القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية مديري مستر فرعون الفصل السادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر بقلم الكاتبه رحاب إبراهيم حسن حصريه

 





رواية مديري مستر فرعون الفصل السادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر بقلم الكاتبه رحاب إبراهيم حسن حصريه





رواية مديري مستر فرعون الفصل السادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر بقلم الكاتبه رحاب إبراهيم حسن حصريه




#الفصل_السادس 


أجاب الصبي ذو الثامنة عشر عاما :

_ أنا سقراط .. بتاع الشاي .


تعجبت "ليلة العيد" من اسمه لثوانً، ومسحت عيناها جيدًا حتى لا تثير شفقة ذلك الصبي، بينما دخل "سقراط" المطبخ ووضع حقيبته الصغيرة التي تشبه الحقائب المدرسية .. ثم ابتسم لها وهو يجلس قبالتها ويخرج من حقيبته "سندويتشات" فول .. وقال بلطـف :

_ يلا بسم الله يا ... هو أنتي صحيح اسمك إيه ؟ 


أغمضت ليلة عيناها ببؤس وهي تعلم ردة الفعل كالعادة:

_ ليلة العيد ..


_أنستينــا ..


وضحك الصبي ضحكة عالية على اسمها ، بينما لوت ليلة العيد شفتيها بغيظ وقالت :

_ على الأقل أحلى من سقراط !. 


تابع الصبي قهقهته العالية ولم يكترث لمَ قالتـه ولم يبالي، ونظرت له ليلة العيد لدقيقة بتمعن وسألته بفضول:

_ أنت ما بتزعلش لما حد يتريق على اسمك ؟


التهم "سقراط" قطعة من ساندويتشه بشهية، ثم أجاب وفمه منتفخ بالطعام :

_ زمان آه كنت بزعل وبتضايق، لكن دلوقتي بقيت جبلة، عقبالك لما تبقي جبلة زيي. 


تبسّمت "ليلة العيد" رغمًا عنها واعجبت بمنطقه البسيط، ثم قالت بصدق :

_  ياريت .. كانت اكتر مشاكلي اتحلت يا سقراط. 


سألها سقراط باهتمام :

_ هو لمؤاخذة يعني .. أنتي قاعدة هنا ليه ؟!. 


تنهدت ليلة وقالت له بيأس :

_ هشتغل هنا .. هعمل للمدير قهوة !!.


قالت ذلك بسخرية ممزوجة بمرارة وضيق، فوقف الطعام بفم سقراط وهتف :

_ تشتغلي هنا ؟! .. هو الباشا طردني ولا ايه ؟! 


طمأنته ليلة العيد وقالت :

_ لأ هو شغلني مؤقتا على ما أخلص دراستي .. 


وفزعت ليلة عندما ارتفع صوت جرس بشكل مزعج ونظرت لسقراط قائلة بتساؤل:

_ إيه ده ..؟! 


هبّ سقراط من مكانه وهو يبتلع ما بفمـه بعجالة، ثم قــال وهو يركض بالمكان :

_ هاتي السكر ،هاتي القهوة بسرعــــــــــة !!...  مالحقتش أفطر ، مالحقتش أفطر يا شركة موراهاش غيري!!. 


تعجبت ليلة منه وشعرت بالضيق من تصرفه ، فصاح فيها :

_ لو حد دخله المكتب قبل ما يشرب قهوته هتبقى مصيبة .. هيفضل يجعرلنا طول النهار وهنغرق في بحر التهزيق، ده بيشتم بالأنجليزي، بيشتم بالأنجليزي، عارفة ده معناه ايه ؟


سالته ليله بدهشة وهي تعطيه علبة السكر:

_ معناه إيه ؟! 


رد سقراط وهو يعد كنكة القهوة الخاصة لـ "هاكان" :

_ معناه اني هضطر أرد عليه بالفرنساوي .. وأنا كنت بغيب في حصة مسيو بهنسي. 


ارتفع رنين هاتف خلوي خاص بالمطبخ، وأشار سقراط لليلة لتجيب، فذهبت ليلة للهاتف ورفعت سماعته لتجيب بضيق وعصبية:

_ نعم .. ؟


رد صوت "هاكان" حادًا آمرًا :

_ هاتيلي القهوة بتاعتي الخاصة في المكتب .. في خلال دقيقة!. 


زمت ليلة العيد شفتيها بغيظ :

_ تمام ...سقراط بيعملها وهيبعتها لحضرتك ..


رد بهتاف وعصبية :

_ أنتي اللي تجبيها أومال هتشتغلي أمتى !! .. 


كادت أن تجيب بإعتراض وغيظ حتى انتبهت لصوت أغلاق الخط الآخر، فوضعت السماعة بغضب وقالت :

_ بني آدم غبي ... 


أعدّ سقراط القهوة في وقت قياسي رغم مهارته الملحوظة، وأعطاها الفنجان قائلًا:

_ روحي ارميهاله على المكتب وأجري. 


أخذت ليلة العيد فنجان القهوة وذهبت لمكتبه بنفس الطابق، وحينما سمح لها بالدخول قال مشيرًا لها بتهديد :

_ دقيقتين تأخير .. لو اتكررت مع السلامة .. 


ردت قائلة بغيظ:

_ أنا مش روبوت!! .. ومش معنى أني بشتغل هنا أي كان شغلي ايه أن حضرتك تعاملني زي العبيد !! .. لأني أنسانة وليا كرامتي .. وافقت أشتغل في البوفيه لأن الشغل مش عيب ، ايه يعني طالما بحاول وبكافح عشان أحقق حلمي .. بس واضح أنك شغلتني تصفية حسابات .. لو ده صح ياريت توضحلي من دلوقتي .. وأوعدك مش هتشوف وشي تاني. 


نظر لها "هاكان" لبعض الوقت وأستفزه وأعجبه بآن واحدة تمسكها بهدفها وتحديها له !! ... فنهض ووقف أمامها مباشرةً بنظرة جامدة :

_ أنا اللي بسأل مبتسألش .. ومش كل مرة هطلب فيها قهوة هتفتحي المحاضرة دي !! ... ده نظام والكل هنا ماشي عليه ، المرادي هعديها وهغفر جهلك بنظام الشغل هنا .. بس دي آخر مرة .. أنا بحب النظام في كل شيء .. وأنا أول واحد هنا بطبقه على نفسي .. واللي مش عاجبه الباب مفتوح دايمًا مع السلامة. 


نظرت له ليلة العيد بصمت للحظات، صمت بمحاولة فهم هذا الرجل الغريب، الذي بلحظة تشعر بنبذه لها، وبلحظة أخرى تظن أنها يتعامل هكذا مع الجميع دون أستثناء .. فقالت بصدق :

_ أستاذ هاكان .. مش هطلب منك غير أنك متحاولش تأذيني نفسيًا .. أنا راضية أكافح وأذاكر واجتهد عشان أوصل لحلمي .. مش جاية هنا عشان أتذل وأتهان .. ورغم كل اللي بتقوله وعصبيتك عليا وتصرفاتك اللي فاتت .. بس حاسة أنك مش هتحب تأذيني أو توجعني .. ارجوك سيبني أشتغل في حالي من غير استقصاد أو نبذ. 


واستأذنت بهدوء وخرجت من المكتب، وتركت هاكان يقف متجمدًا للحظات، عاد لمكتبه وارتشف من قهوته الدافئة وهو يفكر بكلمات تلك الفتاة البسيطة .. ابتسم ابتسامة بسيطة بتعجب .. من بين جميع الجميلات الاتي يركضن خلفه .. تلك الفأرة البائسة تترجاه لكي يبتعد عنها ويتركها وشأنها !!.يا للعجب !!. 


______________________________


أتى موعد اللقاء السري للأشقاء .. 

عند الهرم الأكبر ...


تنفس "سركن" بعمق وعيناه على الهرم بفخر وعزة .. ثم قـال :

_ لقد سرقوا أولاد الأفاعي الكثير من علومنا ونسبوها لأنفسهم .. خدعوا بعضا من أحفادنا وأوهموهم أننا انشأنا تلك الحضارة العريقة على السحر والخرافات .. بينماّ الحقيقة كانت أنها بنيت بالعلم والصبر والكفاح .. العلم كان هدفنا الأهم من كل شيء .. لذلك ها هي إلى الآن صامدة شامخة لا تهزها ريح سحرا .. أو أكاذيب الأفاعي. 


نظرت "لوتس" لشقيقها الاصغر بنظرة جانبية قلقة ، ثم قالت:

_ أعرف أنك تحاول أن تتحكم بغضبك كي لا تعنفني .. لست مخطئة و..


قاطعها "سركن" بحدة وعصبية :

_ لوتـس !! ... لولا أنك شقيقتي الكبرى لكان رد فعلي مختلف الآن .. وضعتني بموقف لا أحسد عليـه !! ... جعلتني لأول مرة أترك بلادي وزماني رغمًا عني .. وضعتني بورطة كبرى وحتما سيكتشف الجميع أختفائي وستكون العواقب وخيمة .. 


دافعت لوتس عن نفسها :

_ لم آتي لهنا برغبتي ! .. 


نظر "سركن" لشقيقته بنظرة حادة ثم قال :

_ ولكن تركت نفسك لساحرة العبيد تلميذة أبليس أن تلهو بعقلك وتشكك بزوجك !.. هل تعلمين أنه كان سيترك بلادنا بحثا عنك ؟! ... هل تعلمين حجم الكارثة التي وضعتينا فيها ؟! .. أمر أختفائك جاهدت لكي أبقيه سرًا .. ولكن لمتى سيبقى سرًا وأنا وأنت مقيدان هنا حتى قمر ليلة ٣٠ ؟! 


ذرفت لوتس الدموع وقالت بندم :

_ أغفر لي يا سركن أرجوك .. أنا لوتس ، شقيقتك الكبرى وأقرب مخلوق لقلبك .. الا استحق منك بعض الرحمة والغفران؟!. 


اطرف "سركن" أهدابه بحدة ثم قال دون أن ينظر لها :

_ ليس أنا من عليكِ أن تطلبي الغفران منه .. زوجك أولًا يا لوتس. 


لمست "لوتس" ذراع شقيقها وقالت ببكاء :

_ وأنت يا سركن .. ؟!


تنهد سركن بعمق، ثم استدار لشقيقته لوتس وقال بعدما رفع يده وربت على خديها بحنان :

_ أخطائك مغفورة دائمًا وأبدًا بلقلبي يا لوتس ... ليس عليكِ أبدًا أن تطلبي الغفران مني. 


ابتسمت لوتس وهي ترتمي بين ذراعي شقيقها ، ثم روت لها تلك الفتاة المسكينة التي تقيم معها ، فقال سركن بأطمئنان :

_ أعرف عنوانك جيدًا .. ولا تحاولي أن تظهري بهيئتك الحقيقية حتى رحلة العودة .. 


نظرت لواس لملابسه المعاصرة للعصر الحديث :

_ ولكنك تظهر ؟!. ...


رد سركن بنظرة غامضة :

_ القائد سركن در مون لن يتخفى من أعدائه أبدًا، اعلم أنهم يراقبونني أبناء الشيطان.. وتركتهم يفعلون ما يريدون، ولكني سأفعل ما أريد أيضاً....  ولن أعود ويدي نقية من دمائهم النجسة !. 


دعمته لوتس بكل ثقة وفخر :

_ لست قلقة على أخي القائد .. أنت المُحارب الأعظم بالنسبة لي .. 


رد عليها سركن بحزم :

_ لا تحاولي أن تبحثي عني ، أنا أعرف أين أنت وسآتيك بالوقت المناسب حتى يحين وقت العودة .. وحتى ذلك الوقت لابد أن تكوني بعيدة عني .. ولابد أن تتخلصي من تلك القوة الخرقاء التي معك !. 


اعترضت لوتس وقالت :

_ تلك القوة ضعفت جدًا عندما أتيت لهذا الزمان، وتضعف يوما بعد يوم .. وحتى أنني لا أعرف كيف أتخلص منها ! .. ولكن أطمئن لم أؤذي أحدًا بها، ولن افعل ذلك أبدًا.


نظر "سركن" لشمس الغروب وقـال :

_ سأتركك الآن رغمًا عني يا لوتس ، ولكن من الخطورة أن نبقى معاً وأنا أريد الأنتقام والثأر .. أذهبي أنتِ حيث أنت وسأراقبك من بعيد حتى اتأكد من سلامتكِ، وسأعود أنا لذلك المكان الذي لي به مأرب وهدف. 


ضيّقت "لوتس" عينيها بغرابة ولكنها أطاعت أمره وذهبت ....


_____________________________________


بالحي الشعبي ...


وقفت "شقاوة" مستندة بيديها على سور السطح المُلحقة به شقتها الصغيرة وعينيها تجيء هنا وهناك ... وهمست بضيق وقلق :

_ هو راح فين ده؟! .. ده مختفي من صباحية ربنـا !... 


انتبهت شقاوة لصوت خلفها، فأستدارت ونظرت بعتاب لصديقتها القديمة "أشجان" ، فأقتربت أشجان لشقاوة بابتسامة وقالت :

_ مش جه الوقت اللي نتصالح فيه بقا ولا ايه ، ولا يرضيكي اروح بيت جوزي وأمشي من الحتة وأحنا لسه متخاصمين ؟! 


ابتسمت لها شقاوة وقالت بصدق :

_ لا ما يصحش .. الف مبروك يا بت .. ربنا يعدلهالك ويتملك على خير ..


ضمتها "أشجان" بمحبة ثم قالت :

_ حنتي النهاردة وأنتي اكيد عارفة، ده فروع النور مالية الشارع قدامك أهي .. هتيجي وتنفذي وعد السنين وترقصي في فرحي لما تتعبي ، ولا هتسبيني لوحدي ؟ 


ضربتها شقاوة ضربةً خفيفة على كتفها وقالت :

_ هو أنا توبت آه عن الرقص .. بس أنتي أختي ، هاجي وهولعلك الحنة زي ما وعدتك زمان .. هخليها ليلة تتحاكى بيها نسوان الحتة لسنين .. هو أحنا يعني عندنا كام أشجان !. 


ضحكت أشجان بسعادة، ثم قالت لها بأسف :

_ وما تزعليش من أمي ... أنتي ...


قاطعتها شقاوة بمرارة حاولت أن تخفيها :

_ أمك عندها حق يا أشجان .. ما هو برضه مافيش أم هتسيب بنتها تصاحب واحدة رقاصة وتسكت !! .. بس والله ياختي ما كان بكيفي ولا بهوايا .. ده أنا كنت بضرب مطرح ما تفر روحي كل مرة رايحة فيها نمرة في فرح ولا في صالة ... بيومي كان عفي في شبابه ومحدش كان بيقدر عليه .. اللي ربنا ينتقم منه. 


واستها "أشجان" وقالت بدعم :

_ بس أنتي قدرتي وبعدتي عنه وده الأهم .. والله يا بت يا شقاوة لربنا يعوضك عوض كبير أوي .. قولي بس يارب. 


قالت شقاوة بعمق قلبها وهي تتذكر ذلك الرجل الغريب ولما أختفى فجأة :

_ يـــارب .


________________________________


خرجت "ليلة العيد" من مبنى الشركة بعدما دقت الساعة الثامنة مساءًا ... خرجت وعلى وجهها دموعا متألمة كلما تذكرت ما أتت لأجله .. وما باتت عليه !. 

ظهرت أمامها فجأة "لوتس" ... وقالت بقلق :

_ كنت لسه هدخلك .. معلش اتأخرت عليكي شوية. 


وتوقفت لوتس عن الحديث عندما لاحظت دموع ليلة، فضمتها وهي تربت على كتفها :

_ عملك ايه خلاكي كده ؟


روت لها ليلة العيد كل شيء، وما قالته له، وعناده معها بعد ذلك رغم كل ما أخبرته به ... فزمت لوتس شفتيها بغيظ، ثم قالت بعصبية :

_ مش هعرف أنام النهاردة قبل ما اعمل حاجة ... أنا متغاظة أوي !!... أنتي قولتيلي أنه لسه جوا ؟ ... تمام !. 


