رواية مديري مستر فرعون الفصل الأول والثاني والثالث والرابع والخامس بقلم الكاتبه رحاب إبراهيم حسن حصريه
رواية مديري مستر فرعون الفصل الأول والثاني والثالث والرابع والخامس بقلم الكاتبه رحاب إبراهيم حسن حصريه
الفصل الأول ..
تسحبت تلك البائسة ليلًا وهي تكافح الّا يستيقظ أحد من هؤلاء العقارب أسرة عمها المضجعين في فراشهم ويغطون في سُباتٍ عميق، حتى دخلت بترقب لغرفة على يمينها، وسحبت ببطء ورقة جريدة تعلن عن وظيفة هامة بشركة سياحة تم افتتاحها حديثا منذ سنة تقريبًا بعد فترة تجديد بالمبنى أخذ أشهر وتم تسلميها للمالك الجديد، فباتت ذات صيت في فترة وجيزة بعد حالة ركود استمرت لسنوات.
وتنفست الصعداء وتهللت أساريرها عندما وجدت ورقة الإعلان مندسة بملف به أوراق وشهادات أبنة عمها "شاهندة" .. تلك الفتاة البغيضة التي لا تنفك عن السخرية منها ومن مظهرها وجميع تصرفاتها بلا أدنى شفقة أو رحمة.
حذرت " ليلة العيد" أن لا تصدر أي صوت وهي تنسحب مرةً أخرى وتغادر الغرفة قبل أن ينكشف أمرها .. وبلحظاتٍ قليلة عادت لغرفتها الصغيرة المكدسة بكتب جميعها تتحدث عن تاريخ المصريين القدماء وذلك العصر القديم الذهبي الذي يفتنها القراءة عنه منذ سنوات .. والذي كانت فيه الأرض المصرية أرضا للملوك والكنوز والتقدم بين ظلام وعجاف كان يسود السواد الأعظم من بلاد العالم.
جلست على فراشها وتنهدت بقلق هامسةً لنفسها بخفوت وهي تقرأ الإعلان على مهلٍ وتفكر بشروط الوظيفة المُعلن عنها، فقالت بضجر:
_ طب وايه العمل بقا، ده مش بس محتاجين شهادات علمية معتمدة، ده كمان طالبين خبرة مش أقل من ٣ سنين ؟! كالعادة يعني!!.
وعندما تابعت القراءة ابتسمت بأمل اخيرًا وهي ترفع نظارتها الطبية السميكة على أعلى عظمة أنفها وهمست لنفسها بدعم :
_ معايا لغة ومستوايا ممتاز فيها .. وشرط التفرغ موجود، والسفر هوافق عليه طبعا، ده حتى اترحم من الخلق اللي ما يعلم بيها غير ربنا وعايشة معاهم دول .. بس الشهادة والخبرة دول بقا الأزمة.
وعاد السأم يغزو محياها، حتى لمحت شرطاً أضافي مكتوب هامشيًا بآخر الشروط، وقرأته ببطء وضيقا ملأ نفسها :
_ وتكون حسنة المظهر ..!!
ضيقت عينيها للحظات على ذلك الشرط، ثم نهضت من فراشها وتوجهت نحو المرآة الكبيرة المتقشرة بغرفتها، ونظرت لنفسها بتمعن وصمتٍ .. لمحت بشرتها الباهتة وعينيها المختبأة خلف نظارة سميكة بشعة المظهر وكأنها قطعتان من اللحم المقدد المحروق تضعهما على عينيها، عدى عن وجهها العابس دائمًا والذي لا يسر الناظرين بأول طلّة:
_ ربنا يستر بقا .. ما هو أكيد يعني مش ده أهم حاجة!!.
ماءت قطتها السوداء "شفيقة" وهي ترفع رقبتها القصيرة ذات الفرو الناعم وتبرق بعينيها الخضراء بنظرة حادة، فنظرت لها "ليلة العيد" وقالت تخاطبها وهي على حافة أن تجهش بالبكاء:
_ عارفة أني مش حسنة المظهر بلاش تبصيلي كده ! .. ولا أنتي جعانة ولا إيه ؟!
ماءت قطتها مرةً أخرى واقتربت وهي تتمسح بقدميها برجاء، فرفعتها اليها وضمتها "ليلة العيد" وقالت وهي تربت على ظهر قطتها السوداء بحنان :
_ والله يا شفيقة أنتي أنضف حد أعرفه وأحن قلب عليا .. من يوم ما لقيتك في رحلة الأقصر من شهر و بقيتي كل حاجة ليا.
قبلّت قطتها برقة ووضعتها أرضاً حتى تذهب وتأت إليها بطعامها الخاص، وحينما كانت بالمطبخ تُعد لقطتها بعض أجنحة الدجاج المسلوقة استندت بظهرها على رخامة المطبخ وشردت بعض الشيء، وعينيها نظرت بشرود للسماء الحالكة بالظلام من خلال نافذة المطبخ المفتوحة .. وهمست لنفسها بتمنّي:
_ ياريت لو كان بإيدي حياتي كلها تتقلب وتبقى حياة تانية .. حتى لو في زمن تاني ومع ناس تانية .. حاسة أن الزمن ده لا زماني ولا المكان ده ينفع يبقى مكاني.
وظلت تُحدث نفسها بأماني من المستحيل أن تتحقق بكل سُبل المنطق والعقل، وعندما مر بعض الوقت استدارت للموقد حتى تطفئه وتفاجئت بقطتها وهي تنظر لها بنظرة غريبة، لم ترتاب "ليلة العيد" ولم تكترث لشيء واعدت طعام القطة بهدوء .. وعندما وضعت للقطة الطعام التهمته القطة بشهية عالية وأصدرت مواءّ محبب دلالاة الرضا عن الوجبة اللذيذة .. فشاكستها بابتسامة مداعبة وتركتها، ثم عادت لغرفتها الضيقة تفكر بكيفية طلب التقديم لتلك الوظيفة.
ولكن بعد لحظات انضمت لها القطة السوداء شفيقة بالفراش، وسبحت ليلة العيد في نوم عميق والقطة تطالعها بمحبة ...
(وبأحلامها ....)
كانت تركض وسط الضباب ومكان تنخرط فيه البدائية والكآبة بجميع الاتجاهات، كانت تركض بذعر كأنها تهرب من وحشا مخيف .. حتى تلقفتها يدًا مجهولة وأخرجتها من ذلك المكان الموحش إلى بستان مليء بالزهور والرمال المتلألأة تحت ضوء شمس الغروب الدافئة ..
نظرت " ليلة العيد" لليد لتجد أن صاحبة تلك اليد امرأة اكتمل ظهورها بلحظة وكأنها نفرًا من الجن !!
وابتسمت لها المرأة برقة وقالت :
_ متخافيش أنا جانبك وهساعدك تحققي كل أحلامك.
سألتها ليلة العيد باهتمام وتوجس، خصيصا أن تلك المرأة يبدو عليها وكأنها آتية من العصور القديمة بمظهرها وزينتها النادرة :
_ أنتي مين ؟!
ابتسمت المرأة التي يبدو عليها وكأنها ستغادر سن الأربعين بعد عامين على الأكثر وقالت :
_ مش مهم تعرفي دلوقتي، بس أنتي ساعدتيني وأنقذتيني من الجوع بعد ما اختفت كل قوتي لما هربت من زماني .. أنا هساعدك زي ما ساعدتيني.
لم تفهم " ليلة العيد " مقصدها تمامًا، فقالت المرأة بابتسامة عريضة وهي تشير للبستان :
_ على ما قوتي ترجعلي هكون جانبك في كل مكان وأحاول اساعدك توصلي لأحلامك .. ولما قوتي ترجعلي كلها هحققلك كل اللي بتحلمي بيه فورًا ..
ابتسمت ليلة العيد بدهشة وقالت :
_ يعني أخيرًا هفرح وأبطل أخاف من كل اللي حواليا وأخد حقي وأعيش حياتي؟
ربتت المرأة على يد ليلة العيد بحنان واكدت:
_ أيوة ، هحاول احققلك كل اللي بتتمنيه قبل قمر ليلة ٣٠ في الشهر ده ... بعد الليلة دي مش متأكدة هكون موجودة هنا ولا لأ .. وعشان كده من النهاردة أوعدك أني ببقايا القوة اللي معايا هحاول أساعدك حتى لو بقيت زي ظلك.
سألتها ليلة العيد بلهفة وقلق :
_ هتروحي فين ؟
أجابت المرأة بابتسامة حنونة كأم تلاطف أبنتها:
_ هكون بخير أطمني ، بس في زمن تاني .. ومع ناس تانية ، زمن غير زمانكم .. لناس مستنياني.
وربتت المرأة على يد ليلة العيد بحنان أمومي شديد، حتى استيقظت ليلة من ذاك الحلم فجأة وانتبهت لجلوس قطتها السوداء ثابتة ومحدقة فيها بنظرة هادئة تمامًا، ورغم ذلك تدعو للقلق .. ولكنها لم تكترث كثيرًا وتجاهلت الأمر، ثم فركت عينيها واخذت القطة بين ذراعيها بمحبة وخلدت للنوم مجددًا ..
__________________________
وباليوم التاليــ
تسللت أشعة الشمس عبر نافذة غرفتها المظلمة وفتحت ليلة العيد عينيها ببطء، تثاءبت بكسل وهي تحرك ساقيها قليلًا قبل مغادرة الفراش لتحرر الدماء فيهما.. ولكنها انتبهت لنظرة القطة "شفيقة " وهي تنظر لها بتمعن ودقة، اخذت نظارتها السميكة وارتدتها سريعا لتصحح الرؤية الضبابية، ثم ابتسمت للقطة وهي تجثو لتحملها وتدللها وهمست بلطف :
_ هقوم اجيبلك الفطار يا شفشق.
وسرعان ما ذهبت للمطبخ وهي تتثاءب بعينان نصف مفتوحةً، ولكن ما أستوقفها هو حديث أبنة عمها شاهندة وهي تتحدث بعصبية على مائدة الافطار مع أمها وأشقائها وتقول بحدة:
_ كنت جيبالكم ورقة الأعلان اوريهالكم عشان تصدقوني بس ضاعت مني للأسف ومش لقياها في الملف بتاعي، تخيلوا الغبي ده خلاني قدمت استقالتي عشان مش عاجبه الأكسنت بتاعي !! .. واللي يغيظ أنه طالب في الاعلان مؤهلات أقل من اللي معايا ؟!... طب طردني ليه ؟!.
ارتشفت شقيقتها الصغرى "سالي" القليل من كوب مشروبها الدافئ وقالت بابتسامة ساخرة تفسر بعدم أقتناعها لمَ تقوله شاهندة:
_ ما هو انتي برضه يا شاهندة الاكسنت بتاعك في الانجليزي مش واو يعني .. ودي شركة سياحة يا حبيبتي، يعني كل شغلكم مع اجانب تقريبًا .. وبيشتكوا في أقل غلطة.
نفخت شاهندة بنظرة غاضبة من شقيقتها وهتفت بوجهها وهي تستشيط غضبًا :
_ تعرفي تنقطينا بسكاتك يابت أنتي ؟! .. أنا فيا اللي مكفيني.
تدخلت الأم " سميرة" وقالت هاتفة بأبنتيها ليتوقفا عن الجدال الغير مثمر :
_ مش عايزة كلام في الموضوع ده تاني، وأنتي يا شاهندة هتشتغلي في المصنع مع أبوكي .. وبلاها تنطيط من شغلانة لشغلانة وكل يوم عملالي موال ومشاكل !!.
شهقت شاهندة بصدمة، بينما ضحك أخوتها سالي وحسام عليها، وبعدما خرجت شاهندة من صدمتها قالت برفض واحتقار للفكرة وهي لا تتخيل أنها ستفعل ذلك بيوم من الأيام :
_ بقا عايزاني أنا شاهندة اشتغل في مصنع صابون ؟!
تمتم حسام بسخرية وشيء من الملل والسأم لمدى سطحية شاهندة ونكرانها الدائم لسنوات الفقر التي أخذت الكثير من طفولتهم :
_ الله يرحم.
نظرت لها الام سميرة بحدة وقررت بحسم :
_ مكنتش عايزة كده، لكن بما أنك كل ما تروحي لشغلانة تعملي مشاكل الدنيا مع زمايلك ويمشوكي فالأحسن تشتغلي بكرامتك في مصنع أبوكي .. على الأقل دي شغلانة لا محتاجة اكسنت عالي ولا محتاجة غير حضورك، مش كفاية دراستك اللي خلتينا دفعنا فيها دم قلبنا عشان بس تعدي وتنجحي!.
تدخل حسام مذكرًا والدته بخبث :
_ بس المصنع ده مش بتاع بابا في الأساس يا أمي، أنتي ناسية أنه بتاع عمي سعيد الله يرحمه.
حدجته أمه سميرة بنظرة عنيفة جعلته يلتزم الصمت ولا يتابع حديثه، فألتوى فمه بضيق ونهض مغادرًا المنزل وهو يجري اتصال هاتفي لفتاة من قائمة طويلة من الفتيات الذي يواعدهن، وانتبهت لهذا المشهد استماعا " ليلة العيد" وهي تفتح باب الثلاجة وتأخذ قطعا من الجبن المحبب لقطتها،
وازدرت ريقها بمرارة وما باتت تسأل نفسها ذلك السؤال المُحير الذي لازمها لسنوات ..
كيف لهذه السيدة زوجة عمها أن تبدو قاسية لهذا الحد وهي أيضا خالتها ؟! .. فهي شقيقة والدتها الراحلة أيضاً، ولكن شتان بينها وبين أمها تلك السيدة العطوف الطيبة المعشر ..
أغلقت باب الثلاجة وهي تتنهد بثقل وحاولت أن تبعد تلك الافكار المؤلمة عنها، وتابعت عودتها لغرفتها في هدوء زائف...
_____________________________
وفي طريق عودتها أتت اليها القطة راكضة بالصالة الواسعة وماءت بلهفة للجبن الممتلئة به يد " ليلة العيد" .. فقالت لها وهي تحملها وتتحاشى النظر لهؤلاء المُسلطة أعينهم عليها باستخفاف وسخرية:
_ تعالي افطرك في أوضتنا احسن يا شفيقة.
فقالت زوجة عمها وخالتها أيضا "سميرة" بغيظ ونفور وهي تنظر للقطة بكراهية :
_ القطة المقرفة دي لازم تمشي من هنا وده آخر تحذير ليكي، ده كفاية شكلها المرعب ده!.
حاولت أن تتحكم ليلة العيد بأعصابها وردت بهدوء زائف:
_ دي قطتي وهتفضل معايا وأظن أنها مش مسببة لأي حد أزعاج هنا ..
قالت شاهندة بحدة وكأنها وجدت شيء تفرغ فيه غضبها المكبوت لطردها من وظيفتها :
_ كلام ماما يتسمع وإلّا يومك مش معدي ..
زمت ليلة العيد شفتيها وكافحت لتكظم غيظها بشتى الطرق حتى لا يحدث شجارا بينهما كالمعتاد وتخرج منه خاسرة كالعادة عندما يلتفون حولها الثلاثة ويتناوبون بالشتائم والسباب وأحيانا اللكمات .. فتوجهت لغرفتها وتجاهلت تلك السخيفة أبنة عمها، مما أثار غيظ شاهندة وجعلها على حافة الجنون، فنهضت وتوجهت خلفها وهي تضمر الشر.
وعندما ما كادت أن تجلس ليلة العيد على فراشها وتطعم القطة وجدت شاهندة آتية بكامل غضبها وتصرخ فيها بغضب مبالغ فيه:
_ القطة دي لو فضلت هنا ساعة واحدة كمان هحطلها سم أو ارميها من الشباك.
حاولت أن تتحكم ليلة بأعصابها ولكن لم تستطع، فنهضت لها قائلة بعصبية وقد نفد رباط الجأش:
_ أنتي عايزة ايه مني بالضبط ؟! .. ما أنتي مربية كلب ومحدش اتكلم ولا اعترض، اشمعنى القطة بتاعتي اللي عملالك أزمة ؟!... ولا هو الغل اللي مالي قلبك من ناحيتي ؟!.
