرت له بعينينِ دامعتين:

_كنت منتظر منِّي إيه، وأنا سمعت اعترافك..أغمض عينيه، لا يريد أن يحزنها في هذه الليلة.

اقترب منها مرَّةً أخرى، هذه المرَّة بهدوءٍ تام، وكأنَّ العالم كلِّه صار غرفةً واحدة.

نامت بين ذراعيه أخيرًا، لا كزوجةٍ فقط، بل كطفلةٍ وجدت ملجأها بعد خوفٍ طويل، ولتصبح ليلتهما ليلةً لا تُشبه الحكايات الصاخبة، بل تشبه الحقيقة:

قلبانِ متعبان، وجدا في بعضهما

أوَّل أمانٍ حقيقي.

بعد شهر خرجت من العيادة دموعها تنساب بصمت وكلمات الطبية تحرق روحها، الى أن وصلت الى منزلها، كان ينتظرها والخوف يسيطر عليه، اقترب منها بلهفة

_كنتي فين دا كله، قلقتيني وليه مابترديش على التليفون 

ظلت تنظر اليه بصمت ثم قالت بصوت منكسر: 


_يوسف… ليه ما حصلش حمل؟

شحب وجهه من حالتها ونظراتها القاتلة، دنت ودموعها تنساب على خديها كالنيران 


_رد عليّ، إنت اللي مأجل الموضوع، صح؟

كوّر قبضته، يحاول السيطرة على نفسه.

_وطّي صوتك… إحنا بالليل.

دفعت صدره بيدها، وقد انفجر غضبها:

_إيه؟ مش عايزني أتكلم كمان؟

الدكتورة قالتلي إنك مانع الحمل!

قالتلي: روحي اسألي جوزك.

طب لما إنت مش عايز ولاد… اتجوزت ليه من الأساس؟

استدار فجأة، وخرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه بعنف.

كان قلبه جمرة، تكاد تحرق جسده كله.

أما هي، فهوت على المقعد، جسدها يرتجف، وذاكرتها تسحبها قسرًا إلى حديث الطبيبة.

_مدام ضي… أنا قلت لك المرة اللي فاتت إن نسبة التبويض كانت عالية، وسهل جدًا يحصل حمل.

اللي واضح قدامي إن مفيش أي تقدم… حتى مفيش انفجار للبويضات.

ارتفعت دقات قلبها، وهمست بارتباك:

_يعني إيه؟

_يعني احتمال من اتنين…

يا إما جوزك مأجل الموضوع، وده سهل بطرق طبية.

يا إما…

توقفت الطبيبة، فهزّت ضي رأسها بعصبية:

_يا إما إيه؟

_ممكن يكون عنده مشكلة.

هزّت رأسها بعنف، وكأنها تطرد الفكرة، وكلماته ليلة زفافهما تصفع ذاكرتها.

نهضت فجأة:

_لا… معندوش مانع.

قالتها وخرجت من غرفة الطبيبة، تسير في الشوارع، دموعها تفرش خطواتها.

_ليه يا يوسف؟ ليه مش عايز تخلف؟ ناوي على إيه؟

أفاقت من شرودها على رنين هاتفه بإشعار رسالة.

اقتربت، والتقطت الهاتف وفتحته… رسالة باللغة الإنجليزية، مصطلحات طبية معقدة.

مسحت وجهها بعنف، حاولت  ترجمته، لكن الباب فُتح فجأة.

دخل يوسف، تجمّد حين رآها تمسك هاتفه.

انحنى، سحبه من يدها دون كلمة.

_مين باعت لك رسالة دلوقتي؟

لم يرد.

خرج من الغرفة بالكامل.

تحركت خلفه بسرعة، دخل إحدى الغرف وأغلق الباب خلفه.

طرقت الباب مرة… ثم مرة أخرى.

لكنّه لم يكترث لوجودها، ولا لنبضها الذي كان ينهار خلف الباب 

_يوسف افتح الباب ورد علي، عايزة اعرف الحقيقة، انت ليه بتدبحني 

دا بالغرفة كالطائر الذبيح، لم يعد لديه روح للرد او الحديث، هل يصرخ لها بكل مايؤلمه، شعر بتوقف قلبه من فكرة معرفتها الحقيقة، دموعه نزلت رغمًا عنه، وفقد القدرة على الحركة، ليهوى على المقعد.. 

ارتفع رنين هاتفها بالغرفة، فتراجعت وهي تنظر الى باب الغرفة المغلق.. ازالت دموعها ورفعت الهاتف 

_ايوة مين 


 تكملة الرواية من هناااااااا 


لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله الجزء الاول من هناااااااااا

الرواية كامله الجزء الثاني من هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا





تعليقات

التنقل السريع
    close