حاولت أن تمنعها ليلة العيد ، بينما لواس أصرت على الدخول، ولكن قبل ذلك اختبأت خلف شجرة وعادت لهيئة القطة حتى تستطع الدخول دون جدال من أفراد الأمن ..


_________________________________ 


وبمكتب "هاكان" .. 

ظل رشاد يضحك بصوتٍ عال  ويقول لشقيقه :

_ ده أنت ناوي تذلها بقا ... بس البت نضفت عن أول مرة شوفتها ... خسارة الشياكة دي في البوفيه والله. 


نظر له "هاكان" باستخفاف وقال :

_ شياكة ؟! ... أنت بتسمي اللي كانت لبساه الفارة ده شياكة ! .. ذوقك بقا في النازل أوي. 


رد رشاد وهو لا زال يضحك :

_ بس على الأقل احسن من أول مرة شوفناها .. وبعدين يا هاك أنت لا بتفرق معاك شياكة ولا غيره .. دي لورا خطيبتك ملكة جمال ومش فارقة معاك بفنجان قهوة حتى. 


تحدث "هاكان" بعدما أختنق من مرور الحديث حتى وقف عند لورا ، وهتف بشقيقه :

_ ما تغير الموضوع الخنيق ده ... بقولك ايه ، عندي عشاء عمل في مطعم مع ناس أجانب .. ايه رأيك تيجي معايا ؟ 


ضيق "رشاد* عيناه بخبث :

_ أجي طبعا ...


ولاحظت لوتس أنها لن تستطيع السيطرة عليه وهو يستعد للمغادرة، ففكرت سريعا بشيء ، وابتسمت بخبث واسرعت للخارج مجددًا بعدما علمت عنوان المطعم ... 


_____________________________


وبخارج مبنى الشركة .. 

قد عادت " لوتس" لليلة العيد وقالت باقتراح :

_ أنا عايزة أتمشى شوية ..


نظرت لها ليلة العيد بدهشة وكأن لوتس قرأت أفكارها وقالت :

_ موافقة .. أنا فعلًا محتاجة اشم شوية هوا قبل ما أرجع البيت .. هما كده كده ما بيهتموش بوجودي فمافيش حد هيهتم يعرف أصلا اتأخرت ليـه ..


ابتسمت لوتس بخبث ولم تخبر ليلة بشيء حتى لا تجد اعتراضا ورفضا ... وبعد فترة وقفت لوتس أمام فاترينة تعرض فستان يخطف الأبصار بجماله الساحر ... وصاحت :

_ ادخلي قيسي ده بسرعة ..


تعجبت ليلة العيد، ولكنها وافقت لأن الرداء بالفعل سرق قلبها ، وحينما اختبرته بالبروفا وجدته مناسبا تمامًا وكأنه صمم لها خصيصا .. عدى عن طوله الأطول بقليل .. فقالت الفتاة بالمحل :

_ لو حابة ممكن اعملهولك هنا .. هضبطلك كل اللي انتي عايزاه وهتاخدي في نص ساعة. 


قالت لوتس بموافقة :

_ تمام .. ابدأي فيه دلوقتي. 


نظرت ليلة العيد للوتس وهمس :

_ أنتي عارفة الفستان ده بكام ؟ .. ده بكل الهدوم اللي جبتها !


اجابت لوتس بتصميم :

_ هو فعلًا بكل اللي جبتيه ، وشكله عليكي مخليكي زي الأميرة ... ممكن اطلب منك طلب يا ليلة ؟


ردت ليلة بتأكيد :

_ اكيد طبعا .. 


شرحت لوتس ما تود أن يحدث :

_ كام يوم وهرجع زمان بعيد أوي عنك ... خلينا نستغل الوقت ده ونخرج نتفسح ونفرح .. الأيام دي مش هتتكرر تاني .. أنتي هتلبسي الفستان ده وهتعزميني في المكان اللي أحب أروحه ..


التمعت عينان ليلة العيد بالدموع :

_ ما تفكرنيش بقا أنك هيجي اليوم وتمشي .. مش عارفة ولا قادرة أفكر في اللحظة دي. 


ربتت لوتس على يدها وقالت بحماس :

_ سبيها لوقتها .. المهم دلوقتي نفرح بكل لحظة ..


ابتسمت ليلة العيد بمحبة صادقة، ثم ذهبت وانتقت للوتس رداءًا فاخر على ذوقها .. وحاسبت ببطاقتها اللاكترونية التي حفظت بها المبلغ المتبقي ..


______________________________


ارتفعت أصوات الأغاني الشعبية المعتاد سماعها بالأفراح .. وهتف النسوة بالزراغيد ودوى الأكف عندما ظهرت العروس "أشجان " بيديها المصطبغة بالحناء .. 


ومن بعيد همست سماح لـ "شقاوة" وهن يدخلان بين الجموع والاقتراب من العروس :

_ فكي التكشيرة دي لأحسن أمها تقول أنك غيرانة من بنتها المقشفة أشجان ..


زفرت "شقاوة" بضيق وقالت بحنق:

_ أختفى فص ملح وداب .. يارب يرجع الحتة .. ده أنا قلبي اتعلق بيه وكأنه طوق النجاة .. يارب يرجع يا سماح .. حاسة بوجع في قلبي كده يابت من غيابه .. 


كشرت سماح بوجهها وقالت :

_ مالك ياختي مش على بعضك كده ، مكنتش عشرة يوم دي اللي تعمل فيكي كده !!! ...


تنهدت شقاوة بقوة وقالت :

_ ما هو اللي زيي ياختي لما بتتنيل وتندب وتحب بتقع في ثانية على جدور رقبتها .. هو خطف قلبي في يوم صحيح ، بس غيره جري سنين ومعرفش يخطف مني حتى رمش عين .. شوفتي الفرق بقا !. 


قالت سماح بتأفف :

_ بت أنا جاية أزقطط واهيص ، الليلة دي منزوعة النكد أنا بقولك أهو !. 


وقبل أن ترد شقاوة أتى عدد من الفتيات وخطفن شقاوة من مكانها لمشاركتهم الرقص ... 


وارتفعت أنغام الموسيقى عندما انضمت شقاوة للفتيات وتعالى صفير الشباب بصيحات أعجاب ومعاكسة .. 


واندمجت شقاوة مع الفتيات على أحدى الانغام الشعبية حتى لا ينتبه أحدًا لدموع عينيها خصبصا عندما انتبهت لقول أحدى النسوة وهي تقول بنظرة حاقدة لرداء شقاوة الأحمر الذي يبرز جمالها الأنثوي بتمرد:

_ آه ماهي رقاصة بقا .. استخسروا يدفعوا وجابوها ببلاش !. 


ولكن رمتهن شقاوة بنظرة شرسة وتمايلت بأنوثة مهلكة أمامهن لكي تكيدهن أكثر .. وضحكت عندما نجحت في أستفزازهن وتابعت رقصتها مع الفتيات متجاهلة صيحات بعض الشباب الهاتفة باسمها مرارًا وتكرارًا.. 


ودارت شقاوة بحركة سريعة وهي تلف حول نفسها بختام رقصتها كالمعتاد وترفع رأسها من أسفل لأعلى .. ولكنها اصطدم بصدر عريض مفتول العضلات .. 

رفعت رأسها كثيرًا حتى وصلت لعيناه الزرقاء التي تلتهب كالجمر المحترق ... ابتسمت وأضاء قلبها وهي تنظر لعمق عيناه وأن كانت تصفعها بتلك النظرات القاسية ..


فهمسـت :

_ كنـــت فيــن ؟! 


تحرك عصب فكيه بغضب شديد كأنه يكتم سيل من الشتائم ، ثم رماها بنظرة قسمت قلبها من قسوتها وابتعد مجددًا ... جف ريق شقاوة وهي تنظر لخطوات ابتعاده بدموع وفهمت أنه فسر الأمر خطأ...


فركضت بين الزحام وحاولت أن تجده، ولكنه أختفى من جديد !.

وقفت شقاوة تبك عند مدخل المبنى التي تسكن به بأمل أن تلمح له طيفاً... ولكنها بدلًا عن ذلك وجدت رجلًا من الأثرياء سأمت من اللحاق بها وملاحقته كي ترضى عنه ... 

وقف " صبري" أمامها وهي ينفث دخان سيجارته وتصطف سيارته الفارهة على بُعد خطوات قريبةً منه :

_ قولت أجيلك طالما مش عايزة تشوفيني ...


كانت شقاوة الآن بأكثر لحظاتها غضبا وشراسة ، قالت والدموع والغضب بعيناها :

_ عارف لو ما بعدتش عن خلقتي السعادي يا راجل أنت ؟! .. هو البعيد ما عندوش دم مابيحسش !! .. هو انا كام مرة هقولك أني مش بطيق حتى الارض اللي انت واقف عليها .. 


رد صبري وقال متحكمًا في أعصابه :

_ مش مهم تحبيني دلوقتي ، هتحبيني بعدين ، لما أخليكي هانم .. بقا في واحدة عاقلة ترفس النعمة برجليها ؟! .. اومال لو مكنتش عايزك بالحلال ؟! 


صرخت شقاوة به بأعلى صوتها :

_ ولا هتطول مني شعرة .. ما تريح بقا وتحل عني وتشوفلك واحدة غيري .. 


زفر صبري بغضب :

_ لا شكلك أنتي اللي شوفتي واحد غيري ، ما أنا بتوصلني أخبارك من جوز أمك يا بنت نعيمة .. ما هو قالي كمان على اللي حصل امبارح واللي حاشك عنه .. بس أنا جاي وعامل حسابي ، سلاحي في جيبي ورجالتي معايا .. ورينا بقا هركليز اللي فرحنالي بيه هيعمل ايه؟!. 


وأخرج صبري سلاحه وأشهره بوجه شقاوة التي شحب وجهها ، ليس خوفا على نفسها ، بل خوفا أن يأتي ذاك الغريب ويتصدى لهؤلاء المجرمين .. 


وفجاة اندفعت يد صبري المصوبة بوجه شقاوة بقوة شرسة جعلته يصرخ من الألم، وسقط سلاحه في بئر مكشوف ، وجر "سركن" شقاوة خلف ظهره و...

____________________________



#الفصل_السابع  .... كامل 


وفجاة اندفعت يد صبري المصوبة بوجه شقاوة بقوة شرسة جعلته يصرخ من الألم، وسقط سلاحه في بئر دون غطاء، وجر "سركن" شقاوة خلف ظهره التي تشبثت بالفعل بمعطفه الجلدي وهي ترتجف .. 


حدج " صبري" بالرجل العملاق الضخم هذا بدهشة ، لأول مرة يرى رجلًا بهذا الطول وعرض منكبيه رغم خصره المشدود برشاقة متناهية .. فقال وهو يبتلع ريقه بقلق ويحرك ذراعه المتألم بقوة:

_ وأنت مين بقا يا فتوة..؟! 


لم يجيب "سركن" ولكنه عزم على تلقينه درسا لن ينساه بحياته، وعندما شعر صبري بالخطر القادم هتـف برجاله ليأتون إليه .. ولكنه تفاجأ أن رجاله أصبحوا أثنان من بين خمسة رجال أشداء .. ويبدو أنهم هربوا منذ قليل ..


أتى الرجلان ووقفا خلف صبري وظهر على وجيهما بعض القلق، بينما أندفع "سركن" وجرّ صبري من بينهما  ولكمه لكمةً جعلته يصرخ من الألم وسقط أرضا بعدها .. وحاول أحد الرجلان الدفاع ، بينما تلقى ضربة مميتة على بطنه جعلته يسقط على ظهره صارخأ ..

ووقف الثالث ينظر لـ "سركن" محاولًا أن يجد ثغرة ليهزم هذا المخلوق العملاق .. فأخرج "مطواه" من جيبه ووجهها بوجه "سركن" .... وظل يحرك يداه بتلك المطواه كثيرًا ...

حتى وجد نفسه يجرّ من معصمه الذي التوى بعنف ويندفع بقوة شرسة نحو الحائط محدثا جرحا كبيرًا برأسه من قوة الاصطدام ...

وركضت  "شقاوة" لـ سركن تتحامى خلف ظهره مجددًا وهي تنظر له بابتسامة وفخر ، حتى استدار هو وأخذها من معصم يدها حتى غرفتها على سطوح المنـزل ...


________________________________


وتحت قمر الليل ونسمات الهواء التي جعلت خصلاتها السوداء الغجرية تلتصق بجانبي وجهها ..  ابتسمت شقاوة وقالت بنظرة شديدة العاطفة :

_ تسلم إيدك ... تسلم ويسلم شبابك . 


نظر لها "سركن " بنظرة غامضة ، كأنه يعاتب نفسه على شيء ، كأنه يقاوم بكل قوته تلك المشاعر العنيفة الجامحة التي اقتحمت قلبه رغمًا وسريعا وبذلك العنف!!.. وهو قائد أقوى جيوش الأرض .. هزمته عينيها الكحيلة ! ..  

كيـف وهو لطالمـا أعتبر الحب لا يصلح للرجال وغير مرحب به بعالمـه، يصبح الآن أسيرًا متنعمًا بأسره مبتسمًا ويطلب المزيد من قيودها ..؟!! 


طال أنتظارها في رده فقالت بعتاب :

_ مش بترد عليا ليه ...؟


تحكّم "سركن" في نفسه ودقات قلبه العنيفة وأجاب بتقطيبة :

_ ماذا أقول ..؟! 


أغتاظت للحظة من تمسّكه بطريقة حديثه تلك ، ولكنها قالت برقة وعاطفة بعد ذلك :

_ هقولك أنا .. تعرف أني لأول مرة في حياتي أحس أن ليا حد يقدر يحميني من بيومي وصبري واللي معاه .. وأنت بتضربه كنت عايزة اضحك بأعلى صوتي .. وأعيط برضه، وأقولهم أخيرًا ما بقتش خايفة منكم .. 


نزلت دموع عينيها رغم أبتسامتها الصادقة، فـ رق قلب "سركن" لها بقوة، وأراد بوحشية أن يأخذها لذراعيه ويحميها من العالم بأسره ، ولكن هذا سيكون ضربًا من الجنون .. فتنهد بعمق وقال بشراسة :

_ قبل أي شيء لا تجعلي من جسدك عرضه لأنظار الرجال .. اليوم كنت على بُعد خطوات قليلة من ارتكاب مجزرة جماعية!. 


اتسعت ابتسامتها رغم دموعها وقالت بإعتذار :

_ أنا غلطانة ووالله مش هتتكرر تاني وعزة جلالة الله ، هي بس البت أشجان العروسة كانت صاحبتي من زمان ، ووعدتها أني هحيي ليلتها .. مرضتش ازعلها لما جت وعزمتني  .. بس والله ما هتحصل تاني لو الدنيا كلها زعلت مني .. أصل أنت عندك حق أوي يعني... وأنا ما يرضنيش زعلك. 


نظر "سركن" لعيناها الذي لا يعرف كيف سرقت قلبه المغلف بأسوار فولاذية بتلك البساطة! .. ووجده نفسه سابخا بحبات عينيها السوداء ويقول :

_ تاهـت عيوني في بحور عيونـها، واختـار قلبي أن يغوصَ فيغرقَ، آواهُ من رمشٍ أحاط بعينـها .. سهمًا توغّـل في الوريد فمزقَ ..


قـال تلك الكلمات التي تعود لأحد الشعراء المعاصرين وهو يبتسم لعيناها بدفء شديد .. فقالت شقاوة بضربات قلب سريعة :

_ الكلام حلو أوي رغم أني مش فهماه يا سي غريب .. هسميك غريب ، طالما مش عايز تقولي اسمك. 


