القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية مديري مستر فرعون الفصل الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر بقلم الكاتبه رحاب إبراهيم حسن حصريه

 


رواية مديري مستر فرعون الفصل الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر بقلم الكاتبه رحاب إبراهيم حسن حصريه






رواية مديري مستر فرعون الفصل الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر بقلم الكاتبه رحاب إبراهيم حسن حصريه



#الفصل_الحادي_عشر 


ضيّق "بيومي" عيناه بشك وانتقلت نظرته بين سركن وشقاوة التي علت على ملامحهما مشاعر متناقضة ومتضاربة !. 


بالوقت التي توردت خدي شقاوة والتمعت عيناها بالسعادة والزهو، انقبضت ملامح "سركن" واصبح كأنه نادمًا على غرز قدماه في تلك الورطة الذي لم يحسب لها حسابً !. 

وذلك جعل بيومي يشك بالأمر كليًا، فهتف على غير المتوقع وهلل بسرور مصطنع وعيناه تضمر الشر :

_ يا الف نهار أبيض .. الف مبروك يا شقاوة، رغم اني واخد على خاطري منك، يابت ده أنا اللي مربيكي على ايدي تقومي تحضري بياع الترمس في جوازتك وماتعرفنيش ! ... 


نظر كلا من شقاوة وسماح لبعضهما بدهشة، حتى أجابت شقاوة وهي تمط شفتيها بسخرية ليقينها من مكر بيومي:

_ مالكش كلام معايا بعد كده يا عرة الرجالة .. ولو في زورك كلمة ليا ابلعها وغور بعيد عني .. ولو مقدرتش تبلعها فأنا بقا ليا راجل وكلامك معاه هو .. أنما أنا كان يا مكان .. 


التهبت عينان بيومي بالغيظ والحقد وهو يبتسم ابتسامة صفراء افصحت عما بداخله من شر:

_ وماله يابنت شفيقة .. هو أنا يعني ازعل لما تتستري في بيت العدل .. بس أن كنتي أنتي نسيتي أني اللي مربيكي وليا فضل عليكي .. أنا مابنساش. 


قال كلماته تلك بنبرة أقرب للتهديد ثم غادر وابتعد .. وتهاوت المباركات على رأس شقاوة التي التف حولها بعض من نساء المنطقة الشعبية للمباركات ... وبعد دقائق انشغلت فيهم شقاوة في تلقي التهاني بحثت عيناها عن "سركن" بين الجموع ولكنه أختفى تمامًا !!. 


حلّ القلق على وجهها بدلًا من الابتسامة وهي تلتفت يمنى ويسرة حولها بأمل أن تجده، ولكن لم ترى له طيفاً!..


وحينما صعدت لشقتها الصغيرة علىسطح المبنى القديم صعدت برفقتها صديقتها "سماح" التي همست بتعجب :

_ مالك يا شقاوة مكشرة كده ده أنا قولت هتطلعي فوق ومش هتبطلي رقص الليلة دي !!. 


وقفت "شقاوة" على سطح المبنى وتنهدت بعمق :

_ كنت هعمل اكتر من كده ، بس سي غريب أختفى فجأة وخلاني قلقت .. خصوصا أني اخدت بالي لما سرح وتاه كده بعد ما قال لبيومي اني هبقى مراته ؟! .. يكونش حس بالندم بعد كده ومشي ؟!.


ردت سماح بحيرة :

_ وهو لو مش عايز كده مكنش قال أصلًا ، أصل دي مش حاجة سهلة كده عشان يتسرع فيها .. ده أنا الواد سردينة بقالي كام سنة اعرفه وعمره ما قالي أنه هيخطبني حتى لو تريقة ! .. تلاقي بس حد من رجالة الحتة بعده عن سكة بيومي عشان ما يتخانقوش زي المرة اللي فاتت .


اتطمئنت "شقاوة" بعض الشيء وقالت :

_ يمكن صح .. أصل اسم الله عليه شديد وكسر عضم رجالة بيومي المرة اللي فاتت .. بس برضه يا سماح محتارة من سرحانه فجأة كده وقت الخناقة .. 


ضربتها سماح بخفة وضحكة :

_ سرحان ايه يا عبيطة .. وهو يطول يتجوز قمر الحارة كلها .. ده تلاقيه مش مصدق نفسه ومش بعيد تلاقيه جايب المأذون وجاي دلوقتي جري ... خدتي بالك من سرحانه ومخدتيش بالك من عصبيته وهو بيقول هتبقى مراتي وهيدغدغ بيومي عشانك! .. ده اتكلم زينا أخيرا !. 


ضحكت شقاوة من قلبها وقالت وقد عادت لعينيها السعادة :

_ يخرب عقلك يا بت ... والله حبيت النحوي عشانه .. ربنا يستر ويتمها على خير بقا ..


_______________________________________


وبعد أقل من ساعة تقريبًا ..


وقف "سركن" أمام الهرم الأكبر ونظر له بعمق .. ثم سار لبعض الوقت حوله ودون أن ينتبه مخلوق وضع قبضة يداه على أحد الزوايا وكأنه يفتح بابا سريا ببصمة يداه وبتكنولوجيا متطورة  لم يصل لها العصر الحديث بعد.. ليختفي برمقة عين ويصبح بمكانّ سري بداخله .. نظر سركن لجدارًا بتلك الغرفة المغلقة تمامًا و الذي لم يكن بها أي باب او حتى نافذة، وببصمة يداه استطاع أن يحوّل ذلك الجدار الحجرى لشاشة تواصل بين الأزمنة المختلفة .. حرك أصابعه على عدة أرقام باللغة المصرية القديمة بجسد الشاشة وانتظر لبعض الوقت حتى ظهر الوزير الأول "حات حوت" وسأل سركن ببعض القلق :

_ ماذا حدث عندك ؟ .. أختفائك أصبح مصدرا للشكوك والاقاويل يا سركن ولم تعد التبريرات تجدِ نفعاً هنا .. لابد أن تعود ومعك لوتس بأقرب وقت وإلا سينكشف الأمر ويصل للملك ؟


ظهر على "سركن" الحيرة والضيق وهو يجيب:

_ انت تعرف أن مهمتي ليس انقاذ لوتس فحسب .. أنا هنا لأنقاذ تاريخنا من اللصوص أيضاً وهناك شيء لابد منه لكي تتم مهمتي بنجاح .


تعجب الوزير الاول من التردد الواضح على وجه سركن وسأله بشك :

_ ما هو هذا الشيء ؟! ولمَ يبدو عليك التردد هكذا !!.


قال سركن كاذبًا لأول مرة و بعد لحظات تردد في أيجاد ردا مناسب:

_ سأتزوج فتاة من ذلك العصر .. وتلك هي خطتي لأتمام الأمر بنجاح. 


دهش الوزير الأول "حات حوت" من ما سمعه، ونظر لعيناه سركن التي تتهرب بقلق :

_ تتزوج عندك ؟! ... هل جننت ؟! هل تعرف نتائج الأمر ؟ .. لابد انك تمزح !... انت لست كأي رجل تستطيع أن تتزوج أية أمرأة مجهولة بتلك البساطة؟! .. أنت قائد الجيوش يا سركن ، قائد اقوى جيوش الأرض .. غير مسموح لك بالزواج الا من زماننا ومن امرأة من السلالة الملكية او على أقل تقدير ذات حسبا ونسبا.. والدك لن يسمح لك بغير ذلك صدقني. 


رد سركن بتصميم وعناد وعصبية :

_ لا أمزح بالتأكيد ، سأتزوج مهما كانت النتائج وسأتحمل جميع العواقب أن لزم الأمر .. 


ضيّق "حات حوت " عيناه بشك ثم قال :

_ أذن القصة ليست كما تقول .. اعترف أنك احببتت وسأصدقك أكثر من قول هذا الهراء !. 


نظر سركن للوزير الأول وقال بتحد وغضب: 

_ نعم أحببت .. ليست جريمة، أنت أحببت شقيقتي لوتس وتزوجتها .. لماذا من حق الجميع أن يشعر ويحب سواي أنا ! 

لماذا عليّ دائمًا أن أحقق رغبات الآخرين ؟


تنهد الوزير "حات حوت" بعمق ثم أجاب بنبرة حاول أن تبدو هادئة :

_ ساحدثك كصديق يا سركن، من حقك أن تحب وتتزوج ولم تكمن هنا الكارثة، الكارثة الحقيقية أنك تخالف القوانين ، تخالف المنطق بحد ذاته .. أنت وهي من أزمنة مختلفة ، لن يستطيع كلاكما التأقلم بزمان الآخر .. ورتبتك كقائد لن تسمح لك سوى بالاقتران من فتاة من سلالة ملكية نستطيع أن نثق فيها .. أن خالفت ذلك ولم تعاقب منا فأعدائنا لم يمررون ذلك وسيكيدون ضدك وتحدث فوضى عارمة في الوقت نمر فيه بأزمة مرض الملك.. أتعجب لأنك على علم بكل النتائج الكارثية لقرارك ومع ذلك تصمم !. 


  اصبحت عين "سركن" نارية كالجحيم وهو يقول :

_ يحدث ما يحدث .. لن أتركها لرجلًا غيري، أموت قبل أن يحدث ذلك، أرى في هجرها مشقة لن استطيع تحملّها!. 


دهش "حات حوت " من قوة التحدي الذي تملّك من سركن وقال محذرًا:

_ سأخبر والدك أولًا.. لن استطيع أن أخفي عليه الأمر وإلا ستحدث كارثةً أخرى .. أمامك سبعة أيام منذ الآن، أن لم تتراجع عن قرارك وتطلب لقائي وتعلمني به سأضطر أن اذهب لوالدك وأخبره.. ربما استطاع اقناعك قبل أن ينكشف امرك للجميع، لن اتحمل عواقب قرارك الكارثي هذا يا سركن .. وحينما تطلب لقائي المرة القادمة لا تخبر لوتس .. فأنني أرفض لقائها من خلف فواصل زمنية .. سأنتظر اللقاء القادم بعد سبعة أيام، وسانتظر عودتك مع لوتس بقمر ليلة ٣٠. 


وأنهى "حات حوت" الأتصال، وظل سركن واقفاً بجسدًا صلب وعينان معذبة، أي عقاب سيناله أيسر على قلبه من هجرها للأبد، وردد لنفسه بألم :

_ أي عذابًا هذا الذي أوقعني قلبي في براثنه؟ .. كيف أحببتها بذلك الجنون يا سركن ؟! .. أشعر براسي يكاد ينفجر من التفكير !!. 


وخرج سركن من الغرفة السرية مثلما دخل وعلى ملامحه الحزن الشديد .. 


____________________________________ 


كانت "ليلة العيد" ترتشف فنجان قهوة وهي جالسةً بمطبخ الشركة وتنتظر أي انذار لتحضير قهوة هاكان الخاصة، وبينما وهي تبتلع ما بفمها انتبهت لصوت تعرفه جيدًا وهو يهتف بها بسخط :

_ أنتي بتهببي ايه هنا ؟! 


كادت ليلة أن تبصق ما بفمها من هةل الصدمة وهي تستدير وتنظر لـ "شاهندة" أبنة عمها التي ترمقها بنظرات نارية حاقدة كأنها القت عليها القبض بالجرم المشهود ، وارتجفت ليلة العيد من هول المفاجأة والصدمة معاً.. حتى تدخل سقراط وقال لشاهندة الذي رغم معرفته بها الا انه لم يعلم بقرابتها لليلة العيد :

_ وأنتي بتزعقيلها كده ليه يا ولية يا شاهندة أنتي ؟ .. وبعدين هو السؤال اصلا المفروض يبقى ليكي ، هو مش أنتي اتطردتي من هنا برضه ؟! 


زمت شاهندة شفتيها بغيظ نحو هذا الفتى المستفز وهتفت به :

_ لم لسانك يلا أنت !! .. أنا ما اتطردتش ، كل الحكاية أني مشيت لكن رجعت تاني وده بقرار رسمي من أبو المدير نفسه " مستر كمال ، روحتله وكلمته ورجعني للشركة بمكالمة تليفون للأدارة .. أنما أنتي بقا يا أم اربع عيون بتعملي ايه هنا ؟! 


وجهت شاهندة حديثها لليلة التي شحب وجهها كالأموات، ولم تحسب حسابا لعودة تلك السخيفة من جديد، خاصةً وهي الآن يختصر عملها في توصيل المشروبات لمكتب المدير !!. 


فقال سقراط من جديد عندما طال صمت ليلة العيد:

_ بتشتغل معايا هنا .. ها ارتحتي؟!.  


نظرت شاهندة لليلة ثم انفجرت بالضحك لبعض الوقت، وبعدها قالت بسخرية وشماتة :

_ فعلًا ده انسب مكان ليكي .. المطبخ. 


رمقتها ليلة بضيق والدموع بعينيها وهتفت :

_ وايه يعني ... الشغل عمره ما كان عيب، العيب أني أعيش عالة على غيري وماليش لازمة في الحياة. 


تملّك الغضب من شاهندة وصاحت فيها بصراخ عالِ:

_  تقصديني أنا بالكلام ده ؟! .. ماشي ..حسابنا مش هنا ، وعموما أنا رجعت لشغلي في السكرتارية في الوقت اللي أنتي فيه بتاعة القهوة والشاي .. يا خدامة !. 


امتلأ حلق ليلة العيد بالمرارة وقررت قرارًا نهائيًا أن تتخلى عن حلمها وتغادر من هنا بلا رجعة، فبجميع الأحوال لن تتركها تلك الحمقاء شاهندة وشأنها .. وستجعل من وجودها هنا جحيما لا يحتمل. 


وبذلك الوقت ظهر "هاكان" عند مدخل الباب ويبدو من ملامحه المنفعلة ونظراته الغاضبة نحو شاهندة أنه استمع لمَ قالته بسبب صوتها العال الذي تسلل لمكتبه القريب، ارتبكت شاهندة من ظهوره بعض الشيء، وحينما دخل بخطوات واسعة للمطبخ أشار نحو شاهندة بعصبية وقال :

_ وصلني  من الإدارة أنك رجعتي بواسطة من والدي .. بس طالما بتتحديني يبقى استحملي اللي هيحصلك ، أنتي شغلك من النهاردة وعلى حسب مستواكي في الأرشيف مش السكرتارية .. ولو سمعت صوتك بالشكل ده تاني اعتبري نفسك مطرودة .. والآنسة ليلة مش خدامة زي ما سمعتك بتقوليلها .. لأنها هتتنقل السكرتارية من بكرا .. 


شهقت شاهندة وفغرت فاها من الذهول، بينما لم تكن ليلة أقل منها صدمةً! .. ورمى هاكان شاهندة بنظرة إزدراء ثم خرج من المكان بهدوء تام .. ولم تستطع شاهندة التفوه بحرف،ولكنها رمقت ليلة بنظرة حاقدة ومتوعدة ثم غادرت .. وظلت ليلة العيد متجمدة في مكانها وهي تحاول استيعاب ما سمعته للتو .. وللمرة الثانية اليوم ينصفها !. 


جلست ببطء على المقعد وابتسمت وهي تحاول أن تصدق بواقعية ما حدث، حتى قال سقراط بغرابة وشك :

_ أقطع دراعي لو مكنتش البت الساقعة اللي اسمها شاهندة دي رجعت عن طريق خطيبة هاكان بيه .. أصل سمعتها مرة من فترة بتتكلم عنها وبتقول انها اتكلمت معاها في النادي ونفسها يبقوا صحاب .. 


دقت أجراس الخطر بعقل ليلة العيد وبدأت تفكر بالأمر من تلك الزاوية الغامضة،بينما عاد سقراط متسائلًا :

_ بس انتي تعرفي شاهندة دي منين يا ليلة ؟! 


أجابت ليلة بضيق:

_ بنت عمي .. وساكنين في بيت واحد كمان. 


شعر سقراط بالاسف لها وقال:

_ الله يعينك على غلاستها .. سبحان الله ، أنتي منتهى القبول ، وهي منتهى السماجة وتقل الدم، كويس انها مش هترجع السكرتارية ، دي آنسة منة مش بطيقها ... بس هتفرح أوي بيكي. 


لم تستطع ليلة العيد استيعاب الأمر تمامًا، فوظيفة السكرتارية لم تكن تحلم حتى أن تصل إليها، خصيصا أن شهادتها العلمية غير مناسبة تمامًا أيضاً ... وبعد مرور بعض الدقائق اتت "منة" مسرعة لداخل المطبخ وهي تضحك بسرور وتضم ليلة :

_ مستر هاكان قالي أنك هتتنقلي السكرتارية من بكرا ، ما تتخيليش فرحتي .


سألتها ليلة بتعجب :

_ أشمعنى قبلني بسرعة في السكرتارية مش في وظيفة المرشد السياحي ؟ 


اوضحت لها منة بلطف :

_ لأن المرشد السياحي مش بيشتغل بسهولة كده يا لولو ، ده لازم يبقى معاه رخصة وكارنيهات وليلة كبيرة أوي سعادتك وده طبعا محتاج لشهادة معتمدة .. أنما السكرتيرة ده شغل خاص بالشركة وفي ايده .. وأبرز شرط فيه اللغة وبرامج الاوفيس .. وأظن أنتي معاكي لغة تمام التمام .. وبالنسبة للأوفيس فأنا معاكي وهعلمك كل شيء .. أنا بجد مبسوطة جدًا لأنك تستحقي .. ومبسوطة كمان أن السمجة شاهندة مش هتشتغل معايا .. ده انا اشتغلت معاها أسبوع واحد وكنت هطفش من برودها. 


وحينها ارتفع رنين جرس الأنذار وأجاب سقراط سريعا، حتى قال هاكان عبر الهاتف :

_ أبعتلي آنسة منة وليلة لمكتبي يا سقراط .


اغلق هاكان الاتصال، ونظر سقراط للفتاتان وقال :

_ بسرعة روحوا لمكتب البيه عايزكم .