اتسعت عينان شاهندة بذهول وهي تجوب بنظرتها ليلة من أعلاها لأخمص قدميها بسخرية وازدراء، ثم صاحت باحتقار وغضب وهي تندفع اليها بشر :
_ أغل منك أنتي يا أم اربع عيون على ايه ؟! ... أنتي مش شايفة نفسك ولا معندكيش مراية تشوفي شكلك العرة ده يا بت؟! .. والله وبقا ليكي صوت وبقيتي تردي عليا وتوقفي قدامي كمان ؟!.
وأتى الجميع خلف شاهندة عندما بدأ الشجار وارتفع صوتها، فقالت سالي بأحتقار لليلة العيد:
_ شكلك نسيتي علقة كل مرة .. ما هو بابا السبب، من ساعة ما بعدنا عنك آخر مرة وخلصك من ايدينا وأنتي طيحتي فينا ومابقاش حد عارف يوقفك !...
تقدمت خالتها سميرة بنظرات حاقدة لأبنة أختها وقالت بشراسة وهي تشير لها بتهديد وتحذير:
_ والله لو ما احترمتي نفسك ولميتي لسانك لأعرفك مقامك، انا غلطانة اللي سكتلك الفترة اللي فاتت ومعلمتكيش الأدب اللي ما أتربتيش عليه .. يا قليلة الادب والرباية !.
نفد رباط الجأش من أعصاب ليلة وقالت بشراسة ودموعها تنزف من عينيها :
_ أمي الله يرحمها ربتني أحسن تربية، محدش خلاني أرد واتكلم بعد ما كنت قطة مغمضة غيركوا، من صغري وانتوا بتذلوني وبتتلموا عليا وتضربوني .. ولا نسيتي يا خالتي أنك بعد موت أمي جيتي وخدتي كل حاجتها غصب عني ، قعدتوا في بيت ابويا وأمي بالأجبار وعاملتوني على أني خدامة، حتى المصنع ما بيوصلنيش منه غير شوية ملاليم وفكة .. حتى القطة بتاعتي عايزين تمشوها غصب عني كيد فيا .. بس خلاص انا مش هسكتلكم تاني .. والبيت ده بيت أبويا وانتوا اللي اغراب وضيوف، ولو كان عمي بقا ليه نصيب في ورث ابويا فأنا وهو حسابنا مع بعض مش معاكوا .. من النهاردة ترجعوا لشقتكم القديمة اللي كانت هتقع عليكم لولا موت أبويا ومجيكم هنا ...
باتت عينان سميرة جمرتان من الغضب ودوت على وجه ليلة العيد بصفعات متتالية وقاسية وهي تعنفها وتسبها، فصرخت ليلة وقالت بأنهيار وهي تستشيط غضبا:
_ أنا بكرهك .. طول عمرك بتغيري من أمي ومن عيشتها وبتحقدي عليها، ما استنتيش لحظة بعد وفاتها وقبل ما تاخدي عزاها كنتي هنا وواخدة كل هدومها ودهبها والضحكة والفرحة مالية عنيكي كأنك لقيتي كنز .. سكوتي كان عشان طفلة صغيرة ومش مستوعبة، لكن كل سنة كنت بكبر فيها كان بينكشف ليا طمعك وحقدك .. بتضربيني وأنتي عايشة في بيتي ومن خير أبويا !! .. المرادي مش هسكتلك.
وركضت خارج الشقة السكنية وجلست على درجة من السلم الرخامي وانتفضت بالبكاء .. ولحظات مرت عليها ثقيلة مليئة بالأسى والحزن، حتى انتبهت لمواء قطتها الخافت ونظرتها المواسية.. أخذتها ليلة العيد وضمتها وهي تبك، وبعد دقائق مسحت دموعها ودخلت الشقة مرة أخرى وقد قررت شيء ...
_______________________________
وبمكتب محامي كان صديقا قديما لوالدها الراحل ..
دخلت" ليلة العيد " بعينان متورمة من البكاء وجلست تنتظر دورها للدخول ..
وبعد أكثر من نصف ساعة دخلت سريعا للمكتب، وحينما رآها الرجل ابتسم لها بترحيب رغم نظرة شفقة بعيناه جاهد أن يخفيها، وبعدما جلست امامه ليلة العيد قالت وهي تتحكم بدموعها :
_ أنا عايزة أرفع قضية على عمي، مش عايز يسلمني ورثي ومخلي مراته وولاده يبهدلوني ويذلوني .. انا استحملت وصبرت كتير لكن كفاية كده ..
صمت الرجل لبعض الوقت وقال بأسف :
_ بصي يابنتي الكلام اللي هقولك عليه ده أنا شوفته بنفسي .. للأسف عمك باع لنفسه كل حاجة بالتوكيل اللي معاه.
صدمت وتجمدت وهي تنظر له، فتابع الرجل بضيق :
_ أبوكي الله يرحمه كان طيب وغلبان ومسلّم اخوه كل حاجة ، وعمك توفيق طول عمره زي التعابين عرف يستغل طيبة أبوكي كويس أوي في آخر أيامه قبل الحادثة.. عرف يمضيه على أوراق كتير من غير ما يحس ده غير التوكيل كمان .. ودلوقتي كل حاجة باسمه قانونيا .. يعني مش هناخد معاه لا حق ولا باطل، الكلام ده ما قولتهوش السنين اللي فاتت لانك كنتي صغيرة ومش هتستوعبيه، لكن من مصلحتك أنك تفضلي زي ما أنتي وماتعرفيش حد أنك عرفتي الحقيقة ..
وتابع حديثه بنصيحة وشعور متواري بالشفقة:
_ لو عرفوا انك اكتشفتي الحقيقة هيذلوكي أكتر ، استحملي شوية لحد ما ربنا يرزقك بأبن الحلال وتخلصي منهم وتبعدي عنهم .. وبالنسبة للورث صدقيني يابنتي المال الحرام بيتعب صاحبه أوي .. والحق بيرجع ولو بعد حين.
ارتعشت شفتي ليلة العيد بدموع، ثم قالت بقهر واختناق :
_ عشان كده خالتي مستقوية ومش هاممها أي كلام أقوله ، كنت جاية وكل أمل أني الاقي عندك الحل واخلص من العذاب اللي عايشة فيه .. لكن كده لو اتكلمت وعرفتهم هيرموني في الشارع ومش هيرفلهم جفن حتى !.
رد الرجل موضحا ومؤكدًا:
_ عمك سرق ورثك ومسابش دليل يدينه .. بس ربنا كبير أوي وهيرجعلك حقك، انزلي أشتغلي ومتقعديش في البيت كتير واصبري على الأبتلاء ده.. وكل شيء له آخر.
نزفت عينان ليلة العيد الدموع بغزارة أسفل نظارتها السميكة وقالت :
_ ده مش بس هو اللي سرقني، ده خالتي كمان سرقت دهب أمي كله وماسبتليش منه أي حاجة .. أنا حتى لو فكرت أهرب مش هيبقى معايا اللي يسترني وما يحوجنيش لحد ..
اعترض الرجل وقال بتحذير :
_ اوعي تعملي كده، أنتي بنت والدنيا مليانة وحوش يابنتي والكل هيطمع فيكي، هما بكل جحودهم هيبقوا أفضل من الغرب وأنتي لوحدك .. أصبري لحد ما ربنا يكرمك.
وقفت بجسدها الذي وكأن أصابه الوهن فجأة وغادرت من المكتب دون أضافة المزيد ..
وضمت حقيبتها لصدرها وهي تبك وتسير بالطريق وسط المارة والزحام ولم تكترث للنظرات المشفقة على حالتها التي يرثى لها، وظلت هكذا حتى اوقفت سيارة أجرة ... وسألها السائق عن العنوان عندما جلست بالمقعد الخلفي شاردة وباكية :
_ العنوان يا آنسة ؟! ...... يا آنسة ؟!
خرجت من شرودها وأخبرته بعنوان منزلها بصوت متحشرج، الذي وبالأصح لم يعد منزلها، وعندما تحركت السيارة نظرت لحقيبتها وطرأ بفكرها شيء متهور، نظرت لساعة يدها وتمتمت :
_ الساعة ١٠ صباحا .. يعني لسه في وقت ..
وحمدت ربها أنها كانت تحتفظ بورقة شهادتها الوحيدة للثانوية العامة بداخل الحقيبة منذ ليلة الأمس وهي تفكر بالوظيفة، واخرجت الورقة وتفحصتها بتمعن ودموع، خصيصا عندما وقعت نظرتها على مجموعها بالقسم الأدبي، وقالت بحسرة وبكاء:
_ ٩٥٪ .. منك لله يا عمي انت ومراتك وولادك، دمرتوا مستقبلي وغصبتوني مكملش .. كان زماني دلوقتي رايحة أقدم للوظيفة وأنا مطمنة ومش خايفة ..
لم تتوقع رد السائق العجوز عليها بعدما انتبه لحديثها وفهم نبذة عن ما تعانيه وحدثها برفق :
_ محدش بياخد أكتر من نصيبه يابنتي .. قدمي يمكن ربنا يكرمك.
ردت ليلة العيد ببكاء وشعور خانق بالضعف:
_ ده انا لو قدمت الشهادة اللي معايا وبس ممكن يطردوني برا .. أنا بحلم من سنين بالشغلانة دي، بس الوصول ليها مستحيل تقريبًا..
سألها السائق عن ماهية الوظيفة التي تتحدث عنها، وعندما أخبرته ابتسم وقال بحبور :
_ ده الشركة دي عاملة ضجة فعلًا ... بنت أختي لسه متوظفة فيها من أسبوعين، مكنتش مصدقة نفسها برضه، أصل المدير بتاع الشركة دي بيقولوا شاب صغير وبينقي الموظفين بتوعه على الفرازة ، بعد ما المدير الاولاني تقاعد وباعه شركته ليه. بصي اللي فهمته يعني أنه بيختار الكفاءة مش الشهادة .. فقدمي وربنا ييسر الحال.
قالت ليلة العيد وهي تمسح دموعها بشيء من الامل :
_ أنا برضه سمعت كده، هتوكل على الله وزي ما تيجي تيجي بقا، معلش ممكن توديني على عنوان الشركة وتغير الطريق.
وافق السائق العجوز وتبسم بصدق :
_ ربنا يجعلك فيها مكانة كبيرة يابنتي احسن من اللي بتحلمي بيها .. أنا برضه وصلت بنت أختي يومها وكنت بدعيلها والحمد لله ربنا كرمها ومبسوطة أوي في الشغل .. وبإذن الله يكون وشي حلو عليكي أنتي كمان.
بث الأمل ليلة العيد من بشاشة هذا الرجل وحديثه الطيب معها، وبعد مرور بعض الوقت وقفت السيارة الأجرة أمام مبنى ضخم مغلف من الخارج بخامة تشبه الزجاج الملون بلون السماء الزرقاء الصافية، ارتجفت وهي تنظر للمكان الفخم ورواده الاثرياء الذين يلتمعون من الغنى الفاحش، ورفعت نظارتها على أنفها بقوة من فرط القلق وهي تجاهد حتى لا تقارن مظهرها بمن يسيرون حولها دخولًا للمبنى، حتى حسها السائق الطيب على الدخول :
_ اعملي اللي عليكي ويمكن خير ..
أعطته ليلة العيد أجرته ولكنه رفض قائلًا بلطف:
_ لو قابلتك تاني هاخد منك أجرة، أنما المرادي خليها عليا، وربنا يجبر بخاطرك.
صممت على اعطائه الاجرة، ولكنه أيضا صمم على موقفه، ثم سألته بأمتنان :
_ هو حضرتك اسمك إيه ؟
رد عليها السائق الطيب :
_ عمك رزق .. بنت أختي اسمها منة جمال .. هتلاقيها شبهي شوية.
ابتسمت له ليلة العيد بأمتنان حقيقي، واستدارت للمبنى وتقدمت بخطوات تجاهه وهي تردد بعض الاذكار بتوتر قد تملّك منها، وضمت حقيبتها بقوة كالتلميذة المعاقبة خارج فصلها الدراسي.
خطواتها كانت مرتبكة وبطيئة، حتى بات مظهرها ملفت للنظر وهي تدخل المبنى وعينيها تدور بتوتر شديد على الجميع، رغما عنها قارنت مظهرها البائس هذا مع الفتيات التي يتنافسن في الأنوثة والأناقة .. ابتلعت ريقها بصعوبة عندما انتبهت لبدء الهمسات والسخرية عليها .. مظهرها تمامًا يبدو كالتلميذة التي تأخرت على صفها الدراسي ..
وبحشرجة ملأت صوتها سألت موظف الاستقبال عن المكان الذي تستطع فيه أن تجري مقابلة العمل للوظيفة المُعلن عنها، ودون ان ينظر لها الموظف أشار للمصعد قائلًا :
_ الدور الأخير .. آخر مكتب.
أومأت رأسها لتشكره سريعا وتركته عدة خطوات، ثم عادت له وسألته بحرج وهي ترفع نظارتها أعلى أنفها :
_ الدور الأخير ده اللي هو الكام ؟
رد الموظف بتأفف وسحب نظرته من على جهاز "اللاب توب " وأجاب :
_ الخامس ..
عاد لعمله مجددًا ووقفت هي للحظة تفكر بوضعها، واصبحت رغبة الركض من هنا تتعدى رغبتها بالحصول على الوظيفة .. استدارت وتابعت سيرها للمصعد ببطء وشرود .. ثم دخلت المصعد ولم تنتبه أن هذا المصعد خاص بالمدير فقط، بينما المصعد المجاور على بعد خطوات بسيطة خاص بالموظفين .. استندت بظهرها على جدار المصعد ولا زالت تضم حقيبتها لصدرها بقوة وتنهدت بحنق، ثم انتظرت حتى توقف المصعد عند الطابق الخامس ..
خرجت منه ليلة وهي تشعر بالخنقة والدوار، فهمست لنفسها بدعم :
_ لا اجمدي كده ده انتي هتستخدميه كتير، الشغل ما يعرفش فوبيا الاسانسيرات ..
وظلت تحدث نفسها بدعم وهي تهرب من روية حشد من الفتيات الجميلات اللاتي يقدمن أوراقهن اليوم للوظيفة ، ازدرت ريقها بصعوبة حتى انتبهت لفتاة جميلة أتت ووقفت أمامها تمامًا وتبتسم ابتسامة صافية، ثم قالت :
_ أكيد أنتي اللي خالي رزق كلمني عشانها من شوية.
لم تفهم ليلة العيد الأمر للحظات، ولكنها تذكرت السائق الطيب وأنشرحت نفسها قليلًا وابتسمت قائلة :
_ آه أنا .. اكيد أنتي منة.
ضحكت منه وقالت بمودة :
_ آه أنا منه .. منون ، وشكلنا كده هنبقى أصحاب، حكم أنا عشرية أوي والناس بتحبني بسرعة.
شعرت ليلة بذلك بالفعل وما كادت أن تقول شيء حتى سحبتها منه قائلة بلطف شديد:
_ تعالي هوديكي على المكتب تسلمي ورقك وتنتظري دورك عشان الأنترفيو .. النهاردة آخر يوم وفي بنات كتير أوي قدموا للوظيفة دي ... بس المدير بتاعنا مش عاجبه حد وبيطرد أي بنت جياله بواسطة ... بيتنرفز موت.
تبسمت ليلة العيد بأمل وقالت بلهفة :
_ معنى كده أنه بيهتم بالكفاءة أكتر صح ؟
أكدت منة وقالت :
_ جدًا جدًا .. مش مهم عنده أي شيء تاني بس الكفاءة في الشغل رقم واحد ..
اطمئنت ليلة العيد وغضت الطرف عن مظهرها البائس وقالت بابتسامة عريضة :
_ يبقى في أمل أن شاء الله ..