اشتدت ابتسامة "سركن" وابتعد عنها وقرر أن يذهب ، فهتفت شقاوة بضيق :

_ طب أبقى كلمني بالبلدي كده عشان أفهمك .. 


توقف سركن وهو ما زال مبتسمًا، ثم استدار لهـا وقال بنظرة اجتاحت قلبها :

_ يا رموش قتالة وجارحة يا بويا وعيون نعسانة وسارحة يا عين  ..اديكي عمري بحاله يا بويا وأديني أنتي الفرحة يا عين ... 


واتسعت ابتسامته الجذابة بشراسة عندما قال :

_ بعرف أتكلم بالبلدي وبأي لغة ولهجة ... أعرف كل حاجة عن كل العصور وكل الأزمنة .. بس بتعامل بس باللي بميل ليـه وبيعجبني .. ومش هفكرك تاني .. لبسك ده كله ، ما يتلبسش تاني ... ونامي وأنتي مطمنة .. محدش هيقدر يقربلك وأنا موجود. 


غادر وعلى وجهه تلك الابتسامة الساحرة ، بينما تجمدت شقاوة بمكانها وفمها مفتوح بدهشة .. ثم قالت وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة بعدما غادر :

_ والمصحف بحبـه ... وعزة جلالة الله بحبـه .. وعهد الله بحبه .. ده بيغنيلي أغاني عبحليم .. يالهوي يا لهوي يالهوي.


وظلت تقفز شقاوة من السعادة مثل الصغار ..


_______________________________


وبالمحـل الفخم لبيع فساتين السهرة والزفـاف.


وقفت ليلة العيد أمـام مرآة كبيرة في غرفة البروڤا وتتمعن ببهجة انعاكسها بالمرآة .. فقد اصبح الرداء مناسبًا تمامًا ويظهرها كأنها تنتمي للطبقة المخملية في المجتمع .. بينما وقفت "لوتس" بجانبها تتفحص مظهرها بابتسامة واثقة بذلك الرداء الفاتن التي أختارته ليلة لها .. وقالت بثقة :

_ ياريت زوجي الوزير الأول "حات حوت" كان معايا دلوقتي ، عمري ما لبست أي شيء جديد غير وكان هو أول واحد يشوفه عليـا ويقولي رأيـه .. 


ابتسمت لها ليلة وقالت برقة :

_ زمانكوا ما يختلفش كتير عن زمنا .. الست هتفضل ست في كل زمان. 


ردت لوتس وقالت بحنين :

_ وحشني أوي ونفسي أرجع عشان أشوفه ، وفي نفس الوقت هيصعب عليا فراقك ؟ .. أنا خلاص بقيت معتبراكي بنتي وصاحبتي.  


نظرت لها ليلة العيد بألم ، ثم ارتمت بين ذراعيها بدموع وقالت :

_ أنا اتحرمت من أمي بدري أوي .. وكمان مكنش ليا صحاب غير جارتي بثينة وللاسف عزلت من سنتين .. ودلوقتي ماليش بعد ربنا غيرك أنتي .. أرجوكي يا لوتس فكري في حل نفضل بيه مع بعض ..


ربتت لوتس على كتفي ليلة وقالت بحنان :

_ أنا جانبك .. حتى لو للفترة الباقية من وجودي هنـا .. لكن لو قررت أفضل معاكي هنا ده يعتبر في حد ذاته جريمة هتعاقب عليها بالطرد للأبد من زماني .. وأظن أنتي مش هتقدري تيجي معايا ؟ 


تألمت ليلة وقالت بأسى :

_ مش هينفع يا لوتس ارجع للزمن البعيد أوي ده .. يمكن أنا مبهورة بزمانكوا وبالحضارة والأمبراطورية المصرية العظيمة وقتـها .. بس أنا أتولدت في العصر ده ومش هعرف أعيش في غيره .. زي ما أنتي برضه مش هتعرفي تتأقلمي بسهولة هنا ..


ربتت لوتس على خدها برقة وحنان وقالت :

_ احنا الأتنين عايشين على نفس الأرض حتى لو كان الزمن مختلف .. بس كل ما توحشيني هطلب أشوفك .. مش هيكون في وداع أبدي ما بينـا أطمني ..


 مسحت ليلة دموع عينيها وحاولت أن تتجاهل ذلك الخوف بقلبها من فراق لوتس وعادت تنظر لنفسها عبر المرآة .. فنظرت لوتس لحجاب ليلة ووجهها الباهت ، ثم رفعت عينيها لساعة الحائط وتمتمت :

_ فاضل ساعة .. 


لم تفهم ليلة العيد الأمر وسألتها :

_ فاضل ساعـة على إيه ؟! 


ابتسمت لوتس بمراوغة وأجابت:

_ على ميعاد نومي .. يلا بينا نخرج نتفسح شوية وتعزميني في المكان اللي أختاره .. 


سألتها ليلة بضحكة :

_ أنتي لحقتي كمان تعرفي عناوين المحلات والمطاعم ! ..


غمزت لها لوتس بثقة :

_ لأني لوتس در مون .. زوجة الوزير الأول ، وشقيقة قائد جيوش البلاد "سركن در مون " .. يعني مش ست عادية !. 

 

انتبهت ليلة لاسم شقيق لوتس الذي ولأول مرة تسمعه منها وقالت :

_ قائد الجيوش سركن در مون !! .. أول مرة اسمع اسمه. 


اجابت لوتس بأسف :

_ في شخصيات تاريخية عظيمة جدًا وأبطال اتمسحوا من التاريخ بفعل فاعل .. اتمسحوا بإيد أعدائهم اللي كتبوا تاريخهم الخاص المزيف وألفوا بطولات وهمية لشعوبهم المهاجرة من كل حتة و المغيبة .. استوطنوا أراضي عمرها ما كانت ليهم وزعموا أنها أرضهم الأصلية .. وهما ولا ليهم تاريخ ولا أرض ولا شرف ولا عهد .. وللأسف كنت ضحية ساذجة لساحرة منهم وعرفت تشككني في جوزي وتسحرني .. ولكن لي لقاء آخر مع تلك الساحرة الملعونة. 


فهمـت ليلة العيد حديث لوتس ، بينما قالت لوتس بغيظ :

_ مش عايزة أفتكر اللي حصل .. المهم دلوقتي نخلينا في نفسنا ...


نظرت ليلة للنرآة مجددًا بابتسامة ثم قالت وهي تنظر لوجهها وحجابها الغير متناسق مع الرداء الراقي :

_ همشي بالمنظر ده كده أزاي ؟ .. الفستان لا شبه الطرحة ولا الجزمة ...


تبسمت لوتس بوجهها وقالت :

_ الشارع اللي احنا فيه ده كله محلات .. يلا بينا نختار اللي أحنا عايزينه .. 


وأخذتها لوتس للخارج .. وبعد مرور أكثر من نصف ساعة كانت ليلة ولوتس يخرجان من صالون تجميل ببعض اللمسات البسيطة بوجههن .. ولكنها لمسات أضاءت وبرزت جمالهن بنعومة ..

وأوقفت لوتس سيارة أجرة وأخبرته العنوان ، وحينما جلست ليلة داخل السيارة نظرت لها بتعجب وقالت :

_ أنتي عارفة المطعم ده منين ؟ 


قالت لوتس بنظرة ماكرة وبمراوغة:

_ سمعـت عنـه .. 


تقبلّت ليلة العيد تلك الإجابة المختصرة ولم تشك أبدًا بالأمر ، بينما نظرت لوتس لتلك النظارة السميكة الملتصقة بوجه ليلة وقالت بعبوس :

_ ينفع تشيلي النظارة دي النهاردة ؟ 


لمست ليلة نظارتها بحركة لا إرادية وقالت :

_ لا ما ينفعش للأسف ، لأني مش هشوف لو قلعتها .. همشي أخبط في كل اللي حواليا ..


ربتت لوتس على يدها وقالت :

_ متخافيش أنا جانبك .  


وابتسمت لها ليلة وخيّم الصمت بعد ذلك حتى توقفت السيارة الأجرة أمام مطعم فخم جدًا يبدو أن رواده من الأثرياء فقط ، فلا سبيل حتى للطبقة المتوسطة بزيارته .. وعندما خرجتا ليلة ولوتس من السيارة وقفن أمام المطعم المتلألأ اسمه على لوحة معدنية ضخمة مُعلّقةً.. 


وهنا سحبت لوتس نظارة ليلة العيد من وجهها وقالت :

_ شكلها مش مناسب أبدًا على الشياكة والجمال ده كله .. 


اغتاظت ليلة من ذلك الأمر وهتفت بقوة :

_ لا لا .. هاتي النضارة بتاعتي ، صدقيني مش شايفة حاجة خالـص وهقع !. 


اشفقت عليها لوتس لوهلةً، ولكن ذلك الأمر سيخدمها بشيئا ما ، فقالت :

_ أنا جانبك ومش هخليكي تقعي ، تعالي بس معايا من غير كلام. 


وسحبتها لوتس للداخل قبل أن تعترض ليلة، بينما الرؤية أمامها كانت ضبابية بالفعل وكأن يطبق على عينيها لوح زجاجي مغبر بالأتربة الملتصقة منذ سنوات .. فما باتت ترى أي شيء غير أشباح وظلال تتحرك هنا وهناك. 


وعندما دخلت لوتس وبيدها ليلة لداخل المطعم ، تجوّلت عينيها بكل الزوايا ، حتى رأت مرادها .. فكان "هاكان" جالسا مع وفد سياحي من خمسة أشخاص ومعه شقيقه رشاد جالسا بجانبه وعيناه المتلاعبة ترمق الشقراوات بمكر .. 


تنفست لوتس بعمق ثم ابتسمت وهي تسحب ليلة وتأخذها لطاولة مقابلة تمامًا لطاولة هاكان !. 


فانزعجت ليلة وقالت وهي تشعر بالضيق الشديد :

_ هاتي النظارة بتاعتي بقا يا لوتس والله ما شايفة أي حاجة خالص وحاسة بالخنقة ..


أجلستها لوتس على أحد مقاعد الطاولة ، وقد أختارت المقعد المناسب التي يجعلها مقابلة تمامًا لهاكان ويسهل عليه رؤيتها ، بينما هي تقريبًا تواليه جانبها الأيمن فلن تلتفت له بسهولة .. وبعدما جلست لوتس قبالتها وضعت بخفة تلك النظارة البشعة على عظمة أنفها .. فتنهدت ليلة وقالت وهي تتحسس نظارتها وتتنفس الصعداء :

_ آه كده تمام أوي .. 


فابتسمت لها لوتس بعدما نالت مأربها وقالت :

_ رغم أنها مش ماشية خالص مع فستانك التحفة ده ، لكن سماح المرادي ..


_______________________________________


لاحظ رشاد بأن أحدى الشقراوات بالفوج السياحي ترمق هاكان بإعجاب وانجذاب شديد .. فهمس رشاد لهاكان قائلًا :

_ شكل القاعدة مطولة وغالبًا هتلاقي لورا طابة علينا دلوقتي .


انعقد حاجبي "هاكان" بدهشة وسأله بحنق :

_ لورا ؟! ..  وايه يخليها تيجي هنا دلوقتي اصلًا !


حمحم رشاد بتوتر ثم اعترف :

_ أصل بصراحة هي اتصلت بيك كتير أوي ومكنتش بترد ،فبعتتلي رسالة على الواتساب تسألني عليك وكنا لسه في الشركة .. فقولتلها أننا في عشاء عمل وكده .. سألتني على العنوان وقولتلها عشان ما أنرفزهاش اكتر .. وبعدين قفلت ، بس متوقع انها على وصول .


رد هاكان بسخرية وعصبية وعيناه على التي تتجه نحوهما بنظرات غاضبة :

_ متوقع ؟! ..  لا اتأكد ، لأنها جاية علينا 


نظر رشاد للورا بدهشة، ثم همس لشقيقه :

_ طب الحمد لله أني جيت معاك والّا كانت حصلت مشكلة .. 


رد هاكان بعصبية :

_ لو ضايقت أي حد من الناس اللي معايا هفض الجوازة دي وأخلص. 


سخر رشاد وقال :

_ أنت أصلًا بتتلكك عشان تفركش !. 


أتت لورا ووقف أمام الطاولة بنظراتها الغاضبة التي حاولت أن تخفيها بتلك الأبتسامة الملتوية وقالت :

_ مش كنت تقولي كنت جيت معاك !. 


نظر هاكان لها بنظرة حادة منفعلة ومهددة كي تنتبه لتصرفاتها أمام الفوج السياحي والا تحدث أي شيء أرعن من أفعالها ، ورحب بها رشاد قائلًا :

_ طب اتفضلي أقعدي الأول وشاركينا السهرة .. 


جلست لورا بحركة استفزت هاكان وجعلته يستشيط غضبًا، وكان رده أنه تجاهلها تمامًا وعاد لحديثه مع السياح بمزيج من الأنجليزية والفرنسية المتقنة .. ولكنه توقف فجأة بذهول عندما وقعت عيناه بالصدفة على الفأرة البائسة صاحبة أبشع نظارات طبية قد رآها في حياته .. ولكنها اليوم تختلف كثيرًا عن كل مرة رآها فيها .. 

كانت تبتسم وتتحدث مع صديقةً لها تشاركها نفس الطاولة بعفوية وضحكة، ويبدو أنها لم تنتبه لوجوده من الأساس .. وهمس رشاد له قائلًا بتعجب وهو يشير لطاولة ليلة :

_ هي مش دي البنت أم اربع عيون اللي اسمها ليلة العيد ولا أنا غلطان ؟! 


أجاب هاكان بهمس وعيناه المصدومة لا زالت واقفة على ليلة :

_ هي ..


قال رشاد باستغراب :

_ وايه اللي جابها هنا دي ؟! .. وبعدين هي ليه بتحلو عن كل مرة بشوفها فيها ؟! 


تلقى رشاد ضربة خفيفة على جانبة الأيسر من ذراع هاكان الذي نظر له بحدة وقال :

_ بطل رغي وخلينا في الشغل ..


رد رشاد بتأفف وهو ينهض :

_ لا معلش فركش ... خليك أنت وأنا هستأذن. 


وبالفعل استأذن رشاد للأنصراف ولم يعترض هاكان لذلك وعاد متحدثا مع الأجانب باندماج حقيقي ، حتى أن تجاهل لورا التي ترمقه بغيظ وعصبية .. بينما تفاجأ هاكان عندما رأى شقيقه يتوجه نحو تلك الفأرة وصديقتها المجهولة .. 


___________________________ 


_مساء الخيـر ..


وقبل أن ترد أي من الفتاتان كان رشاد يجرّ مقعد ليجلس عليه وينضم للوتس وليلة على طاولتهما دون أي مقدمات.. فنظرت له ليلة بذهول للحظات من وجوده هنا، ثم قالت بدهشة :

_ أنت هنا ؟! 


اتسعت ابتسامة رشاد وقال وهو يتفحص النظارة السميكة التي تشوه ذلك الرداء الفاتن التي ترتديه وتلك الطلّة الجذابة :

_ آه عادي يعني .. أنا وهاك أخويا دايمًا بنستقبل العملا هنا وفي كذا مكان تاني .. وحظك بقا أننا هنا النهاردة. 


رددت ليلة العيد الكلمة بريقها الذي جف من الاضطراب والتوتر :

_ أنتم ؟! .... هو ..


قاطعها رشاد بابتسامة ساخرة :

_ آه .. النمر بتاع عيلتنا قاعد في الترابيزة اللي وراكي بشوية على جانبك اليمين ..اوعي تبصيله بقا ليبلعك. 


كتمت لوتس ضحكتها، بينما ضحك رشاد ضحكة عالية جعلت هاكان يلتفت لهم بنظرات شرسة .. واستدارت ليلة ونظرت له بروع كأنه حقا سيبتلعها!، وهنا تأكد هاكان أنها بالفعل لم تعرف بوجوده .. ونظر لبعضهما للحظات .. كانت نظراته غاضبة منفعلة وغامضة، بينما نظراتها مرتبكة وخائفة وكأنها تفعل شيء ستعاقب عليه !! ..  