أخذت منة ليلة العيد من يدها بعدما وجدتها خائفة ومتوترة وأسرعتا للمكتب ..


______________________________________


وبالمكتب .. 


حينما دخلتا الفتاتان ووقفتا أمام مكتب هاكان الذي بدا عليه العصبية وهو يقول :

_ أنتوا الأتنين هتبقوا في السكرتارية .. بس منة هتبقى في المكتب وفي شغلها زي ما هو ، أنما ليلة هتكون معايا في مقابلة العملا برا الشركة وده هيكون أختصاصها .. 


تفاجأت ليلة وحاولت أن تشرح له صعوبة الأمر، فصاح هاكان بعصبية بوجهها :

_ أنتي كمان هتعترضي !! .. ده أنتي المفروض تشكري الظروف اللي خلتني أخد القرار ده عند في اللي اسمها شاهندة ، ولو مش موافقة يبقى اتفضلي من الشركة خالص وبلاش وجع دماغ !! 


صدمت ليلة من عجرفته التي عادت وبشكل أغلظ وأعنف من زي قبل !!  ... وفهمت أن سبب دفاعه عنها كيد في شاهندة التي تأكدت انها عادت للشركة رغما عنه !! .. كادت ليلة أن تعترض ولكنها تذكرت شاهندة وموقفها معها .. فنظرت له بضيق وصمت .. حتى تدخلت منة تلطف الأجواء :

_ تمام يا فندم ، وبرضه هعلمها كل شغل السكرتارية في المكتب .. 


وافق هاكان بوجه مقتضب وغاضب وأشار لهما بالخروج، وحينما خرج الفتاتان قال هاكان لنفسه بغيظ شديد :

_ مش هعديهالك دي يا لورا .. أنا متأكد أنك أنتي اللي كلمتي أبويا واقنعتيه يرجعها عشان تبقى جاسوستك هنا .. 


__________________________________


تنهدت لورا وهي ترفع هاتفها لأذنها بعدما اتصلت بها شاهندة تخبرها بما حدث بعصبية :

_ أنا مكنتش متخيلة أنه هيبعتني على الأرشيف، فكرت أني هرجع السكرتارية. 


تنهدت لورا مرةً أخرى بتأفف وملل من تلك الفتاة :

_ أنا كلمت أنكل كمال مخصوص واترجيته عشان يكلم الإدارة ويرجعك وده حصل بمكالمة تليفون واحدة يا شاهندة .. أنا ما يهمنيش تشتغلي ايه بالضبط .. كل اللي يهمني انك ترجعي هناك وتعرفيني كل تحركات هاكان ومين اللي بيجيله .. وعايزة بقا تخلي بالك من البنت قريبتك دي لأني مش مستريحالها وشاكة انها بتخطط لشيء. 


ضحكت شاهندة بعدما فهمت مقصد لورا وقالت بسخرية :

_ بقا واحدة في جمالك يا لورا تقلق من ليلة العيد أم اربع عيون ووشها اللي شبه قفاها ؟! ... هو عمل كده بيعند معايا مش أكتر خصوصا أني رجعت للشركة تقريبًا غصب عنه بعد ما والده أمر بكده .. ده كل ما في الأمر. 


لم تقتنع لورا بما سمعته، ولكنها أيضا لم تخبر شاهندة بكل شيء، فتواصلهما ليس أكثر من تبادل مصالح مشتركة !. 


______________________________________


عاد "سركن " للحارة الشعبية ...

وفي عودته وجد سماح تقف مع صديقتها شقاوة عند مدخل المبنى القديم .. 


نظرت شقاوة له بعتاب شديد ولأختفائه المفاجئ ، بينما سألته سماح بحدة :

_ كنت فين يا خويا كل ده ؟! ... الناس عمالة تسأل عليك عشان تبارك وتهني وتعرف الفرح أمتى ومابقيناش عارفين نرد عليهم !. 


نظرت شقاوة له بتمعن وشعرت بخوف ملأ قلبها من نظرته العنيفة لعيناها وكأنه غاضبًا من شيء .. حتى قال سركن بتصميم غاضب :

_ لازم نتجوز وبسرعة .. قبل ٤٨ ساعة هنكون متجوزين. 


شهقت  سماح بذهول ، بينما تفاجأت شقاوة، ثم ابتسمت بخجل وركضت صاعدة لشقتها الصغيرة على سطح المبنى القديم ، وقالت سماح برفض :

_ مش هنلحق نعمل أي حاجة .. طب على الأقل أسبوع حتى !! ده فرح شقاوة مش أي حد يعني !!. 


هتف سركن بشراسة :

_ لأ ... في خلال ٤٨ ساعة ومش هينفع أستنى اكتر من كده ..


نظرت له سماح بشك وشعرت بشيء يخفيه هذا الرجل الغامض عن الجميع. 

استأذنت سماح وابتعدت عندما أشار لها والدها أن تذهب اليه، وظل "سركن" واقفا على ملامحه الشرود وبعض التيه، حتى انتبه لصوت شقاوة التي أتت مرةً أخرى وقالت بعينان ممتلئتان بالدموع والسعادة :

_ حقك عليا أوي يعني .. أصلي بصراحة شكيت فيك وقولت ده عشمني ورماني .. زي البطلة اللي حكيتلك عنها وكده يعني. 


نظر "سركن" لشقاوة بنظرة عاشقة لبعض الوقت ثم قال :

_ لو تعرفي الحرب اللي رضيت ادخل فيها عشان تفضلي جانبي مكنتيش هتقولي كده .. عايز أعترفلك بحاجة. 


ابتسمت بسعادة وهي تنتظر منه كلمة واحدة ، فابتسم سركن بعشق مجنون لها وقال هامسا وقد عاد لعربيته الفصحى:

_ لا .. لن أخبرك الآن .. سأخبرك بيوم زفافنا ، وبطريقتي الخاصة. 


#مُديري_مستر_فرعون


الفصل الثاني عشر 


ابتسمت بسعادة وهي تنتظر منه كلمةً واحدة، فابتسم سركن بعشق مجنون لها وقال هامسا وقد عاد لعربيته الفصحى:

_ لا .. لن أخبرك الآن .. سأخبرك بيوم زفافنا ، وبطريقتي الخاصة. 


تصبّغت وجنتي شقاوة بحمرة شديدة وظهر الحياء على محياها واضحًا، فبات "سركن" أسيرًا لذلك الوجه وتلك العينان التي سرقانه من الجميع، ورغم نظرة العشق بعيناه كان هناك خوف كامنً في نفسه .. خوف لأول مرة يدق قلبه العنيد!. 


خوف من الفراق والآت، خوف من الغد والمجهول !. 

وخرج من شروده وعينان تتبع حبيبته وهي تركض مبتسمة بعيناة دامعتان من السعادة وتصعد لشقتها الصغيرة المتواضعة  .. فقالت له سماح بابتسامة :

_ خلي بالك يا خويا من البت شقاوة، دي يا عين أمها اتبهدلت وتعبت كتير أوي في حياتها ، كان في الف راجل يتمنى تراب رجلها بس مكنش عاجبها ولا واحد فيهم .. لكن أنت بقيت بالنسبالها حاجة تانية من أول مرة شافتك فيها... بالله عليك ما تكسر بخاطرها في يوم ولا توجع قلبها .. دي غلبانة ومالهاش حد. 


رد "سركن" بعد تنهيدة عميقة :

_ سأكون لها الجميع .. أعدك. 


تجاهلت سماح ببساطتها تلك الطريقة الفصيحة الذي يتحدث بها وامأت رأسها ايجابًا .. وعندما انصرفت من أمامه اضيقت عينان "سركن" وهمس بخفوت :

_ لابد أن أنهي مهمتي قبل أي شيء .. 


وكان يقصد بذلك استرجاع القطعة الأثرية النادرة التي سرقها هؤلاء اللصوص ويخططون لبيعها لسارقي التاريخ !. 


وعقد سركن النية أن في خلال ساعاتٍ ستكن تلك القطعة بحوذته لا مجال للشك.


_______________________________________


وفي "مطبخ الشركة"


نظرت منة لـ "ليلة العيد" في رقة قائلة بدعم :

_ طب تعرفي بقا أنك لازم تشكري شاهندة على اللي عملته !. 


مسحت ليلة عينيها الدامعتان وقالت بضيق :

_ أشكرها أنها هانتني ؟! 


ابتسمت "منة" بخبث واوضحت :

_ بالعكس .. دي بغبائها نقتلك في لحظة من المطبخ للسكرتارية !، الوظيفة اللي هتموت وترجعلها ، لا ومش بس كده ، دي اتحدفت للأرشيف ! .. أنتي متخيلة وضعها بقا أزاي ؟! .. أنما أنتي بقا على وضعك يا برنسيسة ..


وتابعت منة بحماس :

_ ولغتك هتسهل عليكي كل حاجة كمان .. والباقي هعلمهولك في خلال اسبوعين بالكتير وهخليكي بيرفكت .. يعني فيما بعد لو حبيتي تفضلي في السكرتارية مش هيبقى صعب .. وكده كده مستر هاكان حط نظام ليه أن يبقى في طقم سكرتارية مش واحدة بس .. يعني في كل الاحوال هيجيب واحدة كمان معايا فـ ليه ما يبقاش أنتي !. 


اطمئنت ليلة لحديث منة وهدأت بعض الشيء، ثم تنهدت وقالت بيأس :

_ شاهندة لو سابتني في الشغل مش هتسيبني في البيت وهتخليني عايشة في جحيم. 


زمت منة شفتيها بحيرة من تلك الثغرة ولم يكن لديها حلًا تطرحه .. فقالت :

_ تجنبيها مهما قالت .. اقفلي أوضتك عليكي وسبيها تضرب دماغها في الحيط. 


زفرت ليلة العيد بضيق شديد :

_ مش بالسهولة دي برضه .. عمومًا أنا هحاول أتجنبها خصوصا الفترة دي. 


ربتت منة على كتف ليلة بدعم حقيقي :

_ الفرصة دي مش هتجيلك كل يوم ، فرصة من دهب ولو اي حد مكانك هيعافر عشان يثبت فيها .. فمش شوية كلام من واحدة تافهة زي شاهندة ممكن يخلوكي تتنازلي وتبعدي !!  .. 


نظرت لها ليلة بابتسامة وقالت بمحبة :

_ عندك حق .. انتي بتفكريني بأعز صديقة ليا ، بتتكلم بنفس طريقتك ..


شاركتها منة الابتسامة بينما تدخل سقراط وقال بقوة :

_ وأنا لو شميت خبر انها زعلتك هحطلها شطة في القهوة ، هخليها تفكر الف مرة قبل ما تضايقك يا غلبانة انتي . 


ضحكتا الفتاتان على مزحة سقراط وانصرفت منة بعد ذلك لعملها .. 


_________________________________


عند نهاية دوام اليوم بشركة السياحة ..

خرج "هاكان " من المبنى متوجهاً بسيارته لطريق المنزل ...وبعد ساعة تقريبًا وقفت سيارته أمام منزله الفخم واستقبله والده "كمال" الذي كان يجلس بالصالون يرتشف قهوته بهدوء :

_ تعالى يا هاك عايزك.


اغمض هاكان عيناه بنفاد صبر لمعرفته السابقة بمجرى الحديث، تظاهر بالثبات وهو يتوجه نحو الصالون ويجلس أمام والده منتظرا جدالا طويلا .. فرمقه كمال بنظرة سريغة ثم وضع كوب قهوته على المنضدة الفاصلة بينهما وقطع الصمت :

_ أنا عارف بعزومة النهاردة .. وعايزك تصلح علاقتك بلورا وتخليها أفضل من كده .. لأن أبوها وأمها مضايقين منك. 


رد هاكان بحدة :

_ بدل ما يضايقوا مني يعلموا بنتهم الأول الذوق والعقل .. مش معنى أنها بقت خطيبتي يبقى ليها الحق تقتحم شغلي من غير أذن ! .. ومش معنى أنها خطيبتي أنها لازم تعرف كل تحركاتي بالدقيقة والثانية .. دي حاجة تخنق !. 


وافقه والده بقوة :

_ عندك حق .. وعلى فكرة دي كانت مشكلتي الوحيدة بيني وبين والدتك في بداية الجواز ، لكن فهمتها طباعي بهدوء ، وواحدة واحدة فهمت وتقبلت .. ما هي دي الحياة يابني ، مافيش حد كامل !. 


اعترض هاكان وقال :

_ فهمتها مليون مرة كل شيء ممكن يزعلني ويضايقني ، لكن هي انسانة مش مفهومة .. مش عارف اصرارها على التدخل في شؤوني ده قلة ثقة في نفسها ولا غرور زايد !! .. أنا كنت موافق عليها وشايفها مناسبة في أمور كتير .. لكن حشريتها في شغلي غير مسموح بيها نهائي. 


وافقه والده مرة أخرى لكي يمتص غضبه وقال :

_ وده اللي قولته لوالدها يا هاك ودافعت عنك .. ما تفتكرش أني هسمح لحد يضايق أبني وهسكت !! .. لكن برضه أنا عاذرها في بعض الأمور .. وأولها أنك مش بتتعامل معاها على أنها خطيبتك ! .. بتتعامل على انها موظفة عندك تقولها أوامرك وتنفذها !! .. 


ضحك كمال وقال بسخرية :

_ طب افتكر كده أنت كام مرة من ساعة ما عرفتها قولتلها كلمة حلوة ؟! .. كلامك معاها دايما بيكون عن أي شيء الا حياتكم مع بعض ! ..  مهمشها يعني ، والبنت بتعافر عشان تفهمك وتجذبك ليها .. ولأنها عارفة أن شغلك عندك رقم واحد ففكرت بسذاجة أنها تدخلك من الناحية دي .. 


نظر كمال لأبنه وقال باقتناع :

_ مش الشراكة بيني وبين أبوها بس اللي مخلياني شايف أنها أنسب بنت ليك .. البنت دي بتحبك أوي يا هاك ، وصدقني يابني الواحد يوم ما بيتجوز واحدة بتحبه بجد بيعيش ملك زمانه. 


نهض "هاكان" من مقعده وقال بتأكيد :

_ وصدقني أنت يا بابا ، التفاهم ولغة الحوار والثقة بين الأتنين أهم من الحب والمشاعر .. وأنا ولورا لا بينا تفاهم ولا لغة حوار ولا حتى ثقة .. يمكن مكمل لأني بفكر بعقلي، بتجوز عشان أسباب عملية بحتة .. لذلك مديها فرصة ، لكن لو فضلت كده يبقى هي اللي حكمت على نفسها... بعد أذنك. 


نظر كمال لأبنه بعصبية وهو يبتعد ويرتقي الدرج نحو غرفته بالطابق الثاني .. ثم قال بانفعال :

_ ولد عنيد !!. 


_____________________________________


وبعد مرور ساعاتٌ قليلة .. استقبلت لورا هاكان بترحاب شديد والذي دخل لمنزلها الفخم بأبهى حلّته .. وهمست له بتنبيه وهما يدخلان من الممر الطويل حتى الصالون :

_ طب فك التكشيرة دي قبل بابي ما ينزل !. 


تجاهلها "هاكان" وكأنه لم يسمع تحذيرها وظل وجهه جامدًا بدون تعابير واضحة .. حتى أتت والدتها وابتسمت له ابتسامة خفيفة لم تصل لعينيها :

_ أزيك يا حبيبي عامل ايه ؟


صافحها هاكان ورد بلياقة وأدب ، ولكنه بقى على جموده حينما جلس مجددا، فنظرت "تهاني" لأبنتها لورا بغيظ ، وكأنها تخبرها بيأس أن لا فائدة من هذا المغرور المتعالي !

فأرادت لورا أن تنقي الأجواء فقالت بابتسامة واسعة :

_ ما تتخيلش مبسوطة قد ايه بجودك هنا يا هاك ... بحضر للعزومة دي من الصبح .. 


تدخلت تهاني وقالت له :

_ لورا بنتي خلت الخدم يحضرولك كل الأكلات اللي بتحبها وكانت مهتمة أوي بكل شيء ..


رد هاكان بلطف بعض الشيء :

_ وأنا برضه كنت مهتم أني أحضر الليلة .. رغم أن كان عندي عشاء عمل وأجلته ساعتين .. 


فهمت تهاني أنه رمى ذلك الأمر اعلاما لها أنه لن يتواجد معهن لأكثر من ساعة من الزمن !!     فتنفست بفيظ منه ورسمت ابتسامة مصطنعة قبل أن تنهض :

_ هروح أخليهم يستعجلوا بما أنك وراك شغل .. 


لم تهتم لورا بالتوتر الذي ازداد بالأطواء، ونهضت وجلست بالمقعد المجاور له قائلة بابتسامة :

_ والله مبسوطة أوي أنك جيت واجلت شغلك عشاني .. مبسوطة ونسيت الزعل خلاص ومش عايزة يبقى في بينا أي شيء .. 


ابتسم هاكان بسخرية :

_ وفيها ليه لو تبقي على طول كده ؟! ... ولا لازم العند والتدخل في امور مش هتهمك في شيء .. 


تجاهلت لورا عن أشارته القاسية وقالت بنفس سير رومانسيتها بتلك اللحظة :

_ لأ خلاص .. طالما أنت بترتاح كده يبقى نفضل كده ، أنا أهم حاجة عندي أنك تبقى مبسوط. 


وكان اصبح هاكان أكثر لطفا بقليل نظرا لتصرف لورا العاطفي معه .. ولكن أتى والدها فجأة وقال بصرامة :

_ ولازم هو كمان يبقى أهم حاجة عنده أنك تبقي مبسوطة .. ولا هو ناسي أنتي تبقي بنت مين ؟ 


نظر "هاكان" لوالدها بحظة واختفى لطفه المؤقت وظهرت العصبية على محياه، فتابع والدها بصوتً حاد :

_ يظهر يا هاكان أنك مش مقدر النعمة اللي بين ايديك ، نعمة كبيرة أوي تفوق خيالك المتواضع. 