وانقطع الحديث عندما مر شاب ثلاثيني يرمي نظراته الخبيثة للفتيات الجالسن في انتظار موعد المقابلة ودخل مكتب المدير مباشرةً، فنفخت منه وهي تنظر له، فسألتها ليلة العيد بتعجب :
_ مالك حصل ايه ؟!
قالت منه بضيق :
_ رشاد أخوه وصل ... ايه اللي جابه النهاردة ده ؟!!
قلقت ليلة وسألتها مجددًا :
_ هو ماله ؟!
تنهدت منه بضيق وقالت لليلة العيد بصدق :
_ مش هكدب عليكي ، ده بقا أهم حاجة عنده المظهر، ومش أي مظهر ، ده عايز موظفات ملكات جمال حتى لو معاهمش شهادات .. طالما جه يبقى هيفضل قاعد وهيحضر الأنترفيو ، وده ...
وقطعت منه حديثها ولم تعرف كيف تخبرخا دون أن تجرح مشاعرها، فأختفت الابتسامة من وجه ليلة وقالت بغصة :
_ أنا فاهمة .. ما أنا يعني عارفة أن مظهري مش احسن حاجة .. وصعب أتقبل في وسط كل دول وانا لا حسنة المظهر ولا معايا شهادات كفاية.
أستوقف منه الجملة الأخيرة فسألتها بقلق :
_ أنتي معاكي شهادات إيه ؟!
ابتلعت ليلة ريقها المرير وقد اعتقدت أن السائق قد أعطاها ولو نبذة بسيطة عنها ترفع عنها حرج التوضيح، فقالت بصدق :
_ مش معايا غير شهادة ٣ ثانوي عام .. كنت جايبة مجموع كبير أوي .. والاكسنت بتاعي ممتاز والله ، أصل واحدة جارتي قبل ما تسافر ساعدتني اتعلم لغة وفضلت معايا سنين لحد ما وصلت لمستوى عالي .. وكمان أنا من صغري عندي هوس بالحضارة المصرية والكتب وأعرف معلومات كتير أوي .. ومستعدة لأي امتحان.
ربتت منه على يدها بلطف وقالت :
_ مش هكدب عليكي وأقولك أن كل ده كفاية، الشهادة مهمة جدًا وأهم خطوة .. يمكن لو رشاد مكنش موجود كنت اديتك أمل ، لكن في حضوره صدقيني مقدرش أتوقع ايه اللي يحصل.
امتلأت عينان ليلة بالمرارة والدموع، وكان قرارها أن تعود وتتجنب مزيدًا من الألم النفسي عندما يتم رفضها .. ولكن أتى لمنة اتصال هاتفي من رقم خالها، فأجابت سريعا :
_ أيوة يا خالي معاك.
حدثته قليلًا ثم نظرت لليلة التائهة بعالمها الكئيب وقالت بعدما انتهت المكالمة :
_ خالي بيقولك كملي وقدمي .. عشان ما تحسيش بالندم بعد كده .. يمكن يحصل حاجة.
ردت ليلة بيأس :
_ هيحصل إيه يعني ..
واتسعت عينان ليلة العيد بذهول عندما رأت فجأة آخر شيء كانت تتوقع أن تراه ...؟!
__________________
رواية مديري مستر فرعون الفصل الثانى 2 بقلم الكاتبه رحاب إبراهيم حسن حصريه
# الفصل الثاني
امتلأت عينان ليلة بالمرارة والدموع، وكان قرارها أن تعود وتتجنب مزيدًا من الألم النفسي عندما يتم رفضها .. ولكن أتى لمنة اتصال هاتفي من رقم خالها، فأجابت سريعا :
_ أيوة يا خالي معاك.
حدثته قليلًا ثم نظرت لليلة التائهة بعالمها الكئيب وقالت بعدما انتهت المكالمة :
_ خالي بيقولك كملي وقدمي .. عشان ما تحسيش بالندم بعد كده .. يمكن يحصل حاجة.
ردت ليلة بيأس :
_ هيحصل إيه يعني ..
واتسعت عينان ليلة العيد بذهول عندما رأت فجأة آخر شيء كانت تتوقع أن تراه ...؟!
فقد فغرت فاها من الدهشة عندما لمحت قطتها السوداء "شفيقة" وهي تركض نحوها مباشرةً وتتشبث بفستانها الفضفاض لتتسلق على ساقيها بسرعة عالية، خرجت ليلة من دهشتها ورفعتها اليها قائلة بذدهول :
_ أنتي إيه اللي جابك هنا يا شفيقة وجيتي هنا أزاي أصلًا ؟!.
اصدرت القطة موءًا للحظات كأنها تشكو لها من شيء أو تريد أخبارها أمرًا هامًا، فضمتها ليلة وهي تحاول الخروج من صدمتها بوجود القطة هنا ومن المفترض أن المسافة من هنا حتى منزلها كبيرةً جدًا !.
تعجبت " منه" لمَ تراه وقالت :
_ هي القطة دي بتحبك لدرجة أنها تعرف تيجي وراكي هنا ؟! ... شكلك ساكنة قريب من هنا.
ردت عليها "ليلة العيد " وأخبرتها بعنوان سكنها، فشهقت منه وقالت :
_ لا مستحيل تعرف تيجي وراكي المسافة دي كلها ؟!!
فتدخلت فتاة من الفتيات الجالسن بالحديث وقالت بضحكة ساخرة :
_ تلاقي القطة السوداء دي لابسها جن .
وضحك الفتيات وبدأت سلسلة من السخرية على تلك القطة المسكينة، ولكن تلك القطة لم تكن مسكينة مثل ما يعتقد البعض .. فرمتها ليلة بنظرة مغتاظة وهي تربت على فرو قطتها بحنان كأنها تعتذر عن سخافة بعض البشر .. بينما كانت القطة تنظر لها بعينان ضيقة مخيفة ..
وبتلك اللحظة خرجت فتاة من المتقدمات للوظيفة بمكتب المدير بعصبية وهي تتمتم بالشتائم، ووقفت تلك الفتاة التي كانت تسخر منذ قليل وهي تعدل هندامها وتسير بتغنج مفتعل، وبيدها ملف أوراقها التي وقفت قليلًا لتتأكد من ترتيبه ... فسخرت "منة" بضحكة وهمست لليلة قائلة :
_ اللي قبلها كانت كده واتطردت ..
تذكرت ليلة العيد أمر أبنة عمها الحمقاء " شاهندة" وطردها من تلك الوظيفة وفهمت الآن السبب الأساسي لطردها الذي لم تفصح عنه شاهندة .. فقالت باستغراب :
_ هو في مدير ما بيحبش النوعية دي ؟!
قالت منه بتأكيد :
_ المدير بتاعنا .. هاكان كمال الريان أو H k.
تعجبت ليلة من الاسم ورددت :
_ هاكان ؟!!
تبسمّت "منة" وقالت بمزاح :
_ ما هو أنا برضه استغربت كده أول ما سمعته، بس لما عرفت أن والدته تركية فهمت ليه اسمه كده، بس غالبًا بينادوله HK خصوصا الأجانب.
ونبهتها "منة" موضحة:
_ خلي بالك لأنه مابيحبش المرقعة بتاعة البنات والدلع في الشغل وآه تعبانة وآه مصدعة، جد بشكل مبالغ فيه .. أنا شغالة من أسبوعين وعمري ما شوفته بيضحك إلا نادرًا جدًا وبيمشي آخر واحد في الكام يوم اللي بيحضر فيهم .. مع أنه جامد جمودة.
ضحكت "ليلة" العيد ببلاهة على كلمات "منة" الأخيرة ، ثم قالت بثقة :
_ لا من ناحية المرقعة بتاعة البنات ما تلاقيش.
وفجأة انبهتا الفتاتان لصوت ارتطام بالأرض، وحينما التفتا لمصدر الصوت وجدتا تلك الفتاة التي كادت أن تدخل مكتب المدير تعثر حذائها بشكل غامض ووقعت على وجهها بطريقة مضحكة جعلت الجميع يضحك بفكاهة دون مراعاة لموقفها المحرج .. عدا ليلة العيد التي اتسعت عيناها بدهشة وركضت مسرعة تحاول مساعدة الفتاة التي افترشت الأرض وتحاول النهوض وهي تتألم ..
_ حصلك حاجة ..؟!
قالت ذلك "ليلة" باهتمام صادق ومدت يدها للمساندة، ولكن تلك الفتاة كانت على درجة من الغرور جعلتها تدفع يد ليلة وتنهض وهي تنفخ بغيظ وعصبية ولملمت أوراقها ... ولكن اكتشفت أن كعب حذائها قد أصبح قطعتين منفصلتين بطريقة صادمة !!!
فغرت الفتاة فاها بصدمة، ثم قالت بضيق شديد :
_ الكعب أتكسر أزاي ؟! ... هدخل للمقابلة أزاي دلوقتي ؟!!
أصدرت القطة شفيقة موءًا متكرر كأنها تهتف، فذلك جعل ليلة تنظر لها بتعجب وذهب ظنها أن القطة تشعر بالجوع .. فذهبت اليها وهمست :
_ حاضر يا حبيبتي هجيبلك أكل بس لما نروح .. مش هينفع أمشي دلوقتي خالص.
رمقتها القطة بنظرة هادئة ومسحت رأسها بخد ليلة برقة، فابتسمت ليلة العيد وقبلتها بمحبة .. ثم اندفعت القطة من يدها للأرض وظلت تسير أمام الفتيات وتصدر أصواتا غريبة حتى اختفت تمامًا بعد ذلك ... وبحثت ليلة عنها ولم تعثر عليها مطلقاً!!.
وقررت صاحبة الحذاء الممزق الانسحاب من تلك المقابلة والمغادرة .. ودخلت بعدها فتاة من الجالسن بثقة، ولكن بعد عدة دقائق أرتفع صوت رجولي رخيم للغاية، ويبدو من صاحبه أنه ذو شخصية قيادية صعبة جدًا ولا ينال رضاه شيء ...
ابتلعت "ليلة" ريقها بقلق وخفقات قلبها تزداد بجنون ... وفتح باب المكتب وخرجت الفتاة التي دخلت منذ دقائق وهي تتلفظ الشتائم .. ثم ارتفع صوته مجددًا وهو يقول لأحدهم بالداخل :
_ مافيش موظف أو موظفة هيشتغلوا هنا معايا غير وهما يستاهلوا وعلى درجة عالية من الكفاءة .. أنا مش هشغل ناس هتكون مع سياح أجانب وهما بيتهتهوا في اللغة ومايعرفوش حاجة عن تاريخ بلدهم ولا عارفين يكلموا السياح عنه ! .. يبقا لازمتهم ايه ؟
رد عليه شقيقه "رشاد" وقال :
_ ما في منهم كان الاكسنت بتاعه ممتاز يا هاك وأنت اللي رفضت ورقه !!.
استدار إليه "هاكان" بجسده المفتول العضلات بقميص لأسود لامع وبنطال بنفس اللون يبرزون برونزية بشرته وملامح وجهه المنحوتة بدقة بوسامة قاتلة .. وتطلع به "هاكان" بعيناه شديدة السواد و رد بعصبية :
_ الشغل مع السياح مش مجرد اكسنت يا رشاد ، المرشد السياحي ده وجهة لشركتنا ولبقته بتتكلم عن مستوانا .. مافيش حد متوفرة لحد دلوقتي فيه كل المواصفات اللي أنا محتاجها ..
سخر رشاد وهو يضع ساقا على ساق :
_ أنت اللي طلباتك في الموظفين مش منطقية وعايزهم فوق كل المستويات، وده مش هتلاقيه بسهولة أبدًا .. ده إذا لقيته أصلًا .. والله دخلك شوية بنات مزز وأنت جبل ما بتتهزش .. يا قلبك الجاحد!!.
ذهب "هاكان " للنافذة وفتحها ليجدد الهواء لرئتيه وتنفس بعمق، ثم قال وهو ينظر بعيناه السوداء للطريق المكتظ بالسيارات:
_ اللي أنا مقتنع بيه وهفضل مقتنع بيه طول عمري .. أن الشخص المناسب في المكان المناسب بيساوي أفضل نتيجة .. لكن شغل الوسايط والمعارف ده كله فشل في فشل ما بحبهوش ولا هقبله في شغلي يا رشاد .. شغلي عندي رقم واحد.
وقطع الصمت الذي ران بعد ذلك أتصال هاتفي من والدتهما، فأجاب هاكان وتحدث مع أمه بمزيج من العربية والتركية ..
________________________________
بينما بالخارج انسحبت فتاة بعد الأخرى وغادرن .. ولاحظت "ليلة العيد " ذلك بقلق وجبين متعرق من التوتر .. وعادت رغبة الذهاب من هنا إليها مجددًا، ولاحظت" منه" شرودها وتوترها فأتت اليها هامسة :
_ مش فاضل غيرك أنتي وبنت كمان قبلك، لو مشيت البنت دي وما اتقبلتش يبقى الدور عليكي بقا تحاولي تبيني شطارتك ... النهاردة آخر يوم ومش هيعمل مقابلات شغل لوظايف تاني ..
تنفست ليلة بتردد وخوف من شيء مجهول .. وانتظرت بقلق مفرط نتيجة مقابلة الفتاة الأخرى، حتى خرجت الفتاة كمثيلاتها وهي تهتف وتقول لطاقم السكرتارية :
_ ده أنسان مش طبيعي، عايز موظفين روبوت مش بني آدمين !! ..
وغادرت مثل السابقات .. فأسرعت " منة" إلى ليلة وقالت بدعم :
_ الدور عليكي .. ياريتني كنت أقدر أحضر الانترفيو ده ، بس ده طبعا مستحيل !.
ظهرت القطة السوداء فجأة ولكن لم تنتبه لها ليلة، بينما ضيقت القطة عينيها واستمعت للحديث جيدًا ، وتسحبت حتى دخلت مكتب "هاكان " ..
______________________________
ارتشف هاكان قهوته وانتبه لوقوف قطة سوداء أمام مكتبه ظهرت فجأة وتنظر له بهدوء وثبات مريب، فأنزعج رشاد وقال بتشاؤم وهو ينهض ليطردها خارج المكتب :
_ ما بحبش القطط السودا ..
ولكن القطة سلطت عيناها على "هاكان " بثبات شديد ثم ذهبت اليه وتسلقت ساقيه وجلست أعلى ركبته بهدوء ، بينما تفاجأ "هاكان" من تصرف تلك القطة المريب وعينيها المحدقتان فيه، والأعجب أنه لم يستطع أن يبعدها عنه رغم أرادته بذلك وكأن شيء يقيده !!.
دخلت " ليلة العيد" المكتب بخطوات بطيئة ووجه شاحب من القلق ، ابتلعت ريقها وهي تعدل نظارتها أعلى عظمة أنفها وتحمحم لتنقي صوتها المتحشرج ..
غاصت قدميها في السجاد العجمي وهي تقف أمام مكتبه وتجمدت عندما رأت قطتها جالسةً على ساق رجل يجلس بفخامة خلف مكتبه وكأنه يمتلك نصف ثروة العالم .. !!
نظر لها "رشاد" بدهشة واحتقار ، بينما قطب "هاكان " حاجبيه وهو ينظر لها من رأسها لأخمص قدميها بدهشة، لا يعقل أن تلك الفأرة ذي النظارات السميكة آتية لطلب الوظيفة التي بالاساس تطلب درجة عالية من حسن المظهر!!
ووجد نفسه يسألها بحدة لا تبشر بالخير:
_ مين أنتي ؟!
جف حلقها وهي تطالعه وتدحضت فكرتها المتفائلة عنه وهو ينظر لها بتلك النظرة المحتقرة !! .. فقالت بارتباك شديد :
_ أنا جاية عشان الأنترفيو .. لأ .. أقصد عشان الوظيفة!
ضيق "هاكان " عيناه بذهول وسألها :
_ وظيفة إيه ؟!!
غضبت من رده وقالت بعصبية رغم جسدها المرتجف :
_ يا عم ما تركز معايا كده ..
ابتلعت ريقها ووبخت نفسها على تلك الهفوة وقالت بتصحيح :
_ لا أقصد .. الوظيفة اللي اعلنتوا عنها والنهاردة آخر يوم للمقابلة ... بالأمارة يعني.