فقالت لها لوتس بغيظ :

_ أنتي خايفة كده ليه ؟ .. هو انتي بتعملي حاجة غلط ؟! 


تدخل رشاد وقال :

_ أيوة فعلا خايفة كده ليه ؟ .. أنتي قاعدة في مطعم مش في كباريه !! 


ابتلعت ليلة ريقها بصعوبة وحاولت أن تتظاهر بالثبات رغم نظراتها المرتبكة بشدة .. وبعد قليل طلب رشاد عدة أطباق شهية لهم وقال بعد ذلك :

_ أنا عازمكم النهاردة بعد أذنكم طبعا ، وهأكلكم بقا نوع سمك هتدمنوه زيي .. 


اعترضت ليلة :

_ أنا أسفة لكن ما ينفعش .. 


تجاهل رشاد شعوره الأكيد بعدم ترحيبها به وظل جالسا رغم ذلك كعادته مع الفتيات، وقال بابتسامة يعتقد أنها جذابة :

_ اللي ما ينفعش اني أمشي وأنا جعان ، واكيد مش مقبول أنك تدفعيلي ! .. أنا الراجل هنا ، يبقى أنا اللي أدفع .. 


حاولت ليلة أن تعترض ولكن لوتس غمزتها لتصمت ، كانت لوتس تراقب من بعيد هاكان الذي اصبحت عيناه أكثر شراسة كلما رمق شقيقه يتحدث ويمزح ويطيل الحديث بإرياحية .. 


فهمست لوتس لنفسها بخفوت :

_ أنا هعرفك الفارة دي ممكن تعمل فيك ايه يا المغرور .. اهي قاعدة هانم اهيه ومش معبراك وأنت عينك هتطق شرار عليها .. عشان تبقى تحترم نفسك وتعرف بتتعامل مع مين ..


ظل رشاد يتحدث ويضحك على نكاته السخيفة حتى يأتي الطعام ، بينما أنهي هاكان مقابلته مع السياح إجبارًا ونهض من مكانه وتوجه نحو طاولة ليلة بخطوات رشيقة .. وترك لورا كأنها هواءً غير مرئي !. 


وكان قلب ليلة العيد سيقف عندما تخلل أنفاسها عطره الخاص والمميز وادركت أنه تقريبًا خلفها ... ولكن الذي أذهل الجميع هو عندما جرّ "هاكان"مقعد وجلس بجانب مقعد ليلة العيد !! ....


نظرت له لوتس بتعجب رغم خطتها المحكمة، وكانت ستحاول السيطرة على عقله ولكن تراجعت ، هي تريد أن ترى ماذا يريد أن يفعل وما يخبأه بداخله حقا ... 

وتعجب رشاد لبعض الوقت وهو ينظر لشقيقه ، حتى قال هاكان بابتسامة يظهر من خلفها الغضب وأشار للورا أن تأت وتنضم إليهم :

_ تعالي ..


أقتربت لورا بخطوات بطيئة وودت لو تركض من هنا وتنهي تلك المهزلة ، ولكنها جلست بجانب لوتس بالمقعد الوحيد الخالِ .. فأطلق رشاد نكتة لينقي الأجواء من ذلك التوتر ، ولكن لم يبتسم أحد !!. .. فعبس وقال لليلة :

_ أنا مبسوطة بجد أني شوفتك هنا النهاردة أنتي وقريبتك .. بس أنتوا بتيجوا هنا على طول ولا دي أول مرة ؟ 


كان يعرف أن سؤاله يبدو سخيفًا، ولكن لم يجد أمورا يضيّع الوقت فيها ، فأجابت لوتس بثقة :

_ تاني مرة نيجي هنا ، لولو مكنش عاجبها المكان خالص بس أنا اللي صممت نيجي هنا ..


ضيق هاكان عيناه بسخرية .. بينما ازدردت ليلة العيد ريقها بقوة والتزمت الصمت وهي تعي انه يسخر منهن في تفسه .. وعندما التهب الغضب بقلب لورا من نظرات هاكان لتلك الفتاة ذي النظارات البشعة قالت بسخرية :

_ هي مش دي يا رشاد ليلة العيد اللي كنت بتحكيلنا عليها ؟! ..  وصفك ليها فعلا صحيح .


وضحكت لورا بسخرية واتضح أن ليلة كانت  سخرية لهاكان وأسرته وتلك الفتاة التي لا تعرف للآن من هي !. 


امتقع وجه رشاد واغتاظ من لورا ، بينما تحدث هاكان موجها الحديث للورا بصوتً حاد :

_ لورا ...!!!


فقال رشاد جملته ليرد الصاع للورا :

_ آه هي .. هي نفس البنت اللي هاكان أخويا قال عليها شاطرة وممتازة ومناسبة جدا للشركة .. ولا مش فاكرة لما قال أنه هيساعدها لحد ما تكمل دراستها وبعدين يوظفها في المكان اللي تستحقه !. .. نسيتي ده كله ولا ايه ؟!.


تسمرت ليلة في مكانها وتسحبت نظرتها بدهشة نحو هاكان، الذي اصبحت عيناه كالجمر الملتهب من الغضب وهو ينظر لشقيقه رشاد !. 


____________________________


تفتكروا رد هاكان ايه والمقابلة هتخلص على ايه 🤔

#مديري_مستر_فرعون


#الفصل_الثامن 


تسمرت ليلة في مكانها وتسحبت نظرتها بدهشةً نحو هاكان الذي اصبحت عيناه كالجمر الملتهب من الغضب وهو ينظر لشقيقه رشاد !. 


شعر "رشاد" بأن هناك شيء غير مفهوم خلف نظرات شقيقه الغاضبة، خاصةً وأن ليس هناك ما يزعج بالحديث لتلك الدرجة التي جعلت من عيناه جمرتان متقدتان من الغضب .. فحمحم "رشاد" بتوتر .. بينما لم تتركه لورا يتنعم بأنتصاره السخيف بالحديث، فذكّرته بوصفه للفتاة:

_ آه افتكرت .. ده أنت حتى كنت نفسك هاكي يشغلها في الشركة عشان تتبسط، أصل النظارة بتاعتها كانت عجباك أوي. 


أصبح مجرى الحديث سخيفًا بين لورا ورشـاد الذي اقسم في نفسه أن لا يتدخل مرةً أخرى في استمرار علاقتها بشقيقه، فهتف "هاكان" فيهما بعصبيـة وضجر :

_ كفاية سخافة بقا واسكتوا ..! 


حملقت "لورا" بهاكان وهي تختنق من كتمان صراخها بوجهه ورمقته بنظرة نارية متقدة:

_ أنا ما سخفتش يا هاك .. أنت مش شـ...


قاطعها "هاكان" بوقفته المفاجأة والحادة وهو يأخذ هاتفه ومفاتيح سيارته من على الطاولة، وطالعها بنظرة عنيفة جعلتها تقطع جملتها :

_ اللي حصل ده أول وأخر مرة يحصل .. واتفضلي معايا عشان اوصلك لحد بيتك. 


كانت تصرفاته تخبرها وكأنه يطردها من هذه السهرة عنوةً، ولكن بلباقة ومراعاة أنها فتاة، فنهضت واخذت حقيبتها وقد تجهم وجهها وتجاهلت النظرات المُسلطة عليـها، ثم سارت معه بخطوات سريعة وكأن وحشا يطاردها !!.


تأملت "لوتس" بوجه ليلة وتفاجئت من عينيها الشاردة للبعيد وكأنها بعالما آخر، بينما تحدث رشـاد ليصحح تلك الفكرة المقيتة التي اتخذت عنه :

_ ما تصدقوهاش دي بنت مستفزة وبتقول كده عشان تغيظني ..


سألته لوتس وجاهدت لتظهر بثبات رغم الانفعال المشحون بداخلها:

_ تغيظك ؟!!. 


أكدّ رشـاد وكأنه وجد مخرج لذلك الموقف المُحرج:

_ أيوة .. أصلها تبقى زوجة هاكان المستقبلية .. وفي آخر فترة حست أني مش مقتنع بيها تبقى مرات أخويا وبعاملها بتريقة .. هاكان ده فيلسوف وغامض صحيح .. بس رغم كل عيوبه يستحق أحلى حاجة .. وأكيد لورا مش أحلى حاجة!. 


لم تقتنع لوتس بما قاله رشاد تمامًا، ولكنها أظهرت عدم الاكتراث للأمر مؤقتًا حتى تنفرد بصديقتها، ونهضت وهي تربت بخفة على ذراع" ليلة" لكي تنتبه وتخرج من هذا الشرود :

_ طب لازم نمشي بقا عشان منتأخرش. 


اعترض رشـاد وظهر أنه يضع أهتمامًا خاصًا بلوتس، رغم أنه ببادئ الأمر أتى لصديقتها ليلة العيد:

_ أحنا لسه ما أتعشيناش سوا ولا قعدنا .. أنتوا مش كنتوا هتتعشوا برضه ؟


أجابت لوتس بابتسامة حاولت أن تبدو طبيعية ولا تشعره أنها استاءت مما حدث بالفعل:

_ كنا .. بس دلوقتي اتأخرنا. 


فهم رشاد أن وجوده كان سبب الاضطراب لهذه الأمسية، فنظر للوتس باهتمام وتحدث بنظرة لامعة بالأعجاب :

_ طب ممكن رقم فونك عشان اتصل اطمن عليكي لما ترجعي البيت ؟


تحوّلت ابتسامة لوتس المجاملة للحدة والعصبية:

_ أنت عارف أنت بتكلم مين ..؟! 


وشعرت ليلة العيد أن لوتس ستعرّف عن نفسها دون ادراك للموقف، فنهضت وقاطعت حديثها وقالت لرشاد بصوت حاد :

_ ما بنديش أرقام تليفوناتنا لحد .. بعد أذنك !. 


أستاء رشاد من تعكر الموقف وصحح بارتباك:

_ ما أقصدش حاجة والله .. طب على الأقل أوصلكم ماينفعش ترجعوا لوحدكم بليل كده ؟!. 


كان يتحدث ببعض المُبالغة، فتنفست لوتس بضيق وهتفت :

_ يلا يا ليلة عشان اتخنقت. 


وغادرن مبتعدتان عنه في أنفعال واضح، بينما وقف رشاد بمكانه متعجبًا من التغيّر الجذري لتلك الفتاة المجهولة والجذابة بدرجة مُهلكة التي ترافق صديقتها صاحبة النظارات السميكة :

_ أول مرة معرفش أخرج حتى بالاسم الأول .. بس ماشي يا قمر أنتي .. حتة بت ملامحها مرسومة رسم ، يخربيت حلاوتها. 


______________________________


وتحت نسمات الليل سارت ليلة العيد بالطريق شاردة تمامًا، ويبدو على ملامحها الصمت المطبق، فهمست لها لوتس بلطف :

_ حاسة بيكي وعارفة بتفكري في إيه. 


التفتت لها ليلة بتفاجئ وتعجبت:

_ عارفة ..؟! .. إذا كان أنا نفسي تايهة ومش عارفة !. 


تبسّمت "لوتس" برقة، ثم قالت بنظرة يملأها الحيطة والحذر:

_ خلي بالك من قلبك يا ليلة .. هو قلبه لسه فاضي .


توقفت" ليلة العيد" بمكانها بتسمّر، ثم تاهت نظرتها بوخزة الم وهي تنظر للوتس، فأردفت لوتس وهي تقف أمامها بنظرة داعمة :

_ لما كنا في المطعم عرفت أدخل عقله وأفكاره، بس محاولتش أسيطر على ردوده زي كل مرة، المرادي بس كنت عايزة أعرف هو بيفكر في إيه وأزاي .. لأني قرأت أفكارك أنتي كمان وعرفت أنك بدأتي تعجبي بيه .


امتقع وجه ليلة وهي تنظر للوتس بمزيج من الحيرة والضيق لأقتحام خصوصية أفكارها دون علمها، فتابعت لوتس بجدية:

_ هاكان ده شخص عملي مابيهموش المظاهر فعلًا، قلبه فاضي مافيهوش واحدة ولا حتى معجب بحد .. كل مشكلته معاكي أنه مش فاهم قبلك أزاي في شركته ، وأنك كمان ما بتحاوليش تلفتي نظره زي أغلب البنات حواليه .. رغم أنك في نظره عادية اكتر منهم .. يعني من الآخر ده ما بتبذليش مجهود عشان تعجبيه .. وده رغم أنه كان بينرفزه في كل بنت بتشوفه ، الا أنه أضايق انك معملتيش زيهم !... ما توهميش نفسك أنه مهتم .. لأنه مش مهتم بحد ... وعلى فكرة هو مش شرير. 


المتها تلك الكلمات، فربتت لوتس على جانب وجهها وفسرت بحنان:

_ أنا عارفة أن يمكن كلامي قاسي شوية، بس هيفوقك وهينقذك من حفرة كنتي هتوقعي نفسك فيها بعدين. 


اضطرب صوت ليلة وهي ترد بتوتر وأستنكار:

_ أنتي .. أنتي فهمتي غلط يا لوتس ، أعجابي بيه مش عشان شكله ومركزه ...أعجابي بيه لأنه ناجح وطموح وله شخصيته في شغله زي ما سمعت .. أعجاب عن أعجاب يفرق. 


لم ترغب لوتس أن تجرحها اكثر من ذلك رغم درايتها بالحقيقة :

_ ممكن جدًا أكون فهمت غلط، بس لو أنتي وخداه قدوة ليكي فهو في الحتة ده فعلًا قدوة .. شاب لسه صغير ورجل أعمال وله اسمه بالشكل ده فأكيد لازم يبقى قدوة .. 


سألتها ليلة العيد بارتباك وتردد :

_ بس أنتي قولتيلي أنه مش بيحب حد .. أومال اللي المفروض خطيبته دي إيه ..؟!


أجابتها لوتس بتوضيح وتمنّت أن لا يتجدد أملها بهذا الرجل الذي قلبه وكأنه صنع من جرانيت :

_ شايفها أكتر بنت مناسبة لمستواه هو وعيلته بعيدًا عن تصرفاتها المستفزة .. زي ما قولتلك هو شخص عملي جدًا .. مساحة العاطفة في قراراته شبه منعدمة!.... راجل زي ده لازم واحدة تبهر عقله عشان تعرف تدخل قلبه. 


وابتسمت لوتس متذكرة شقيقها المُحارب :

_ بيفكرني بأخويا سركن .. من وهو طفل بيحب المعارك وبيعشق القتال والضرب بالسيوف، المرأة عمرها ما كانت جزء من حياته حتى ولو جزء بسيط .. رغم أنه أتحب من الأميرة والجارية .. لكن هو عمره ما لفت نظره أي بنت!... ولا حتى مهتم يتجوز !. 


ولم تنتبه ليلة لما قالته لوتس عن شقيقها، فهي كانت تائهة بذلك الرجل الذي غزا فكرها بالأيام القليلة الماضية .. فقالت وهي تتظاهر بالمزاح:

_ طب يلا نركب تاكسي عشان كده هنتأخر فعلًا  .. بس هروح بالفستان ده ؟! 


نظرت لوتس لمظهرها الأنيق وتذكرت أفراد عائلتها الحمقى فطمأنتها :

_ هدخلك من غير ما يشوفوكي .


__________________________________


وبعد منتصف الليل ...


كان " رفاعي" يتناول جرعاته المخدرة في أحدى "الخرابات" الذي لا يزورها سوى قطاع الطرق والمجرمين ليلًا .. وقال بضحكة ثملة وهو يتحدث مع رجلًا آخر يتكأ على وسادة متسخة بالأتربة والغبار الأسود:

_ الحتة اللي مدكن عليها دي تسوى ملايين ياض يا دسوقي ، حتة أثار أنما ايه هتعيشنا ملوك زمانا .. حتة تقيلة تقيلة يعني. 