جف ريق لورا عندما نظرت لوجه هاكان الغاضب وقالت وهي تبتسم بتظاهر :

_ احنا اتصالحنا اصلًا يا بابي وكان خلاف تافه اساسا .. وبصراحة بقا أنا برضه اتماديت كتير ، ومكنش المفروض اتدخل في شغله  .. ما ده برضه مش صح وله حق يزعل !. 


نظر لها والدها بشرر وغيظ شديد، ولم يبرد ردها اللطيف تجاهه غضبه من ذلك الرجل المتعجرف .. فقال والدها محاولا التحكم بغضبه :

_ طالما كده يبقى تمام .. تعالوا بينا الأول نتعشا وبعدين نكمل كلامنا. 


اخذت لورا هاكان نحو غرفة الطعام الواسعة ... وهمست له بابتسامة :

_ على فكرة أنا ما اتغدتش معاهم ومستنية أكل معاك .. 


ف رد عليها بهمس ساخرا :

_ يمكن لولاكي كان زماني مشيت اصلًا. 


وكان يقصد بذلك تصرفها ولطفها معه لا يمكن أن يبادلها بالضد ويذهب ويهينها أمام والديها .. بينما لورا فهمت حديثه بطريقتها وابتسمت بسعادة ...


وعلى مائدة العشاء ..  

لم ينفك والد لورا أن يرمي بالكلمات السخيفة المهينة لهاكان ، بينما ارتشف هاكان كوبين من الماء ولم يتناول أي شيء من طعام العشاء الفاخر ثم اسئذن ونهض وقد اعتلى وجهه الغضب ولم يتحمل سخافة هذا الرجل أكثر من ذلك. 


وتظاهر بإجراء مكالمة هاتفية ثم انتهى منها بعد دقيقتان وقال لهما بأسف مزيف :

_ أنا أسف .. لازم أمشي ، حصلت حاجة ولازم أكون في الشركة دلوقتي .. 


استفسرت لورا بوجه مقتطب :

_ حصل ايه في الشركة ؟! 


نظر لها هاكان بنظرة ذات معنى، فتراجعت لورا بأعتذار :

_ لا خلاص أسفة .. مش هسألك تاني في الشغل ولا هتدخل .. بس على الأقل لما ترجع أبقى طمني عليك. 


رد موافقا وهو يستعد للانصراف :

_ اوك ..


وحينما غادر هاكان ، نظر والدها لها بغضب وهتف بها :

_ لا ليكي شخصية ولا عندك كرامة ومهزأة ، بتتحايلي عليه عشان يهتم بيكي يا غبية !! دلوقتي بس مش مستغرب من تصرفاته معاكي !! .. لولا شغلي مع أبوه كنت ربيته على عمايله دي .. 


بكت لورا وقالت :

_ على فكرة تصرفاته معايا غالبا بتبقى بسبب تصرفاتك أنت معاه .. لما اتصالحنا من شوية اتكلمت معاه وكان بيسمعني لحد ما جيت يا بابي واتكلمت بالشكل ده وهينته بالكلام ... واي حد مكانه كان مشي فورا .. وبعدين لازم تحترمه أكتر من كده لانه هيبقى جوز بنتك. 


دوت صفعة قاسية على وجه لورا جعلت أمها تهاني تصىخ بخوف على أبنتها وتهرع اليها، حتى أشار والدها لها بتحذير وعنف:

_ أنا مش مستعد عشان بنت تافهة زيك أبقى تحت رحمة ولد مغرور من سن ولادي !! ..  يأما يحترم نفسه ويشوف هو خاطب بنت مين ، يأما هيشوف هو وابوه مني وش عمرهم ما شافوه .. 


وتركها بين ذراعي أمها تبك بحسرة وغادر المكان ... 


_______________________________________


خرج "هاكان" من منزل "لورا" وهو يزفر بضيق شديد ويخرج ما بداخله من ثقل لتلك الزيارة الإجبارية .. وحينما دخل سيارته اطرق على المقود بيده في عصبية وقال :

_ مش هاكان اللي يتجبر على شيء. 


واتصل في الحال على رقم والده، حتى أجاب بعد دقيقة وسأله هاكان بعصبية واضحة :

_ بابا انت فيـن ؟! 


تعجب والده من نبرة العصبية بصوته وسأله :

_ قاعد مع ناس بنخلص شغل .. في ايه يا هاك ؟ 


هتف "هاكان" بعصبية :

_ انا مش هستمر في الخطوبة دي اكتر من كده، كنت موافق لأني شوفت أنها لحد ما مناسبة ، لكن اللي شوفته من والدها النهاردة وعجرفته معايا وكأني أنا اللي سعيت للخطوبة دي من البداية يخليني أفضها واخلص. 


ضحك والده بسخرية ثم وضح لابنه بهدوء :

_ لا هو طبعه كده مش عجرفة ولا حاجة .. وبعدين الخطوبة دي مابقاش ينفع تتفسخ يا هاك .. أنا داخل مع أبوها في شراكة ضخمة تاني ومش عايز أي مشاكل معاه، أبوها مش سهل ولو اتقلب لعدو هيهد المعبد على اللي فيه. 


فهم "هاكان" الآن السبب الذي جعل ذلك الرجل يتحدث بذلك الغرور والثقة، فقال هاكان بعصبية :

_ وانا مش هتجوز بالأجبار!! 


رد والده بصرامة وحدة :

_ وأنا قولتلك مش عايز أي مشاكل الفترة دي ، نتم الشراكة وننفذ المشروع وبعدين ابقى اعمل اللي عايزه !!... وما تقررش أي قرار وقت غضب ! .. وبعدين البنت أصلا ممتازة وبتحبك ومستحملة كل تصرفاتك المستفزة .. هتلاقي فين تاني بنت بالمواصفات دي ؟! .. أنا مش هتكلم معاك غير لما تهدى .. وانا هعرف أزاي اعاتب أبوها في طريقته معاك وأوقفه عند حده .. أظن كده مالكش حجة؟!. 


وأنهى والده كمال الأتصال دون مزيدًا من الجدال، مما جعل غضب "هاكان" يصل لذروته، فما استطاع مخلوق أن يجبره على شيء سوى والده !! .. وحرك سيارته بعصبية وسرعة خطرة !..


ولكن رغبته أن يعود للمنزل اصبحت شِبه منعدمة تقريبًا، اوقف هاكان سيارته بالطريق ثم اجرى اتصال هاتفي على رقم شقيقه "رشاد" ... وأجاب الآخر بعد وقت :

_ معاك يا هاك ..


_أنت فيـن ..؟! 


قال ذلك بأنفعال ، فأجاب رشاد وهو يخرج من سيارته وعيناه على ليلة العيد وصديقتها لوتس وهن يدخلان السينما :

_ أنا قدام سينما (...) ... أصل آنسة كحك العيد وصاحبتها المزة لسه داخلين حالًا ..


دهش هاكان وسأله بنرفزة :

_ أنت مراقبهم ؟!! 


نفى رشاد وقال مدافعا عن نفسه :

_ لا مش كده .. أنا شوفت ليلة وهي خارجة من الشركة وصاحبتها كانت مستنياها ، كنت ناوي اكلمهم وعلى ما روحتلهم كانوا مشيوا .. وبصراحة البت اللي معاها دي مجنناني وعايز اوصلها بأي طريقة .. وبصراحة أكتر مشيت وراهم بالعربية وكنت فاكر اني هعرف عنوانهم بالضبط .. بس لقيتهم داخلين السينما !.


غضب هاكان أكثر وهتف به :

_ تصرفاتك في منتهى الغباء يا رشاد .. و..


انقطع الأتصال ونظر هاكان للهاتف بغيظ شديد، ثم فكر في شيء بما أنه يعرف أين هم بالتحديد ... فحرك سيارته لعنوان السينما التي ليست بعيدة عنه تمامًا ....


__________________________________


وبداخل السينما ...


ومع الظلام الذي يسود القاعة الواسعة الا من نور الشاشة الكبيرة التي تبث فيلم سينمائي .. لم تكن القاعة تعم بالحضور الكثيف .. فاستطاع هاكان بعدما دخل وجلس بأحد الأماكن أن يرى ليلة وصديقتها  أمامه بصف يفصله عنها صفان من المقاعد الفارغة تقريبًا  .. بينما شقيقه رشاد يجلس بأحد الصفوف الفارغة الفاصلة وأمامه لوتس مباشرة وهو جالسا خلفها... فتنهد هاكان بغيظ وتسلل اليه دون ان يشعر أحد وجلس بجانبه خلسة .. 


وتسمر رشاد حينما وجد هاكان بجانبه وعيناه تلتمع بالغضب ، فهمس له قائلًا :

_ أنت جيت هنا ليه وأزاي ؟ 


رد هاكان بعصبية رغم خفوت صوته :

_ أنت غبي ؟! .. ما أنت قايلي اسم السينما ! .. ومستحيل كنت اسيبك تعك وتخلي منظري زي الزفت قدامهم .. يلا بينا من هنا. 


ضيق رشاد عيناه وهمس بخبث :

_ البت اللي معاها دي مجننة أمي ، نفسي الاقيلها داخلة ، أول مرة احتاس كده يا هاك وبت تعصى عليا !! .. أنا مش همشي قبل ما اكلمها واشوف حل .. 


وقبل أن يرد هاكان بنرفزة، قاطعه صوت ليلة وهي ترد على الهاتف وصوت صياح شاهندة تسلل عبر الظلام :

_ في السينما ؟! .. من أمتى وأنتي بتروحي سينمات ، ورايحة مع مين بقا أن شاء الله ؟!! آه ما انتي بقيتي ماشية على حل شعرك وبترجعي وقت ما تحبي !. 


يبدو من غضب شاهندة أنها كانت تنظرها على أحر من الجمر لبدء مشاجرة وتعنيف حاد اسقاطا لأمر العمل بالأساس .. فقالت ليلة بدهشة مما تسمعه :

_ أنتي بتقولي ايه ؟!! .. وبعدين أنتي مالك ارجع أمتى هو انتي ولية أمري ؟! 


استلمت وصلة التعنيف خالتها سميرة بعدما تحدثت عبر الهاتف :

_ والله لما ترجعي يا صايعة يا ضايعة ياللي مش لاقية حد يلمك .. ورحمة أبويا ما أنتي معتبة الشغل ده تاني !! 


ردت ليلة بعصبية دون أن تنتبه لوجودها بقاعة السينما :

_ آه قولوا كده بقا .. كل اللي واجعكم شغلي والوظيفة اللي اتعينت فيها النهاردة، طب والله ما هسيبه مهما حصل. 


تلفظت خالتها بألفاظ وسباب قاسي حتى اغلقت الأتصال ، فنظرت ليلة العيد للهاتف لبعض الوقت ثم اجهشت بالبكاء ويد لوتس كانت تربت على كتفها بمواساة قائلة :

_ ما يهمكيش منهم مايقدروش يعملولك حاجة طول ما أنا معاكي. 


همس رشاد بثقة وابتسامة:

_ يا جااامد ..


لم تنتبه لوجوده لوتس ، وظلت تواسي ليلة وتمسح دموعها ، فقالت ليلة وصوتها يرتعش من البكاء :

_ لو اتلموا عليا هيضربوني زي كل مرة يا لوتس ومحدش هيعرف ينجدني منهم .. طب انا عملت ايه لكل ده ، ده أنا اتعمدت اتأخر عشان ما ارجعش بدري ويتخانقوا معايا ... مين هينقذني منهم ومن أذيتهم وقسوتهم !.... ده كفاية كلامهم اللي زي السكاكين وبيقهرني على نفسي وبيحسسني باليتم ... 


قالت لوتس بقوة :

_ أنتي لازم تمشي من البيت ده وتسكني في شقة تانية بعيد ..


قالت ليلة العيد وهي تبك بحرقة :

_ خايفة منهم لأنهم مش هيسيبوني في حالي .. وخايفة من الناس لو سكنت لوحدي ، وكمان بخاف اقعد لوحدي في مكان مقفول .. أنا عمري ما عشت لوحدي يا لوتس!. 


قالت لوتس بدعم والطموع تملأ عينيها :

_ أنا هقعد معاكي ! 


همس رشاد بخبث:

_ طب ما تيجي تقعدي معايا أنا ، ده أنا وحيد أوي. 


بينما تاه هاكان بكلماتها ووشعر بشيء غامض لم يستطع ادراكه !!!

نظرت لها ليلة بنظرة جانبية وبألم :

_ أنتي هتمشي وتسبيني بعد كام يوم .. ماينفعش ابقى أنانية وأخليكي تفضلي جانبي وتسيبي حياتك ودنيتك .. يعني برضه هفضل لوحدي .. 


اغمضت لوتس عيناها بألم ولم تستطع أن تمنحها املًا لن تستطيع تحقيقه!، فأمر البقاء ليس بيدها على أية حال.

فهمست لوتس قائلة :

_ تعالي نخرج من هنا ..


ولم تنتظر لوتس إجابة ليلة، فقد أخذتها للخارج من القاعة الشبه مُظلمة دون أن تنظر حولها .. 


_________________________________


وبالخارج .. 

جلست لوتس أمام ليلة العيد على الكورنيش وقالت بمحبة خالصة:

_  بصي للجانب الأيجابي .. أنتي دلوقتي قربتي أوي لحلمك ، ومافيش احلام بتتحقق غير بشوية صعوبات ، وبعدين لازم تعتزلي ما يؤذيكي يا ليلة ، والناس دي دمروكي نفسيًا والأفضل تسبيهم وتعيشي لوحدك .. 


نظرت ليلة العيد لتموجات مياه النيل بشرود وعينان تملأها الدموع وقالت :

_ مش عارفة ليه كل مرة بحاول أخد خطوة في حياتي لازم تتهد الدنيا على دماغي .. تطلعلي مشاكل من تحت الأرض، يعني شاهندة أنا ما اتخيلتش أنها ممكن ترجع الشركة .. رجوعها ده مش هيعدي بالساهل حتى لو هي بعيد عني. 


قالت لوتس بزفرة :

_ وأنا للأسف محاولتش اقرأ أفكارها ولا مرة واستهيفتها ، بس حتى لو كنت قرأت أفكارها وعرفت نيتها ، برضه كان لازم تكملي وتحاولي .. 


تنهدت ليلة وقالت بثقل على قلبها :

_ مش عارفة هقدر اتحمل ولا لأ .. من كتر الحزن اللي جوايا طاقتي خلصت.


قالت لوتس بمزحة وبمحاولة أن تلطف الأجواء:

_ فكرتيني بطاقتي .. أنا محافظة على الطاقة اللي معايا لمديرك المغرور .. يدوب هتخليني افهم اللي بيفكر بيه لحد ما مدتي تنتهي ..


رفضت ليلة وقالت :

_ لا يا لوتس .. كفاية كده ، أنا من البداية مكنتش موافقة على اللي بيحصل ، محبش افرض وجودي بالوهم .. خصوصا أنك لما ترجعي للعالم بتاعك هكون لوحدي .. يبقى لازم أواجه الحقيقة كاملة عشان أعرف اتعامل معاها .. هو شخص مغرور ومش مفهوم ، ولكن برضه أحيانا بيبقى منصف وبيدافع عني .. 


ربتت لوتس على يدها برقة وقالت بقلق :

_ أكتر شيء مخوفني أنك اعجبتي بيه فعلٌا ، في حين أنه ...


قاطعتها ليلة بألم :

_ ياريت ما نتكلمش في الموضوع ده تاني .. أحساسي ده ماليش يد فيه صدقيني .. أعجاب شديد فعلا لكن هتخطاه ، خصوصا كمان أنه خاطب .. فأكيد أنا مش بالغباء اللي يخليني أعلق نفسي بالاوهام دي، وما ارضهاش على نفسي أني أحب واحد شايفني ولا حاجة !! .. عمري ما اهين مشاعري وكرامتي بالشكل ده .. أعجاب وهيفضل اعجاب لحد ما يبهت جوايا وينتهي .. 


وافقتها لوتس وكادت أن تتحدث حتى وجدت "حسام" أبن خالة ليلة العيد يتوجه اليهما وبعيناه بعض الشرر والغيظ .. وقطع المسافة الفاصلة بينهما بخطوات واسعة وفجأة جر "ليلة العيد" من معصمها وصاح فيها :

_ بتعملي ايه هنا السعادي ؟! .. قعدالي على الكرنيش للي رايح والجاي يا زبالة !! ..


شهقت ليلة العيد من تلفظه بتلك الكلمة ونفضت معصمها من قبضته بعدما ادركت أن شاهندة خلف مجيئه لهنا واختلاق فضيحة لها !! ...  وهتفت به وهي تبك من الم معصمها وكلماته اللاذعة :

_ يتقطع لسانك قبل ما تجيب سيرتي بكلمة ، روح شوف أخواتك الأول بيعملوا وربيهم قبل ما تيجي تكلمني ، وبعدين أنا قاعدة مع واحدة صاحبتي مش مع واحد !! 


زم حسام شفتيه واشتعل الغضب بداخله حينما ذكرت شقيقتاه ولمحت بما يفعلانه ، فرفع يده وكان سيسقط بها على وجهها ، ولكن منعته يد "هاكان" الذي خرج من سيارته مع شقيقه رشاد بعدما خرجا من السينما منذ قليل وظلا يراقبان الفتاتان بداخل سيارة هاكان... و


#مديري_مستر_فرعون


الفصل الثالث عشر 


شهقت ليلة العيد من تلفظه بتلك الكلمة، ونفضت معصمها من قبضته بعدما ادركت أن شاهندة خلف مجيئه لهنا واختلاق فضيحةً لها !! ...  وهتفت به وهي تبك من الم معصمها وكلماته اللاذعة :

_ يتقطع لسانك قبل ما تجيب سيرتي بكلمة ، روح شوف أخواتك الأول بيعملوا ايه وربيهم قبل ما تيجي تكلمني ، وبعدين أنا قاعدة مع واحدة صاحبتي مش مع واحد !! 