نظر "هاكان" لشقيقه رشاد بدهشة واستخفاف ، بينما كتم رشاد ضحكته وهمس له :
_ خلينا نستلى شوية .. استنى ..
وتوجه لها رشاد بالأسئلة لمزيدًا من التسلية:
_ أنتي اسمك ايه ؟
كتمت ليلة سيل من الردود وقالت بحدة وهي واثقة أنها ستنهال عليها الكلمات الساخرة بعد قليل :
_ ليلة العيد سعيد رمضان .
أطلق رشاد ضحكة عالية وهو ينظر لشقيقه الأكبر هاكان، الذي أخذ قهوته وتوجه للنافذة مجددًا وهو يخفي ابتسامته على ذلك الاسم الغريب المضحك ... فعاد رشاد قائلًا :
_ يعني ند*بح ولا نتسحر .
وضحك ضحكات عالية متتابعة ولم يستطع التوقف، بينما اتسعت ابتسامة "هاكان " وهو يواليها ظهره ويقف أمام النافذة ، فقالت ليلة بغيظ وتمتمة:
_ أبو غتاتك .. طبق بامية بيسألني ، أومال لو مكنتش أقرع !!
ضحك "هاكان " عندما انتبه لهمسها ، واختفى المرح من وجه رشاد ليهتف بغيظ :
_ لسه الباب مفتوح .. المقابلة انتهت .
تجمدت ليلة العيد بمكانها بعدما تعرضت للطرد الصريح هذا ، وقررت المغادرة على الفور ونسيان هذا الأمر برمته، وعندما استدارت بدموع تملأ عيناها وتحركت بخطوات تجر أذيال الخيبة للخارج وجدت صوت "هاكان " يقول فجأة :
_ أستني .
تسارعت دقات قلبها مع بعض الدهشة، وعندما عادت تنظر" لهاكان" وجدته ينظر بعينان القطة بعمق ويبدو عليه بعض التشوش والتيه، والحقيقة أن هناك وكأن صوت صارخ برأس هاكان يأمره ببعض الأشياء ... وذلك بنفس الوقت التي كانت تحرك فيه القطة فمها بصوت خافت جدًا غير مسموع، وأغمض "هاكان" عيناه وهو يستمع لصوت غامض داخل رأسه يقول له :
_ أطرد الكلب أخوك ده من المكتب .. أطـــــــــــرده !!
صاح "هاكان " بشقيقه قائلًا بعصبية :
_ أطلع برا دلوقتي يا رشاد !!
دهش "رشاد" من جملة شقيقه ، ولكنه نهض عندما نظر له هاكان بغضب لينفذ الأمر ... هدأ الصوت داخل رأس هاكان ليسمع تمتمة هادئة وصوت قبلة!!
وعاد هادئا مرةً أخرى ونظر لـ "ليلة العيد " وهو يريد طردها وأنهاء تلك المقابلة المزعجة .. ولكن صرخ الصوت داخل رأسه مجددًا وأمره :
_ هات البت منة منون السكرتيرة معاك في المقابلة... أبعتلهـــا !!
ضغط "هاكان" على جرس الأرسال لمكتب السكرتارية، لتأت بعد لحظات تلك الفتاة الرقيقة "منة" وقال لها وهو مشوش تمامًا وليس مدرك ما يفعله :
_ تعالي يا آنسة منة ..
لم تفهم ليلة العيد ما يحدث ، ولكن عندما أتت منة قال لها "هاكان" بدهشة مما يفعله :
_ أقعدي واسألي الآنسة ..
فغر الفتاتات ثغرهما بدهشة ... ولكن ابتسمت منة وقالت والغبته تملأ نفسها :
_ تمام يا فندم ..
هتف صوت برأس هاكان مرةً أخرى :
_ شوفها بقلبك مش بعينك يا هاكونا..
التوى فم "هاكان" بسخرية من منحنى أفكاره!!، وتنفس الصعداء وأبعد عيناه عنهما ولكنه استمع تماما لردود ليلة بالمقابلة.. ناقشتها منة في عدة أسئلة واختبرت مهارتها في اللغة الأنجليزية التي كانت ليلة العيد ماهرة بإتقانها ... نظر "هاكان " لها بتعجب بعدما انتبه لنطقها الصحيح تمامًا للكلمات ... ولكن أتى السؤال الأهم والأخير وهو أوراق شهاداتها العلمية ، فقالت ليلة بصدق بعدما اجتازت جميع الاسئلة بمهارة :
_ مش معايا غير شهادة الثانوية العامة .
اتسعت عينان "هاكان" على آخرهما بشراسة، واضطربت منه من رؤيته هكذا وابتلعت ريقها بقلق ... فقال هاكان بذهول :
_ بتقولي إيه ؟! ... ثانوية عامة ! ... أنتي واعية للي بتقوليه ولا أنتي شاربة حاجة؟!.
تلقى "هاكان" صفعة وكأنها بداخل رأسه وسمع نفس الصوت يقول له :
_ ما أنا قولتلك شوفها بقلبك ولا هو لازم استخدم ايدي يعني ! .. رجالة مش بتيجي غير بالعين الحمرا ، هو أنا طفشت من زماني من شوية !
تألم هاكان وهو يمسك رأسه بكلتا يداه وقال بعصبية :
_ مش فاهم في ايه بيحصلي؟!
تدخلت منه وقالت له شيء طرأ بفكرها فجأة :
_ لو سمحتلي يا فندم اتكلم وهقترح اقتراح.. بصراحة البنت ممتازة ، نفس المواصفات اللي طلبتها بالضبط ، أنا مدركة طبعا أن ماينفعش تشتغل من غير شهادة ، بس فيها ايه لو تشتغل أي شغلانة هنا بسيطة لحد ما تكمل دراستها وبعدين تثبت نفسها ..
تفاجئت ليلة بأقتراح منة، فغمزتها منه لتصمت وترحب بالاقتراح، وكان من المستحيلات أن يوافق "هاكان" على هذا الأمر ، ولكن ذلك الصوت اللعين داخل رأسه سيقود للجنون وهو يهتف :
_ وافق، وافق ، وافق ، وافق ، وافق ، وافق ،وافق ، وافق ..
صاح "هاكان " بعصبية شديدة وهو ينظر لهما ويمسك رأسه بألم :
_ خـــــــلاص بقا ... موافق .
ونهض متنهدًا بعمق عندما أختفى الصوت وعاد لطبيعته ، وخرج من المكتب بعدما القى نظرة غاضبة يإزدراء على ليلة العيد ...
صاحت منة بضحكة عقب خروجه من المكتب وذهبت لتبارك لليلة قائلة :
_ اتمسكي بالفرصة دي ، كملي دراستك في المجال اللي بتحبيه وأوعي تتخلي عن حلمك ، أنا فرحانة ليكي أوي ، مش عارفة الفكرة دي جاتلي منين ، بس كأن حد همسلي بيها !!
لم تعرف ليلة أن كان عليها أن تفرح أو تقلق ، لأنها لا زالت لا تعرف ما سيكون عملها حتى تنهي دراستها التي لم تبدأ في استئنافها من الأساس !! .. فسألتها :
_ طب وهشتغل ايه هنا مؤقتا ؟!
قالت منة بتصميم :
_ أي حاجة يابنتي ، حتى لو هتشتغلي على البوابة برا وافقي ، صدقيني دي فرصة مش هتتكرر تاني ، أنا لحد دلوقتي مش مصدقة أن مستر هاكان وافق على اقتراحي !! .. ده بالنسبالي معجزة !! تعالي بكرا وهنشوف هو هيقرر يشغلك ايه.. ومهما كان اوعي ترفضي.. ده حلمك وما تستغنيش عنه.
___________________________
استند "هاكان" بظهره على مقعد السيارة في حالة من الذهول لما حدث، كيف وافق على تلك الفأرة الحقيرة أن تعمل بشركته وهو من طرد الأفضل منها!!
حتما سيكون سخرية الجميع، ولكنها بالتأكيد ستأت غدًا لبدء عملها المؤقت.. وحينئذ سينهي الأمر بالتأكيد.
كان سيترجل من سيارته حتى رآها وهي تخرج من مبنى الشركة وتحمل تلك القطة السوداء المخيفة وتضحك وتمازحها .. نظر بامتعاض لمظهرها البائس الرتيب ولم يصدق أنه استطاع الموافقة بتلك البساطة على تلك الفأرة البائسة!
____________________________
وعادت" ليلة العيد " للمنزل وقد غمرتها الفرحة لأولى خطوات تحقيق حلمها..
وحينها وجدت خالتها سميرة جالسة أمام التلفاز تشاهد في ضحكات عالية..
وأبنتها شاهندة ممددة على الكنبة وترمي رأسها بحجر أمها وتشاركها مشاهدة المسلسل .. ولكن حينما لمحا ليلة قالت" شاهندة" بعصبية:
_ يعني برضه القطة المقرفة دي رجعت تاني ومافيش فايدة .. المرادي مش هرميها في الشارع ده أنا هرميها من البلكونة.
ونهضت وهي تندفع نحو ليلة بغضب جارف.. ولكن القطة قفزت على شاهندة وغرزت أظافرها بوجهها، مما جعل الأخرى تسقط أرضا صارخة بألم شديد بعدما امتلأت الخدوش وجهها النازف بالدماء... صرخت سميرة وهي تقول لأبنتها:
_ تعالي معايا على المستشفى حالا تاخدي مصل.. ولما ارجع ليا تصرف تاني.
نظرت سميرة لليلة بتوعد مخيف، بينما ابتلعت ليلة ريقها وركضت لغرفتها وهي تحتضن القطة، وحينما دخلت اغلقت الباب خلفها قائلة بأسى:
_ عملتي كده ليه يا شفيقة، أهم هيرموكي في الشارع ومش هقدر أنطق بعد اللي حصل.
وتنهدت ليلة وهي تغمض عينيها بألم وقلة حيلة، حتى أتى صوت أمرأة وكأنه من عالم آخر:
_ محدش يقدر يقربلي متخافيش.
فتحت ليلة عينيها بفزع ونظرت حولها بخوف وهي تردد:
_ بسم الله الرحمن الرحيم، الصوت ده جاي منين؟!
لم يصدر الصوت مرةً أخرى، بينما ماءت القطة لطلب الطعام كعادتها، فهدأت ليلة وظنت أن الأمر من نسج خيالها وقالت:
_ لما يخرجوا هطلع اجيبلك تاكلي
رواية مديري مستر فرعون الفصل الثالث3بقلم الكاتبه رحاب إبراهيم حسن حصريه
# الفصل_الثالث
# مديري_مستر_فرعون
بعد مرور أكثر من ساعة عقب مغادرة سميرة وأبنتها التي خدشتها القطة "شفيقة" وذهابهما إلى المشفى لأخذ المصل المضاد.
جلست "ليلة العيد" بغرفتها شاردة الذهن تفكر بما حدث اليوم، وتسللت ابتسامة لشفتيها وهي تتذكر ذاك الرجل الفاتن التي رأته اليوم، كأنه خرج من قصة أسطورية رومانسية وتجسد أمامها .. واختفت أبتسامتها وهي توبخ نفسها بسخريةً لاذعةً :
_ بتفكري في إيه يا عبيطة أنتي، أحمدي ربنا أنه وافق يشغلك مؤقتا ..
وتذكرت شيء جعلها تتنهد بعمق وخوف :
_ طب حتى لو قررت اكمل دراسة، هجيب الفلوس منين ؟! أنا محلتيش غير الخمسين جنيه اللي في البوك بتاعي على ما أول الشهر الجديد يبدأ بعد يومين وأخد الملاليم اللي باخدها كل أول شهر ..
وشعرت بمرارة وهي تتحسس القرط الذهبي بأذنها الذي كان الهدية الأخيرة من والديها قبل الحادثة المشؤومة بأيامًا بسيطة.. وقالت بغصة تكورت بحلقها :
_ غالي عندي أوي الحلق ده ومش هيهون عليا أبيعه .. لكن هبقى مضطرة.
وطفرت دمعة من عيناها وهي تشعر بالأسف والعجز .. ولكنها مسحت عيناها سريعاً وتظاهرت بالنوم وهي تسحب القطة بين ذراعيها بضمة محكمة، وذلك عندما انتبهت لصوت فتح باب الشقة ويبدو أن " شلة اللصوص " قد عادووا، وبالتأكيد يضمران الشر لها وللقطة المسكينة..
وما هي إلّا عشر دقائق وكان باب غرفتها يُفتح وتهجم شاهندة عليها لتوقظها وتأخذ القطة إجبارًا لتلقيها خارجًا .. انتفضت "ليلة العيد" من فراشها بعصبية وحاولت أنقاذ تلك القطة المسكينة من براثنها، بينما هتفت" شاهندة "بصياح وهي تلكم ليلة على كتفيها بغلظة وكراهيةً:
_ أنا مش هستنى لما نمرض ونموت بسبب المقرفة بتاعتك دي !.
نظرت لها القطة "شفيقة" بغضب مخيف، وصدم الفتاتان عندما نطقت القطة بصوتٍ بشري قائلة :
_ سبيني لأحسن أولع فيكي وفي أمك ده أنا أجن مجنونـــــة !!.
شهقت "شاهندة" بفزع ودفعت القطة بعيدةً عنها بصراخ وهي تخرج من الغرفة كأن يركض خلفها ثعبان، ثم ارتمت أرضاً فاقدة الوعي بصالة الشقة وهرعت إليها سميرة صارخة... بينما التجم صوت "ليلة العيد" بوجه شاحب هربت منه الدماء وجسدها متيبس الحركة بغرفتها ، ونظرت القطة لها بقلق وماءت مثل القطط الطبيعية لكي تُبعد الشكوك والظنون .. ولكن ليلة لم تكن تتوهم هذه المرة أيضاً وعلى يقين أن تلك القطة أضحى بها شيء مخيف وغير طبيعي ...
فركضت القطة وأغلقت الباب جيدًا، ثم اقتربت من ليلة التي التصق ظهرها بالحائط وهي ترتعش بهلع وتردد آيات من القرآن الكريم .. وبعدها تشكلت القطة بثوانٍ قليلة إلى هيئتها الحقيقية، لتقف أمام ليلة أمرأة بأواخر سن الأربعين ولكنها مذهلة الجمال وترتدي زي فرعوني بكامل زينته وأناقته المعروف بها عبر الأجيال، بينما شعرها الأسود الحريري يسترسل لمنتصف ظهرها تقريبًا وكأنها تستخدم أغلى أنواع الزيوت بعصرنا الحالي..
وابتسمت لها قائلة بمحبة :
_ مكنتش عايزة اظهرلك دلوقتي ولا أعمل أي حاجة تثير شكوك أي حد هنا .. بس مقدرتش أسيبها تمد ايدها عليكي تاني وأسكت .. أنا حبيتك أوي واعتبرتك بنتي اللي مخلفتهاش ..
تمتمت "ليلة العيد" بدهشة وصوت مخنوق :
_ أنتي مين يا ست أنتي ؟!
اتسعت ابتسامة المرأة وقالت :
_ أنا زوجة الوزير الأول " لوتس در مون " .. جيت في الزمن ده من غير إرادتي، ومش همشي قبل نهاية قمر ليلة ٣٠ في الشهر الجديد .. ولأني من زمن تاني مكنش ينفع أظهر بهيئتي الحقيقية .. فتشكلت بقطة .. كان معايا قوة خفية في ست من العبيد أهدتني بيها .. لكن ما لحقتش استخدمها ، وفضل معايا بقايا منها .. أحتفظت بالبقايا لوقت اللزوم.
صدمت "ليلة العيد" مما تسمعه وسألتها :
_ أنا مش فاهمة حاجة، زمن ايه وقوة ايه اللي بتتكلمي عنها ؟
عرّفت " لوتس " عن نفسها بفخر :
_ أنا زي ما قولتلك .. لوتس زوجة الوزير الأول " حات حوت" ، كنت عايشة في القرن التاسع عشر قبل الميلاد .. بلادي كيميت العظيمة .. أم التاريخ والحضارات ..