رد عليه دسوقي بنظرات ماكرة وهو يضمر الغدر بنفسه:

_ طب ومطبق عليها فين دي يابن اللذينة؟ .. ده انت مطلعتش سهل ابدًا ..


فخّم فيه دسوقي لينال غرضه، فضحك رفاعي بزهو ساذج:

_ أومال فاكرني قاعد طول المدة دي كده على الفاضي!، أنا بس مستني لما الحكومة تبعد عنيها عننا شوية وبعدين أحطها على الميزان واللي يقدر تقلها يدفعلها ... 


ضيّق دسوقي عيناه بمكر وسأله بلهفة :

_ طب وأنا .. ماليش شوية رمل في الشيلة دي؟ 


ضحك رفاعي بقوة وقال :

_ ده أنت المقاول يا دسوقي عيب عليك .. هات انت بس المشتري وهتاخد شوال رمل بحاله يا صاحبي .. بقولك الحتة تقيلة ، يعني هتصيف في المالديف وتبقى نضيف ياض يا نتن. 


وضحكا الأثنان بأعلى صوتهما .. حتى اجتر دسوقي الحديث معه قائلًا بعد ذلك ليعرف مكانها السري:

_ طب والحتة دي مدفونة فين ياض ؟! .. قولي عشان اروح ادعيلها . 


رد رفاعي قائلًا :

_ مش هقولك دلوقتي .. كام يوم هاخدك ونروح نزورها ، هات انت بس المشترى واحنا نطلعها ونتحاسب. 


ردد دسوقي بصوتً خافت:

_ هحاسبك فعلًا يا رفاعي .. وكله بالشرف ، إلا الشرف .. 


وبين كومةً من القش كان يختبأ ذو العيون الزرقاء التي تفحمت كالجمر من الغضب .. وتلك من ضمن مهامه السرية للمجيء للمستقبل عبر آلة الزمن .. وامتلأت نظرته بالشراسة والأنتقام من الذين يسرقون أثارًا لأعظم الحضارات على الأرض و لا تقدر بثمن، لبيعونها بالبخس وتخرج من أرض مصر العظيمة لبلادًا يتباهون بمجرد أمتلاكها ويعرضونها بمتاحفهم كأنها صنع أيديهم !!. 


واستطاع "سركن"الأختباء حتى خرج من تلك الخرابة التي تبعد خطواتٍ عن الحي الشعبي الذي أتى إليـه لهدفًا خطير وهـام ... ثم عاد بالطريق المُظلم وتوجه نحو منزل قديم مهجور أقام فيه ليلته السابقة، وذلك المنزل هو المقابل تمامًا للمبنى القديم التي تُقيم فيه " شقاوة". 


_____________________________________ 


وبفيلا فخمة بأرقى أحيـاء القاهرة .. 


دخلت "لورا" وعلى ملامحها الأنفعـال، توجهت لغرفتها بالطابق الثاني مباشرةً ولم تُعير لوالدتها "تهاني" التي ترتشف من كوب مشروبها الدافئ أي اهتمام .. 


راقبت "تهاني" أبنتها وهي ترتقي درجات السلم بعصبية واضحة، ثم تنهدت بضيق:

_ أكيد عريس الغفلة هو السبب في عصبيتها دي !. 


وانتظرت لبعض الوقت حتى قررت الصعود لأبنتها لتطمئن عليها.


وبغرفة "لورا" ..


نقرت تهاني على الباب بخفوت، ثم فتحته ونظرت لأبنتها التي تجلس على فراشها منكمشة وتبك بحرقة!. 

وقفت تهاني لدقيقة تطالعها بعصبية ثم اغلقت الباب بلطف واقتربت منها :

_ أنا قولتلك وحذرتك قبل ما تمشي .. مكنش ينفع تروحيله يا لوري وهو أساسا النقابلات دي من ضمن شغله!. 


صاحت لورا ببكاء وأنهيار وهي تضرب بيديها الفراش :

_ أنتي ماشوفتيش معاملته ليا كانت عاملة أزاي، ده أنا كنت حاسة أني خدامة عنده وبيعاملني بمنتهى القرف! .. أنا عملتله إيه عشان يعاملني كده ؟!. 


ردت تهاني قائلة بغيظ :

_ بتجري وراه ومحسساه أنه شهريار زمانه !.. يابنتي الرجالة مابتتعاملش كده !. 


اعترضت لورا بألم وبكاء:

_ بحبه يا ماما .. بحبه ومش متخيلة أني ممكن أتجوز حد غيره، حاولت كتير أوي أقربله واقطع المسافة البعيدة دي اللي ما بينا لكن هو قافل أوي على نفسه .. حاولت أشاركه أهتماماته مانفعش وما أهتمش! .. أنا مش قادرة أفهمه ولا عارفة أخليه يحبني أزاي !. 


قالت تهاني برفض وانفعال لكل ما تقوله أبنتها :

_ الجوازة دي من البداية وأنا مش مقتنعة بيها، بصي يابنتي أنا عندي شعار في حياتي .. خدي اللي بيحبك هتعيشي مرتاحة ، عندك أنا مثلًا .. يوم ما لقيت نفسي هتهان بسبب قلبي وافقت على أبوكي بمجرد ما أتقدملي .. أبوكي كان بيتمنى نظرة بس مني .. وأهو بقالي سنين عايشة مرتاحة ومحاولش مرة يزعلني .. لكن أنتي بتفكيرك ده هتتعذبي كل لحظة وهتسكتي غصب عنك عشان بس يسمحلك تفضلي جانبه ! ... الراجل ما بيحبش غير الست اللي تدوخه وراها ومايبقاش عارف يطولها. 


استرسلت دموع لورا بغزارة ورغم انها لم تقتنع بما قالته أمها ولكنها قالت بعذاب:

_ قلوبنا مش بإيدينا يا ماما .. أنا بحبه من سنين ، يوم ما اتقرت فاتحتنا ما نمتش من كتر الفرحة، كنت حاسة اني مش عايزة أي شيء تاني من الدنيا .. لكن هو دايمًا بعيد ... بعيد أوي كأنه مش شايفني، والغريب بقا أني متأكدة أن مافيش واحدة في حياته أصلًا .. أنا بس بتمنى يديني فرصة اقربله ويجرب .. يمكن يحبني. 


هتفت تهاني بها بسخط وغيظ:

_ يمكن يحبك ؟! .. تصدقي أنا بقيت بتجنب أتكلم معاكي عليه عشان كلامك المتخلف ده !... أنتي ناسية أنتي مين وتبقي بنت مين ؟ .. بصي بقا عشان جبت أخري منك ومن الولد ده .. لو في الخطوبة ما اتعدلش وعرف قيمتك الجوازة دي مش هتتم، وهجوزك سيد سيده، وده آخر كلام عندي .. 


قالت "تهاني" ذلك ونهضت غير مكترثة لدموع أبنتها والخوف الذي ملأ عينيها، رمتها بنظرة محذرة أخيرة ثم خرجت من الغرفة .. فأرتمت لورا على فراشها مجددًا ودخلت بنوبة بكاء شديدة.


_______________________________


وبفيلا عائلة هاكان ....


_ اسمع بس يا هاك .. قبل ما تمد ايدك عليا أسمعني لوجه الله. 


كان "هاكان" ينظر لشقيقه رشاد بشراسة وعروق رقبته تظهر مدى غضبه .. وظل رشاد يتراجع خطوات للخلف وهو يشير لهاكان بأن ينتظر ويستمع إليـه، بينما كان هاكان فقد رباط الجأش منه .. ولم ينتبه رشاد في عودته للخلف أنه خرج من البلب المؤدي للمسبح بالجنينة .. وبلحظة سقط فيه وهو يصرخ مستغيثاً .... فوقف هاكان على أطراف المسبح الرخامية بمزيج من الغيظ والسخرية، وخلع قميصه الأسود الستان ليظهر صدره العريض وضيق خصره، ثم قال بتوعد قبل أن يقفز بالمياه :

_ محدش هينجدك مني النهاردة. 


سبح رشاد مبتعدًا بمسافة لا بأس بها عن شقيقه ، ثم رفع رأسه بضحكة قائلًا ورأسه يتساقط منه الماء:

_ وهو أنا قولت حاجة غلط ، هو مش ده اللي حصل يسطا ؟!. 


دفع "هاكان" بقبضته قطرات المياء بوجه شقيقه بغيظ، فأستقبل رشاد دفعة المياه بضحكة عاليةً ثم أضاف بأستفزاز :

_ ده أنا مرضتش أقول الباقي احسن آنسة كحك العيد تفتكر أنك معجب بيها ولا حاجة!. 


ورغم غيظ "هاكان" من رشاد ألّا أنه ابتسم بعد ذلك رغمًا على ما لقبّها به رشاد، فقال" هاكان" وهو يكتم ضحكته :

_ بطل استظراف .. فعلًا كان عندها حق لما قالت عليك شبه طبق البامية .. وصف دقيق. 


ابتسم رشاد ابتسامة مستفزة وعلّق قائلًا وهو يسبح بالمياه بتلذذ :

_ برضه مش هتستفزني .. وبعدين تقول اللي تقوله مش زعلان ، ده كفاية البت اللي معاها يا جدع .. البت شعرها ورسمة عيونها من عالم تاني! ... معرفتش أخد رقمها بس وغلاوة لورا عندك لأخده ..


سبح" هاكان" برشاقة حتى مكان شقيقه، بينما هرب رشاد وسبح بعيدًا عنه، وظل يلاحقان بعضهما لبعض الوقت ويستعرضان لياقتهما البدنية الواضحة في السباحة، حتى أخرج رشاد رأسه وضحك عاليًا من جديد، ثم خرج من المسبح هاتفًا بضحكات وهو يتوجه للداخل حيث غرفته بأحد الطوابق :

_ هغيّر هدومي وراجعلك. 


سبح" هاكان" لبعض الوقت وأفكاره متجهة بغيظ من تلك الفتاة التي تصر باستماته أن تؤكد له أنه لم ولن يؤثر بها على الأطلاق كرجل !. 

وبعد دقائق كثيرة استند "هاكان" على أطراف المسبح ليُنهي تلك الجولة .. فتفاجأ برشاد الذي بدّل ملابسه بملابس رياضية ويقف ناظرًا بابتسامة ماكرة له :

_ بس قولي ولا تخبيش يا هاك .. أنت جيت قعدت معانا ليه وسيبت لورا والفوج السياحي .. لأ وكنت بتبصلنا بغيظ أول مرة أشوفه في عنيك ليا .. تقولش عدوك !. 


أخذ "هاكان" قميصه الأسود وهو يُبعد خصلات شعره من على عيناه السوداء، وطالع شقيقه بنظرة حادة متحدية وأجاب :

_ خليك فاكر أنك أخويا وكل تصرفاتك محسوبة عليك وعليا كمان .. يعني تصرف غبي زي اللي عملته النهاردة لما روحت وقعدت معاهم بدون استئذان مش هيتفهم غير بحاجة واحدة وبس .. ولأني برضه عارف طريقة كلامك مع أي كائن أنثوي كان لازم أنقذ الموقف قبل ما سيرتك تبقى على كل لسان .. وأظن لولا أني قعدت كنت هتعك كتير أوي في الكلام. 


أومأ رشاد رأسه بموافقة ساخرة :

_ هعمل نفسي مقتنع يا كينج .. بس اقولك الصراحة ، البت دي رغم أنها مش قد كده .. بس كاريزما، وبما أني بفهم في الكائنات الأنثوية ومعايا ليسانس فأحب أقولك سر ... البنت الكاريزما أجمد من البنت الأمورة .. مش عارف .. بس حاسس أن ده ذوقك في النسوان؟!. 


ضيّق "هاكان" عيناه بدهشة وسألـه ليتأكد من توقعه :

_ أنت تقصد ميـن بالكاريزما ؟! 


اتسعت ابتسامة رشاد بمرح:

_ آنسة كحك العيد .. 


فر رشاد هاربًا بضحكة عالية عندما اندفع نحوه هاكان بغيظ، وبعدها وقف "هاكان" ساخرًا بإزدراء من تلك الفكرة .. فلا يمكن أن يكون ذوقه بالفتيات متواضعاً لتلك الدرجة الحقيرة !. 

هكذا ردد في نفسه بتأكيد !.


________________________________


وبغرفـة "ليلة العيد" بمنزلـها ...


نظرت "لوتس" لتلك البلورة المضيئة وهي تضحك بقوة عندما رأت مشهد هاكان وشقيقه كاملًا .. حتى دخلت ليلة وهي تحمل بعضًا من ملابسها ووضعتها بـ سلة الغسيل  ... ثم سحبت المنشفة من على شعرها المُبتل وقالت بتنهيدة ارتياح :

_ خدت دش وهعرف أنام كويس .. أنتي كنتي بتعملي ايه ؟


تنفست لوتس بعمق ونظرت لها بابتسامة واسعة بعدما استطاعت أخفاء تلك البلورة قبل أن تعود ليلة :

_ كنت بفكر في سركن أخويا .. أصله أصر أني ابقى بعيدة عنه الفترة دي لحد الميعاد المنتظر ونرجع .


مشطت ليلة شعرها أمام المرآة واقترحت :

_ يمكن عشان يحميكي ..؟ 


اقتربت لوتس من ليلة وأخذت منها المشط وبدأت هي بتمشيط شعر ليلة برقة :

_ سركن محدش يقدر يقف قصاده زي ما أنتي متخيلة .. سركن أخويا بيتدرب تدريبات مميتة وخطيرة جدًا ودايمًا بينجح فيها بمنتهى السهولة .. من ناحية الأعداء فهو يقدر يحميني ، أنا حاسة أن في شيء تاني .. شيء مصمم يخبيه حتى عني أنا !!. 


استدارت فجأة ونظرت لها ليلة بقلق والم :

_ أنتي زهقتي من القاعدة معايا يا لوتس ؟ 


دهشت لوتس من ظنها، فجعلتها تلتفت اليها مباشرةً قائلة وهي تربت على خد ليلة بحنان :

_ لا يا ليلة ماتقوليش كده .. أنا بس مستغربة، لكن أنتي خلاص بقيتي بنتي وحتة مني .. ومستعدة اعمل أي شيء عشان خاطر سعادتك... هو في أم بتزهق من بنتها ؟!. 

 

ضمتها ليلة بمحبة حقيقية، وكافحت حتى تخبأ دموعها فقالت بمزاح :

_ طب ما تقوليلي بقا ايه التدريبات الخطيرة والمميتة دي ؟! 


عادت لوتس لتمشيط شعر ليلة ثم أجابتها :

_ دي من أسرار المملكة وأسراره الشخصية كمان ، لكن اللي أقدر أقوله أنه يقدر يدخل أي معركة حتى وهو مخبي عنيه .. عبقري في فنون القتال بكل أنواعها اللي التاريخ ذكرها واللي مذكرهاش كمان .. سركن أتولد عشان يبقى دايمًا قائد. 


قالت ليلة بفخر :

_ تاريخ مصر القديم والحديث كمان مليان بالشخصيات الاسطورية دي ..  حضارة ٧ الاف سنة!. 


ضحكت لوتس بقوة وسخرت بعدم تصديق :

_ ٧ الاف سنة ...! ، تاريخ مصر أعرق وأقدم من كده بكتير أوي  .. عشان كده مصر هتفضل اللؤلؤة النادرة اللي هتفضل حلم للجميع .. الأسطورة اللي مالهاش زي. 


دهشت ليلة من حديثها، ولكن ما عكر مزاجها هو صوت خالتها سميرة وهي تصيح وتهتف بالشتائم الصريحة لليلة ، وذلك بسبب أنها تركت صنبور المياه تتساقط منه القطرات القليلة .. فقالت ليلة بغيظ:

_ ربنا يرحمني منكم وتبعدوا عني بقا .. 