زم حسام شفتيه واشتعل الغضب بداخله حينما ذكرت ليلة شقيقتاه ولمّحت بما يفعلانه، فرفع يده وكان سيسقط بها على وجهها، ولكن منعته يد "هاكان" الذي خرج من سيارته مع شقيقه رشاد بعدما خرجا من السينما منذ قليل وظلا يراقبان الفتاتان بداخل سيارة هاكان... 


وحدج به "هاكان" بنظرة ساخطة غاضبة، ثم أنزل يد حسام بالأجبار وقال بتحذير :

_ أحمد ربنا أن ايدك ما لمستهاش وإلا كنت رميتك تحت أي عربية على الطريق!. 


تطلع به حسام بتعجب وهتف به :

_ وأنت مين بقا ؟! 


زجه رشاد بغيظ وقال بعصبية :

_ أنت اللي مين وعايز منهم ايه ؟ 


اعتقد حسام أن ذلك الرجلان يعتقدان انه غريبًا عن الفتيات ومن متسكعي الطريق، فقال بزفرة غاضبة :

_ أنا أبن عم الهانم وبربيها على تأخيرها .. حد له شوق في حاجة ؟ 


أشار نحو "ليلة العيد" التي لم تنفي ما قاله، فنظر لها هاكان ولاحظ صدمتها التي لم تستفيق منها منذ مجيئه، بينما قالت لوتس بعصبية وقد شجعها على ذلك وجود هاكان :

_ هو فعلًا أبن عمها ، بس مش جاي يربيها زي ما قال ، ده جاي بعد ما اكيد أخته أم غل كلمته وعرفته اللي حصل في الشركة النهاردة .. آه لو ليلة تسيبني عليكم .. كنت قرقشتكم.


غمز لها رشاد وقال بابتسامة ومكر:

_ شرسة .. وأنا بموت في الشراسة. 


نظرت له لوتس بغضب وهتف بوجهه :

_ ما تلم نفسك أنت كمان وإلا ما حد هيعرف ينجدك من تحت ايدي !! .. أنا ست متجوزة وعيب اللي بتعمله ده !!. 


حملق "رشاد" بصدمة فيها وردد بذهول :

_ متجوزة ..؟!!! 


لوت لوتس شفتيها بسخرية :

_ آه متجوزة ... وياريتني اقدر أقولك جوزي يبقى مين لكن ما ينفعش للأسف، يعني اتلم بقا ها .. اتلم!! 


قالت كلمتها الاخيرة وهي تهتف بوجهه في تحذير صريح، بينما تجمد رشاد ولم يصدق أن المرة الوحيدة التي يتعلق فيها بأمرأة بشكل جدي ينتهي الأمر كارثيا هكذا وبأنها أيضا ملكاً لرجلًا آخر !! .. امتقع وجهه وشعر بالعار !. 

ولم يمرر حسام ذلك الأمر عن عقله، وشك أن تلك المرأة لابد وأنها زوجة رجلًا بجهة أمنية .. ولكن كيف أصبحت امرأة هكذا صديقة لابنة عمه الساذجة ليلة العيد ؟! 


بينما عاد حسام يعنف ليلة العيد مجددًا وكأنه يعاتبها:

_ عجبك اللي بيحصل ده ؟! .. أمشي بقا قدامي خلينا نرجع البيت !!. 


التهبت عينان هاكان ولم يستطع تمرير أنها تعيش مع هذا الشاب بمكانً واحد حتى لو بين عائلة !! 

ووقفت ليلة متجمدة من هول صدمتها بوجود هاكان، ومن الخوف من ما ينتظرها بالمنزل .. 

ورغما وجد هاكان نفسه يقول لها بعصبية شديدة :

_ أنتي عايشة فين ومع مين بالضبط ؟!! 


كان يعلم مسبقا إجابتها نظرا لأنه استمع لما قالته بداخل قاعة السينما وهي تبك، ولكنه أراد أن تعترض لرغبة هذا الأحمق وترفض طلبه، فقالت لوتس بالنيابة عنها :

_ لأ .. ليلة مش هتيجي معاك ، هاخدها معايا ومش هتعيش معاكم تاني ، وكفاية بقا عليها كده ، انتوا عيشتوها في جحيم من صغرها وسرقتوا ورثها يا نصابين يا حرامية ، بس اوعدك أني هرجعلها كل حاجة .. انتوا لسه ما تعرفوش أنا مين وممكن اعمل فيكم ايه ..لو كلمت أخويا أو جوزي مش هيخلوا ليكم أثر على وش الدنيا ولا حد هيعرفلكم طريق.


انتاب حسام بعض القلق للثقة المبالغة التي تتحدث بها لوتس ، وشعر بالخطر أن يبدو أي سخرية فيما قالته وتكن صادقة ويصبح في خطر ! ... فتحدث معها بعقلانية :

_ محدش سرق منها حاجة وورثها في أمان لو كانت فهمتك كده يعني ، لكن هي اللي عايشة في دور الضحية وبتصور لنفسها حاجات ما بتحصلش ! .. ومحدش جابني هنا ، كل الحكاية أني قلقت من تأخيرها لانها مش متعودة تتأخر ، لكن من وقت ما اشتغلت ومابقتش ترجع غير الساعة ١١ و ١٢ بليل .. طب ده كله بتكون فين والمفروض ان شغلها بينتهي وقته الساعة ٥ ؟!. 


اجابت ليلة العيد اخيرا وهي تبك بحرقة :

_ أنت كداب ، انتوا سرقتوا ورثي وابوك خد كل حاجة بالتوكيل اللي معاه ، وامك سرقت دهب ماما الله يرحمها وشوفتها بعيني وانا صغيرة يوم وفاة أمي ! ... عيشتوني من طفولتي في جحيم .. عاملتوني على أني خدامة ومخلتونيش اكمل تعليمي رغم اني طلعت الأولى في الثانوية العامة .. كنت بتأخر ومش برجع بعد الشغل عشان عارفة اني هرجع لكلامكم اللي يحرق الدم .. كنت بتعمد ارجع وانتوا نايمين عشان ارحم نفسي منكم .. 


تابعت وهي تبك بانهيار :

_ واللي جابك هنا هو أختك اللي استكترت عليا شغلي الجديد رغم بساطته واهانتني وعايرتني ، أنا لو عدوتكم مش هتكرهوني للدرجة دي !! 


وقبل أن يتحدث أحد كانت ليلة العيد تركض بالطريق وسقطت نظارتها الطبية وهي تركض باكية حتى اصبحت الرؤية أمامها شبه ضبابية ..  وحملقت لوتس فيها بذعر عندما اصطدمت ليلة بسيارة لم تستطع رؤية اقترابها جيدًا وسقطت على الأرض وحولها بركةً من الدماء ... 


وقفت عقارب الساعة أمام هاكان وهو يرى وجهها ملطخا بالدماء هكذا !!. 

 


_____________________________________


وبأحد الغرف السرية بأحدى المعابد الأثرية التي لم يستطع أي احدا اكتشافها للآن ... وقف رجلًا عملاقاً وتبدلت ملابسه المصرية القديمة بلمحة عين لملابس تواكب العصر الحديث ، ومظهرًا لا يلفت الأنظار ويشكك الآخرين فيه ... حتى قال القاضي " نفر  در مون " والد سركن ، بإصرار عاصف وملامج وجه صارمة : 

_ لابد أن أنقذ سركن من الورطة الذي سيزج نفسه بها .. لا يمكن أن اتركه للعقاب ووصمة سوداء في تاريخه وتاريخي لن نستطيع  تحملها .. وليفي بوصية أمه قبل أي شيء ..


خرج "نفر" من المعبد وسار بين الناس متجولًا ومستكشفا كيف اصبحت عليه مصر بعد قرونً أقدم من بدء التاريخ ذاته .. وعزم أن لا يظهر لسركن سوى بقمر ليلة ١٣ حتى يقبض عليه واعادته بالزمن جتى لو رغما عنها .. وتلك الليلة تبقى عليها ٤٠ ساعة تقريبًا ..! 


__________________________________


انتفض "سركن" بفراشه وفتح عيناه بوجه متعرق واعتدل بفراشه بفزع بعد كابوسا مريعا ... ابتلع ريقه وهو يمسح عرق جبينه وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة ، ثم قال بقلق شديد :

_ لا .. مجرد كابوس لا غير ...


هدأت أنفاسه بعض الشيء ثم قال بحسم :

_ لابد أن اتزوج بأسرع وقت .. أشعر أن هناك شيء يحدث دون معرفتي .. 


ترك الفراش القديم وتوجه نحو قارورة ماء وسكب مياهها على رأسه دفعةً واحدة حتى يستعيد طاقته من جديد .. وبعد دقائق كان خارج ذلك المبنى المهجور الذي وجده ملجأ مناسبا له دون أن يراقبه أحد ... وقال لشقاوة الذي ارسل لها طفلا صغيرا كي تأتي له وأتت مسرعة وهي تلهث بقلق:

_ كتب كتابنا بعد بكرا .. حضري نفسك. 


اخفت ابتسامتها بتوتر ثم قالت :

_ حاضر .. بس يعني أنت مش مفهمني حاجة .. يعني هنكتب الكتاب والفرح هيكون بعده بأد ايه ، على الاقل لما الناس تسألني أعرف أرد. 


أجاب سركن بوجه جامد وعينان شاردة للبعيد :

_ هيبقى كتب كتاب وفرح برضه .. كنت عايز اعملك فرح كبير وافرحك ،بس صدقيني لازم نتجوز بأسرع وقت . 


دهشت شقاوة رغم سعادة قلبها ، وسألته بقلق وهي تلاحظ ارتباك عيناه :

_ مالك يا سي غريب ! .. وبعدين أنت قلقتني، ليه لازم نتجوز بأسرع وقت ؟!. 


نظر سركن لعمق عيناها بمحبة وقال :

_ محتاجلك جانبي .. من ساعة ماعرفتك وأنا بقيت خايف لأول مرة في حياتي .. خايف أخسرك ، وخايف تحصل أي حاجة تبعدك عني .. 


ابتسمت بسعادة وقالت :

_ ولا الدنيا بحالها تقدر تبعدني عنك .. ده أنت لو في الآخر الدنيا هعرف أوصلك .. ما تستضعفنيش ، ده أنا شقاوة والاجر على الله .. صلي على النبي كده وفك التكشيرة. 


ابتسم سركن وأجاب بمحبة :

_ عليه افضل الصلاة والسلاة .. 


سألته بتعجب :

_ بس ينفع يعني نتجوز بعد كام ساعة ولسه معرفش حتى اسمك ؟ 


_ فكر سركن للحظة ثم قال :

_ ساهر .. بس تقدري تقوليلي سركن ، الاسم ده ما بينا وبس .. 


عقدت شقاوة حاجبيها بتعجب :

_ سركن !! .. اسم غريب أوي اول مرة اسمعه ، كأنك طالع من مسلسل حريم السلطان ! 


اتسعت ابتسامة سركن وقال بثقة :

_  انا القائد سركن در مون .. القائد المسلم الذي لا يعرف أحدا عنه الكثير .. يخفي أسرار العالم بعقله، امرأة واحدة فقط من ذلّت قلبه اشتياقا وعشقا. 


ضحكت شقاوة وظنت انه يمزج :

_ والله جامد وتنفع تبقى قائد فعلًا .. بس تصدق ياريتك كده بجد .. يلاااهوي .. وابقى أنا بقا البت اللي دوخت قلب القائد اللي اسمه ايه ده .. يوه .. نسيت !!. 


ضحك سركن وقال :

_ اتفقنا .. 


_________________________________


وبمستشفى خاص ..


كانت الدموع تنهمر من عينان لوتس وكمّ تمنت بتلك اللحظة أن القوة السحرية التي معها لو كانت تستطيع أنقاذ ليلة العيد الآن .. ولكن مهما استفحل أي سحر بالعالم فلن يغير مشيئة الله بأيام العمر أو الابتلاءات، وان القوة التي معها محدودة التنفيذ وليس باستطاعة أي سحر بالكرة الأرضية أضافة ولو دقيقة واحدة بالعمر.


بينما عاد "هاكان" مع شقيقه رشاد بعدما أتم حساب المشفى وتكاليف ملف الدخول، ولم يخلو وجهه من الغضب المكبوت والتقطيبة .. واقترب رشاد من لوتس قائلًا بعبوس:

_ ما تقلقيش .. أن شاء الله هتبقى كويسة. 


قالت "لوتس" وهي تبك بحزن شديد :

_ خايفة عليها أوي ، لو لو جرالها حاجة مش عارفة ممكن يحصلي إيه .. ده أنا اعتبرتها بنتي اللي طول عمري بتمناها. 


تعجب رشاد بعض الشيء نظرا لأن لوتس ليست كبيرة بالعمر لتقول ذلك!!، ولكنه تعاطف معها وقال :

_ نستنى ونشوف الدكتور لما يطلع هيقول ايه. 


أغمضت لوتس عينيها بألم حقيقي ورعب ، وبعد نصف ساعة خرج الطبيب من غرفة العمليات وقال :

_ الحالة صعبة ... بس الامل في ربنا كبير. 


سألته لوتس ببكاء :

_ فهمني ليلة فيها ايه ؟! 


أجاب الطبيب بصدق :

_ نتيجة الحادثة كان كسر في الجمجمة ومضاعفات خطيرة ، بس اللي اقدر أقوله أننا عملنا اللي علينا كله .. وبأذن الله تقوم بالسلامة .. ربنا يطمنكوا عليها. 


ذهب الطبيب وهو يعرف أن الحالة أخطر مما فسر ونسبة النجاة تكاد تكون أقل من ١٠٪ .. ولكن مشيئة الله فوق كل مستحيل أو صعاب. 


تهالكت لوتس على المقعد المعدني ببكاء ينفطر له القلب ولم يتردد رشاد بمواساتها، بينما هاكان ظل متجمدًا متيبس الأطراف .. كأن أحد سكب فوق رأسه الواح هائلة من الثلج بشتاءًا قارس!. 

شعر بوخزة بقلبه لم يستطع تفسيرها ! .. وأنين مجهول المصدر! .. ومرت أمام عينيه مواقفها بالأيام الفائتة وهي تدافع عن نفسها، وهي تبك وعينيها تعاتبه، وهي تتحداه وتصر أن تصمد وتتابع الطريق !. 

شعر أن هناك قصة لم تكتمل ! ..  وما كان عليها أن تنتهي بتلك النهاية التعيسة المأساوية !. 


_________________________________


نظر حسام لشقيقته شاهندة التي ضخت بعينيها الشماتة والفرحة بل ورفعت صوت هاتفها بالأغاني وقال بغيظ :

_ هو انتي مافيش احساس كده خالص ؟! ... بقولك اتفرمت تحت العربية واتنقلت المستشفى بين الحيا والموت ؟! ... 


وضعت شاهندة ساقا على ساق وقالت بابتسامة عريضة :

_ وأنا اعملها ايه يعني ؟! .. كلبة وراحت. 


رد حسام بعصبية وشيء من الندم تسرب بداخله:

_ أنا غلطان اني سمعت كلامك وروحتلها ... يمكن ماكنتش بطيقها زيكم بس لما شوفتها في الحالة دي على الاقل صعبت عليا وحسيت بالذنب .. لكن انتوا ناقص تعملوا فرح !. 


ارتشفت سميرة من كوب الشاء الساخن ثم قالت بهدوء مستفز :

_ موتها احسن من حياتها .. على الأقل مش هتدور على ورثها وتعملنا وش وفضايح لما تعرف اللي حصل .. دي كانت هم على قلبي وأن شاء الله ينزاح وتغور في داهية!. 


نظر حسام لأمه بذهول ، ثم قال ولاول مرة يشعر بهذا الكره تجاههم :

_ علمتي أخواتي البنات الجحود والأنانية .. ومش هتعرفي سوء اللي عملتيه دلوقتي ... أنا ندمان وغلطان اني سمعت كلامكم ، وندمان أكتر أني محاولتش لمرة واحدة حتى ادافع عنها طول السنين اللي فاتت  .. ليلة لو ماتت أنا هعيش بذنبها طول عمري وانتوا السبب. 


صرخت امه سميرة بوجهه وسخرت بغضب:

_ ايه ياخويا موجة الضمير اللي لطشتك فجأة كده! ، ده اللي يسمعك يقول الواد من البيت للجامع ياعيني ، مش داير يتسرمح مع كل بنت شوية وتاني يوم يعرف غيرها وعاطل ومالكش قيمة في الحياة !! ... روح أنصح نفسك يا ولا قبل ما تقف قدامي والا أنت عارفني لما بغضب على حد !. 


ابتلع حسام سيل شديد من الردود العنيفة ، ورماهم بنظرة غاضبة وخرج من الشقة !... فنظرت شاهندة أمامها وقالت بابتسامة :

_ ده اللي حصل ده جه في مصلحتي أوي أوي .. 


ردت سميرة وقالت بشماتة :

_ في مصلحتنا كلنا قصدك .. أهو كده مافيش حد هيوجع دماغنا ويقولنا الورث ومش الورث .. اتحلت بدون مجهود. 


ويبدو أن سميرة وأبنتها اجزموا أن ليلة العيد انتهت وأنتهى أمرها وقصتها للأبد لصعوبة الحادث... ولكن أرادة الله هي النافذة أولًا وأخيرًا ... 


____________________________________


وأمام المشفى .. 


ركضت "لوتس" نحو شقيقها "سركن" بالشارع الجانبي للمشفى وارتمت على صدره باكية .. وربت على كتفيها سركن وهو على علم بما حدث لذلك أتى إليها ... وقال بلطف :

_ أهدأي يا حبيبتي ، لا تبكِ أرجوك .. أكره أن أراكِ هكذا. 


