سكريبت جـبر الهي كامله
جـبر الهي
ترك زوجي شقيقته الصغرى، وهي من ذوي الاحتياجات الخاصة، في عهدتي وسافر بحجة العمل، قال إن الغربة ستطول، وربما تمتد لأشهر طويلة لا يعلم نهايتها إلا الله. قال ذلك وهو واقف عند الباب، الحقيبة في يده، وعيناه لا تستقران عليّ، ولا حتى على شقيقته الممددة على السرير خلفه، تلك التي لم يكن لها في الدنيا سواه. كانت نائمة، جسدها النحيل ساكن، لا تستطيع الحركة، تتنفس بصعوبة، وكأن كل شهيق معركة حقيقية مع الألم. نظر إليها نظرة عابرة، أشبه بنظرة تخلّص لا وداع، ثم قال لي بنبرة حاول أن يجعلها عادية أنتِ قدّ المسؤولية، هي أمانة عندك، وأغلق الباب ورحل.
منذ تلك اللحظة أصبحتُ وحدي، وحدي مع مسؤولية أثقل من قدرتي، لكن لم يكن لي خيار آخر. كنت أغيّر لها ملابسها ببطء، أطعمها بيدي ملعقة ملعقة، أداوي الجروح التي لا تلتئم، وأمسح دموعها في منتصف الليل حين تبكي دون سبب واضح، فأضمها إلى ص*دري وأهمس لها لا تخافي، أنا هنا. كانت حساسة إلى حد يوجع القلب، تشعر بثقل وجودها على من حولها، رغم أنها لم تطلب شيئًا يومًا، كانت كبيرة الجسد، طفلة الروح، نقية بشكل يفضح قسوة من حولها.
أما زوجي، فكان يتصل نادرًا، صوته بارد، مكالما*ته سريعة، ويرسل مالًا متقطعًا بالكاد يكفي ثمن الدواء. أما الطعام والكهرباء والإيجار وكل المصاريف الأخرى، فكانت من جيبي. كنت أعمل طوال النهار معلمة خصوصية، أتنقل بين البيوت، أعود مرهقة، ثم أبدأ عملي الحقيقي معها. وفي الليل، كنت أنام على كرسي بجوار سريرها، أخشى أن تتألم ولا تجد من يسمع أنينها.
كانت تعاني في صمت، وحين تلمح دموعي كانت تحاول الابتسام، وتربت على يدي كأنها تعتذر لي عن وجودها. وأحيانًا كنت أبكي، لا من التعب وحده، بل من الإحساس بأن حياتي توقفت، وأن الأمان الذي وعدني به رجل يومًا تلاشى، وتركنا نحن الاثنتين في منتصف الطريق.
مع مرور الوقت، بدأت تنظر إليّ نظرات طويلة، ليست نظرات شفقة، بل نظرات شخص يعرف سرًا ولا يملك القدرة على قوله. وفي أوقات متفرقة، كانت تزورنا خالتها الكبرى، خالة زوجي، امرأة وقورة هادئة، لا تتحدث كثيرًا، لكنها كانت تراقب كل شيء بعين لا تفوت تفصيلة. كانت تأتي بحجة الاطمئنان، تجلس قليلًا، ثم تنصرف، لكني كنت أشعر أنها ترى ما لا نراه.
في إحدى المرات، وبعد أن نامت شقيقة زوجي، جلست الخالة بجانبي وقالت بصوت منخفض انتبهي، ليس كل من يترك أمانة يريد لها الخير. لم أفهم قصدها حينها، لكن كلما*تها علقت في رأسي.
في ليلة شتاء قاسية، كان المطر يطرق النوافذ بعن*ف، والكهرباء مقطوعة، والبرد يتسلل إلى العظام. كنت أمسك يدها لأدفئها، حين فتحت عينيها فجأة، ونظرت إليّ بوضوح لم أعهده فيها منذ شهور، وقالت بصوت مبحوح لكنه ثابت أنتِ طيبة أكثر مما يجب. ابتسمت وقلت هذا واجبي، سلامتك يا قلبي. هزّت رأسها ببطء وقالت لا، هذا اختيارك، ثم سكتت.
بعدها بأيام قليلة، ساءت حالتها بسرعة، لم نعد نعد الأيام بل الساعات. وفي الليلة الأخيرة، نادتني بصوت خافت، اقتربت منها فشدّت على يدي بقوة لم أتوقعها من جسد يحتضر، وقالت وهي تحدق في سقف الغرفة إياكِ أن تتركي هذا البيت. قلت بدهشة ولماذا، إلى أين أذهب. ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت بعد مو*تي افتحي الدولاب القديم في المخزن، تحت الخشب المكسور، ستجدين شيئًا لكِ، خذيه قبل أن يعود مازن.
حاولت أن أسألها، أن أفهم، لكن أنفاسها بدأت تتلاشى، تركت يدي، وما*تت.
مرّ العزاء ثقيلًا، لم يأتِ زوجي، اكتفى برسالة باردة. وبعد أيام، جاءت الخالة مرة أخرى، أغلقت الباب خلفها وقالت لي بهدوء حان الوقت أن تعرفي الحقيقة. جلست وأخرجت ملفًا قديمًا وقالت إن شقيقة زوجي كانت تخشى أخاها، وكانت تعلم أنه سيستولي على كل شيء يومًا ما، لذلك تواصلت معها سرًا منذ سنوات، وطلبت منها أن تُسجل كل ما تملك باسمها هي، لكن بشرط واحد، أن تنتقل الملكية لمن يثبت أنه الأحق بالرعاية والرحمة.
قالت الخالة وهي تنظر إليّ مباشرة أنتِ كنتِ الاختبار. وأضافت أنها ذهبت معها أكثر من مرة إلى الشهر العقاري، وسجّلتا البيت والأرض والحسابات باسمها، ثم أوصت بأن تنتقل الملكية لي رسميًا بعد وف,,اتها. كل ذلك كان يتم سرًا، في زيارات تبدو عادية، ولم يكن أحد يشك في شيء.
دخلت المخزن بعدها، فتحت الدولاب القديم، رفعت الخشب المكسور، فوجدت الملفات كاملة، العقود، الحسابات البنكية، والوصية بخط يدها. وفي آخر الصفحة كانت كلما*تها واضحة الإنسان لا يُقاس بصحته، بل بقلبه، وأنتِ كنتِ أحنّ عليّ من دمي.
عاد زوجي بعد أشهر، دخل البيت بثقة من يظن أن كل شيء كما تركه، فواجهته بالأوراق، وبالوصية، وبالخالة التي حضرت لتشهد. انهار، صرخ، هدد، لكن الحقيقة كانت أقوى. انتهى الزواج، وانتهت الخديعة، وبقي العدل.
لم يكن الجبر مالًا فقط، بل راحة قلب، وشعور بأن الله لا يترك من أحسن، ولو بعد حين.


تعليقات
إرسال تعليق