قالت لوتس بضيق :

_ عارفة يا ليلة أنا كان ممكن أسيطر على عقلهم واخليهم يمشوا من هنا ويرجعولك حقك .. بس خوفت عليكي ، بمجرد ما أمشي وتأثيري عليهم يختفي مش هيسكتوا أبدًا وهيبهدلوكي على ما يرجعوا تاني .. ومتوقع منهم أي شيء ...


تألمت عينان ليلة وقالت :

_ مافيش داعي لوجع القلب .. أصل بمجرد ما تمشي هترجع ريما لعادتها القديمة وأسوأ كمان .. يبقى خلينا زي ما أحنا وبلاها بهدلة.


 _____________________________


تسللت أشعة الشمس عبر النافذة التي غفلت "شقاوة" عن أغلاقها ليلة أمس من فرط سعادتها وأنشغال فكرها بذاك الغريب.


تنهدت بكسل وهي تفتح عيناها بعد ساعات نوم طويلة ..  كأنها لم تنم منذ عقود !!..

تثاءبت ومطت ذراعيها، ثم اعتدلت بالفراش واعتلت ابتسامة على ثغرها المنفوخ الممتلئ طبيعيًا دون لمسات صناعية .. وابتسمت بدفء عندما هجم على فكرها ما حدث ليلة أمس ... شعرت بمزيج عجيب من البرودة والدفء ! ..  

وبحركة لا أرادية ارجعت خصلاتها الطويلة للخلف وظهر رداء نومها الخفيف الذي ظهر مساحة رقبتها كاملةً ..  ولكنها كانت تظن أنها بمفردها تمامًا ...


بينما كان هو قبالتها على السطوح المقابل، متسمرًا من رؤيتها بتلك النعومة الخاسفة لمقاومته .. كان قد صعد بسطح ذلك المبنى المهجور ليشم هواءً نقيًا .. ولكنّه كان يرغب برؤيتها ، ولكنه لم يظن أبدًا أنه سيراها من خلال النافذة المفتوحة ... وتنهدت شقاوة بابتسامة عذبة، ثم نظرت للنافذة بتعجب، ولكنها تجمدت عندما وجدت عيناه الزرقاء تتطلع اليها من السطح المقابل وبذلك العمق والأشتياق ..! 

سحبت شقاوة سريعًا الغطاء على جسدها بتوتر وخجل وسترت ما يظهر من ذراعيها ورقبتها .. بينما استطاع سركن ابعاد عيناه عنها بقوة وظهر عليه الضيق الشديد من نفسه كأنه ارتكب خطأ فادح لا يغفر ...


فتحركت "شقاوة" وهي ملفوفة بالغطاء لزاوية بعيدة عنه وارتدت رداءً ساترا أكثر من ذلك .. وتنفست الصعداء ثم عادت للنافذة ونظرت له بارتباك وحياء .. فقال بإعتذار حقيقي :

_ أقسم لم أقصد شيئًا بصعودي لهنا سوى أن اتطمئن عليكِ ... لذلك كنت ...


ظهر التردد والحرج الشديد بصوته وهو يوضح :

_ لذلك كنت أنظر من النافذة واحاول أن أراكِ واتأكد أنكِ بخير. 


أشرقت ابتسامتها وأجابت بارتباك :

_ أنا بخير يا سي غريب .. بخير ياخويا اتطمن .. وهو بعد اللي عملته في صبري امبارح هيفكر يعتب الحارة تاني ؟! .. الا صحيح أنت فطرت ؟!.


رد قائلًا :

_ ليس بعد ..


ابتسمت وقالت :

_ خلاص .. هبعتلك الولا بودة بعيش وطعمية وطبق فول من اللي قلبك يحبه ..  


قال "سركن" بصدق وابتسامة مرحة :

_ ولكن قلبي لا يحب الفول والطعمية ؟! .... ومن هذا المدعو "بودة" ؟!. 


ضحكت شقاوة وظهرت غمازتيها :

_ يا أخويا مش قولتلك تتكلم بالبلدي كده ، بس خلاص طالما بتحب النحوي احبه انا كمان واكلمك بيه ... أومال ده أنا شقاوة البقلاوة!...


فكرت شقاوة لبعض الوقت وكأنها تحاول تكوين جملة :

_ المدعوق بودة هذا يكون أبن الولية جمالات بتاعة الخضراوات ... ولا تنسى البقدونس والكرات يا سيدي.


صاحت سماح فجأة من خلفها والتي لا تعرف كيف تسللت للغرفة حقا دون أن تشعر بها:

_ انتي خدتي كورس نحوي يابت؟! 


صرخت شقاوة من الفزع، ثم بصقت بغضب وهي تنظر لسماح مما جعل سركن يضحك ضحكة عالية اقتحمته فجأة .. فتغيّر مزاج شقاوة بلحظة من ضحكته، وقالت بتنهيدة وابتسامة حالمة وهي تستند بمرفقيها على حد النافذة الخشبية:

_ تدوم الضحكة يا سي غريب. 


لوت سماح شفتيها وقالت بسخرية :

_ مُحن مجرور بالكسرة !...


نظرت لها شقاوة بعصبية وهي تخفي توترها :

_ ما تصطبحي على الصبح ياختي .. 


قالت سماح بضحكة وحماس :

_ مصطبحة ياختي وزي الفل .. أسكتي مش الولا سردينة عاد معتذرا ؟!. 


سخرت شقاوة وهي ترى السعادة بعينان سماح بارزةً:

_ وأنتي عملتي ايه يا نفرتيتي ؟! 


ابتسمت سماح بحياء، ثم ضحكت ضحكة رقيعة عالية وأجابت بحياء مرةً أخرى :

_ من فرحتي يابت عزمته على فسيخ .. هو أنا هقفله على الواحدة يعني .. ما يخوني عادي هو أنا الملكة ليزابسة ؟ ولا اكونش الملكة ليزابسة ؟..... وربنا لو كنت مكانه ما كنت هعبرني !. 


وتابعت سماح بسعادة وهي تصف :

_ هو عاد معتذرًا من هنا ومالحقش يكمل كلمة قومت حدفاله كلمة بحبك في وشه كده قبل ما يعود غائبًا .. آآه مافيش وقت، لكن للأسف .. جري خائفًا !..... اكيد من الفرحة ؟


كتمت شقاوة ضحكتها ، حتى نظرت لها سماح بعمق وهي تفكر !!


_______________________________


وبفيلا عائلة "هاكان".... 


كان هاكان لا زال نائمًا عندما دقت الساعة الثامنة صباحاً، وهذا يخالف تمامًا مواقيت نومه وأستيقاظه الدقيقة.


بينما نفخت بأذنه " لوتس" وهي في هيئة القطة حتى يتثاقل رأسه ويظل نائمًا لأطول فترة ممكنة وتستطع تنفيذ ما دبرته .. وهمست لنفسها بتفكير :

_ دماغه ناشفة أوي بس هتلين .. يمكن لما يشوف نفسه أمير وليلة العيد سندريلا يرق بقا يخربيته .. 


ونفذت لوتس فكرتها الكوميدية وهي تضحك، وتلاعبت بالفعل بأحلامه ورسمت مشهدًا ساحرًا وشاعريًا مثلما تقول الاسطورة ..


وظهر على ملامح هاكان بعض الأنزعاج وهكذا بدأت بالفعل الخطة .. وكانت كالتاليـ.....


_ يا آنسة ..


نظرت "ليلة العيد" برداء الأميرات الفاتن، واقترب لها هاكان بابتسامة وأردف :

_ ممكن أعرف انتي مين ؟!


اجابت ليلة العيد وهي على شفير البكاء :

_ لما الاقي نضارتي الأول .. طالما مش شايفة يبقى مش هفتكر حاجة .. تنستر يارب لو دورتلي عليها .. 


تعجب" هاكان" منها ولكنه نظر حوله وهو وسط حشد غفير من المدعوون للقصر الملكي الذين ينتظرون العروس المختارة للأمير الشاب الوسيم ... وفجأة انتبه "هاكان" لشيء داكن مخيف بجانب احدى الطاولات، فأقترب لفحصه وتبيّن انه تلك النظارة البشعة .. فعاد لتلك الفتاة التي تغمض عيناها بضيق ووضع النظارة على عينيها قائلًا :

_ كده تمام ..؟


فتحت ليلة العيد عيناها، ثم صاحت بسعادة:

_ اللهي تنستر وما تتحط في ضيقة أبدًا .. ربنا يخليك ويعلي مراتبك مرتبة مرتبة .. 


ابتسم هاكان لها ولبساطتها ثم قال :

_ طب ممكن تشاركيني الرقصة دي ونتعرف براحتنا ؟


جعدت ليلة العيد عيناها بذهول وصرخت بوجهه في غضب :

_ أشاركك ايه يا عنيا ؟! ... الرقصة ؟ .. ما تحترم نفسك يا راجل أنت ؟ .. أنت أمير أنت ؟! قال شاركيني الرقصة ونتعرف قال! .. 


أتت "نورمان "والدته وهمست بتساؤل وقلق بمزيج من التركية والمصرية :

_ فيه إيه حبيبي ؟ 


نظرت لها ليلة بتعجب ثم قالت بأنفعال :

_ ما تحوشي أبنك يا سلطانة هويام ؟! هو فاكرني جاية من سوق الجواري، ما تربي أبنك ياختي ؟ ... ده عايزني أرقص معاه ؟ .. أنا جاية أكل مش أرقص!. 


أشار لها هاكان بتحذير :

_ وطي صوتك .. أو أقولك أطلعي برا .. 


(صرخت لوتس وقالت وهي تشاهد ما يحدث :

_ سندريلا اللي مشيت وهو جري وراها مش طردها .. هتجيبولي جلطة ، حتى في الحلم بتتخانقوا !! .. )


 نظرت له ليلة العيد بغضب وقالت :

_ يعني هتطردني من الجنة ! .. 


وهنا قرر" هاكان" أن يأمر الحرس بأعتقالها بسبب الفوضى التي أحدثتها تلك الفأرة بين الحضور .. فهربت ليلة العيد وركضت للخارج، وركض هاكان وحراسه خلفها ، وعندما سقط " فردة حذائها" أخذها هاكان قائلًا للحرس :

_ اقلبوا عليها البلاد .. لازم تلاقوها وتسجنوها ..


بصقت لوتس في أذن هاكان بغيظ وقالت :

_ يا مراري .. الامير كان بيدور عليها عشان يتجوزها وده بيدور عشان يسجنها !! .. ده أنتوا اللي يفكر أنه يقربكم لبعض يبقى متخلف!. 


واستيقظ "هاكان" وفتح عيناه فجأة كأنه مر بكابوسا بشع، اعتدل من الفراش وتنهد بعمق ..  ثم نظر للساعة واتسعت عيناه بصدمة ... 

فأسرع للحمام ليأخذ دشا سريع قبل أن يستعد للذهاب ... ودقائق وكان يخرج وهو يجفف رأسه المبتل بالمنشفة .. بينما تسللت ابتسامة سريعا ما تحولت لضحكة عندما تذكر ذلك الحلم !!. 


__________________________________ 


#مديري_مستر_فرعون


#الفصل_التاسع 


بعد أذنكم اللايك قبل القراءة فضلًا لمتابعة المزيد 🩷🥰


واستيقظ "هاكان" وفتح عيناه فجأةً كأنه مر بكابوسًا بشع، اعتدل على الفراش وتنهد بعمق، ثم نظر للساعة واتسعت عيناه بصدمةً، فأسرع للحمام ليأخذ دشا سريع قبل أن يستعد للذهاب .. ودقائق وكان يخرج وهو يجفف رأسه المبتلّ بالمنشفة .. بينما تسللت ابتسامة سريعًا ما تحولت لضحكة عندما تذكّر ذلك الحلم العجيب !!. 


وبعد دقائق دلفت "نورمان" للغرفة مع أحدى الخادمات وقد ظنت أن "هاكان" ذهب لعملـه، ولكنّها تفاجئت عندما وجدته يرتدي چاكت بدلته الرسمية الأنيقة باللون الجملي المناسب للطقس الراهن، وبنطالًا أسودًا من الچينز، فقالت بلغتها العربية الركيكة :

_ أنت لسه ما روحتش للشغل !. 


مشط "هاكان" شعره الأسود الذي يصل لبعد أذنيه بقليل و رد بعجالة تاركًا المشط من يده :

_ اتأخرت في النوم شوية. 


أخذ مفاتيح سيارته وهاتفه الخاص، ثم أشار لأمه بسلامًا مؤقت وخرج من الغرفة، فتنفست "نورمان" ببعض الضيق من أمر ولدها المُحير، ثم بدأت تخبر الخادمة عن مهمة التنظيف العميقة للغرفة مع الحرص الشديد الّا تقترب لمكتبته الخاصة. 


___________________________________


دخلت "ليلة العيد" للمصعد بمبنى الشركـة بمفردها، وحمدت ذلك الأنفراد الذي جعلهـا تنظر بتمعن بمرآة المصعد لترى مظهرها اللطيف بذلك الفستان الخريفي باللون الجملي الدافئ ويتوسطه حزامًا عريضاً أسود يضفي عليه مظهرًا أنثوي أنيق .. تنهدت بمزيح مُحير من الرضا عن مظهرها، والقلق من رؤيته !. 

وقد بدأت تتقبل عملها المؤقت هذا حتى أشعارًا آخر. 

وحينما خرجت من المصعد لمست نظارتها بحركة لا أرادية، بينما أوقفتها تلك الفتاة اللطيفة "منة" وتبسمّت مُعربةً :

_ إيه الجمال ده يا لولو ما شـاء الله؟! .. الفستان ده ذوقه يجنن. 


ابتسمت ليلة بفرحة كالصغار وهي تنظر لفستانها وقالت بابتسامة عريضة :

_ بجد عجبك ؟ 


أكدت "منة" بقوة :

_ جدًا جدًا .. هسألك جبتيه منين بس مش دلوقتي، روحي بسرعة على شغلك قبل Hk ما يوصل. 


اسرعت ليلة العيد بخطواتها بمجرد الأشارة إليه، وحينما دخلت المطبخ العريض وجدت ذلك الصبي اللطيف "سقراط" جالسًا ويبدو على ملامحه الهم والضيق، فدخلت وهي تجرّ مقعدًا وتجلس قبالته :

_ مالك مكشر كده على الصبح يا سقراط ؟ حد زعلك ولا إيه ؟


رد سقراط بتقطيبة وحدة :

_ محدش يقدر يزعلني .. 


نظرت له ليلة بشك، فخرّ سقراط معترفـًا بغيظ وسخط:

_ بصراحة كده أنا في خطر .. أصل في بلطجي في الشارع عندنا رامي بلاه على كل الناس والكل بيخاف منه .. ومن كام يوم خرجني من شقتي بمنتهى الأحترام ..


وتألم سقراط سرًا وهو يتذكر الصفعات المتتالية التي أمطرت على وجهه وخلف رقبته واستطرد بتقطيبة :

_ ومصمم ياخد الشقة .. أصلها بتطل على ناصيتين، أول ناصية الصرف الصحي يعني موقع ممتاز وبحري، وتاني ناصية مقلب الزبالة، يعني فيو ولا أروع.   


سألته "ليلة العيد" باهتمام :

_ وأنت عملت إيه ..؟!


تهرّب من عيناها وقال وهو يتظاهر بقوته الخارقة واصفا ما حدث:

_ ضربته لما كسرت عضمه، شيلته كده على ايدي الأتنين وقومت حادفه في الشارع .. لولا الناس لحقوه كان اتدغدغ من شدة الوقعة .. كان بيصرخ وبيترجاني اسيبه في حاله وأنا أبدًا ولا ممكن آه .. 


تعجبت ليلة وسألته مجددًا :

_ طب اومال زعلان ليه لما أنت ضربته ؟! 