وأجابت لوتس ببكاء وهي تنتفض على صدره :

_ أبنتي ستموت يا سركن .. ليلة اصبحت أبنتي منذ مجيئي لهنا ، أحببتها كما لو كانت أبنتي بالفعل ، قلبي يصرخ من الألم. 


قال سركن ليطمئنها :

_ اقتربت ليلة الثلاثون من هذا الشهر .. أن لم تتعافى هنا سنأخذها معنا لزمننا .. لدينا بالمملكة أدوية واجراءات طبية لم يصل اليها الطب الحديث! ..  وعلى ثقة أنها ستتعافى .


توسلت اليه لوتس :

_ لماذا ننتظر يا سركن إذا! .. نعود الليلة. 


رد عليها سركن بتنبيه :

_ ستكون مخاطرة كبيرة يا لوتس .. أتيت لهنا بختم ملكي من الوزير الأول وهو زوجك .. والعودة أيضا تحت أذنه وأشرافه بالموعد المحدد والليلة الثلاثون حتى نعود دون أن ينكشف أمرنا من أبناء الشيطان .. 


شعرت لوتس بالألم الشديد ثم قالت ببكاء:

_ اخبرني ما علي فعله لأنقذها ؟


ضمها سركن برقة وقال :

_ سأحاول فعل أيرشيء بهذا الأمر .. حتى لا أرى الدموع بعينيك مرةً أخرى. 


جملته جعلتها تطمئن بعض الشيء، فهي تعرف أن شقيقها عندما يريد شيء سيفعل قصارى جهده لكي يتمه!. 


بينما اختار سركن في أخبارها عن أمر زواجه، رغم انه على يقين أنها ستعارض أيضاً .. ولكن بحالتها البائسة هذه لم يكن عليه فعل اي شيء سوى أنه يحاول أن يطمئنها على تلك الفتاة .. 


__________________________________


ومرت الساعات .. وأنقضى الوقت الذي من المفترض أن تستفيق فيه "ليلة العيد" من غيبوبتها .. ولكن لم يحدث أي تحسن بحالتها .. واصبحت جثة هامدة تتنفس فقط بلا حراك أو حياة !. 

وهذا جعل لوتس تنهار من البكاء وهي عاجزة عن فعل أي شيء .. 


وشعر هاكان الذي لم يترك المشفى أنه فقد شيئا ثمينا لن يستطيع تعويضه بسهولة .. لم يعرف أو يدرك ما هو هذا الشيء تحديدًا .. ولكن كان شعوره قاتلا وغامضا بآنّ واحد .. 


وبغمر شروده وتيهته وجد " لورا" تتوجه اليه بممر المشفى، صدم لوهلة، ثم زفر بعصبية شديدة من ظهورها لهنا فجأة ، وعندنا اقتربت منه لورا قالت :

_ هي كويسة ؟ .. أنا أسفة لحضوري بس لما ما ردتش عليا اتصلت برشاد وعرفت .. وبصراحة زعلت جدا وجيت على طول عشان اتطمن عليها. 


 تعجب "هاكان" من لطفها المثير للشك ، ولكنه رد باختصار :

_ ادعيلها. 


ضيقت لورا عينيها بدهشة من حالته تلك وكأن تلك الفتاة فردا من عائلته، ومن إجابته أيضا الغير واضحة ، فسألته باهتمام مزيف :

_ هي عاملة ايه دلوقتي ؟! 


أتى رشاد وبيده أكياس كبيرة وبداخلها بعض الأطعمة الشهية وأجابها عندما سمع سؤالها :

_ للأسف حالتها ساءت عن امبارح وعدى الوقت ومفاقتش .. ربنا يستر. 


وتوجه رشاد نحو لوتس المنتفخة عيونها من البكاء :

_ أنتي مأكلتيش خالص من امبارح .. لازم تاكلي والا هتقعي من طولك كده !!. 


هزت لوتس رأسها برفض شديد وانهيار :

_ مش قادرة .. مش قادرة ، ولا هقدر اكل غير لما اتطمن عليها. 


حاول رشاد بكل قوته أن يقنع لوتس ولكنها رفضت وبشدة، بينما قالت لورا لهاكان بتعاطف مزيف:

_ أنا هفضل معاك هنا وبإذن الله مش هنمشي غير لما نطمن عليها .. 


حاولت أن تبدو لطيفة وذو قلب طيب، ولكن هاكان كان يعرف أنها تتظاهر فقط .. فتجاهل وجودها وظل واقفا وتائها بالفكر منتظرا أي تطورات تحدث ..


_____________________________________


وقبل ساعات الليل ذهب "سركن" لأنقاذ تلك القطعة الأثرية النادرة، بعدما خطف سارقها رفاعي وأجبره ضربا أن يعترف على مكانها .. وعندما وجدها بمكان قريب من منطقة المقابر القاه سركن بـ" خرابة" بعيدة عن الحارة الشعبية وهو غارقا بدمه من شدة ما تلقاه من غضب سركن .. وعاد الى مسكنه بالمنزل المهجور وأخفى تلك القطعة بمكانً سري لن يستطع اكتشافه أحدًا .. واستعد لعقد قرانه. 


وأتى الليل أخيرًا ودقت الساعة الثامنة مساءًا .. 

وبين جمع متواضع بشقة شقاوة ارتفعت الزراغيد من فم سماح عندما أعلن المأذون أتمام الزيجة على خير ... 

وابتسم سركن بنظرة عميقة بعينان شقاوة التي طلّت بأبهى زينتها وبفستان أبيض اهدته لها سماح صديقتها بتلك الساعة الفائتة .. 

وأخذ سركن بطاقته الشخصية الذي جهزها بطريقة سرية منذ أول ساعة وطأت قدماه هذا الزمن حتى لا ينكشف أمره بأنه مجهولًا ويبدأ البعض البحث عنه .. وكان اسمه بتلك البطاقة "ساهر عبد الله " .. "مسلم" و "أعزب" ... 

وأن كان غيّر اسمه ببطاقته الشخصية ، فأنه لم يكن كاذبًا بدينه .. فقد اسلم سركن منذ عدة سنوات، عندما اتصل بالأزمنة المختلفة وشاهد جميع العصور التي مضت ودرس كل شيء فيها .. حتى نطق الشهادتين واصبح مسلما موحدا بالله وبدأ بحفظ القرآن الكريم بعد ذلك .. ولكن لم يكن أحدًا يعلم بذلك الأمر ... 


بدأ الجمع بتقديم التهنئة والمباركات واصبحا الآن رسميا زوجان ... ودون كلمات أخذ سركن زوجته شقاوة وتوجه للخارج، فسألته شقاوة بتعجب :

_ رايح فين ؟!


نظر لها بنظرة جانبية ماكرة وقال :

_ اصبري نص ساعة وهتعرفي ..


ابتسمت شقاوة واحمر خديها من الحياء، وتعالت الزراغيد بقوة عند خروجهم من المبنى والناس يلتفون حولهما بالمباركات .. 

وأشار سركن لشقاوة باتجاه سيارة أجرة تقف على بعد مسافةً قصيرة منهما .. وقال :

_ التاكسي ده مستنينا .. 


وتوجهان نحو السيارة التي سارت بهما بعد قليل بالطريق .. ارتجفت شقاوة من الحياء والابتسامة لم تفارق محياها ، وبعد نصف ساعة بالتمام وقفت السيارة أمام مراكب نيلية "لانش"  تتأجر بالساعة أو اليوم .. وقال سركن هامسا لها بابتسامة ونظرة ماكرة عندما خرجا من السيارة الأجرة :

_ دي المفاجأة ..


فغرت شقاوة فمها بدهشة، ثم قالت بصياح وضحكة وهي تكاد تقفز على الارض كالاطفال:

_ يلاهووي .. لانش!! ، يعني هقضي شهر العسل على النيل كده ! .. ده ولا في الأحلام يا ولاد !!. 


كان اللانش جاهزًا ومعدا من مالكه له بحجز منذ الأمس ، فحملها سركن وصدمت شقاوة لتلك الحركة المفاجئة ودفنت رأسها من الحياء بصدره .. 

وعندما وضعها باللانش وحركه بمهارة عالية نظرت له شقاوة بحياء شديد، ثم هربت بعينيها ونظرت للمياه الجارية ، ونزل سركن لكابينة بالأسفل لبعض الوقت وتركها بعدما ابتعد اللانش عن مكانه .. 


وبعد قليل صعد مجددًا وتفاجئت شقاوة انه بدل ملابسه الأنيقة لملابس أكثر ارياحية .. فقد ارتدى بنطال وتشيرت أسودان جعلاه يبدو فاتنا لدرجة متوحشة .. 

وجذبها اليه حتى وقفت ثم همس بابتسامة :

_ في مفاجئة تانية ...


وحملها مرةً أخرى وهبط بها للكابينة المغلقة .. وشعرت شقاوة ببعض الخوف نظرا للظلام الدامس .. ولكن حينما وضعها على الارض لتقف بثبات ذهب وأضاء بعض الشموع الثابتة بشمعدان ذهبي على منضدة .. ثم نظر لعينيها بعشق واقترب لها :

_ أجمل ليلة في عمري ..


ابتسمت شقاوة بعيون دامعة وهي تنظر لعيناه التي تقترب ، وسألته بقلق :

_ هو أنا بجد بقيت مراتك ولا أنا بحلم ؟! 


اشتدت ابتسامته لها وهمس بأذنها بعدما جذبها لصدره العريض :

_ مراتي وحبيبتي .. حبيبة القائد سركن در مون .. عشقي وجنوني ..


همس بتلك الكلمات بعشق شديد وهو مغمض العينان مبتسما بسعادة مفرطة، وعندما فتح عيناه وكانت ستبدأ أولى أيامهما معا كزوجان في حلال الله ورضاه .. تجمد سركن عندما ظهر أمامه شيء جعل يده تترك شقاوة وتجمد سعادته وأشتياقه العنيف لحبيبته و....


____________________________


# مديري_مستر_فرعون



الفصل الرابع عشر 


همس بتلك الكلمات بعشق شديد وهو مغمض العينان مبتسما بسعادة مفرطة، وعندما فتح عيناه وكانت ستبدأ أولى أيامهما معا كزوجان في حلال الله ورضاه .. تجمد سركن عندما ظهر أمامه شيء جعل يده تترك شقاوة، وتجمدت سعادته وأشتياقه العنيف لحبيبته واصبحت عيناه ضيقتان وملتهبتان كالجمر من الصدمة والغضب المستعر خلفها، فهو يعرف معنى أن يأتي والده القاضي الكبير " نِفر مون " بنفسه بتلك المهمة الكارثية بالنسبةً له، وقبل أن ينطق سركن نفخ والده شيء بقبضته كمسحوق النشا عبارة مادة كميائية بها مخدر نفاذ المفعول استطاع علماء المملكة المصرية صناعته عبر مختبراتهم العلمية و السرية الخاصة بالمملكة حتى لا يتم سرقة علومهم من اللصوص والأعداء.

وانتشر ما بقبضته من مسحوق مخدر نحو سركن الذي هوى أرضاً فاقدًا للوعي خلال ثوان وبجانبه ارتمت "شقاوة" التي باتت كالجثة بغمضة عين !!. 


وقف "نِفر مون " ناظرًا لهما بنظرة حادة وبدأ بتنفيذ مهمته بالقبض على أبنه سركن بتلك الطريقة، وإلا ما كان سيستطيع السيطرة عليـه!. 


_____________________________________


وبالمشفى الخاص ..


شعرت "لوتس" بهزة عنيفة بقلادتها وظنت أن شقيقها "سركن" قد وجد حلًا ، فأستغلت ذهاب هاكان ورشاد مع الطبيب المعالج لحالة "ليلة العيد " واسرعت بخطوات واسعة وخرجت من المشفى بحثا عن سركن .. 

ولكنها عندما خرجت من المشفى للطريق وعينيها تجوب هنا وهناك ، وجدت يدًا تجذبها بطريق جانبي مُظلم بعض الشيء ، وشهقت لوتس بفزع عندما وجدت والدها  القاضي الكبير "نِفر  مون " أمامها مباشرةً وعينيها تنظر لعيناه الحادة ... وتمتمت بذهول وخوف :

_ أبي ..؟!


رد "نِفر مون" وقال مختصرًا جدالا طويلًا :

_ لم ولن أفعل معك مثلما فعلت مع سركن ، هيا معي دون جدال.


نزفت عينان لوتس بقوة وقالت برجاء :

_ أبي .. لن استطيع المجيء معك الآن .. ارجوك ...


قطع حديثها والدها بغضب :

_ ماذا ؟! ... هل تدركين ما عاقبة الأمر ؟! 


ابتلعت لوتس ريقها بصعوبة وقالت وهي تتوسل له ببكاء:

_ أبي ارجوك .. هناك فتاة مسكينة ملقاة بين الحياة والموت الآن وبهذا المشفى ... تلك الفتاة اكرمتني عندما وجدت نفسي بزمانً آخر تائهة شاردة، تلك الفتاة يتيمة وأحبتتها كأبنتي .. ارجوك يا أبي اتركني حتى أتطمئن عليها فقط.


اومأ والدها رأسه رافضاً وقال بحسم :

_ لن استطيع العودة بدونك .. ولكن ..


قالت لوتس سريعا وبرجاء شديد:

_ أتركني معها .. أو نأخذها معنا .. نعرضها على أطباء المملكة ، حالتها خطيرة جدًا ويأس الأطباء من شفائها ...


وقف والدها دون ردا حتى ارتمت لوتس على صدره بتوسل وبكاءً شديد :

_ أرجوك يا أبي لا تحرمني من أبنتي. 


تنهد والدها بضيق شديد، فأبنته لوتس نقطة ضعفه الوحيدة فقال بنبرة أهدأ قليلًا:

_ هذا ممنوع يا لوتس .. صدقيني يا أبنتي ...


أنهارت لوتس وظلت تردد ببكاء انفطر له قلبه:

_  لم أرزق بطفل واحد يسد لوعة أمومتي ، وعندما اصبحت أما لفتاة أحببتها من كل قلبي أنت يا أبي بقرارك هذا ستحرمني منها للأبد ... لن أستطيع العيش بدون أبنتي ، لن أستطيع ، خذني كيفما شئت .. ولكني لن اسامحك أبدًا. 


ودخلت "لوتس" بنوبة بكاء شديدة وصادقة، حتى قال والدها بحدة :

_ سنأخذها معنا .. كفى بكاء. 


نظرت له لوتس بابتسامة عبر دموعها ثم ارتمت على صدره من جديد وضمته بكل قوتها مرددة:

_ أحبك أبي .. أحبك. 


ابتسم "نِفر مون" وربت على كتفها قائلًا :

_ سأعاتبك على أشياءً كثيرة .. ولكن ليس هنا.  


مسحت لوتس عينيها ثم قالت :

_ هل قابلت سركن ؟ .. أنه ينتظر ليلة الثلاثون حتى نعود بسريةً تامة .. هل بعودتنا مخاطرة يا أبي ؟ 


أجاب والدها بصدق :

_ نعم هناك مخاطرة كبيرة .. "زركشين"  لن يمرر الأمر دون مكايد وإشاعاتٍ مغرضة ستنتشر بين الناس حقدًا على سركن .. أنتِ تعرفين كم من عدو يتربص لبلادنا العظيمة يا لوتس .. 


شعرت لوتس بالقلق لأن والدها تعمّد عدم الإجابة على نصف سؤالها الأول .. ويبدو أن هناك شيء لا تعرفه عن شقيقها !!. 


وأضاف "نِفر مون" :

_ قبل طلوع الشمس سنكون بزماننا ..


__________________________________


وقف رشاد أمام شقيقه "هاكان" وقال بضيق أمام غرفة الطبيب المُعالج :

_ طالما وصلت للمرحلة دي يبقى هي كده تقريبًا خلاص يا هاك .. في عداد الأموات. 


رد "هاكان" رافضاً تلك الفكرة التي تخنق أنفاسه بوحشية :

_ لأ في أمل بإذن الله .. مش حاسس أنها هتخلص كده !. 


ضيّق رشاد عيناه ولم يفهم الجملة الأخيرة فأستفسر :

_ تقصد ايه ..؟!


أجاب هاكان بعصبية :

_ أرجع انت البيت وفهمهم اللي حصل وأني هضطر افضل هنا لحد البنت ما تفوق .. ما تنساش أني كنت جزء من اللي حصل !. 


نفى رشاد الأمر و رد برفض تام:

_ ما تحملش نفسك ذنب ما عملتهوش ! .. أبن عمها هو السبب ، عيلتها كلها هم السبب أصلًا في اللي هي فيه دلوقتي !... 


زفر هاكان بنفاد صبر ولم يعد يطيق الحديث أكثر من ذلك :

_ ارجع البيت واعمل اللي قولتلك عليه .. وتابع الشغل لحد ما أرجع. 


للحظة تعجب رشاد من حالة شقيقه ومدى التعاسة التي تملأ عينيه !! .. ولكنه أطاع الأمر وغادر المشفى، وعندما عاد للوتس لم يجدها بالممر !!..

وبتلك اللحظة قرر أن يدخل الغرفة التي توضع فيها "ليلة العيد" تحت رقابة الأجهزة الطبية ورأسها ملتف بالشاش الأبيض المعكر ببقعة دماء واضحة .. 

وحينها أتت ممرضة واعترضت على وجوده ولكنه استئذن لدقيقتان فقط، فظنت الممرضة أنه أحد أقاربها فتركته يطمئن عليها ....