وتابعت بألم ظهر بعيناها المكحلة بكحل شديد السواد :
_ من كتر حبي لزوجي كنت دايمًا بشك فيه ، وبدأ بعض الجواري يوصلولي أخبار أنه بيحب ست تانية وبيروحلها .. كنت هتجنن ، ولقيت ست من العبيد جيالي وبتديني شربة أعشاب .. وقالتلي أن الأعشاب دي سحرية ، هتخليني أسمع أفكاره ، وكمان أعرف ادخل جوا دماغه وما أخليهوش يفكر غير فيا ويطيع كل أوامري .. هيفضل قلب الأنثى واحد في كل زمان وآوان.
وتنهدت "لوتس " بضيق شديد وهي تتذكر شرود الأتفاقية:
_بس الشرط أني لازم أبعد عنه شهرين كاملين ، فقررت أسافر لوالدي في الجنوب .. وفي الطريق دخلت كهف ظهر قدامي فجأة أنا والجارية بتاعتي عشان نستريح من تعب الطريق.. وبعدها معرفش حصل ايه ولقيتني في الأقصر على شكل قطة .. وواحد بيقولي بسخرية أنه عرف ينتقم من أخويا سركن وخطفني .. ومش هعرف أرجع لزماني غير بقمر ليلة ٣٠ .. لكن للأسف القوة الخفية اللي معايا ضعفت جدًا وبتقل يوم عن يوم .. وبتقل أكتر لما بستخدمها .. عشان كده ما حاولتش استخدمها خالص الفترة اللي فاتت ..
وعادت ابتسامتها الصادقة ونظرت لوجه "ليلة العيد" المصدوم مما تسمعه وقالت:
_ لكن بالبقايا دي مش هتردد أبدًا أني أساعدك بيها.
رددت ليلة بعض الكلمات وقالت :
_ القرن التاسع عشر قبل الميلاد يعني الملك امنمحات الثالث .. سادس ملوك الأسرة الـ ١٢ .. الدولة الوسطى ووالده سنوسرت الثالث ..
رفعت "لوتس" يدها لقلبها بالتحية الملكية عندما ذكرت ليلة اسم الملك وقالت :
_ آمون ..
نظرت لها ليلة بذهول وحاولت أن تصدق ما تراه عينيها، لا يمكن أن امرأة فرعونية من سلالة النبلاء في المملكة تخرج من خيالها المهووس بالفراعنة وتقف أمامها هكذا !!...
وخرجت ليلة من أفكارها على صوت صريخ " شاهندة" وهي تخبر أمها ما حدث ، وانتبهت أيضا لصوت أقدام تقترب ، فعادت "لوتس" لشكل القطة بأقل من الثانية ، وذلك عندما دخلت سميرة بوجه ممتقع وتهتف بعصبية :
_ أنا لازم اتصرف في القطة دي بالذات بعد اللي بنتي شافته منها ... القطة دي لابسها جن.
ماءت القطة بصوتٍ عالٍ جعل سميرة ترتجف خوفا منها وتردد:
_ أعوذ بالله .. اللهم أحفظنا.
تمتمت "ليلة العيد" بخفوت :
_ اللهم احفظهم كلهم في ثلاجة الموتى .
وعادت لخالتها قائلة :
_ مافيش حاجة حصلت من اللي شاهندة قالتها ، ما أنا واقفة أهو ما سمعتش حاجة ..
بدأت تشك سميرة بما قالته أبنتها، ريثما أن ليلة تبدو طبيعية وثابتة تمامًا وتكذب الأمر أيضاً، ولو كان مثل ما قالت شاهندة لكانت ليلة الآن فاقدة للوعي من الهلع!.
فذهبت سميرة من غرفة ليلة دون أضافة المزيد، بينما أسرعت ليلة للباب وأغلقته من الداخل بالمفتاح حتى لا يتثنى لمخلوق أقتحام جلستها مع تلك الاميرة الفرعونية ..
وعادت "لوتس" لشكلها البشري من جديد .. ثم وقفت أمام مرآة الغرفة تتفحص مظهرها قائلة بأشتياق:
_ وحشني أوي حات .. ووحشني القصر ..
نظرت لها ليلة العيد ورفعت كعادتها نظارتها أعلى عظمة أنفها وقالت وهي تنظر لها بإعجاب :
_ أنتي جميلة أوي أوي يا لوتس .. بس أزاي بتقوليلي أنك بتعتبريني زي بنتك يا مزة أنتي ... ده أنا اللي ماما.
ضحكت "لوتس" من قلبها وقالت بعد ذلك :
_ أنا مش بنت مراهقة يا ليلة العيد .. أنا سني ٤٨ سنة .. يعني فعلًا أنفع أبقى أمك .. لكن الكل أتفق أن سني مش باين عليا ، يعني بالكتير شكلي يدي في العشرينات ..
اتفقت ليلة مع ذلك الرأي ، وقالت :
_ لما جيتيلي في الحلم مكنتيش بالجمال ده .. بس أزاي جوزك يخون واحدة زيك كده ؟! ..
اختفت تعابير المرح من وجه "لوتس" وقالت بمرارة :
_ متأكدتش من خيانته .. بس مجرد الظن كان هيموتني من القهر .. أنا بعشقه، والمفروض أن هو كمان بيعشقني.
سرحت ليلة العيد بخيالها وتساءلت بفضول شديد :
_ يا ترى عامل ايه دلوقتي من غيرك ..
تنفست لوتس بعمق وقالت :
_ منتظرة أشوف رد فعله لما أرجع.
انتبهت ليلة العيد لشيء وسألتها :
_ أنتي عرفتي تتكلمي بالعامية المصرية كده بسرعة أزاي ؟!
أجابت لوتس بثقة :
_ مش صعبة .. وبعدين في كلام كتير لسه باقي من اللغة القديمة ..
جرى بفكر ليلة شيء واضيقت عيناها بشك قائلة :
_ أتمنى ما يكونش مقابلة الشغل واللي حصل فيها النهاردة أنتي اللي وراه ؟.
اقتربت" لوتس "منها ووقفت أمامها قائلة باعتراف :
_ أيوة أنا .. وكان لازم ده يحصل ، وإلا كانت هتضيع منك الفرصة دي .. وأنا وجودي هنا معاكي مش هيطول ومش هبقى جانبك أدعمك يوم ما تجيلك فرصة تانية.
اعترضت "ليلة العيد" وقالت :
_ بس ده غش !! .. يعني خدت موافقة إجبارية من المدير ! ..
صححت "لوتس" الفكرة وقالت بتأكيد:
_ مافيش إجبار ولا ده غش .. أنتي هتشتغلي شغلانة بسيطة جدًا على ما تقدري تكملي دراستك بتعبك ومجهودك .. وبعدين تثبتي نفسك لأنك أحق حد بالوظيفة دي .. يبقى فين الغش ؟!
احتارت ليلة وقالت بقلق :
_ خايفة من اللي جاي ..
ابتسمت لوتس لها بحنان واقتربت منها قائلة :
_ متخافيش .. وبالنسبة لفلوس دراستك برضه ما تقلقيش هعرف اتصرف ...
تصبغ وجه ليلة بالحرج وما باتت تعرف كيف تقول ..
_________________________________
وباليوم التالــــ
استيقظت "ليلة العيد" على وجه "لوتس" المبتسم بحماس ، وقالت وهي تسحبها لتنهض من الفراش قائلة:
_ جبتلك رزمة فلوس كبيرة ..
شهقت ليلة عندما رأت هذا المبلغ الكبير بين يديها ، وسألتها بشك:
_ جبتي الفلوس دي منين ؟!
لم تخبرها "لوتس " بالحقيقة، ولكنها قالت بمواربة:
_ هو مش أنا معايا بقايا قوة خارقة وكده ، فأكيد يعني مش صعب أجيبلك الفلوس دي .. خديها وخبيها وشوفي مصاريف جامعتك ودراستك .. وكمان جبيلك شوية هدوم بدل هدومك دي ..
قطبت ليلة العيد جبينها وهي ترتدي نظارتها السميكة بتكشيرة :
_ مالها بقا هدومي !!
قالت لوتس بغيظ :
_ وحشة ومش لايقة على سنك .. أنا عارفة أنك بتحبي الواسع والطويل ، لكن في برضه واسع وطويل وشيك !.
نظرت ليلة للمبلغ بفضول وقالت :
_ يا ترى كام المبلغ ده ؟
أجابت لوتس بحماس :
_ بعملتكم .. ٢٠٠ الف جنيه تقريبًا.
فغرت ليلة فاها من الصدمة، فضحكت لوتس عليها وقالت وهي تغلق فم ليلة المفتوح:
_ اتبسطي وأفرحي وأشتري اللي نفسك فيه كله .. الفلوس دي بتاعتك ، مش بتاعة حد .. دي هديتي ليكي.
نظرت لها ليلة بذهول، ثم نهضت وهي ترتمي بين ذراعيها بدموع وقاات :
_ مش عارفة أقولك ايه .. أنا...
قاطعتها لوتس بحنان :
_ أنتي تحضري نفسك عشان النهاردة أول يوم شغل .. وبعد الشغل هتروحي تشتري هدوم كتير هتحتاجيها ..
________________________________
وبالشركة السياحية...
دخل " هاكان " المبنى وخلفه أثنان من رجال الحراسة ذو البنية الضخمة .. وتوجه نحو المصعد مباشرةً ، وتوقف حينما رأى تلك الفأرة تقف وهي تضم حقيبتها وتقف أمام باب المصعد الخاص به ... أغمض عيناه بنفاد صبر وقرر أن يتخذ ذاك الإجراء الحاسم معها ويرفض عملها هنا وإذا لزم الأمر سيطردها أيضاً..
وحينما تقدم للمصعد وقف خلفها وقال بعصبية :
_ يا آنسة ...؟!
قالت "ليلة العيد" ولم تهتم لأن تعرف حتى من صاحب الصوت :
_ هطلع أنا الأول وبعدين أبقى اطلع بعدي ، وأصلا في أسانسير تاني ولا ده عليه شيكولاته ؟!.
ضيق "هاكان" عيناه بذهول وقال :
_ أنتي بتكلميني أنا ..؟!
أومأت ليلة العيد رأسها بالتأكيد دون أن تستدير وتنظر له، فأستشاط "هاكان" غضبًا ورفع يده وأدارها من ذراعها بالقوة لتواجهه بوجه محتقن من العصبية ... فشهقت ليلة ونظرت لقبضة يده التي تقبض على ذراعها بعنف، ولم تشعر وهي تدوي على وجهه بصفعة من اليد الأخرى نظرًا لما فعله وتعديه لحدودها بهذا الحد الخطر !!.
__________________________________،
و دارت عجلة الزمن لقرونً مضت .. خصيصاً في القرن التاسع عشر قبل الميلاد ..
وقف الوزير الأول للبلاط الملكي " حات حوت " أمام نافذة واسعة بغرفة تابعة لمنزل حجري كبير تملأ جدرانه الرسومات والمنحوتات المحفورة بدقة ومهارة نادرة وفخامة أيضا، وقال بتنهيدة ثقيلة :
_ أين أنتِ يا لوتس .. أي مكانً على الأرض استطاع ساكنيه أن يخبأونك عن عيني ؟! .. الحياة لم تعد تطاق منذ أختفائك يا ونيسة روحي.
استأذن خادمه وقال :
_ سيدي .. وصلتك رسالة.
استدار "حات حوت " واستلم البردية وفك خيطها المتين ثم بدأ في قراءتها، اضيقت عيناه بغضب وهتف :
_ ساحرة العبيد استطاعت التلاعب بزوجتي لوتس .. وتخبرني بمنتهى الوقاحة والخداع أنها فتحت لها بوابة زمنية ونقلتها لهناك!!.. عن أي زمانً تقصد وأي هراءً تقول؟!.
أتى بتلك اللحظة الصديق الاقرب والأوفى للوزير الأول"حات حوت " وشقيق زوجته أيضا وقال له :
_ أتيت لأخبرك بأمر يخص لوتس ...
سأله "حات حوت" بأهتمام ولهفة بالغة :
_ أخبرني يا "سركن " ما الأمر
تنفس سركن بعمق ثم قال :
_ ساحرة العبيد تظن نفسها خارقة الذكاء ولكني سركن يا صديق،
حقيقة الأمر انها سحرت لوتس وجعلتها تيقن بخيانتك لها، ولكنها لم تنقلها لعالمًا آخر مثلما تدعي .. هناك قوةً خفية تريد التلصص على أرضنا وسرقة علومنا وحضارتنا واستطاعت فتح بوابة زمنية لهذا الغرض .. منذ سنوات وأنا اتعامل مع الوافدين منهم والقنهم درسا لا ينسى على ارضنا
وتابع بتوضيح :
_ لوتس شقيقتي غادرت من هنا وقررت أن تسافر رحلةً طويلة لوالدينا بالجنوب وهي غاضبةً منك .. ولكنها أثناء الطريق ظهر لها كوخا فقررت أن تستريح فيه من مشقة الطريق ومعها جاريتها .. ولكن الجارية رأت أن لوتس عندما دخلت الكهف واستندت على أحد الجدران ظهر من خلفها ضوءًا شديدًا ابتلعها برمقة عين ... لم تفهم الجارية ما حدث .. ولكني أعرف أنهم استخدموها ليبتزوني شخصيًا .. وفهمت المؤامرة.
صدم "حات حوت" مما سمعه وقال بغضب :
_ زوجتي بمفردها الآن بزمانً لست فيه أنا، لا استطيع أن اتخيل كيف حالها الآن؟! ..لن أرحم مخلوق شارك بتلك المؤامرة.
قال سركن :
_ أهدأ لكي نجد حلًا ..
هتف حات حوت بعنف :
_ وكيف عليّ أن أهدأ يا سركن ؟! .. كيف ؟! لن تغمض عيني قبل أن تعود لوتس إلى جواري ، لن تستقر أنفاسي أبدًا وهي تائهة !...
وأخرج سيفه من غمده قائلًا بنظرة شرسة أنتقامية :
_ سأدفن رأس من يمسها بسوء في رمالنا السوداء.
ربت "سركن" على كتف "حات حوت " وقال ليمتص غضبه :
_ لا .. هذه مهمتي وعهدي وحدي .. شقيقتي بخير وتأكدت أنها بخير بطريقتي الخاصة .. سأذهب إلى ذلك الزمان وآتي بها إليك سالمةً.. وحتى ذلك الحين لا يجب عليك أن تغادر البلاد والملك مريضا أيضاً .. أبق هنا .. وأعدك أني سأعود بها.
__________________________
رواية مديري مستر فرعون الفصل الرابع 4 بقلم الكاتبه رحاب إبراهيم حسن حصريه
#الفصل_الرابع
وكأنما عقارب الساعة توقفت عندما حدج فيها "هاكان" بنظرة نارية وأصابع يده تتحسس موضع الصفعة!.
توقفت أزواج العيون عليهما بأنتظار بركانً سيثور بعد قليل .. وجف ريق "ليلة العيد" بوجه شاحب كالأموات ودقات قلبها تدق بجنون وهي لا تعرف كيف فعلت ذلك ..!
ولكنــه تعدى حدوده فعليــًا عندمـا لمس ذراعها بقوة وغرور، ظنا منه أنه يَحقُ له أنّ يعنف الجميع دون محاسبةً للخطوط الحمراء!.
نظرتـه التي تنذر بقرب وقوع كارثة حتمية تقول أنه رجلًا اعتاد أن يأمر فيطاع! .. لا مجال للجدال ولا مناقشة ولا حتى مساحة للتفكير في قاموسه !.
زم "هاكان" شفتيه بغضب شرس وتلك المرة قبض على ذراعها مرةً أخرى بقوة وعنـف حتى جرها لخارج المبنى أمام مرأى الجميع !!.
ثم دفعها طردًا حتى سقطت نظارتها الطبية ولم تستطع أن ترى أين دُفعت، وهتف بصوتٍ عالٍ غاضب :
_ ده مكانك .. الشارع ، وكده كده كنت ناوي أطردك ، بس أنتي اللي قررتي تتهاني بعد اللي عملتيه ده.