اغتاظ منها سقراط وهتف :

_ أنتي بتسألي كتير كده ليه ما تسبيني في أحزاني ؟! 


اغتاظت منه وشكت بالأمر برمته، ولكنها نهضت وهي تعد كنكة القهوة وبجانبها البن المميز قبل أن يرن الجرس وتذهب إليـه بقهوته الخاصة. 


____________________________________


وبالحـارة الشعبية ...


وقف الطفل "بودة" الذي لا يتخطى عمره التسع سنوات أمام مدخل ذلك المنزل المهجور وعلى وجهه أمارات الخوف حتى نطقَ بصوت مرتعش :

_ يا عم غريـب .. يا عم ؟!. 


كان " سركن" جالسًا على أحدى درجات السلم تائهاً بالفكر ومعاتبًا نفسه بقسوة على هذا المنعطف الذي مال قلبه إليه دون ادراك أو نظرة جدية لمَ بعد ذلك .. وتعجب كيف لذلك الشيء المسمى بالحب يستطع أن يقتحم قلوبً لا تريده !! 

وحينما أنتبـه لصوت يناديه بالاسم التي اطلقته عليـه تلك الفتاة التي سرقت خفقات قلبه بلحظة، نهض وانحدر عدة درجات حتى بات أمام ذلك الطفل الصغير الذي يحمل صينيه صغيرة تحمل عدة أطباق شهية ومغطاه بمنشفة كبيرة ونظيفة ... 

نظر الطفل "بودة" للأعلى بقوة لهذا الرجل العملاق الذي يقترب طوله لـ ٢٠٠ سم أو ربما تجاوزهم!.. وقال :

_ شقاوة بعتالك الفطار ده وبتقولك بالهنا على قلبك يا سي غريب .. 


تبسّم "سركن" للصغير ومرر أصابعه على شعره بمشاكسه، ثم أخذ صينية الطعام منه وقــال :

_ شكرًا يا صغير. 


ابتسم الطفل بودة وركض من أمامه عائدًا لأمه بائعة الخضار .. ونظر "سركن" للأطباق التي يبدو من رائحتها أنها شهية، ولاحظ بحبور انه لم يختلف ذوق المصريين بالطعام الشهي اللذيذ على مر العصور ...

أخذ الطعام وصعد تلك الدرجات حتى سطح المنزل المتهالك تقريبًا، وحينما نظر للسطح المُقابل وجد "شقاوة" تنتظر بلهفة لرؤيته .. فأفتر ثغرها عن ابتسامة واسعة حينما ظهر وقالت :

_ فطار سريع كده على ما أدوقك أحلى محشي ورق عنب من إيديا الجوز .. لا ومش بس كده، دبحتلك بطة من اللي مربياهم في العشة اللي جانبي عشان ترم عضمك كده .. بس بأمانة تبقى تقولي رأيك في عمايل إيديا يا سي غريب. 


نظر "سركن" لعينيها الحبيبتان بعمق، كأنه يقسم على نفسه أن يغادر ويرحل قبل أن يتورط قلبه بطريق لا رجعة فيه .. ولكن أن قاوم عينيها .. كيف يقاوم ابتسامتها تلك ؟!. 

لاحظت شقاوة أنه صامتً ويبدو على ملامحه القسوة والجمود .. فسألته بقلق وارتياب:

_ في إيه مالك كده يا سي غريب؟ ... أنا زعلتك في حاجة تاني ؟! .. 


وعندما ظل على حاله للحظات قالت شقاوة بلهفة وضيق:

_ والله ما أعرف زعلتك في إيه ؟ .. طب يعني حقك عليا لو كنت زعلتك ده أنا عبيطة وأغلب خلق الله وما اقصدش حاجة ..


تبسّم لعينيها بدفء عنيف ولم يستطع المقاومة .. وقال :

_ لا تنظري إليّ بتلك الحبتان السوداء وأنا غاضبًا يا فتاة القمر .. سأغفر دون كلمة اعتذار واحدة، عينيكِ وآه من عينيكِ، ثمة شيئًا بيننا أكبر من الوقت و الزمان .. رفقًا بقلب القائد الذي لم تهزمه سوى عينيكِ. 


تسحبت ابتسامة على ثغرها بحياء، ثم قالت وهي تريد أن تصرخ من شدة السعادة :

_ طب والله لأعملك مع ورق العنب بتنجان وكرنب ها. 


ركضت "شقاوة" لداخل الشقة الصغيرة وهي تقريبًا تقفز مثل الصغار، بينما اتسعت ابتسامة "سركن" بعاطفة جامحة لن يستطع بعد اليوم السيطرة عليها مهما قاوم ..  ادرك ذلك توًا.. !


______________________________________


دخـل "هاكان" بخطوات سريعة لمكتبه وهو يلوم نفسه على هذا التأخير بموعده الثابت وافساد هالة الانضباط الذي تحيطه !. 

وعندما جلس أمام مكتبه اسرعت خلفه سكرتيرته "منة" بجدول مواعيد اليوم .. وقالت بشكل روتيني :

_ مواعيد حضرتك النهاردة و...


قاطعها "هاكان" وقـال بجدية :

_ هاخد نص ساعة ليا قبل أي مواعيد ومش هلفت نظرك للموضوع ده تاني يا آنسة ..! 


تجعد ما بين حاجبي "منة" بضيق ووضحت تصرفها :

_ أنا منتبهة لكن حضرتك اللي لأول مرة توصل متأخر ساعة بحالها عن ميعادك .. فتخيلت أنك هتقابل العملا على طول ..


مرر لها تلك الكبوة وتحدث بهدوء:

_ خلاص أعرفي نظامي واحفظيه .. سواء جيت بدري أو متأخر مش هبدأ شغل قبل نص ساعة بعد وصولي .. 


وتابع حديثه وهو يضغط على جرس الكافيتريا ليأتوا إليه بقهوته الخاصة الصباحية..


__________________________________


انتظرت ليلة العيد صوت الجرس بتعجب من تأخره هذا ، وحينما ارتفع الصوت اخيرًا ارتفعت دقات قلبها ولاحظت أن سقراط ينهض ببطء وهو يعرج بقدمه .. فركضت اليه لتساعده حتى يعد القهوة بأسرع وقت .. وبالفعل أنهي سقراط فنجان القهوة بوقت قياسي، وأخذته ليلة العيد وهي تقول بضحكة مكتومة :

_ أنت متأكد أنك أنت اللي ضربت البلطجي يا سقراط ؟! 


كشر سقراط بطريقة مضحكة، فأرتفعت ضحكة ليلة وهي تبتعد وتخرج من الكافيتريا متوجهة مباشرةً للسيد المغرور .. 

وحالما دقت على باب المكتب دقات متتالية خفيفة، سمح لها "هاكان" بالدخول وهو يتفحص جريدة اليوم. 


دخلت "ليلة العيد" المكتب وغاصت قدميها بالسجاد العجمي الفاخر وهي تسير وجهته، ثم وضعت القهوة على المكتب بأصابع مرتعشة ..

 رفع "هاكان" رأسه عن الجريدة حتى فنجان القهوة الذي أخذه بلهفة .. ولكنه توقف عند ملاحظة مضحكة انتبه لها.  


لون فستانها هو ذاته لون بدلته، مثلما كان بهذا الحلم العبثي لون فستانها نفس لون بذلته الملكية ..  وضع "هاكان " فنجان القهوة على المكتب وظل صامتًا وناظرًا لها بصمت للحظات ... ثم وبدون أي مقدمات ضحك ضحكات متتالية كلما تذكر ذلك الحلم العبثي مجددًا ..

ولكن يبدو ذهب ظنها بأنه يسخر منها !! ... فقالت بعصبية :

_ هو أنا شكلي مُضحك للدرجة دي ؟! 


لم يجيب ولكنّه لم يتمالك نفسه من حالة الضحك هذه .. ونهض ووقف أمامها محاولًا السيطرة على نفسه وهو يقول بلمحة اعتذار مبتسما ابتسامة مُهلكة :

_ مش أقصد .. بس افتكرت حاجة كده. 


لمست "ليلة العيد" نظارتها بارتباك وهذا جعل نوبة الضحك تعود له مجددًا ... ورغم عصبيتها ولكنها ابتسمت رغمًا عندما وجدته لأول مرة ينظر لها بلطف ويبتسم ويضحك هكذا .. كان جميلًا فاتنا وساحرًا .. يستطيع أن يسرق قلب أية أمرأة !....  اللعنة! 

لمـاذا عليه أن يمتلك تلك الشخصة الساحرة والمغرورة بآنً واحد!!.  

خرجت من شرودها على صوت فتح الباب ودخول "لارا" للمكتب دون أدنى استئذان ...! 


#مُديري_مستر_فرعون


اللايك قبل القراءة رجاءًا 

#الفصل_العاشر 


دخلت "ليلة العيد" المكتب وغاصت قدميها بالسجاد العجمي الفاخر وهي تسير وجهته، ثم وضعت القهوة على المكتب بأصابع مرتعشة .. رفع "هاكان" رأسه من الجريدة حتى فنجان القهوة الذي أخذه بلهفة .. ولكنه توقف عند ملاحظة مضحكة.


لون فستانها هو ذاته لون بدلته ، مثلما كان بهذا الحلم العبثي لون فستانها نفس لون بذلته الملكية ..  وضع "هاكان " فنجان القهوة على المكتب وظل صامتا وناظرا لها بصمت للحظات ... ثم وبدون أي مقدمات ضحك ضحكات متتالية كلما تذكر ذلك الحلم العبثي مجددًا ..


ولكن يبدو ذهب ظنها بأنه يسخر منها !! ... فقالت بعصبية :

_ هو أنا شكلي مُضحك للدرجة دي ؟! 


لم يجيب ولكنّه لم يتمالك نفسه من حالة الضحك هذه .. ونهض ووقف أمامها محاولًا السيطرة على نفسه وهو يقول بلمحة اعتذار مبتسما ابتسامة مُهلكة :

_ مش أقصد .. بس افتكرت حاجة كده. 


لمست "ليلة العيد" نظارتها بارتباك من رده الهادئ وهذا جعل نوبة الضحك تعود له مجددًا ... ورغم عصبيتها ولكنها ابتسمت رغمًا عندما وجدته لأول مرة ينظر لها بلطف ويبتسم ويضحك هكذا .. كان جميلًا فاتنا وساحرًا .. يستطيع أن يسرق قلب أية أمرأة !. 

خرجت ليلة العيد من شرودها على صوت فتح الباب ودخول "لورا" للمكتب دون أدنى استئذان ...! 


تفاجأ "هاكان " بالتي ظهرت فجأة ووقفت وعلى وجهها ترتسم معالم الغضب والعصبية وتطالعهما في شرر ناري، ابتلعت ليلة ريقها بتوتر ودهشت بدخول تلك الفاتنة حقاً هكذا .. وحينما شعر "هاكان" أن لورا ستتصرف بحمق كعادتها قال وقد اختفت أي لمحة للمرح والابتسامة على محياه :

_ أتفضلي .


كانت خطوات لورا تعلن التحدي والتملّك، وبالطبع لم تمر من أمام ليلة إلّا وقد رمتها بنظرة إزدراء جعلت ليلة تطالعها في دهشة .. وحينما استئذنت للأنصراف قالت لورا بأمر وهي تجلس على مقعد جلدي بجانب شرفة المكتب :

_ اعمليلي قهوة سادة.


توقفت ليلة وتجمدت للحظات من ذلك الأمر رغم أنها تقبلّت عملها تمامًا، إلا أن ذلك الامر جعلها تبدو كخادمة !. 


التفت "هاكان" لـ لورا بنظرة حادة ولم يعرف لماذا جعلته جملتها يريد أن يلقيها رميًا من نافذة مكتبه !!. 

فنظر لليلة العيد وقال بحدة :

_ ارجعي شغلك يا آنسة ليلة وأنا هطلب من البوفيه قهوة ..


دققت ليلة العيد النظر بعيناه في دهشة وحيرة من ذلك الرجل، فالآن يبدو وكأنه يدافع عنها، بينما بالأمس كان هو أول من اعتبرها خادمة وليس أكثر من ذلك!. 

واحتارت أكثر بنظرة الأسف التي لمحتها بعيناه سريعا قبل أن يستدير لتلك الفاتنة الحمقاء ويرميها بنظرات ساخطة !!. 


خرجت ليلة العيد من مكتبه بخطوات مرتبكة وقلب حائر غير مستقر، ولم تشعر حينما تسللت الابتسامة لشفتيها وهي تسير بشرود نحو المطبخ !!. 


وحالما دخلت جلست بهدوء على المقعد الخشبي واستندت بمرفقيها على الطاولة الخشبية وتاهت بالفكر .. وظل سقراط يراقبها في تعجب وهو من ظن أنها ستعود محملة بالإهانات الصباحية المعتادة من مديرهم المغرور !! 

فهمس بتعجب :

_ البت تايهة كده ليه ومبتسمة كمان ! .. يكونش لقيت المدير مشي ! .. 


فسألها وهو يرتشف من كوب الشاي الدافئ :

_ هو المدير في مكتبه ولا مشي ؟! 


تنفست "ليلة العيد" بعمق ولا زالت الابتسامة الحالمة على محياها :

_ لا في مكتبه .. وقالي ارجعي لشغلك يا آنسة ليلة .. مطلبش مني القهوة .. 


لم يفهم سقراط من إجابة ليلة شيء، فعاد لأرتشاف مشروبه الدافئ ولم يهتم بما قالته.


____________________________________


نظرت لورا لـ "هاكان" بغيظ وهي تراه عاد يقرأ بملف أوراق وتجاهلها كليًا فقالت بسخرية :

_ طب على الاقل أطلبلي القهوة ! .. ولا شكل وجودي مش مرحب بيه !!. 


أخذ هاكان أنفاسه بعمق متحكما بأعصابه قبل أن يغلق ملف الأوراق ويجيبها بنظرة جافة جليدية ليس بها أي مشاعر:

_ آخر مرة هحذرك يا لورا ، إياكِ تتعاملي مع موظف من موظفين الشركة بالطريقة دي تاني .. وبعدين من الذوق تتصلي قبل ما تيجي لأن هنا مكان شغل مش مطعم ولا كافيه ، كل تصرفاتك دي مش بتقل منك أنتي وبس ، بتقل مني أنا كمان بما أنك بالنسبة للكل بقيتي خطيبتي !. 


سألته لورا بشيء من الألم والعتاب :

_ بالنسبة للكل بقيت خطيبتك .. طب وبالنسبالك أنا أبقى إيه يا هاكان ؟! 


تنهد "هاكان" بملل من تكرار الحديث بهذا الأمر، فنهضت لورا واقتربت من مكتبه حتى وقفت بقرب مقعده ووضعت يدها على كتفه وهمست بعينان يفيض فيهما الحب :

_ أنت ليه مش حاسس بيا ، ليه مش مقدر أني مستعدة اعمل أي حاجة عشان ادخل قلبك وافهمك .. ليه مش بتحاول زي ما أنا بحاول ؟! ... أنت عمرك ما هتلاقي انسانة تصبر عليك كده !!. 


قالت ذلك وكأنها تتحدث إلى جماد لا يشعر ولا حياة بقلبه، فلم يرف له جفنا من حديثها ، بل نهض وابتعد عنها ووقف أمام النافذة بشموخ وقال بصوتا خشن :

_ أنا فهمتك طبيعتي وشخصيتي من البداية وأنتي قبلتي تكملي .. أنا مش قابل للتغيير يا لورا ، أنا شخصية عملية وهفضل كده ومش هتغير .. 


نظرت له لورا بعصبية وصاحت :

_ آه واضح جدًا ، بأمارة لما دخلت لقيت الضحكة مالية وشك وانت واقف مع البنت البشعة اللي مشغلها عندك دي !! .. ده أنا شوفت في عنيك ضحكة ما شوفتهاش من ساعة ما عرفتك !! .. هو ده ذوقك يا هاكان ؟! 