اقترب "هاكان" لها وهمس قائلًا وعيناه تنظر لوجهها الشاحب كالأموات :

_ كنت حاسس طول الوقت أن كان في حاجة بتجذبني ليكي مش فاهم هي ايه بالضبط .. بس دي نفس الحاجة اللي وجعاني أوي كل ما أتخيل أنك ممكن تبعدي للأبد .. أنا مش عارف ليه قلبي واجعني بالشكل ده عليكي .. بس بمنتهى الصدق أنا بتمنى من كل قلبي أنك تفوقي وتعيشي وترجعي يا ليلة .. ترجعي ليلة العيد .. البنت البسيطة الطموحة رغم الظروف ، وعلى فكرة أنتي ما وفتيش بوعدك أنك هتنجحي وتحققي حلمك وتشرفيني .. أنا مستنيكي يا ليلة العيد ترجعي بالسلامة وتكملي طريقك .. 


ابتلع هاكان ريقه بصعوبة وأضاف بصدق شديد :

_ معتقدتش أن ساعتها حد ممكن يفرح قدي والله .. 


اقترب "هاكان" خطوة أكثر لها وقال بهمس عندما وجد دمعة تسيل من جانب عينها النائمة:

_ أوعدك لو قومتي بالسلامة أن شاء الله .. مافيش مخلوق هيقدر يزعلك تاني أو يخوفك، هتبقي مسؤولة مني لوحدي .. وده وعد. 


ظل "هاكان" ناظرًا لها بصمت حتى عادت الممرضة وطلبت منه الخروج من الغرفة .. وعندما خرج للممر ظل لعدة دقائق حتى عادت لوتس .. وبدا عليها الشرود وبعض التيهة عندما جلست على المقعد المعدني .. والأغرب أنها كانت تنظر بساعة معصمها كثيرًا وكأنها تنتظر شيء بلهفة!!. 


________________________________________


ومرت الساعات ثقيلة .. حتى دقت الساعة الثانية بعد منتصف الليل .. 


وبعدما غاب هاكان لبعض الدقائق عاد محملًا ببعض الاطعمةً لها خصيصاً، وقال :

_ أنا شايف أنك افضل شيء ترجعي بيتك ترتاحي شوية وأنا هفضل هنا ما تقلقيش. 


رفضت لوتس وقالت بمرارة :

_ ارتاح ؟! .. وهجيب الراحة منين وبنتي في الحالة دي ؟! .. وكمان المفروض انك أنت اللي ترجع بيتك وترتاح .. أنت هنا من امبارح !! .. لكن أنا ماينفعش أمشي وأسيبها لوحدها .. اديك شايف بنفسك .. مافيش حد من عيلتها فكر حتى يجي يشوفها ولو خمس دقايق !. 


رد هاكان بعصبية :

_ من حسن حظهم أني ما شوفتش حد فيهم لحد دلوقتي .. 


فكرت لوتس في شيء ثم قالت له برجاء :

_ بعد أذنك في نوع علاج باخده ومحتاجاه ضروري وللأسف سألت عليه هنا في المستشفى ملقيتهوش موجود وخلصان .. ممكن تجيبهولي ؟ 


وافق هاكان وطلب منها اسم الدواء ، فأخبرته لوتس اسما لقار طبي وهمي ، وذهب هاكان ليأتي به من الصيدلية القريبة من المشفى .. ومر قرابة النصف ساعة بسيارته حتى عاد بعدما بحث بعدة صيدليات ولم يجد دواءً بذلك الاسم ... 


ولكنه صدم عندما وجد جمع من الممرضات والأطباء يقفون أمام غرفة ليلة الطبية ويبدو عليهم الذهول والقلق !! 


تجمد "هاكان" بمكانه وهو يقف بجسد متخشبا من الصدمة بعدما ظن أن ليلة العيد قد رحلت !... وجرت مرارة وغصة قاتلة بقلبه .. ولكنه خرج من صدمته عندما هتف مدير المشفى بطاقم التمريض وبعض رجال الأمن :

_ البنت أختفت يعني ايه ؟! .. مريضة في حالة خطيرة زي دي أزاي تختفي من غير ما حد يحس بيها ولا أمن المستشفى يشوفها !! .. انتوا عارفين ايه ممكن يحصل فينا كلنا دلوقتي ؟! 


استطاع"هاكان" أن يتحرك واسرع نحو التجمهر وسأل أحد الرجال، فأجابه الآخر بقلق :

_ حاجة غريبة أوي .. والله لسه شايف الست اللي كانت هنا معاها من دقايق ومكنش في اي حاجة غريبة والمريضة كانت موجودة .. ايه اللي حصل بعد كده مش عارف !! . 


صدم هاكان للمرة الثانية وتملّكه الغضب :

_ يعني ايه مش عارف ؟! .. 


سأله مدير المشفى بأنفعال :

_ وأنت مين ..؟! 


لم يجد "هاكان" إجابة منطقية يجيب بها ، فقال بغضب :

_ قريبها ومسؤول عنها وأنا اللي جبتها هنا .. أنا عايز أعرف دلوقتي ليلة راحت فين والا هقلب الدنيا عليكوا ؟


حاول مدير المشفى أن يمتص غضبه فقال :

_ لو سمحت اهدأ .. ارجوك ، وأن شاء الله هتطمن عليها .


وقبل أن يرد" هاكان " كان مدير المشفى يطلق أوامره للحرس والأمن أن يغلقوا مخارج المشفى وينتشرون بحثا بكل زاوية بالمشفى في الحال ويفرغون محتوى الكاميرات لمعرفة كيف حدث ذلك!!. 


_______________________________________


وبالقرن التاسع عشر قبل الميلاد ...

وقبل طلوع الشمس بساعةً واحد .. عادت لوتس برفقة والدها وشقيقها المخدر كليًا وبجانبه ليلة أيضا لزمانهم القديم .. ويأست لوتس أن تعرف السبب في تخدير شقيقها سركن لتلك الدرجة المقلقة .. ولكن رفض والدها "نِفر مون " أن يجيب والتزم الصمت خلال رحلة العودة السرية.


وبمجرد أن عاد "نِفر مون" لمنزله الحجري المليء بالسجلات التاريخية نظرًا لمكانته ككبير القضاة !.. وأمر جنود أن ينقلوا ليلة العيد لحجرة خاصة ويرسلون في احضار فريق طبي من أطباء المملكة .. 

بينما حرص "نِفر مون" أن ينقل سركن بنفسه ودون أن يكتشف احد الأمر لحجرة أخرى بعيدة ويتعامل مع امر إفاقته بنفسه في سريةً تامة .. 


وبعدما استفاق "سركن" من غفوته فتح عينيه ببطء ، وبعد دقيقتان عندما استعاد وعيه انتفض من فراشه بذهول وهو ينظر حوله كأن لامسه صاعق كهربائي !!..


لكي يجد صوت والده القوي يقول :

_ لم يكن هناك طريقةً أخرى لأنقاذك .. 


نظر سركن لوالده بصدمة عنيفة، ثم بدأ يطرق على الجدران الحجرية بغضب عنيف وهو يهتف :

_ لماذا فعلت ذلك يا أبي لماذا ؟! ... فعلها زوج شقيقتي وأخبرك أليس كذلك ؟! ... لن اسامحكما أبدًا على ما فعلتماه بي .. لن أنسى ولن أغفر فعلتكما مهما حييت .. 


رد "نِفر مون " بصرامة :

_ زواجك من خارج المملكة بنظري يعد جريمة لابد أن تعاقب عليها .. فما الحال وأنت فعلت فعلتك وتزوجت من فتاة مجهولة بزمان آخر وضربت جميع القوانين بعرض الحائط !! .. أنسيت من أنت أيها القائد العظيم ؟!! 

هل نسيت وعدك لي بأن تتزوج أبنة مستشار الملك" كيا تي " ؟ 

هل نسيت أنني التزمت بوعدًا لأبيها بأنها ستكون زوجتك ؟! 


التهبت عينان سركن كالجحيم من ضغط الغضب على قلبه :

_ لم اعدك بشيء .. أنت من اتخذت عدم جدالي بالامر ورفضي الغير صريح كموافقة !! .. تلك الفتاة التي الأن لا أعرف كيف حالها هي زوجتي .. وستظل كذلك ، وأن لم تكن لي ، فلن أكون لغيرها ..

ووعدك لأبيها لم يكن بموافقتي يا أبي .. 


وقف "نِفر مون" أمام أبنه وقرر أن الجدال والاجبار لم يجدي أي نفع فقال بهدوء مريب :

_ أهدأ أولًا يا سركن .. وعد كما كنت القائد سركن العظيم ، وبعدها لنا حديثا آخر ..


خرج والده من الحجرة الحجرية وترك سركن يكاد يجن جنونه من الغضب ، وظل يضرب الجدران بعنف وغضب كلما تخيل ما هو حال حبيبته الآن !!. 


_______________________________


وبحجرة لوتس ... 


وقفت بكامل هيئتها وزينتها تستعد لأستقبال زوجها الوزير الأول "حات حوت " .. تبدو ثابتة تماما، بينما قلبها يرتجف بجنون أشتياقا وقلقا .. 


ظلت بأنتظاره كثيرًا حتى خرج من حجرة والدها بعدما ظلا بتحدثان كثيرًا عقب وصوله ، وبعد ذلك توجه نحو غرفتها مباشرةً .. 

وعندما فتح باب الغرفة دخل بوجه جامدًا متخشبًا جعل لوتس تبتلع ريقها بخوف .. 


أغلق "حات" الباب خلفه ووضع يده خلف ظهره بحركة عسكرية خالصة ثم نظر لها بصمت نظرة عميقة وحادة .. 


ازدردت لوتس ريقها ثم اجهشت بالبكاء وقالت :

_ أعرف أنني اخطأت وصدقت أكاذيب ساحرة العبيد .. ولكني أحبك بجنون ولن استطيع أن اتخيل حتى أنك مع امرأة غيري.. عقبت بما يكفي الفترة الماضية فلا ... 


وصمتت لوتس عندما وجدته يقترب منها بخطوات مدروسة وهتف بها:

_ تابعي ..


امتلأت عينيها بالدموع كالطفلة وقالت برجاء :

_ لم اعتاد منك القسوة ..


جرها حات من معصمها اليه وقال لعينيها بعشق :

_ وكم مرة قسوت عليكِ يا مدللة قلبي العنيدة .. 


وأخذها بعناقا شديد وهمس قائلا بمحبة:

_ أنتِ الوحيدة التي لم أقسو عليها سوى بمحبتي يا لوتس ، كنت حين غيابك أفتقد روحي الغائبة عني .. 


مسحت لوتس عينيها من الدموع وقالت بضحكة :

_ كنت أعرف .. ربحت الجولة يا زوجي العزيز. 


ابتسم حات وقال بموافقة :

_ أنتِ الرابحة للأبد .. وأنا العاشق الخاسر دائمًا أمام عينيكِ، كنت أريد تعنيفك ولكني تراجعت كالعادة .. 


نظرت له لوتس بعشق وقالت بقسم:

_ لن ادع مخلوق يشككني بك مرةً أخرى .. أعدك. 


وعاتبها حات حوت لبعض الوقت برفق ولين، ثم سألته لوتس عن الأمر الغامض الذي جعل والدها يفعل ذلك مع شقيقها سركن، فصمت حات حوت لبعض الوقت ثم أجاب :

_ لا تقلقي على سركن فأنه بخير تمامًا .. كل ما بالأمر أنه كان يريد الأنتظار حتى الليلة الموعودة .. ووالدك رفض ذلك فقرر أن يأتي بكما دون جدال سركن .. 


اقتنعت لوتس بتفسير زوجها للأمر وقالت بقلق والم :

_ قلبي يؤلمني على ليلة ... اصبحت كأبنتي تمامًا يا حات .. 


وضع حات حوت اصبعه برفق على ثغرها وقال متفهما :

_ والدك أخبرني بكل شيء وأوافق على مجيئها لهنا طالما هذا الأمر سيطمئن قلبك ويجعلك بخير .. وسأبشرك قريبًا بشفائها .. 


ضمته لوتس بقوة وقالت :

_ أتمنى ذلك  .. أحببتها بكل قلبي حقا. 


عاتبها حات ونظر لها بمكر :

_ لا .. غير مسموح لكِ أن يمتلأ هذا القلب سوى بي وحدي .. 


ابتسمت له بمحبة شديدة ثم قالت :

_ وسيظل قلبي لك للأبد .. 


___________________________________________


ضرب الهواء البارد ملمس بشرتها وفتحت عينيها ببطء والم ، ثم وجدتها نفسها ملقاة على رمال الشاطئ بملابس مبتلة ويبدو من التجمع حولها أنها كانت غارقة وتم أنقاذها !! .. اسندت شقاوة مرفقيها على الرمال وحاولت أن تنهض ولكن انتشر الم برأسها شديد فصرخت !. 


ثم استوعبت تدريجيا أمرها .. نظرت حولها بهلع وصرخت بدموع وهي تنظر للجميع وتبحث عن سركن ، وهتفت وهي تركض بين الجموع :

_ يا سي غريب ..؟! .. أنت روحت فين ؟! 


شعرت بدوار شديد ولكن تابعت بحثها وبحثت عنه على الشاطئ وسط الجموع وهي تهتف باسمه ، ولكن ما من مُجيب ؟! .. فقال أحد الرجال :

_ غريب مين ده ؟! .. أحنا لقيناكي مغمى عليكي قدام الكابينة دي ومية الشط مغرقاكي .. مافيش حد كان معاكي اصلًا.  


ضربت شقاوة على رأسها وقالت :

_ يا مصيبتي يمه .. ليكون حصله حاجة !! .. 


نظر الرجال لبعضهم ثم قال رجلًا كبير فيهم :

_ قومي معايا يابنتي .. قومي ربنا يسترها على ولايانا ..


نظرت شقاوة للرجل بذهول لظنه فيها ، فصرخت بجنون :

_ ده جوزي يا ناس .. والله العظيم جوزي وفرحنا كان امبارح .. وكنا على مركب امبارح بليل ...


رد أحد الرجال بشك :

_ ومين اللي رماكي ياست قدام الكابينة كده وأنتي فاقدة الوعي !! .. 


ونظر الرجل بتمعن لملابسها الملطخة بالرمال المبتلة وبحالة يرثى لها .. ثم نظر لها بنظرة ذات معنى جعلت شقاوة تضرب على وجهها بقهر وبكاء :

_ أنت فين ياسي غريب .. أنت فين تنجدني من لسنة الناس !... ربنا يسلمك من كل مكروه يارب وترجع .. 


ظل الأعين تنظر لها بشفقة والبعض ينظر لها بالظنون السيئة !!.. 

حتى اسرعت شقاوة نحو المياه وقالت وهي تحاول أن تلقي نفسها بها بأنهيار:

_ يا مصيبتي ليكون حصله حاجة وغرق .. 


أوقفها بعض الرجال وهتف بوجهها أحدهم :

_ يابنتي ما تفوقي من اللي انتي فيه .. ولما هو غرق مين اللي رماكي الرامية دي وانتي بتقولي كنتوا على مركب !! .. ولا هي المايه هتشيلك وترميكي لحد الكابينة بالذات !!.


فهمت شقاوة ظنون الرجل فصرخت بوجهه :

_ بقولك ده جوزي مش واحد ماشية معاه يا راجل انت !! ...


ولكن تفاجأت شقاوة بالمركب التي كانت بها الليلة الفائتة واشارت لها بصراخ، وذلك أكد ظنون الرجال وقال أحدهم بسخرية :

_ يعني المركب رجعت في مكانها المعتاد وانتي هنا ولسه شاكة انه غرق !! 


ومن شدة صراخها ابتعد الناس عنها وسقطت شقاوة على الرمال بصراخ وبكاء يشق القلوب .. ثم قالت بقهر :

_ هروح أقولهم ايه في الحارة ؟! محدش هيصدقني ... يا مصيبتك يا شقاوة ... 


وظلت تضرب على رأسها بصراخ .. ثم قالت برفض :

_ لا .. هو اكيد حصل حاجة وراجع .. اكيد هو بخير .. 


وظلّت جالسةً على الرمال تنظر للمياه بتمنّي ورجاء أن يعود ...


____________________________________


زادت أنفاس سركن بعنف وضرب رأسه بكلتا يديه بعنف كي يمنع صورتها المؤلمة بمخيلته وحبيبات العرق تنزف من جسده بغزارة من فرط الغضب، ثم صرخ بكل قوته بغضب شديد .. وقد توقع ذلك والده لذلك أبعده بحجرة لن يستطيع أحد استماع ما بداخلها .. بينما هو الآن كالوحش المفترس المُقيّد بالأغلال الحديدية. 


الآن لن يستطيع الوصول اليها ، فهي بزمانً آخر ، والاقتراب منها يعتبر جريمة لن تغتفر!!..

ردد سركن بقلب يصرخ :

_ لن اسامح أبدًا يا أبي .. لن اسامحك. 


بينما وقف والدها خارج الغرفة يقول بثبات :

_ ستغضب وتغضب وتغضب .. ثم تنفعل وبعدها تهدأ .. وأخيرًا ستصمت !. .. هكذا هي الحياة يا سركن .. مكسب ثم خسارة ، وأنت اعتدت الفوز الساحق في ساحات القتال .. ولكن معارك الحيأة أشد وطأة بكثير .. لن القيك للعقاب والسجن يا أبني .. أنقذتك ولن تدرك ذلك الآن. 


____________________________________ 


بالشركة السياحية ... 


دخل رشاد على "هاكان" مكتبه ليجده جالسا بوجه شديد الأرهاق ويبدو عليه السهر لساعات طويلة .. فسأله رشاد بدهشة :

_ الشرطة قلبت الدنيا عليها ومافيش لها أثر برضه هي ولوتس ..  اكيد لوتس هي اللي خدتها ، بس يا ترى ودتها لفين ؟ 


تنفس هاكان بعمق وقال :

_ أنا هتجنن ومش عارف ادور عليها فين تاني ، ده مافيش مخلوق يعرف لوتس دي مين أصلا .. 