رماها بنظرة أحتقار ثم عاد للداخل مرةً أخرى .. وتيبس جسدها بلا حراك، وهي تقف أمام المبنى والجميع أعينهم مُسلطة عليها في شفقة ونظرات أخرى ملوثة بالأزدراء!!.
ارتفعت أجراس الألم بقلبها وأنهمرت دموعها على خديها قهرًا، وحمدت للحظة سقوط نظارتها حتى لا ترى نظرات الشفقة بأعين الآخرين، ولم تستطع سؤال أحدهم عنها، فيكفيها ما تلقت من إهانة وسخط.. ومضت "ليلة العيد" في الطريق ببكاءً وخطواتها بطيئة يائسة من كل شيء في الحياة .. لا يبدو أن شيء سينصفها بهذا الكون الشاسع .. هكذا سرى بعقلها وهي تبك بحرقة وتقريبًا لا ترى شيئاً حولها بعينيها القصيرة النظر!!.
شعرت أنها ستسقط مغشيًا عليها، فتحامت بجسد شجرة ضخمة يحاوطها فراغ صغير دائري به حشائش خضراء .. جلست أسفلها ليلة واغتنمت فرصة بُُعدها عن الأنظار وظلت تبك بحرقة وحدها.
وفجأة شعرت بيد تربت على كتفها بمواساة، فشهقت بالبكاء أكثر وكأنها توقعت الأمر .. وبلحظات كانت "لوتس" تجلس أمامها بزيًا معاصر حتى لا تلفت الأنظار إليها .. وقالت بقلق :
_ جيت أشوفك عملتي ايه لقيت المدير بيزعق وجايب سيرتك .. ما فهمتش اللي حصل بالضبط .. بس كويس أني لقيتك .. حصل إيه ؟!
انتفضت "ليلة العيد " بالبكاء وأخبرتها ما حدث ، فضيقت "لوتس عينيها " بشرر وغضب ثم هتفت بتوعد:
_ بقا كده .. طب يستحمل بقا اللي هيحصله !.
منعتها ليلة العيد وقالت برفض وهي تبك :
_ مش عايزة أروح هناك تاني ، ما تتعبيش نفسك .. كفاية اللي حصلي قدام الناس النهاردة.
اعترضت "لوتس" بغضب شديد وقالت :
_ أنا اعتبرتك بنتي .. وأنا بنتي عمري ما هسمحلها تكون ضعيفة كده أبدًا .. أنا هعرف أرجعك بطريقتي وهتثبتي نفسك يا ليلة .. وهترجعي وهتشتغلي وفي الشركة دي بالذات بقا .. ده هيكون تحدي أكبر ليكي عشان تحققي اللي بتحلمي بيه.
نظرت لها ليلة العيد ببكاء وضعف ثم قالت :
_ الحياة تعبتني أوي .. حاسة أني مابقتش قادرة أعافر وأحلم، حاسة أن جناحي اتكسر .. أنا بنت أحلامها بسيطة أوي .. لكن الدنيا مش سيباني في حالي .. كل ما أجي الاقي أمل عشان احلم ببكرا لازم يضيع !.
ربتت "لوتس" على يدها بحنان وقالت بعينان مليئة بالمحبة :
_ الحياة زي ما بيقولوا فرص ، وفرصتك جتلك ، صحيح فيها شوية عقبات بس محلولة .. اوعي تضيعيها منك ، أوعدك انك هترجعي وهتشتغلي وهتكملي .. وأنتي عليكي تجتهدي.
كانت عينان ليلة العيد مليئة بالحزن والتيه، فشعرت لوتس أن عليها أن تسرع التصرف في الأمر، فنهضت قائلة بإصرار:
_ هغيب شوية وهرجعلك تاني .. خليكي هنا لحد ما أرجع مش هتأخر.
____________________________
ظل "هاكان" في مكتبه صامتًا صمتً مخيف، كان يزفر بغضب شديد وعيناه السوداء ناظرة للفراغ كلما تذكر صفعة تلك الفأرة أمام موظفين الطابق الأرضي ..
انتبه لصوت نقر على باب المكتب وسمح بالدخول، حتى ظهر حارسه الشخصي متسائلًا :
_ أستنى حضرتك ؟
رد "هاكان" بعصبية :
_ لأ أمشي ..
نظر الحارس لمَ بيده بتردد ثم قال وهو يضع نظارةً طبية على مكتب "هاكان" :
_ النظارة دي بتاعة البنت اللي ...
حم حم الحارس بتوتر ثم تابع :
_ بتاعة البنت اللي حضرتك طردتها ، هي وقعت على الرصيف وعلى ما روحت اجيبها كانت البنت اختفت ، الحقيقة كنت محتار اعمل بيها ايه ، فقولت اسلمها لحضرتك.
حدجه "هاكان" بشرر وفهم ما يرمي اليه، فيبدو أن الحارس قد استخدم تلك الوسيلة لكي يحث هاكان على تأنيب ضميره ، فأشار له "هاكان" أن يغادر المكتب ويذهب، وبعد قليل تسربت نظرة هاكان للنظارة الطبية وتردد أن يلمسها للحظات .. ولكنه بعد برهة أخذ النظارة وتمعن بالنظر فيها وادرك أن تلك الفتاة تعاني من ضعف شديد بالنظر !.
وتذكر كيف جرها بعنف لخارج المبنى كالقمامة وبدأ يشعر بالفعل بوخزة تأنيب لضميره ..
شرد لبعض الوقت حتى استأذنت "منة" سكرتيرته بالدخول وظهر على وجهها الضيق ، فقالت بشجاعة :
_ في كلمتين عايزة أقولهم لحضرتك يا فندم ، بس قبل ما أقولهم عايزة أعرف ده هيأثر على شغلي ولا لأ ؟
تنفس "هاكان" بعصبية وهو يعرف مسبقا ماذا ستقول، فقال عنها بحدة:
_ بصرف النظر أن أي رأي هتقوليه في أي شيء مش هيأثر على شغلك ، بس مش عايز اسمع سيرة البنت دي تاني هنا .. وإلا هتحصليها.
صمتت منة ويبدو أنها ستنفجر من الكبت، فأشار لها "هاكان" أن تخرج من مكتبه، وبالفعل خرجت منة وهي تنفخ بعصبية .. ولكن قبل أن تُغلق منة الباب ، دخلت تلك القطة الغريبة الأطوار مجددًا إلى مكتبه !!.
ولم ينتبه "هاكان" ببادئ الأمر ، ذهب للنافذة ليستنشق هواءً نقيًا، حتى استوقفه رؤية تلك الفتاة وهي جالسةً أسفل شجرة بحديقة جانبية للشركة وتبك بقوة .. أطرف عيناه وحاول أن يتجاهلها تمامًا ولكنه توقف عندما استندت تلك الفتاة ونهضت وكانت تبدو أنها تريد السير، ولكن مع عينيها المتورمتان بالبكاء ودون نظارتها أيضا يبدو الأمر شاقا عليها ..
وذلك عندما تعثرت بحجارة صغيرة بالأرض وكادت أن تسقط أرضا .. فنظر للنظارة الطبية ثم إليها وفكر سريعا في شيء .. حتى خرج من مكتبه وهو يركض تقريبًا..!
وقفت لوتس في هيئة القطة وقالت بغيظ مستغلة فراغ المكان:
_ نفد بجلده مني كنت هكهرب شرايين مخه دلوقتي .. بس وراه وراه ..
_____________________________
مسحت "ليلة العيد " يدها الملطخة بالوحل بمنديل ورقي، واطرفت عينيها بقوة بمحاولة أن تنقي الرؤية حولها ولو قليلًا ولكن هيهات ... فأصبحت الرؤية ضبابية تمامًا ولن تستطيع السير هكذا !.
فقالت بضعف ودموع :
_ أنتي فين يا لوتس !
أغمضت عينيها بضعف شديد، حتى شعرت بشيء يوضع على عينيها فجأة !! .... انفجر جفني ليلة العيد خلف نظارتها وأخيرًا استطاعت أن ترى أمامها .. ولكن تجمدت عندما وجدت "هاكان" يقف أمامها صامتًا تمامًا ، ولا يبدو عليه أي ملامح للغضب ! ..
أبعدت عيناها المليئة بالدموع عنه وقالت بصوت متهدج :
_أنت عاقبتني على القلم، بس مسألتش نفسك أنا عملت كده ليه .. ما هو أكيد مش هسمح لحد يمسكني من دراعي بالطريقة دي وهقف ساكتة .. مش ندمانة ولو اتكرر الموقف هعمل كده تاني .. ولو على الشغل فأرض الله واسعة، ولو على حلمي فهعرف أحققه في أي مكان هروحه ..
ثم نظرت له بحدة وهتفت وهي تبك:
_ أنت شخص مغرور .. مش بتسمح لحد أنه يفكرك أنك أنسان!.
_خلصتي ..؟
اجفلت ليلة العيد من رده ولم تفهم، فوضع يده بجيوب بنطاله في ثبات وثقة عالية ثم أضاف بنظرة لم تطمئنها :
_ شغلك في الشركة هيبدأ من ٧ الصبح .. لما تيجي بكرا هتعرفي وظيفتك الجديدة.
ورماها بنظرة ساخرة وذهب من أمامها بمنتهى البساطة ! .. وأتت اليها "لوتس" بهيئتها البشرية ووجدتها فاغرة فاها من الذهول .. فسألتها بقلق :
_ هو بيعمل ايه هنا ؟!.
أشارت لها "ليلة العيد" وقالت بصدمة :
_ أنتي أقنعتيه أزاي أنه يجيلي ويرجعني الشغل ؟
وهذه المره شهقت "لوتس" بصدمة، ثم قالت :
_ وغلاوة حاتحوتي عندي ما جيت جنبه ! .. ده مشي قبل ما أعرف أسيطر على مخه !.... بس ملحوقة.
ضيقت "ليلة العيد" عيناها بذهول وقالت :
_ يعني هو جاي كده من نفسه ؟!!
صمتت "لوتس" للحظات ثم قالت لليلة بابتسامة خبيثة :
_ تخيلي ! ..
لم تفهم ليلة العيد الأمر، بينما تمتمت لوتس بكلمات وهي تبتسم بخبث ..
_____________________________
بحي شعبي فقير..
وقف شابًا عملاق ضخم البنية كأنه مقاتل شرس من العصور الوسطى برداء انتقاه ليناسب هذا العصر ولا يلفت الانظار إليه، وارتسمت على ملامحه شديدة الجاذبية الصمت المطبق .. لا أحد يستطيع قراءة تلك التعابير المجهولة مهما أجتهد.
نظر بعيناه الواسعتان الزرقاء رغم سمرة بشرته التي لوحتها الشمس، وتمعن في البشر حوله بدقة .. يبدو أن العصر الحديث ما زال محتفظا بالملامح المصرية الجذابة ولم يطمس تميّزها وجمالها.
سار بخطوات هادئة وهو يفكر أين سيقضي مهمته حتى يجد شقيقته "لوتس"
حتى أستوقفه على بُعد خطوات تجمع عدد غفير من الناس ويرتفع من بينهم صوت أنثوي عالِ وصارخ .. تقدم "سركن" نحو الصوت غاضبًا وظن أن ربما هناك امرأة تطلب المساعدة وتستغيث بمن حولها ..
ولكنه تفاجأ بفتاة تصرخ وتصيح بخصلات شعرها السوداء الطويلة والغجرية، وترفع يدها القابض على حذائها وتهبط على رأس احد الرجال بغيظ:
_ بقا يا راجل يا ناقص يا جوز الأربع نسوان ناططلي في كل حتة وعايز تماشيني وفاكر أني هكش وأخاف واتهدد!... حوش حوش.
وشهقت " شقاوة " شهقة عالية وتابعت:
_ عارف أنا مين يلا؟ ... أنا شقاوة يا حيلتها، يعني أشقيك وأحشيك وأتغدى بيك.. ورحمة جوز أمي اللي نفسي يفلسع لو شوفت وشك تاني لهخلي اللي ما يشتري يتفرج عليك.
_ ما هذا ..؟!
وجه "سركن" السؤال لها مباشرةً وهو ينوي أنا يبعدها تمامًا عن هذا الشجار الغير لائق أن بداخله امرأة، بينما شهقت "شقاوة" بغضب ونظرت له بعينيها السوداء قائلة بعصبية:
_ ماذا هذا وذاك يا خويا؟!! ... ما تتكلم عدل في نهارك ده!!... انت جاي من سوق الجواري يا جدع انت!!
ضيق "سركن" عيناه بغضب خطر وهمس بصوتِ خافت:
_ من هذه التي تتحدث مع قائد الجيوش "سركن در مون" بهذه الطريقة الوقحة!!..
نظرت له "شقاوة" بتعجب، فهي أمام هذا العملاق مثل القطة أمام الفهد!!.. فهمست له صديقتها "سماح":
_ ما تستفزيهوش انتي مش شايفة منظره عامل أزاي؟!
ده لو كح هيبلعنا كلنا!
اقتربت منه شقاوة وهتفت بغيظ:
_ هعلي صوتي واعمل اللي انا عايزاه كله، واي بغل في الحتة هيتعرضلي بشبشي وعلى نفوخه .. أنا رقاصة آه بس توبت .. وعهد الله توبت
بدأ يفهم" سركن" سبب هذا الشجار بأكمله، فنظر لعينيها السوداء بصمت للحظات، ثم اقترب لها قائلًا بنظرة غامضة:
_ لديّ ملاحظةً على عينيكِ .. أيتها الشرسة.
ورماها بنظرة جعلتها تقف متجمدة للحظات وهي تنظر له بصمت، وعندما أختفى من أمامها قالت "شقاوة" بابتسامة :
_ يلااااهوي.
استفسرت "سماح" وقالت بعدم فهم:
_ ملاحظة ايه دي ياختي؟ .. أنتي مش غسلة وشك يابت؟!
ضربتها "شقاوة" على كتفها بضحكة ثم قالت:
_ اكتمي يابت .. ده كلام بالنحوي ما يفهمهوش اللي زيك.
واضافت شقاوة بنظرة شاردة تتفقد خطواته المبتعدة:.
_ ده باين في فيلم هيبدأ يابت وقصة حياتي هتبتدي.
لوت سماخ فمها بسخرية:
_ وهيحكوا قصة حياتك ليه يا أوخة .. كنتي الملكة ليزابسة؟!
ردت شقاوة بثقة:
_ أحلى وأهم وحياتك .. أما نشوف بقا إيه الحكاية!.
________________________
وأتت ساعات الليل ...
وتمددت "شقاوة" بفراشها الذي يتوسط غرفة صغيرة على أسطح احدى المباني القديمة، وابتسمت كلما تذكرت نظرة ذلك الرجل الغريب ... لأول مرة تشعر بدقة القلب هذه وهي الفاتنة الذي ارتمى تحت قدميها أثرى الرجال لمجرد نظرة منها ومحادثة ...!
فتنهدت بعمق وقالت :
_ ده مين ده ؟ .. شكله غريب عن الحتة وناسها، لأ .. ده شكله غريب كله كده على بعضه ، بس عليه حتة نظرة عصرت قلبي عصر ..
وضحكت عندما سمعت نفسها تقول ذلك ، فنهضت مرةً أخرى وتوجهت لمرآة الغرفة وهي تنظر لنفسها بتمعن .. وقالت بابتسامة وزهو :
_ أن كان هو سيد الرجالة فأنا البت شقاوة .. اللي كل مادا بتزيد حلاوة .
وذهبت لخزانة ملابسها الصغيرة وانتقت منه فستانا أحمر وقررت أن ترتديه الآن حتى لو كانت ستمكث بغرفتها .. وبدقائق كانت بدلت ملابسها وارتدت ذلك الفستان الأحمر المحكم تماما حتى منطقة الخصر ثم يتسرسل واسعا حتى الذيل .. وفردت شعرها الغحري الأسود الطويل مع لمسات صارخة من مرطب الشفاه .. وابتسمت بزهو وهي تقول :
_ كتري يابت من الروچ كتري هو أنتي يعني هتخرجي كده من أوضتك ولا مخلوق هيشوفك ! ... أهو تتبسطي شوية.