حدجها "هاكان" بنظرة نارية ويبدو انها قد تخطت حدودها بالحديث، فقالت والدموع تذرف من عينيها :

_ شكرًا على استقبالك ليا في مكتبك .. وعمومًا أنا هبقى أحسن منك وأقولك أن بابا عازمك النهاردة على العشا .. مخليتهوش يتصل بيك وصممت اجيلك بنفسي واعزمك .. كنت متخيلة أنك هتفرح وهتهتم .


رمته بنظرة عتاب شديدة وخرجت من المكتب وهي تبك .. جلس هاكان على مقعده مرةً أخرى ولم يكترث لدموعها مثلما تردد بعقله كلماتها عن تلك الفتاة البسيطة !!. 

لماذا يفسر البعض تعامله الغليظ معها على أنه أهتماما من نوعا خاص !! .. شقيقه رشاد أيضا فسر ذلك !!. 


فلا يمكن أن تلفت نظره تلك الفأرة البائسة صاحبة ابشع نظارات طبية رأهما في حياته !! 

تنفس بحنق واغلق ملف الأوراق بعدما تعكر مزاجه وقد بردت قهوته، فأجرى اتصال على البوفيه وطلب بعصبية اكثر من المعتاد فنجان قهوة في الحال !!. 


______________________________


اغلقت "ليلة العيد " سماعة المطبخ بذهول من هذا التحوّل الجذري لذلك الرجل ،وبينما كان سقراط يعد القهوة كانت شاردة تماما بتيه!. 


وبعد قليل كانت ليلة تأخذ قهوته الخاصة للمكتب، وتمنت ان لا ترى تلك الفاتنة السخيفة مرةً أخرى ، ولا يمكن أن تسأل "منة" السكرتيرة عنها أيضا! .. سيبدوا سؤالا غريبا يدعو للشك!. 


دخلت ليلة بعد نقرة استئذان خفيفة على باب المكتب، وحينما دخلت كان دقات قلبها تكاد تكون مسموعة، ولكنها هدات قليلًا حينما لمحت أن المكتب فارغا إلا منه .. وهو واقفا أمام الشرفة يواليها ظهره .. فقالت وهي تضع القهوة على المكتب دون أن تحدث صوتا :

_ قهوة حضرتك ..


لم يجيب .. فاستدارت لكي تنصرف وتخرج من المكتب، ولكن بمجرد ابتعادها خطوتين انتبهت لصوته حينما قال:

_ أستني ..


جف ريقها فجأة واستدارت ببطء وهي ترتجف تقريبًا من هيمنته وحضوره المخيف أمامها .. وحينما استدار لها اقترب خطةات هادئة وواثقة وعيناه تجول على تقاسيم وجهها بتفحص ودراسة كأنه يبحث عن شيء أو إجابة غير مفهمومة !!. 


تطلعت به ليلة بارتباك شديد ونظرت له بعينان واسعتان من خلف نظارتها الطبية، بينما كانت عيناه بها تساؤلات ليس لها إجابة ! .. ظل ناظرًا لها لدقيقة في صمت تام، ثم قطع الصمت بصوته الحاد الصارم كالسيف:

_ وجودك في البوفيه مرتبط بيا وبس .. يعني مش مسموحلك تأخدي أي طلب من عميل أو موظف وتروحي تنفذيه .. اللي اقولك عليه هو اللي يتعمل وبس .. وده طبعا لحد ما تكملي دراستك وتبدأي شغلك اللي بجد .. 


تسحبت ابتسامة طفولية على شفتيها وقالت بحماس :

_ تمام يا فندم .. واوعدك هذاكر وهنجح وهاخد الشهادة اللي بحلم بيها وهشرفك.. 


اتسعت ابتسامتها بطفولية واخذت فنجان القهوة البارد وخرجت من المكتب تحت أنظاره التي تراقب عفويتها النقية تماما من أي زيف .. ابتسم "هاكان" ابتسامة خفيفة وقال :

_ تستحق الدعم .. 


عاد لاوراقه وهو يتناول قهوته الخاصة وانغمس تمامًا بالعمل ...


_____________________________________


وبتلك الشقة الصغيرة على سطح أحد المباني المتهالكة بالحارة الشعبية. 


دخلت " سماح" من الباب الخشبي الذي يصدر صوتا مزعجا عند فتحه وقالت ببهجة وهي تنظر لـ "شقاوة" التي كانت حالسةً على الأرض وتبرم أوراق "ورق العنب" والكرنب المسلوقة بيديها :

_ يا نهار عناب وريحة البط والمحشي فايحة كده .. أنا اشمر ايدي وانزل الف معاكي خلينا نخلص ونتغدا .. 


ضحكت شقاوة وقالت وهي تمنعها :

_ لا ياختي خليكي انتي بعيد، ده شوية محشي معمولين عمولة .. خصوصي لسي غريب .. حلفتله لحشيله صابع صابع بإيدي الجوز .. هش يابت بعيد ..


مطت سماح شفتيها بضحكة ساخرة :

_ شوف شوف البت ودلقتها ؟! .. ما تتقلي شوية لأحسن يخلع وماتعرفليهوش طريق !... آه ياختي ، ما هما الرجالة كده .


اختفت الابتسامة والبهجة من وجه شقاوة وقالت بخوف :

_ تف من بوقك يابت ، بلاش الفال الوحش ده .. ده أنا فتحت قلبي كله اللي عمري ما فتحت شباكه حتى لحد .. بس هو ما يعملش كده لأ .. 


سخرت منها سماح مرةً أخرى :

_ وأنتي ياختي الثقة دي جبتيها منين أن شاء الله ؟! .. ده انتوا معرفة يومين ! .. فوقي يا شقاوة وأعملي حساب لبكرا .. مافيش راجل بيحب ويتعلق ويشتري من يومين .. الخيبة دي ما بيعملهاش غيرنا ياختي .. لكن الرجالة قادرة ومالهمش أمان.


نفضت شقاوة ما بيدها وقالت بعصببة :

_ وأنتي عشان ما قابلتيش غير العرر خلاص حكمتي على الباقي أنهم كلهم نفس الصنف ! ... لا لسه في رجالة بجد تتحب وتستاهل ..


اجابت سماح بقسوة :

_ الرجالة دي مش بتدور على اللي زينا يا شقاوة .. مش هتبص لرقاصة أو صبية رقاصة زيي وزيك .. هيروحوا لبنات الناس االي بجد ..


انهمرت دموع شقاوة بقوة ونهضت ثم صفعت سماح على وجهها بغضب وهتفت :

_ مش ظروفي اللي ماليش يد فيها هي اللي هترخصني يابت ، انا حافظت على نفسي وأنا وسط تعابين ووحوش ومحدش قدر يطول مني شعرة .. أنا شريفة وتاج راس أي راجل هسلمه قلبي ونفسي بالحلال .. بنات الناس اللي بتتكلمي عنهم دول الفرق ما بيني ومابينهم هو البيت والأهل اللي محدش فينا بيختارهم .. ولو سمعتك بتتكلمي عني كده تاني يبقا نقطم أم المعرفة دي واتكلي على الله أنتي في حالك وأنا في حالي .. 


لمست سماح خدها المصفوع وقالت ببكاء:

_ ده جزائي اني بنصحك وخايفة عليكي وبوعيكي لنظرة الناس لينا وبفوقك ؟! .. أول مرة تمدي ايدك عليا يا شقاوة ؟! .. 


صرخت فيها شقاوة بأنهيار وغضب :

_ ولو ما مشتيش من قدامي دلوقتي مش هتكون آخر مرة ..


فتحت سماح الباب وهي تبك، ثم استدارت وقالت قبل أن تركض باكية :

_ أول مرة الصراحة تزعلك يا شقاوة .. على قد ما زعلانة منك خايفة عليكي اكتر .. الجدع ده شكله مش سهل ووراه بلاوي ، ده لحد دلوقتي ما تعرفلهوش حتى اسم ولا راضي يقولك .. لكن مجرد ما قلبك دق غميتي عينك وعقلك وسايبة نفسك تغرقي وراضية .. ولما حاولت أفوقك ضربتيني على وشي .. شكرا يا عشرة العمر .. 


نظرت شقاوة للباب المفتوح على مصراعيه بدموع نازفة وقلب مُلتاع يخشى الفقد ! .. 


_____________________________________


بعد مرور ساعاتٍ .


قد قرر "سركن" أن يصعد على السطح المقابل لها بعدما اختفت طوال ساعات الظهيرة !! ... وبعدما صعد عدة درجات انتبه لصوت الصغير "بودة" وهو يناديه .. فنزل سركن مجددًا ليسأل الصغير عنها .. ولكن وجده محمل بصينية كبيرة مغطاة بغطاء زهري اللون ويبدو أنها تحوي أطباق لذيذة .. فسأله سركن بتردد:

_ فين شقاوة ؟!


أعطاه الصغير الصينية وقال قبل أن يركض :

_ تعبانة .. عينيها حمرة ومورمة ورابطة راسها وشكلها مصدعة ... 


ركض الصغير وترك "سركن"  واقفا وحاملًا للصينية الكبيرة بينما رغبته العنيفة برؤيتها تجتاح جميع الأعراف .. صعد للسطح المقابل وأطلق صفيرًا عاليًا كي تنتبه .. ولكن لم يظهر لها ظلًا ..! 


أخذ بعض الاحجار الصغيرة وظل يلقيها من بعيد نحو بابها ولم يؤت بالثمار أيضا !.. تنهد "سركن" بضيق شديد ومنع نفسه بأعجوبة حتى لا يذهب اليها ويضرب الاقاويل والظنون بعرض الحائط .. 


ومرت الساعات وهو ينزل ويصعد مراتٍ ومرات بلا فائدة ، حتى بدأ قرص الشمس يلوح بالوداع المؤقت بالافق البعيد .. وحينما بدا الظلام يحل قد نفذ رباط الجأش منه وقرر أن يطمئن عليها مهما كلفه الأمر .. 


نزل سركن من المبنى القديم وراقب عن كثب مدخل المبنى المقابل حتى تأكد أن لا أحد بالجوار .. فأسرع بخطواته ودخل المبنى وبلحظات قليلة كان أمام باب شقتها الصغيرة ويطرق طرقات عالية ...

لم يتلقى سركن أي رد خلال دقيقتان وهذا كاد أن يجعله يجن جنونه .. ولكن تنفس الصعداء عندما فُتح الباب ببطء وظهرت خلفه شقاوة بوجه مرهق وعينان ذابلتان ، وحينما رأته اتسعت عيناها وقالت بقلق وهي تنظر يمينا ويسارا :

_ أنت جيت هنا ليه بس يا سي غريب ؟! .. اعمل ايه بقا دلوقتي لو حد شافنا كده لوحدنا من غير داعي!. 


_ لم استطع الصبر اكثر من ذلك .. كدت أن أجن قلقا عليكِ، هل أنتِ بخير ؟


نظرت له شقاوة بمحبة صادقة وقالت برفة ابتسامة :

_ بخير طول ما أنت بخير .. بس قولي بقا ، ايه رأيك في عمايل ايدي ؟! 


نظر لها سركن بابتسامة وأشتياق عنيف ليأخذها الى صدره :

_ لم استطع أن أفعل شيء غير التفكير بكِ .. لا أعرف حتى ما هو الطعام خلف الغطاء الأزرق ..


شهقت شقاوة بدهشة ثم قالت بعتاب :

_ يحوستي !! ... يعني أنا واقفة طول النهار وأنا تعبانة ودمعتي على خدي ما نشفتش وبعملك الأكل عشان في الآخر ما تدوقش منه ولا لقمة ؟! .. 


ترك "سركن" كل شيء وسألها بلهفة:

_ وما الذي أبكاكِ .. سأقتله. 


نظرت له شقاوة بعذاب ولم تستطيع تفسير ما يعذبها ، ولكنها قالت بمراوغة :

_ ما تقولش عليا عبيطة بس .. أصل يعني شوفت كده فيلم وخلاني أعيط .. البت البطلة بعد ما حبت البطل واعتبرته دنيتها كلها مشي وسابها لعذابها .. فتحت قلبها ليه ،قلبها اللي عمره ما دق لراجل غيره .. عشمها وسابها ، طب لما هو مش شاري بيعشمها ليه .. ما كان يسيب البت الغلبانة دي في حالها .. ولا ايه ؟


تطلع "سركن " بعينيها السوداء للحظات طويلة، ثم ابتسم ببطء وقال :

_ الرجل العاشق لا يرحل أبدًا .. الرجل الحقيقي عندما يعشق يثور على الجميع ليسكّن حبيبته خلف الضلوع  .. يخبأها في صدره وذراعيه تحميها من الظنون ..


التمعت عينان شقاوة وجرت الدماء بوجهها الذي وكأنه اشرق فجأة ، وأضاف بتلك الابتسامة المُهلكة :

_ كوني بخير دائمًا ... لأجلي. 


وذهب من أمامها وتركها واقفة تكاد أن تقفز من السعادة، ولكن فجأة انتبهت شقاوة لأصوات متداخلة وكأن أحدهم يتشاجر !..


اسرعت للسور لترى ماذا يحدث، واتسعت عيناها بذهول عندنا رأت بيومي ورجاله يقفون أمام سركن ويلتف عددًا من السكان ليس بقليل ويزداد مع كل لحظة تمر  ...


وتفاجئت شقاوة بعدما ركضت على درجات السلم نزولا بذلك الكريه "بيومي" زوج أمها يهتف ويصيح بين أهل المنطقة :

_ كانت مفهمة الكل أنها ياعين أمها تابت وأنا جوز امها القاسي اللي معنديش ضمير بجرجرها على الكبريهات وهي دايرة على حل شعرها ومع كل راجل شوية .. أهو سي غضنفر نازل من عندها وقدام الكل أهو مابفتريش على حد .. ومش أول مرة أشوفه نازل من عند بنت ال ... 


انقضت شقاوة عليه وصاحت :

_ بقت أنت تعيب فيا أنا يا بيومي ؟! .. ده أنا أشرف منك ومن اللي خلفوك .. 


جر سركن شقاوة من معصم يدها وقال بأشارة تهديد لبيومي دون ان يفتعل شجار لن يفيده وسيعطل خططه الكبرى :

_ لو جبت سيرة مراتي تاني على لسانك هقطعهولك ..


ردد بيومي بذهول :

_ مراتك ؟!! .. مراتك من أمتى !!


نظر "سركن" لشقاوة التي تجمدت من الصدمة وعيناها تطالعه بذهول وقال بثقة :

_ هتبقى مراتي قريب أوي .. ومتفقين على كل شيء. 


ظهرت سماح فجأة كعادتها واطلقت زغرودة عالية وقالت :

_ آه يا بيومي هتبقى مراته ومتقدملها وابويا شاهد .. مش كده يابا ؟


رد والدها بائع الترمس:

_ كده  ياموحة حبيبة بابا، ده قالي يا أونكل وأنا وافقت. 


صاحت سماح بوجه الجميع وهي تضم صديقتها شقاوة وتقول بتظاهر :

_ يابت مش قولتلك تداروا وتخبوا خليها تكمل بعيد عن عيون الناس .. بس فداكي يا شوشو ، الف مبروك يا حبيبتي. 


ضمتها شقاوة بقوة وهمست :

_ حقك على راسي يابت ...


قرصتها سماح بضحكة وهمست غمزة :

_ حقي بقية حلة المحشي والبطة ياختي ، بس دلوقتي المهم ندبسه ونجوزكم وتتلمي في بيت سي غريب بتاعك ونخلص من المحن ده .. عقبالي ياختي مع الواد سردينة. 


ضحك الفتاتان بقوة بينما شردت عينان سركن للبعيد وتجهم وجهه .. و.....


#مُديري_مستر_فرعون

تكملة الرواية من هناااااااا 


لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كاملةمن هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

 مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا









تعليقات

التنقل السريع
    close