رد رشاد بتفكير :

_ مش فاهم ليه خدتها بالشكل العجيب ده ، بس أنا متأكد أنها بتخاف عليها بجد واكيد نقلتها لمستشفى تانية باسم تاني عشان محدش يعرف يوصلهم .. ماهي مالهاش تفسير غير كده !!.. خصوصا أن ليلة في حالتها دي لازم تكون في مستشفى !. 


لم يستطع هاكان متابعة هذا الحديث والتزم الصمت وهو يحاول أن يخمد غضبه العنيف حتى لا ينهض ويطيح بالجميع ..


________________________________________


بعد تقريبًا ما يقارب من أثنى عشر ليلة وبعدما مُنعت "لوتس" بأمر من الأطباء أن تزور ليلة العيد في الحجرة المليئة بالأدوية والخلطات السرية العلاجية الخاصة بالمملكة .. مُنحت اخيرًا الموافقة على زيارة ليلة بعدما تحسنت حالتها وقاربت على التعافي .. 

وحالما فُتح باب الحجرة دخلت لوتس بخطوات سريعة وواسعة ولم تكترث كونها سيدة هذا المنزل المُذهل الشبيه بالقلاع المصرية القديمة وعليها أن تتعامل كملكته .. وهرعت إلى فراش" ليلة العيد " التي ما أن وضعت لوتس يدها على جبهتها بحنان أمومي فائق حتى فتحت ليلة عينيها بوجه استعاد حيويته وجرت الدماء فيه مرةً أخرى ...


ابتسمت لوتس ببكاء وهي تتمت ببعض الكلمات شاكرةً، ثم قالت بسعادة شديدة:

_ الف سلامة عليكي يا حبيبتي، بمجرد ما عرفت أنك بدأتي تفوقي جيتلك على طول ..


ردت ليلة بابتسامة صافية وقالت بصوت مجهد :

_ الله يسلمك .. أنا فين ؟


ربتت لوتس على رأسها الملفوف بقماش بلون قاتم بعض الشيء يشبه لون الأخشاب المبتلة ، وبداخله خلطة من دواء طبي يشبه الچل بلزوجة عالية .. ثم اجابت لوتس :

_ أنتي في بيتي .. 


لم تستوعب ليلة إجابة لوتس الا بعد دقيقتان من الصمت التام، واتسعت عينيها بالتدريج في صدمة وذهول ، ثم انتفضت من فراشها وقالت بعدم تصديق وهي تنظر حولها بدهشة :

_ بيتك ؟! .. أنتي رجعتي لزمانك ؟! أنا هنا معاكي أزاي؟! 


اومأت لوتس بالايجاب واوضحت :

_ رجعت وخدتك معايا .. مكنتش هقدر اسيبك ، وجبتلك أشطر أطباء المملكة .. أنا سعيدة جدّا أنك قومتي بالسلامة يا حبيبتي. 


تجمدت ليلة بمكانها ولم تستطع استيعاب أنها الآن بزمان المصريون القدماء بالفعل!!!! 

واضيقت عينيها بذهول عندما اكتشفت أن الرؤية اصبحت واضحة تماماً ونقية دون نظارتها الطبية البشعة ، فتحسست ليلة عينيها وقبل أن تسأل أجابت لوتس بسعادة :

_ وقولتلهم كمان على عنيكي وهما عملوا كل اللازم في الأيام اللي فاتت .. 


تدرجت ابتسامة ليلة بالتدريج وقالت بدموع ودهشة:

_ يعني مش هلبس نضارات تاني ؟!! ... ده كنت أنا مرعوبة من العملية، الحمد لله يارب .. الحمد لله. 


ضمتها لوتس بمحبة وابتسامة واسعة ، ثم قالت :

_ زوجي الوزير الاول حات حوت مستني أنك تفوقي عشان يقدملك هدية .. من كتر ما حكيتله عاملتيني أزاي حبك أوي ومحضرلك هدية ..


شعرت ليلة برهبة شديدة، فهي الآن وبعد وقت قليل ستقف أمام الوزير الأول للمملكة !! ..  لا يعقل ما تمر به الآن!!.


_____________________________________


وبعدما أتى الليل وأختفت الشمس خلف السحب الرمادية ... 

شعرت ليلة أنها استعادت جزءً كبير من عافيتها وهذا يبدو كأعجوبة، ولكن ذلك الدواء التي تناولته منذ الصباح دب بعروقها النشاط والحيوية. 


وهتف أحد الجنود الذي يقف أمام حجرة الوزير الأول باللغة المصرية القديمة التي لم تفهمها ليلة .. وبعدها جذب لوتس يد ليلة المتشنجة أعصابها وادخلتها للحجرة المزينة جدرانها برسومات شديدة السحر والمهارة ... وقد ارتدت ليلة زيًا مواكبا للعصر القديم بغطاء رأس محكم تماما ومحتشم .. وعندما دلفت للحجرة وجدت أمامها رجلًا ضخم البنية وعريض المنكبين ويرتدي زيًا ذكوريًا مصمم بمهارة عالية ... فقالت ليلة في نفسها :

_ طلعوا أشيك حتى من التماثيل بكتير أوي !! .. 


ابتسم الوزير "حات حوت " وتحدث بلغة عربية فصيحة :

_ مرحبًا بكِ يا ليلة .. أشعر بغرابة أن ارحب بك في وطنك !! .. فكيميت هي مصر العظيمة .. ولكني احب أن ارحب بك في منزلي المتواضع. 


تمتمت ليلة بتعجب :

_ متواضع !! .. القلعة دي كلها ومتواضع ! .. ما شاء الله يعني ربنا يزيد ويبارك. 


اتسعت ابتسامة حات حوت وهو مدركا لمَ تفكر فيه، فقال بلطف شديد :

_ بما أن حبيبتي وزوجتي لوتس نور فؤادي وزهرة الشمس أحبتك واصبحتي بمثابة أبنتها .. فأنا الآن أيضا اعتبر نفسي أباكِ .. وأحب أن تقبلي هديتي البسيطة . 


شعرت ليلة بالحرج في سؤاله ، فقالت لوتس بضحكة :

_ ماذا احضرت لأبنتنا أذا؟! 


فتح حات حوت علبة خشبية وأخرج منها قلادةً بها حجرا كريم نادر جدًا وقال :

_ تلك القلادة ارتديها دائمًا ، ستصبح خيط الوصل بيننا عندما تعودي لزمانك .. لن يستطيع رؤيتها غيرنا نحن الثلاثة ، وذلك نظرا لعدم تعرضك للمسألة أن اكتشف أحدًا أنكِ تمتلكين قلادة تعود لالاف السنين .. لن يستطيع رؤيتها سوانا فقط. 


أخذت لوتس القلادة منه وجعلت ليلة ترتديها في الحال، ثم تابع حات حوت بابتسامة عريضة وقال :

_ والهدية الثانية ستكون اقامة زاوية تخصك بهذا المنزل .. لتتذكري دائمًا أن لديك أبا وأما ينتظروك بكل لحظة ..


امتلأت عينان ليلة بالدموع والمحبة الشديدة وكأنهما والديها بالفعل ، ثم أضاف حات حوت وقال :

_ والهدية الثالثة ستكون ثلاثة أمنيات تتمنين تحقيقها .. وسنبدأ من الآن .. ما هي أمنيتك الأولى يا أبنتي ؟ 


طال فكر ليلة ، فدهش حات وقال :

_ اليس لديكِ أمنيات ؟! 


أجابت ليلة وقالت :

_ لأ ليا أمنيات كتيرة أوي .. بس في حاجة جت في بالي فجأة ومش عارفة ينفع تتحقق ولا لأ ..


سألها حات حوت  بلطف:

_ اذا قولي ما ترغبين ؟


نظرت ليلة للوتس بتوتر ثم أجابت :

_ في شخص مغرور وطول الوقت كنت بسأل نفسي لو اتولد وهو فقير كان هيفضل مغرور برضه ولا هيحصل ايه ؟! 


ضيقت لوتس عينيها بمكر ثم ابتسمت وقالت :

_ عرفته .. مديرك هاكان ،عايزاه يجي هنا ، مش كده ؟


اومأت ليلة رأسها ايجابا بخجل ، فضحكت لوتس بقوة ، ثم رد حات حوت :

_ سأعتبره من الوافدين عبر الزمن وتاهاً، ولكن اقامته لهنا لن تستمر لأكثر من سبعة أيام .


وافقت ليلة على الفور بسعادة، فتمتمت لوتس وهمست لها :

_ بقا عايزة تكسري غروره برضه ولا وحشك يا لولو ؟!


جاوبتها ليلة باعتراض وهي تخفي الحقيقة بقلبها ..فسألها حات حوت مرةً أخرى :

_ والأمنيات المتبقية ؟


قالت ليلة وكأنها حققت كل ما تريد :

_ مش عارفة ، لسه هفكر فيهم ..


فتدخلت لوتس وهي تجذب ليلة وتقول :

_ نتركها تفكر على مهل يازوجي العزيز .. أما الآن فهيا معي ..


سألتها ليلة :

_ لفين ؟


غمزت لها لوتس وقالت بضحكة مازحة :

_ هنعمل شوبينج فرعوني.


_____________________________________


الفصل الخامس عشر (الجزء الاول)  


مثل النار المتأججة التي انطفأ وهجها واصبحت جمرًا ملتهب يتطاير منه الدخان الأسود .. كان قلبها!. 


ظلت "شقاوة" جالسةً على الرمال وتنظر لمياه النيل في ضياع وعينان متورمتان من البكاء والقهر .. لم تجرف المياه للمرسى لقلبها سوى رائحة الحنين والالم!. 


تطايرات خصلاتها والتصقت بوجهها الشاحب حتى اقترب منها رجلًا بسيط كهل ويبدو من نظرته أنه أشفق على حالها فقال :

_ مايصحش يا بنتي تفضلي قاعدة كده للي رايح وجاي !! .. طب قوليلي عنوانك فين ولا رقم تليفون وأنا هبعت حد يقول لأهلك على مكانك ؟. 


لجمها الصمت للحظات ثم قالت بمرارة قاتلة :

_ ماليش أهل .. كان هو أهلي وخلاص ضاع. 


حوقل الرجل بشفقةً شديدة ثم قال :

_ عموما أحنا بلغنا الشرطة على اللي حصل وعملنا اللي علينا ، بس أزاي تبقي مراته ومعكيش أي ورقة تخصه ؟! .. ده أنتي حتى ما تعرفيش عنه غير اسمه !. 


بكت شقاوة بحرقة ولم تستطع مواصلة الحديث لثقله على قلبها الملتهب بالألم .. فتركها الرجل بيأس ، وعادت تنظر للمياه ببكاء صارخ ولم تستطع استيعاب ما تمر به !. 


___________________________________


وبحجرة "سركن " المُغلقةً ... 


استئذن الوزير الأول حاوت حوت بنقرة على الباب الخشبي للحجرة ثم دخل مباشرةً .. 


ونظر لسركن الجالس على سريره المفروش بقطعة من جلد طبيعي لأحد الحيوانات ومغطاة بفرو حريري كثيف، وكان سركن يرمي رأسه بين يديه بأسى وقهر شديد الوقع على نفسه  الثائرة .. فقال حات :

_ اعلم أنك ستعاتبني يا سركن و...


رفع "سركن" رأسه بعينان ملتهبتان بالغضب القاتل ، ثم سحبت سكينا بطبق خشبي مليء بالفاكهة وبلحظة كان ذراعه يلتف حول رقبة "حات حوت" وحد السكين يلمس حنجرة حات ، وهتف سركن وحبيبات العرق تنزف من جبهته من الغضب :

_ أعاتبك ؟! .. تقصد أنني سأقتلك ؟! 


نظر له "حات حوت " بثبات وكأنه على يقين أن صديقه سركن لن يفعل ذلك مهما تملّك منه الغضب ، واهتزت يد سركن وحاول أن ينتقم لنفسه ولكن القى السكين من يده بعيدًا ، ثم ترك حات حوت ونظر له بكراهية قائلًا :

_ لو ما كنت زوج شقيقتي لوتس لكان أنتهى أمرك الآن .. 


تنهد حات حوت ثم اقترب لسركن وقال :

_ كنت أعرف أنك ستغضب .. ولكن ما حدث كان لابد أن يحدث وتعود للملكة قبل أن يكتشف احدًا أختفائك ..


نظر سركن لحات وصاح بشراسة :

_ تقصد قبل أن أتزوج !! .. ولكني تزوجت بالفعل ، زوجتي الآن وحدها تلقي مصيرًا مجهولًا ولن ترحمها الألسنة والأقاويل .. تركت على الشاطئ وحيدة بلا أحد .. لن يرحمها أحد ، لن ترحمها الضمائر والظنون ، ولن يتركها زوج أمها وسيرغمها على أقذر الطرق لتسير فيها ...

 هل تدرك ماذا فعلت بي ؟! ... أنت قتلتني حيًا ، نزعت مني الحياة يا مدعي الصداقة !!


نظر سركن أمامه بنظرة ثائرة وشرسة متابعا :

_ سيطمع بها الرجال ويجدونها صيدا سهل الحصول عليه .. 


ثار سركن وتملك منه الجنون واصبح بحطم كل شيء بالحجرة بصراخ وغضب .. وعندما أوقفه حات بنبرة غاضبة ..صدم!. 


نظر حات حوت له بدهشة وقال :

_ أنت تبك يا سركن ؟! 


نزفت دموع سركن المنيعة وقال :

_ كنت ستقلب العالم رأسا على عقب لأختفاء لوتس زوجتك  .. لماذا تطلب مني الهدوء الآن وزوجتي بين براثن الشياطين !.... قلبي يحترق وروحي ضائعة ويدي مُقيدة ولا أحد منكم رأف بي ... 


وصرخ سركن وهو يضرب الحائط الحجري بجنون ودموعه تغرق وجهه :

_ أنا القائد سركن در مون عاجزا عن حماية زوجته !! .. عارٍ عليّ، أذن لا استحق الحياة والعيش فيها !.


دهش حات حوت وهو يرى سركن بهذه الحالة الهيسترية وقال :

_ لا يا سركن هذا ليس حبا فقط .. أنت مجنونا بها!. .. اهدأ واعدك أنني سأحاول أني اصلح الأمور .. أعدك ، وقبل أي شيء سأرسل أحدًا ليتفقد أخبارها ويطمئنك على حالها . 


هتف به سركن :

_ ولماذا لا ترسلني أنا ؟! .. أنت من تمتلك أمر الانتقال عبر الزمن ، لماذا ليس أنا ؟! 


تنهد حات بضيق وأجاب :

_ ستخرج عن السيطرة يا سركن .. لولا والدك ما كان مخلوق آخر يستطيع أن يعود بك لهنا .. ثم أنك مراقب طوال الوقت من زركشين ولا ادري هل وصل له أي أخبارًا عن ما حدث أم لا .. خصيصاً أن والدك لم ينتظر لليلة الثلاثون الذي ستكون الليلة الوحيدة بهذا الشهر ستشهد أختفاء لصوص الخفاء والأعداء ... أما أي مرسول آخر فلا ضررًا من كشفه لزركشين. 


رد سركن بغضب :

_ سأقتل زركشين اذا كان هو العائق اذًا!!


زفر حات حوت وحاول أن يبدو هادئا ليمتص غضب سركن :

_ الأمر ليس زركشين فقط .. زركشين عدوًا واحدًا من ضمن الكثير الذين يتجسسون لأعداء آخرين يريدون غزو بلادنا وسرقة علومنا التي لم يكشف عنها للآن .. كلما تعاملنا بحذر وسرية كلما كان أفضل ... نحن نبني علوم وحضارة سيشهد عليها التاريخ يا سركن .. فلابد أن نفكر ونخطط ونحذر قبل أي شيء ... 


أغمض سركن عيناه بألم شديد، حتى ربت على كتفه حات وأكد :

_ أعدك أنني سأحاول أن اصلح الأمور .. اما بالنسبة لأمر عودتك فسأكون عاجزًا عن ذلك يا سركن  .. والدك أخذ مني وعدًا بذلك. 


صدم سركن لوهلة ، ثم قال بشراسة بعد ذلك :

_ أن لم أعود لزوجتي فلن أكون لغيرها .. أخبره بذلك أيضاً. 


سأله حات حوت بتعجب :

_ وماذا عن رغبة والدتك الراحلة بزواجك من" كيا تي "


رد سركن بقوة :

_ وماذا عن رغبتي أنا ورغبة قلبي ؟! ..  لماذا عليّ أن أتزوج زواجا تعيسا لا روح فيه ولا صلة بيننا ؟! .. بماذا اخطأت عندما دق قلبي ؟!. 


ابتسم حات حوت وقال :

_ عشقت أيها القائد العظيم وضرب الحب سيفه بقلبك ... وأنت الذي لم تخدشك حتى سيوف الأعداء !.


تنهد سركن وهو يشعر بأختناق واشتياق قاتل لحبيبته وقال بألم وقهر شديد :

_ نعم عدت لهنا رغما عني .. ولكني لن أغفر لنفسي حتى هذا العجز والتبرير .. لن اغفر لنفسي تركها الآن وحدها وأنا الذي عاهدتها أن أبقى !! ... لن اسامح نفسي أبدًا .. 


______________________________________


خرج "هاكان" من الشركة بعد انتهاء مهام اليوم ...


وعندما جلس بسيارته وجد "سقراط" يتشاجر بالطريق مع أحد البلطجية والآخر يندفع نحوهه بالضربات العنيفة، بينما كان سقراط يصرخ من الألم ويحاول الفكاك من براثن ذلك المجرم .. نظر هاكان للبلطجي بدهشة ثم خرج من السيارة مرةً أخرى ، وعندما لمحه الحرس ركضوا خلفه دون أمرًا منه ... 


وعندنا وجد البلطجي خمسة رجال يتوجهون نحوه اغتاظ بشدة وقال لسقراط :

_ مستنيك في الحارة يا زينهم ...