ومضغطت العلكة بفمها بضحكة وهي تنظر لأنعكاس صورتها بالمرآة، حتى انتبهت لصوت طرقات على باب غرفة السطح وكأن أحدهم سيكسره!! .. فأنتفضت بخوف للحظات وقالت :
_ مين اللي بيخبط ؟!
نطق بيومي "زوج أمها " وصاح بصوتٍ عال:
_ أفتحي يابت والا هكسر الباب على نفوخك!.
أخذت "شقاوة" نفسا عميق بعصبية ثم ذهبت وفتحت الباب وهي تصيح بشراسة:
_ تكسره على نفوخي ليه أن شاء الله .. ليك عندي ايه يا بيومي ولا عشان اعتزلت وتوبت من الشغلانة السودة اللي جبرتني عليا من يوم ما اتلف عودي !.
نظر بيومي لمظهرها المغري وقال بنظرة ماكرة :
_ يابت يا عبيطة ، آآه لو تسمعي كلامي .. ده الباشا إياه حفي وراكي ورايدك في الحلال وهيغرقنا كلنا فلوس وعز .. ولا أنتي عاجبك الفقر والضنك ده ؟!
دفعته "شقاوة" ليخرج من الغرفة بعنف وصاحت بتهديد:
_ والله لو ما مشيت من قدامي وغورت بعيد عني ما حد هيخلصك من ايدي !.
برقت عين "بيومي" بخطر وصاح مناديًا على رجلان ، واضحت نيته ظاهرة أنه سيأخذها بالاجبار أن لم تأت معه برغبتها .. فصرخت "شقاوة" وهي تدفع الرجلان بيديها وقدميها حتى يبتعدان عنها ، ولكنها لم تستطع صد قبضتيهما الشديدة على يدها .. فصرخت مجددًا تستغيث بالجيران ، فضحك بيومي بسخرية وقال :
_ ومن أمتى حد بيقدر يقف قدام بيومي يابت نعيمة.
بصقت "شقاوة" ريقها بوجه بيومي وهي تبك وتلفظه بأشد الشتائم والتصقت خصلاتها الغجرية بوجهها المتعرق ..
وتردد صدى صوتها الصارخ حتى أندفع أحد الرجلان بضربة جعلت قلبه سيتوقف من شدتها، بينما الآخر وجد نفسه محمولا على يدان صلبتان ويندفع بعنف على الأرض لمسافة بعيدة !!. ..
واستدارت "شقاوة" لطوق النجاة الذي أغاثها لتجده ذلك الغريب ، ابتسمت بوجهها الغارق بالدموع له، بينما وجه "سركن" كان أيقونة وكتلة من الغضب وهو ينظر لـ بيومي المصدوم مما حدث بلحظات سريعة ولم يستوعب الأمر ... فـ جر "سركن" بيومي من ياقة قميصه وصاح بشراسة :
_ لو لم يكن ذلك الرأس اللعين يمتلئ بالشيب لكنت الآن تلفظ أنفاسك الأخيرة أيها الحقير القذر .. ولكن يداي لن تلطخ أبدًا بدماء العجائز!....
رد "بيومي" بعدم فهم :
_ كلام مُقنع .. بس مش فاهمه !.
تلقى بيومي صفعه قاتلة من يد "سركن" جعلته يسقط أرضا ويتلوى من الألم، حتى صاح "سركن" فيه وهدده بشراسة:
_ لو اقتربت منها مرةً أخرى سأقتلع عيناك من محجرها ..
شعر بيومي بالخوف منه وركض هاربًا بعدما فر من معه من الرجال ... وتحسست شقاوة معصمها إثر قبضة الرجلان منذ قليل، فسألها "سركن" بأهتمام :
_ اتؤلمك يداك ؟
رفعت "شقاوة" عيناها لعيناه بنظرة طويلة وابتسامة ، ثم قالت وهي تائهة تمامًا بعيناه الزرقاء الساحرة:
_ أنت مين يا جدع أنت ؟
نظر لعينيها الجميلة "سركن" بشرود لبعض الوقت ثم قاوم شيء في نفسه وقال بثبات :
_ ليس من شأنك ...
ووقعت عيناه رغما على ردائها الأنثوي حتى سحب نظرته بعيدًا وقد كافح لذلك ... ثم ابتعد عنها قائلًا بحدة:
_ لا تجعلي رجلًا يراكِ هكذا مرةً أخرى .. وإلا سأرتكب جريمة.
اتسعت ابتسامتها وقالت :
_ بتتكلم بالنحوي بس تمام .. عجباني اللغة، بس هو يعني ماله شكلي .. ما أنا قمر أهو.
تمتم بخفوت وبعصبية :
_ وتلك الأزمة !.
استفهمت شقاوة :
_ بتقول ايه ؟!.
رد بصرامة وهو يبتعد ويشير لها :
_ لن أنبهك ثانيةً ... أحذرك مني.
وعندما هبط على السلم ظهرت ابتسامة "سركن" وهو يبتسم ويقول :
_ قطعة من القمر .. قلبي بمدينة غير آمنة.
_______________________
#مديري_مستر_فرعون
رواية مديري مستر فرعون الفصل الخامس 5بقلم الكاتبه رحاب إبراهيم حسن حصريه
#الفصل_الخامس
وعندما هبط على السلم ظهرت ابتسامة "سركن" وهو يبتسم ويقول :
_ قطعة من القمر .. قلبي بمدينة غير آمنة.
انفرجت ابتسامة على شفتيها، ثم هتفت قائلة وهي تركض لتسأله قبل أن يخرج من المبنى القديم:
_ صحيح هو أنت اسمك إيه يا أخينا ؟
توقف "سركن" عند أحدى درجات السلم الأخيرة بالطابق الأرض، ثم رفع عيناه الزرقاء لها مجيبًا بابتسامة التمعت فيها أسنانه البيضاء اللامعة:
_ المرة القادمة عندما نلتقي سأخبرك ..
وما جعلها تتجمد هي تلك النظرة الساحرة بعيناه الذي ختم لقائه بها قبل أن يخرج من المبنى .. ابتلعت شقاوة ريقها وتنفست بعمق وضربات قلبها تكاد مسموعةً لها .. وقالت بأنفاسا متسارعة :
_ لا يابت يا شقاوة أهدي كده .. أهدي يخربيت ده أحساس بحسه قدامك يا دي الجدع .. ده انا لسه شيفاك من كام ساعة!.
هتفت صديقتها "سماح" فجأة :
_ حصل إيه يا شقاوة .
شهقت شقاوة من الفزع وصاحت بوجه صديقتها :
_ يخربيتك يا سماح .. خضتيني يابت ..
نظرت لها سماح بنظرة ضيقة ماكرة وسألتها بخبث :
_ هو الجدع اللي شبه البرج ده كان بيعمل إيه يابت على السطح السعادي ؟! ..
لوت " شقاوة" فمها بسخرية وأجابت :
_ جه على صريخي ياختي ، جه ونجدني من بيومي والصيع اللي معاه .. بيومي النتن كان عايزني ارجع للرقص تاني ، وأنا ياختي توبت .. وعهد الله توبت .
واستطردت بنظرة حالمة وتمنّي:
_توبت ونفسي اداري في ضل راجل يحميني من الدنيا .. راجل بجد ، راجل الناس كلها تخاف منه وتعمله الف حساب .. راجل يملا العين والقلب واتشحتف عليه لو غاب عني يوم .. وما يسبنيش لبيومي اللي مرمطني في الكباريهات من صغري ، كان بيبيعني عينك عينك زي حتة اللحمة .. ولولا ستر ربنا في كل مرة كان زماني ضيعت من زمان.
وكزتها سماح بغمزة خبيثة وهمست :
_ راجل زي الراجل البرج بتاعك ده ..
ابتسمت "شقاوة " بنظرة مليئة بالدفء وقالت :
_ الراجل بتاعي ، يسمع من بوقك ربنا ياختي .. ده شقاوة اللي وقع عند رجليها احسنها رجالة ولا عبرتهم قلبها بقا زي الطبل من بصة واحدة لعنيه ... جاي منين ده ! .. حتى كلامه كله بالنحوي زي ما يكون مدرس عربي معتمد .. مش كده يبقى معتمد اسماح ؟
أكدت سماح :
_ معتمد ونص ياختي ..
تطايرت خصلات شعرها الغجرية وهي تتحرك نحو سور السطح بخطوات شاردة والابتسامة لا زالت على شفتيها وقالت :
_ ربنا يحرسك لشبابك يا دي الجدع ياللي معرفش اسمك ..
واستندت بيدها على السور وانفرجت شفتيها بابتسامة ظهرت غمازتيها عندما وقعت نظرتها على "سركن" الجالس على الرصيف المقابل لمنزلها وينظر لها بابتسامته المُهلكة هذه واكدت :
_ بس هعرفه .. وعزة جلالة الله لأعرف اسمك ، وهناديلك بيه ..
قالت سماح بتفكير :
_ شكله يدي على فتحي .. أو شوكت.
ضحكت "شقاوة" وقالت بعاطفة شديدة بعد ذلك:
_ لو على شكله فهو زي ما يكون كده أمير ولا سلطان .. قيمة وسيما والله ... مش مهم اسمه، أن شالله يكون اسمه عبد الجليل ..
همست سماح قائلة بتمنّي:
_ يارب يكون عنده أخوات.
نظرت لها "شقاوة" بغيظ وهتفت :
_ أنتي لاضمة معايا في أي سكة يا سماح ؟! ... ياختي فوكي الخيط وسبيني أدخل دنيا لا أرى فيها سحنتة من سحنتكم ..
ثانية كده ...
سألتها سماح باهتمام :
_ إيه ..؟!
أجابت شقاوة بابتسامة :
_ يلااااهوي .. بقيت بتكلم بالنحوي زيه ..
______________________________
بقصرًا كبير .. مِلك عائلة "هاكان كمـال الريان "
التفـت الأسرة المكونة من أربعة أفراد حول مائدة العشاء، وعندما أنتهى الخدم من أتيان كافة الأطباق الشهية، حركت الأم " نورمان" معلقتها في طبق حساء دافئ والقت نظرة عميقة على أبنها "هاكان" الذي بدأ يتناول وجبته بـ روتينه الخاص وهو ارتشاف عصير البرتقال الطازج الخالِ من السكر تمامًا. وقالت بلهجة مصرية عامية جيدة نوعا ما نظرًا لأصلها التركي :
_ لورا وأمها هيحضروا بعد ساعة .. أتمنى تقعد معانا وترحب بيهم.
كتم رشاد ضحكته الساخرة، بينما ابتلع "هاكان" ما بفمه ثم انتظر للحظات وبعدها قال بلا مبالاة :
_ لو كنت فاضي هحضر.
تحدث والده "كمـال " بأمر وغلظة :
_ لازم تفضي نفسك .. وبعدين أنـت بعد ساعة هتكون بتعمل إيه يعني ؟! .. هاكان ! ... أنا سيبتك في أمور كتيـر أوي تختار اللي أنت عايزه .. بس المرادي أنا اللي هختار وده شيء مافيهوش نقاش !.
تنفس "هاكان" بعمق وحاول أن لا تنفلت أعصابه، فهو مخلوق لا يقبل الأوامر ...فقال بلا اكتراث :
_ بابا .. أنا قبل كده وافقت على طلبك وقولتلك أن الجواز مش رقم واحد في حياتي .. وأني مش مرتبط بواحدة، ويوم ما هرتبط هتكون أكيد بنت مناسبة ليا ولعيلتي .. وقولت برضه أن لورا مش بطالة ومناسبة .. أذن أنا مرفضتش عشان كل شوية تفتح الموضوع ده معايا .. أحنا خلاص حددنا ميعاد الخطوبة آخر الشهر الجاي .. يعني المفروض دلوقتي نكون بنرتب للخطوبة مش لسه قلقان من موافقتي !.
ابتسم "كمـال" بسخرية وقال :
_ قلقان وهفضل قلقان لحد ما أشوفك بعيني في الكوشة .. البنت دي بنت أهم شريك ليا ومش مستعد أخسره عشانك .. المشكلة يا "هاك" أنك غامض حتى بالنسبالي أنا أبوك !! .. أول مرة مابقاش عارف أفهم بني آدم ولا قادر أعرف بيفكر في إيه ؟! ... عارف أخوك رشاد رغم أنه صايع ومالوش في الشغل .. بس حافظه وفاهمه وأعرف أحكمه، أنما أنت تحيّر!.
التوى فهم "رشاد" بغيظ، ونظر له "هاكان" بنظرة جانبية، ولكن فجأة تذكر التعليق الساخر لتلك الفأرة ذي النظارات على شقيقه بالمكتب واتسعت ابتسامته .. فقال رشاد بغيظ أشد :
_ أضحك أضحك.
وبدأ "هاكان" يتناول عشائه بهدوء شديد، وبعد العشاء ببعض الوقت أعلنت احدى الخادمات لـ "نورمان" الجالسة بمقعد أمام المسبح بالهواء الطلق :
_ الآنسة لورا وأمها وصلوا يا ست هانم .
نظرت "نورمان" لأبنها" رشاد" الجالس قبالتها بمقعد آخر وقالت بأمر :
_ قول لـ هاكان ينزل يستقبلهم معانا ..
أطاع رشاد الأمر وصعد للطابق الثاني حيث جناح شقيقه الاكبر "هاكان" والذي بمثابة مملكة خاصة به وممنوع الاقتراب إلّا للضرورة !....
نقر "رشاد" على الباب الزجاجي العريض حتى سمح له "هاكان" بالدخول بصوت حاد .. وقال رشاد بعدما دخل والقى نظرة متفحصة لشقيقه الجالس بمكتبته الخاصة المليئة بالكتب النادرة والثمينة في كافة المجالات، ويبدو أن "هاكان" كان يستثمر وقت فراغه في القراءة مثل العادة، فقال :
_ خطيبتك وصلت مع أمها ..
لم يبد "هاكان" أي ردة فعل ببادئ الأمر وهو ينظر بتمعن بأحد الكتب التاريخية مرتديًا نظارة قراءة برزت وسامته بشدة ، فكرر رشاد ما قاله بنفاد صبر .. حتى التفت له "هاكان" بنظرة حادة وقال :
_ أطلع وأقفل الباب وراك يا رشاد .. شوية وهنزل.
رماه "رشاد" بنظرة حذرة كأنه يذكّره بما قاله لوالده :
_ ماينفعش تنطش ! .. هتجيب لنفسك وجع الدماغ على الفاضي.
نهض "هاكان" من مقعده وبدأ فاتنا وهو يرتدي "تيشرت" أسود دون أكمام وبنطال قطني رياضي أسود أيضا برز برونزية بشرته المائلة للبياض .. ووضع الكتاب من يده بتقطيبة ثم قال :
_ دقيقتين وهطلع تاني .. الكتاب ده ميتسابش.
أوقفه "رشاد" قائلًا بتعجب :
_ طالما ما بتحبهاش ولا بتطيق تقابلها مكمل في الجوازة دي ليه يا هاك ؟! .. أنت هتعيش معاها أزاي وأنت حتى مش عايز تنزل تسلم عليها كام دقيقة وتطلع ؟!.
رد "هاكان " بسخرية وهو يضع يداه بجيوب بنطاله في ثقة :
_ حب إيه يا رشاد .. أنا الحب مش فكري أصلًا ، وفكرة أني مش طايقها دي فكرة غلط .. هي بس دايمًا بتيجي في الوقت الغير مناسب .. مافيش حاجة اسمها حب وده اللي أنا مقتنع بيه .. الجواز بالنسبالي زوجة تأدي دورها في حياتي وأولاد ..
لم يقتنع رشاد بالأمر وقال بدهشة :
_ الغريب أن كل بنات العيلة شايفينك فارس أحلامهم .. بنات كتير أوي تحلم تاخد حيز من تفكيرك وقلبك .. لكن يا هاك أنت مغرور .. ساعات بحس أنك شايف نفسك خسارة في أي بنت .. عقدة نارسيس .. أتمنى يكون ظني غلط.
عقد "هاكان" حاجبيه ثم قال بحدة كأنه فوجئ بنظرة شقيقه له :
_ خلصت كلامك ؟
رد رشاد بيأس بعدما أيقن أن هاكان ينهي المناقشة:
_ تقريبًا.
أشار له " هاكان" وقال :
_ طب يلا ننزل عشان منتأخرش أكتر من كده.
______________________________
تورد وجه "لورا" بحمرة مشرقة وابتسامة مضيئة عندما لمحت "هاكان" يهبط درجات السلم الرخامي ..
طالعته بنظرة عاشقة .. لم تكن تتخيل أن ذلك الرجل الفاتن سيتقارن اسمها به ويصبحان زوج وزوجة بالقريب .. انتفض قلبها بسعادة وهي ترميه بنظرة دافئة ... بينما همس "رشاد" لشقيقه "هاكان" وقال بضحكة خافتة :
_ البت واقعة من فوق برج القاهرة في حبك وأنت ولا هنا !!.
رحب بهما "هاكان" بلطف ثم جلس على مقعد بعيدًا عن الجميع واضعا ساقا على ساق بتجاهل المجلس برمته !!.
تنفست والدته "نورمان" بغيظ منه وغمزت لولدها "رشاد" أن ينبه "هاكان" للجالستان وينظران له بتعجب كل برهة !.
فنهض رشاد وجلس بجانب شقيقه هاكان ضاحكا :
_ افتكرت حاجة هتموتكم من الضحك .. امبارح جت بنت تقدم على وظيفة في شركتنا وشكلها لوحده أنتيكة.
وتابع وهو يقهقه من الضحك ويروي واصفا ليلة العيد بدقة :
_ لا واسمها ايه تخيلوا ... اسمها "ليلة العيد سعيد رمضان"
ضحك الجميع بقوة عدا "هاكان" الجالس واضعا ساقا على ساق ولم ينفرج فمه بأقل ابتسامة ولو بسيطة حتى .. فتوجه رشاد نحو شقيقه بمزاح قائلًا :
_ ياريتك كنت قبلتها يا هاك .. دي كانت هتبقى فقرتي الكوميديا المُفضلة ..
قالت لورا بضحكة :
_ وهي بنت بالمواصفات دي جاية تشتغل ايه في شركة سياحة ؟! .. طبيعي تترفض!.
مط هاكان شفتيه للحظة ثم قال بثبات وثقة:
_ اتقبلت ..
فوجئ الجميع لبرهة، حتى سأله رشاد بدهشة :
_ أنت لما خرجتني من المكتب وسيبتها معاك .. قبلتها بعد كده ؟!.
توجهت "لورا" لهاكان بنظرة حادة وسألته :
_ سابها معاك ؟!!...
القى هاكان نظرة جانبية سريعة للورا، كأنه يحذرها أن لا تتعدى حدودها المسموحة لها بالتدخل في شؤونه ، وأجاب على تساؤولاتهم بهدوء مستفز :
_ آه اتقبلت .. بنت شاطرة وطموحة وهتكمل دراستها وهتجتهد .. أرفضها ليه ؟!.... بالعكس أنا الكسبان.
وسألته "لورا" مجددًا بعصبية :
_ وكسبان إيه بقا ؟! .. ومن أمتى الشركات بتقبل الموظفين على حسب طموحاتهم مش شهاداتهم؟!
وكزتها أمها " تهاني" لكي تصمت ولا تثير غضب هاكان، بينما اشتدت الحدة بعينان هاكان وظهر جليًا كرهه الداخلي للأرتباط بتلك المخلوقة المجادلة .. وقال ردًا على تعليقها المستفز لشخصه :
_ وقولت أنها شاطرة .. شاطرة يعني مناسبة جدًا للوظيفة، ولكن اللي ناقصها الشهادة .. أنا ليا أسلوبي وتفكيري الخاص في شغلي ومقتنع جدًا بالبنت دي وهساعدها لحد ما تخلص دراستها.
امتقع وجه لورا بالغضب والغيظ، وابتسمت بسخط وهي تقول :
_ ده واضح أنها عجباك أوي ؟!
أجاب "هاكان" بتأكيد وثقة :
_ جدًا ..
كانت لورا تريد أن تنفجر بوجهه وتقول ما بداخلها، بينما نهض هاكان وقال بابتسامة كأنه أتم مهمته بنجاح:
_ بعد أذنكم .. مستني مكالمة شغل ضرورية.
ولأول مرة ترتاح "نورمان" بمغادرة أبنها هاكان بوجود لورا ، ولكن على ما يبدو أنه لو لم يغادر كان سينشب شجارا بينهما لا محال !.
فقالت تهاني بعصبية لـ "نورمان" :
_ هو ده ترحيب أبنك بينا ؟!.
اعتذرت نورمان بمبالغة، ثم قالت :
_ هاكان دي شخصيته .. جاد وحاد ، لكن قلبه زي السما الصافية .. ما يقصدش أبدًا يضايقكم، ده حتى وأحنا على العشا كان بيفكرنا بترتيبات الخطوبة .
هدأت تهاني بعض الشيء ، بينما قال رشاد بضحكة وسخرية :
_ ما انتوا لو شوفتوا ليلة العيد دي لورا مش هتزعل أوي كده ، دي نظارتها بس تجيب جلطة .. شكلها مبهدل أوي في نفسها ، "هاكان" في الأول اتصدم أنها جاية للوظيفة وتقريبًا كان هيطردها... بس يظهر فعلًا أن البنت شاطرة في الشغل وأقنعته في الأنترفيو .. وهاك أخويا مخه كله في الشغل والأفواج والرحلات والفنادق ..
هدأت لورا بعد حديث رشاد بعض الشيء، وعادت الأبتسامة لشفتيها بالتدريج.
_________________________________
عادت "ليلة العيد " للمنزل في ساعةً متأخرة ليلًا وبيديها أكياس من المشتريات .. كانت تدرك أن لا أحد سيهتم بتأخرها ، ولكن حينما دخلت وجدت خالتها سميرة تربت على كتف زوجها وتقول بمواساة :
_ فداك يا خويا .. فداك أي حاجة ، المهم أنك بخير ووسط ولادك ..
كان الزوج يرمي رأسه بين يداه بكسرة ، وتابعت ليلة العيد سيرها لغرفتها دون الاهتمام بما حدث ، فلا أحد يشاركها أحزانها كي تشاركهم هي ..
بينما قالت سميرة لزوجها وأولادها بتحذير :
_ أوعو حد يقول للبت دي على ال ٢٠٠ الف اللي اتسرقوا من خزنة المصنع ، لاحسن تطمع وتقول ما المصنع بيكسب أهو وهاتوا حقي وندخل في سين وجيم .. لو سألت قولوا أن المصنع جاله فلوس ضرايب ومضطرين ندفعها ...
قال الزوج " شوقي" بحسرة :
_ كل ما أجي اكسب واطلع فلوس وافرح بيها لازم تيجي حاجة وتضيعها مني .. تقوليش فلوس حرام !.
ضربت سميرة على صدرها بخضة واعترضت :
_ تف من بوقك .. قال حرام قال ، أومال لو مكنتش بتدي كل واحد حقه على داير المليم .. هو في زيك أنت ،ربنا ما يحرمنا منك ومن حنية قلبك ..
__________________________
وقفت "ليلة العيد" أمام المرآة تختبر الملابس الجديدة بسعادة .. وجلست لوتس تراقبها في بهجة وابتسامة عريضة .. حتى قالت بفخر :
_ شوفتي ذوقي حلو أزاي يا ليلة؟
كادت ليلة العيد أن تقفز كالأطفال من السعادة :
_ ذوقك يجنن يا لوتس، من زمان ما أشتريتش لبس كتير أوي كده .. لا وكله تحفة حرفيًا .. أنا مش مصدقة أني أشتريت لبس ب ٣٠ الف جنيه مرة واحدة .. كويس أنك خبيتي الشنطة الكبيرة عن عنيهم والا كانوا هيستغربوا جبت ده كله منين .
ضحكت لوتس وقالت :
_ استخدمت قوتي وجبتها قدامهم ومشافونيش .. لما تبدأي شغل بقا جيبي بالباقي وهيبقى عندك حجة أنك اشتغلتي .
تسمرت ليلة العيد للحظة ، ثم قالت بتوتر :
_ أحنا نسينا حاجة .. أنا ما قولتلهمش على الشغل .. ولو شاهندة عرفت أني أشتغلت في الشركة اللي اترفدت منها هتطين عيشتي .. أنا أزاي ما فكرتش وحسبت حساب كده ؟!.
نهضت لوتس وقالت بدعم وثقة :
_ أنا معاكي ،ومحدش هيقدر يمنعك تشتغلي ، والا أنتي عارفة هحلها أزاي !.
نظرت ليلة العيد لها وتدرجت ابتسامتها على ثغرها ، ثم ضمتها بعناق حنون وقالت :
_ ربنا يخليكي ليا يارب.
نظرت لها لوتس بابتسامة وعاطفة الأمومة تغزو قلبها ..
___________________________
وباليوم التاليــــــ
استيقظت ليلة العيد مبكرًا جدًا، وذهبت لأخذ دشا دافئ ، وحينما انتهت وخرجت من الحمام وهي ترتدي كامل ملابسها وحجابها كالمعتاد .. وجدت سميرة قد استيقظت للتو ويدها على خدها وتتألم :
_ ضروسي رجعوا يوجعوني تاني ، آآآه ياني .
استغلت ليلة العيد الفرصة وقالت لها سريعا :
_ أنا هلبس واروح الشغل ، النهاردة أول يوم ليا ..
تأوهت سميرة بألم وصاحت فيها :
_ ياختي ما تغوري في داهية هو أنا نقصاكي.
ولأول مرة لم تستاء ليلة العيد من هذا الرد القاس، بل ابتسمت وذهبت لغرفتها لتبدل ملابسها سريعا قبل أن يستيقظ الجميع وتنهمر على رأسها التساؤولات ..
وحالما انتهت من أرتداء "بدلة" أنثوية باللون الأسود الفحمي ، وقميص أبيض ناصع أسفل المعطف .. وأحكمت حجابها الرقيق، وقفت أمام المرآة بثقة وابتسامة عريضة .. لا يشوب هذا المظهر سوى تلك النظارة السميكة على عينيها ..
وشردت فجأة حينما تذكرت الأمس وهو يضع نظارتها على عينيها وقف أمامها متأملًا وجهها بثبات ..
نفضت ليلة أفكارها سريعاً .. حتى همست لها لوتس بدعم :
_ خليكي دايمًا فاكرة أهم حاجة .. أنك تستحقي كل خير .
تبسمت ليلة العيد لها بمحبة وسألتها بصدق :
_ كده شكلي كويس ؟
صفرت لواس بإعجاب وقالت بغمزة :
_ كويس جدًا جدًا .. روحي أنتي وأنا ورايا مشوار مهم وجاية وراكي.
لم تسألها ليلة من رغبتها في أن تغادر المنزل بأسرع وقت ، فحملت حقيبة كتفها واسرعت الخطا متجاهلة تمامًا النظرات الجانبية لخالتها سميرة التي لاحقتها بدهشة وهي متوجهة للخارج.
_____________________________
وبالشركـــة السياحية ..
خرجت "ليلة العيد " من سيارة أجرة خاصة أمام مبنى الشركة .. وسارت بثقة لم تشعر بها يوما بنفسها، رغم أن تلك الثقة لا زالت ممزوجة بالقلق والتوتر والشك ..
وحينما دخلت المبنى وسارت عدة خطوات وقفت وهي تنظر للمصعد وتذكرت ما حدث بالأمس ... فابتلعت ريقها بصعوبة وابتعدت عن ذلك المصعد اللعين ووقفت أمام الآخر الخاص بالموظفين ..
وفتح باب المصعد ودخلته ، وما كادت أن تضغط زر الصعود حتى دهشت بدخول "هاكان" بملامح وجهه الجامدة مع حارسيه الضخمان ، ولم يلقي عليها أدنى نظرة حتى .. رفعت نظارتها أعلى أنفها بتوتر شديد ولم تستطع الأعتراض، وتساءلت بخفوت :
_ هو في إيه .. مش المفروض ده بتاع الموظفين؟!
ويبدو أنه قرأ أفكارها ، فقال للحارسان بعصبية :
_ هاتوا أي حد للصيانة بسرعة .. مش معقول هستخدم الأسانسير ده ؟!
وهنا فهمت ليلة العيد الأمر، فالمصعد الآخر قد تعطل ! .. رغما عنها ضحكت .. فألتفت لها "هاكان" بنظرة مهددة ومتوعدة أيضاً عندما لاحظ ضحكتها المتشفية فيه ...
حاولت "ليلة العيد" كتم ضحكتها بما لديها من قوة، ولكن انفلتت منها وضحكت بخفوت .. ضحكتها جعلت الحارسان يبعدان وجهها عن "هاكان" لكي لا يرا بوادر الأبتسامة عليهما ! ...
ووقف المصعد أمام الطابق الخامس ... وخرج "هاكان " أولًا ... ولكنه توقف واستدار لها ، بينما كانت ليلة العيد في طريقها لـ "منة" كي تعرف وظيفتها المؤقتة وتبدأ فيها .. ولكن أشار لها "هاكان" أن تتبعه حتى مكتبه ..
ابتلعت ليلة العيد ريقها بتوتر وسارت خلفها مرغمة ، وتحاشت أن تثير أستفزازه أكثر من ذلك ..
وبعدما جلس "هاكان" أمام مكتبه بكامل هيبته وحضوره الشرس .. رمقها بنظرة متفحصة لمَ ترتديه وابتسم بسخرية وقال :
_ تعبتي نفسك على الفاضي ..
لم تفهم قصده ليلة العيد وتساءلت بريبة :
_ مش فاهمة حضرتك تقصد ايه ؟!
ضيّق عيناه عليها ثم نهض ووقف قبالتها مباشرةً بثقة قريبة للغرور :
_ حضرتي يقصد أن اللبس ده مش مناسب أبدًا لشغلك الجديد .. أصل شهادتك ما تشغلكيش عندي غير أنك تعمليلي قهوة كل لما أطلب ..
فغرت "ليلة العيد" فاها من الصدمة ولم تتخيل الأمر نهائيًا ، والتمعت عيناها بدمعة جاهدت أن تخفيها ، ثم نظرت لعيناه المنتصرة الشامتة في ضيقها وقالت بقبول لكي لا يهنأ بأنتصاره الرخيص :
_ تمام .. حضرتك بتشربها إيه ؟
ضيّق "هاكان" عيناه بغيظ وظهرت عروق فكيه المشيرة لشدة عصبيته .. وهتف بها :
_ لما أعوز هبقى أقولك .. هتلاقي المطبخ آخر الممر .. ده مكانك المناسب ..
لم تعرف ليلة لما فعلت ذلك، ولكنها نظرت له نظرة مليئة بالعتاب وشفتيها ترتعشان بالدموع وكأنها طفلة تشعر بالظلم .. وسارت متوجهة للخارج وهي تبتلع مرارة بحلقها .. هي حقا لا تعرف لمَا يتحداها لهذه الدرجة !.
وبالمطبخ الكبير ..
الذي به كل الامكانيات لإعداء جميع المشروبات الدافئة والعصائر الطازجة ....
جلست "ليلة العيد" على مقعد خشبي وجدته أمامها واستندت بمرفقيها على طاولة مستطيلة خشبية واجهشت بالبكاء ..
حتى انتبهت لصوت يسألها بتعجب :
_ بتعيطي كده ليه ؟!
فزعت ليلة العيد بأول وهلة، ثم سألته وهي تمسح عينيها :
_ أنت مين ؟!
أجاب الصبي ذو الثامنة عشر عاما وقال :
_ أنا سقراط .. بتاع الشاي .
______________________________
لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كاملةمن هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا


تعليقات
إرسال تعليق