وابتعدا بلمحة عين !، وعندما وقف هاكان وخلفه الحرس أمام سقراط سأله بتعحب وهو ينظر لوجهه المتورم من الضرب:

_ مين ده وكان بيضربك ليه يا سقراط ؟! 


تأوه سقراط من الالم ثم قال :

_ ده عيل بلطجي عايز ياخد شقتي غصب عني ويخرجني منها ! .. بالله يا هاكان بيه تسمحلي أبات الليلة هنا ، ده مستحلفلي لو رجعت الحارة هيضربني تاني  ... 


اغتاظ هاكان من الامر ثم قال :

_ هتيجي معايا دلوقتي على القسم وهنعمل فيه محضر وكاميرات الشركة دليل .. وانا هشهد معاك ، ومتخافش مش هترجع الحارة قبل ما الواد ده يتربى ..


رفض "سقراط" بخوف :

_ لا بالله العظيم ما تعمل كده ده يموتني .. أنا مش قده هو والصيع البلطجية اللي معاه يا باشا !. 


أتى صوت رشاد نحو التجمع هذا وسأل هاكان :

_ في ايه واقفين كده ليه ؟! 


رد هاكان وهو يشير لسقراط وشرح الأمر لرشاد، فقال رشاد بضيق :

_ أنا حبايبي كتير في القسم .. هروح معاكم .. 


رفض سقراط فعنفه رشاد وهتف :

_ ما تبقاش جبان يلا !! .. وبعدين بقولك عارف ناس هناك هتربيلك الواد ده من أول وجديد ... بلطجي على نفسه !. 


سكت سقراط بخوف شديد ، بينما اقنعه هاكان أن يذهب معهم بحالته هذه وركب الثلاثي بسيارة واحدة !. 

ونهبت سيارة هاكان الطريق نحو قسم الشرطة .. 


وبينهما وهما بالطريق دهش هاكان من عدم سيطرته على حركة الاتجاهات والسرعة بشكل مفاجئ ، واصبحت السيارة وكأن يدًا خفية توجهها نحو طريقاً مهجورا !! .... هتف رشاد بهاكان ورد هاكان غاضبا :

_ مش عارف في ايه العربية مالها !! .. 


واصبحت السرعة على اعلاها وهي تسير بمهارة بطريقا مهجور !! .. وفجأة توقفت أمام كوخا صغير وفتحت أبواب السيارة بطريقة مرعبة وكأن التبس بها الشياطين !. 


فقد سقراط وعيه من الهلع بينما تجمد رشاد بمكانه ، نظر هاكان للكوخ وشعر بأن من الخطر المجازفة والتوجه نحوه .. وبتلك اللحظة اغلقت أبواب السيارة مرةً أخرى بأحكام ومرت لحظات حتى اصبحت السيارة فارغةً تمامًا وأختفى الثلاثي برمقة عين !!...


_____________________________________


وعلى رمال داكنة اللون تحت أشعة الشمس الدافئة قليلًا  ارتمي الثلاثي فاقدين الوعي تمامًا .. وبعد دقائق بدأ يستفيقون رويدًا رويدًا .. 


وبينما وهم يسعلون ويستعيدون الوعي ، نظر سقراط حوله بذهول ونطق برعب :

_ يا نهار أخضر .. مين دول ؟! ... 


فتح رشاد عيناه ببطء وهو ينفض ملابسه من الرمال ورد بذهول :

_ ايه ده ؟! 


مسح "هاكان "عينان من الأتربة ثم نظر أمامه وارتسمت الصدمة على محياه وهو يرى ثلاث رجالًا أشداء يرتدون زيا فرعونيا مهيبًا ويقفون بشموخ ناظرين أمامهم بصمت ....


قال سقراط برعب :

_ يالهوي يمه ... والله ما عملت حاجة ده هما اللي قالولي بينا على القسم يا باشا ! ..  انتوا تبع الصاوي صح ؟


لكمه رشاد بغيظ، ثم سأل الرجال ولم يتخيل أنه عاد للعصر القديم رغم ملابسهم المشيرة لذلك :

_ انتوا مين وجينا هنا أزاي ؟! 


وظل هاكان صامتا يحاول استيعاب ما يحدث، بينما أخذ الرجال الثلاثي دون أي إجابة لما طرحوه من أسئلة وظل سقراط يصرخ :

_ وغلاوة أمك ما تضربني ده أنا مضروب جاهز وقفايا ورم من كتر الضرب .. وايه يا عم اللي انت لابسه ده ؟ .. أن كنت انت فرعوني فأنا افرع منك !. 


لم يجيب الرجل ، بينما هتف رشاد بعصبية وغيظ :

_ أنا محدش يجرني كده انتوا ما تعرفوش أنا مين ؟! 


جر الرجل رشاد بشدة ليسرع بخطواته دون جدال فأعتذر رشاد :

_ بهزر يا صاحبي ! 


همس له سقراط الذي يسير بجواره :

_ يا عم ما تطلعله الباسبور يمكن يرتجع ! .. احنا شكلنا وقعنا في موقع تصوير ولا ايه ... نفسي أمثل أوي.


ضربه رشاد على ساقه بغيظ :

_ هو ده وقته يا غبي ؟! 


استمع هاكان لهمهة الرجال الغرباء ولغتهم ، وحاول أن يكذب حدسه ، فلا يعقل ما يفكر فيه أبدًا .. لابد أنه يحلم وسيستفيق بعد لحظات ..


وبعد دقائق وقف الرجال أمام قلعة كبيرة حجرية ، عليها حراس كثيرون بجميع الزوايا و بنفس الرداء الفرعوني ، وخرج من الفاتحة الواسعة لتلك القلعة رجلًا عملاقا وقال لهم :

_ مرحبًا بكم في القرن التاسع عشر قبل الميلاد ... مرحبًا بكم بزمن أجدادكم القدماء ...


فغر سقراط فاه وقال بتهتهة :

_ جدي أحمس ... موحد الـ ... 


صرخ سقراط برشاد وهاكان وقال ببكاء:

_ هو وحد ايــــــه بالله عليكم ؟ ما تنطق ياعم !.


وسقط فاقدا للوعي بعد ذلك ...


#الفصل_الخامس_عشر_ج٢ 


وبعد دقائق وقف الرجال أمام قلعة كبيرة حجرية ، عليها حراس كثيرون بجميع الزوايا و بنفس الرداء الفرعوني ، وخرج من البؤرة الواسعة لتلك القلعة رجلًا عملاقا وقال لهم :

_ مرحبًا بكم في القرن التاسع عشر قبل الميلاد ... مرحبًا بكم بزمن أجدادكم القدماء ...


فغر سقراط فاه وقال بتهتهة :

_ جدي أحمس ... موحد الـ ... 


صرخ سقراط برشاد وهاكان وقال ببكاء:

_ هو وحد ايــــــه بالله عليكم ؟ ما تنطق ياعم !.


وسقط فاقدا للوعي بعد ذلك ... 


بينما كان هاكان واقفاً برهبةً للزمن القديم الذي لطالما كان منبهرًا فقط بالقراءة عنه، فما الحال وقد حدثت المعجزة وعاد بالزمن بالفعل؟!

وبدا على رشاد الأضطراب والخوف، ولم يشك للحظة أنه يمر بكابوسا وسرعان ما سيستفيق منه، بينما قال الرجل الفرعوني العملاق:

_ أنتم الآن بضيافتنا، فلا خوف عليكم. 


ثم أشار لأحد الجنود وأمره فخامة:

_ أنقل هذا الصغير للداخل واستدعى له الحكيم بتاح. 


اعترض رشاد وهو يقترب من سقراط الملقى أرضا:

_ هتاخدوه على فيــن ؟! وميـن بتاع ده ؟!. أحنا فيـــن ؟!


نظر له قائد الحرس العملاق بنظرة قوية وقال:

_ سأتغاضى عن ما قلت يا فتى وتلك فرصتك الأخيرة، أترك هذا الصبي وإلّا ..


هتف "رشاد" وقال وهو يبتعد عن سقراط :

_ وإلّا ايه بس يا باشا أنا أساسا بحتقره !..


أتى أحد الرجال العماليق، وحمل سقراط كالطفل الصغير الذي لا يزن شيء، ثم أشار قائد الحرس لهاكان ورشاد باستقبال:

_ مرحبًا بكما في قلعة الوزير الأول "حات حوت"


ردد رشاد بذهول :

_ لا مستحيل يكون اللي بيحصل ده حقيقة! .. أنا مستني أفوق وأقوم من النوم بس مابقومش! .. أحنا دخلنا فجوة زمنية ولا إيه ؟!. 


أجاب هاكان بثبات يحسد عليه وعينيه تجوب القلعة المهيبة والمنقوش وجهتها بنقوش فرعونية مذهلة:

_ أحنا فعلًا دخلنا فجوة زمنية ... بس الغريب أن القلعة دي راحت فين عبر الزمن ! .. مالهاش أي وجود في عصرنا !! .. دي تحفة نادرة لو موجودة في عصرنا هتدهش العالم لقرون جاية!. 


ابتسم قائد الحرس بعدما فهم همسه وفسر تساؤل هاكان لنفسه:

_ تلك القلعة ليست موجودة بعصركم لأنها لم تكتشف بعد، خلال أقامتكما هنا ستندهشان مما ستراه، هنا الكثير والكثير يا حفيد الملوك، ولكن قبل ذلك تفضل مرحبا بك. 


كان استقبال ذلك الرجل العملاق يدعو للشك والقلق، فلماذا يعاملهم هكذا ؟! 

دخل هاكان وبجانبه شقيقه رشاد يسيران جنبا بجنب داخل ممر حجري طويل محفوف من الجانبين بعصى الخشب البدائية الذي يحترق رأسها للإضاءة .. فهمس رشاد لهاكان وهم محاطون بالعماليق القدماء ويسيرون على جلد سميك من جلود الحيوانات والذي يقدر بمبالغ باهظة بالعصر الحديث:

_ حاسس أني بحلم ومش متخيل سحر العصر ده، رغم أني خايف أوي. 


وكزه هاكان ليصمت قائلًا:

_ نتكلم بعدين .  اسكت بقا!!. 


ورغم أن الصمت في حرم ذلك الزمن الذهبي للقدماء المصريين جريمة، ولكن رشاد نفذ ما قاله هاكان والتزم الصمت!. 


وبعد لحظات فتح الحراس بابًا عريض لاستقبال الضيوف وقال أحدهم:

_ تفضلا للداخل .. سيأت الطعام بعد قليل. 


دخل هاكان للغرفة الواسعة جدًا وخلفه رشاد بخطوات بطيئة مترددة، ثم أغلق الحرس الغرفة وترك الضيفان بالداخل بمفردهما .. وحينها جابت عينان رشاد على الغرفة الحجرية المكسوة بأثاث خشبي صمم بإحترافية تدير الرؤوس، وفراش منسوج بمهارة صادمة لم يرى مثلها حتى بالعصر الحديث، بينما يوجد ستائر بالغرفة حريرية !. 

وأيضاً طاولة طعام من الفضة بأقدام قصيرة منقوشة بدقة عجيبة!. 

هتف رشاد وقال بعينان متسعة :

_ مستحيل أصدق .. أقرصني أو اضربني بالقلم عشان أصدق ! .. مستحيل أصدق كمان أن كل الفخامة دي في القرن التاسع عشر قبل الميلاد!! ..


ضربه هاكان ضربة حقيقة على كتفه وقال بغيظ:

_ عمال أقولك اسكت يا غبي وأنت نازل رغي ، كلامك مستفز وهيخليهم بدل ما يرحبوا بينا يسجنونا !. 


انفعل رشاد وقال وهو يتحسس موضع الضربة على كتفه :

_ ما هو اللي بيحصل ده مش طبيعي ومش عارف اصدقه! .. هو ينفع أصلًا نرجع بالزمن. 


تنفس هاكان بغيظ ثم قال:

_ مش وقت اسئلتك! .. اللي حصل حصل وخلاص بقينا هنا ، نتعامل بذكاء بقا عشان نعرف نلاقي طريقة نرجع بيها .. 


وافقة رشاد بقوة :

_ صح عندك حق .. أنا عايز ارجع. 


وعندما فتح الباب ودخل خمس من الجواري الفاتنات يحملن الطعام، اتسعت ابتسامة رشاد بدهشة وتمتم وعينيه عليهن بمكر :

_ لأ مش عايز ارجع .. وسع كده. 


اقترب منهن وسأل أحداهن بهمس وابتسامة ماكرة :

_ مش نتعرف على القمر الأول؟. 


ابتسمت الفتاة بحياء ، ثم قالت :

_ سبسبميما .. 


عرفت عن نفسها باللغة المصرية القديمة، فعبس وجه رشاد:

_ سمسم مين ! .. 


ضحك الفتيات عليه، حتى قالت "سبسبميما" باللغة العربية الفصحى:

_ هذا اسمي .. سبسبميما. 


حاول أن ينطقه رشاد عدة مرات ولكنه فشل، حتى قال :

_ مش مهم .. المهم نتعرف. 


تدخلت أحدى الجواري وقالت بتحذير:

_ يبدو عليك متلاعب يا رجل، أحذر فهنا الأمر محتلف عن زمانكم. 


نظر رشاد لـ "سبسبميما" وقال بابتسامة خبيثة:

_ أيوة ما أنا عارف أنكم من الزمن الجميل .. الجميل أوي، الطعم أبو وش قمرولي. 


ضحكت "سبسبميما" بخفوت، فهتفت به أحدى الجواري وقالت بغيظ:

_ كفى محنً يا سيدي ، فأنت رجلًا صايعاً، أنا أعرف اتحدث مع أمثالك بلغتك جيدًا.. وقد كشفت المكر بعينيك الثعلبية، ولن أتركك تتلاعب بـ سبسبميما شقيقتي، فهي معتوهة من الاساس وتصدق أمثالك. 


صدم رشاد لوهلة، بينما ارتفعت ضحكات هاكان بقوةً، وأخذت الفتاة الغاضبة الفتيات وخرجن من الغرفة تحت صدمة رشاد مما سمعه!. 

فقال هاكان بين ضحكاته :

_ فاضحنا في كل زمان يا صايع .. 


سأل "رشاد" هاكان بدهشة:

_ هي البت دي شتمتني وقالتلي أنت صايع ولا أنا بتهيألي ؟!


هز هاكان رأسه بالتأكيد ودخل بموجة ضحك من جديد، بينما رشاد امتقع وجهه غيظا وقال بتوعد :

_ أنا وأنتي والزمن طويل .. يا أخت سمسم. 


تحاهل رشاد ما حدث بعدما نظر لوليمة الطعام وقال بشهية:

_ دي معزة مشوية ولا ايه ؟! .. 


وجلس وبدأ يلتهم اللحم المشوي ذو الرائحة اللذيذة، وأشار لهاكان لينضم اليه، حتى حذره هاكان:

_ ما تتقلش عشان ما تتعبش ... الأكل ده دسم جدًا خلي بالك. 


لم يهتم رشاد بما سمعه، بقدر اهتمامه بالطعام ذو المذاق الشهي جدًا، وتناول هاكان القليل منه ثم نهض .. بينما أنتهى رشاد وهو بالكاد يستطيع أن يتنفس بمعدة ممتلئة حتى الأنتفاخ، وقال وهو يبتلع ريقه بالكاد:

_ هما حاطين على الأكل ده ايه ؟! 


كتم هاكان ضحكته وأجاب:

_ عشان تبقى تسمع كلامي، قولتلك ما تتقلش بس أنت طفس!. 


تجشأ رشاد عدة مرات وقال بشعور مزعج بالأنتفاخ:

_ مافيش فوار هنا ... ولا حتى خربوش شاي أخضر!. 


ضحك هاكان وقال :

_ خربوش شاي هيعمل ايه ولا ايه ، أنت عايزلك جلسة اكسجين !. 


تمدد رشاد بكسل شديد على الارض المفروشة بسجاد من النسيج  بخيوط ثقيلة ونادرة لأول مرة يرها:

_ هنام شوية يمكن أفوق. 


_____________________________


استفاق "سقراط" بحجرة مخصصة للعلاج وتضميد الجراح، وكان ممدا على سرير خشبي قصير مفروش بأوراق شجر عريضة منقوعة بزيت الليمون والنعناع ، ويبدو أنها تستخدم للشفاء أو التعقيم .. وكان بجانبه رجلًا أصلعاً يرتدي زيا فرعونيا مختلفا بعض الشيء عما رآه منذ قليل، وقال الرجل بابتسامة حينما فتح سقراط عينيه ببطء:

_ نجحت التجربة .. نجحت التجربة. 


اطرف سقراط عينيه بغرابة وسأله وهو يعتدل على السرير:

_ أنت مين ياعم وتجربة ايه اللي نجحت؟!


أفصح الرجل بثقة عالية :

_ تجربة الدواء الجديد .. لقد صنعته خصيصا لحالة الأغماء ، وتمت التجربة بنجاح ونهضت بعد لحظاتً معدودة من تجرعك للدواء .. لقد سقيتك أياه منذ قليل. 


سأله سقراط بتوجس:

_ سقيتني الدوا ؟ .. هو ايه الدوا ده ؟!


أجاب الطبيب مهللًا بضحكة :

_ شربة لذيذة من مسحوق الفئران المحترقة، مع منقوع جلد الثعابين الميتة، وأذبت كل هذا بدموع الأبل الحزينة، وسقيتك تلك الجرعة بمقدار قدرًا كبير. 


صرخ سقراط وهو يقفز من مكان لمكان ويهتف :

_ بطنااااي .. شربتني فيران محروقة و .. 


أكمل عنه الرجل بضحكة :

_ ودموع الأبل الحزينة مع منقوع الثعابين الميتة .. لا تنسى. 

____________________________


همووت من الضحك 😂

الفصل ال 16 بكرا بإذن الله ♥😍😂♥


تكملة الرواية من هناااااااا 

لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كاملةمن هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

 مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا








تعليقات

التنقل السريع
    close