القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

ثمانية أشهر في غيبوبة… وطفل صغير أعادها للحياة في اللحظة التي فقد فيها الأطباء الأمل

 ثمانية أشهر في غيبوبة… وطفل صغير أعادها للحياة في اللحظة التي فقد فيها الأطباء الأمل



ثمانية أشهر في غيبوبة… وطفل صغير أعادها للحياة في اللحظة التي فقد فيها الأطباء الأمل

 

كانت أمطار شهر آذار تضرب نوافذ مستشفى القلب المقدس الإقليمي في غوادالاخارا بعنف كأنها تحاول اقتحام المكان لتغسله بالماء البارد وتمحو كل ما فيه من رائحة المبيض والإرهاق والصلوات الهامسة.

في الغرفة رقم 312 كان الصوت الأكثر ثباتا هو صوت جهاز المراقبة

بيب بيب بيب

إيقاع عنيد لا يتزحزح أمام شيء.

فاليريا كورتيز ممرضة بالمهنة ومريضة بحادثة قاسية من حوادث الحياة كانت عالقة في غيبوبة عميقة منذ ثمانية أشهر. كانت في الثانية والثلاثين من عمرها ومع ذلك كان في بطنها طفل ينمو طفل بدا مصمما على تذكير الجميع بأن الجسد لا يطيع دائما التوقعات. كان الأطباء يكررون كلمات كانت تقع على قلب هيكتور ريفيرا كالحجارة

حالة نباتية

احتمالات ضعيفة

علينا الاستعداد لعملية قيصرية.

هيكتور المحاسب البالغ من العمر سبعة وثلاثين عاما ترك مكتبه كما يترك المرء بيتا مشتعلا متمسكا فقط بالعمود الوحيد الذي ما زال قائما. كان ينام نوما سيئا على كرسي ويأكل أقل ما يمكن ويتحدث أكثر ما يستطيع. كان يحدث فاليريا عن أشياء بسيطة وكأن الحب سلك يصل مباشرة إلى أذنها يخبرها أن شجرة الجاكرندا في الساحة صارت بنفسجية وأن أمه أعدت حساء الدجاج مرة أخرى لأنه يشفي حتى الروح وأن الجنين يتحرك كلما همهم بلحن نشاز.

في ذلك العصر فتح الباب دون الطرق


اللطيف المعتاد من طاقم التمريض.

لم تكن ممرضة.

كان طفلا.

كان في الثامنة من عمره بشعر داكن التصق جبينه به من الرطوبة ويحمل مرطبانا زجاجيا مملوءا بشيء يشبه التراب المبتل. طين كثيف داكن تفوح منه رائحة الأرض الزراعية بعد العاصفة.

قفز هيكتور واقفا وقد أفزعته استحالة الموقف أكثر من الطفل نفسه وقال

ماذا تفعل هنا يا صغيري من سمح لك بالدخول

لم يتراجع الطفل خطوة واحدة. كانت في عينيه نظرة فضول تتخللها جدية غريبة كأنه يحمل أمرا أثقل من المرطبان.

قال بهدوء

اسمي دييغو إيميليانو. أنا حفيد دونيا توماسا المرأة التي تنظف هنا ليلا.

ثم رفع المرطبان كما لو كان يقدم قربانا وأضاف

جدتي تقول إن هذا يساعد يساعدها على أن تستيقظ.

شعر هيكتور بردة الفعل التلقائية لمن أمضى شهورا يسمع عبارة لا يوجد ما يمكن فعله ضحكة مرة وغضب ورغبة في استدعاء الأمن. لكنه نظر إلى فاليريا.

لأول مرة منذ أسابيع بدا تنفسها مختلفا.

ليس أقوى

ولا أسرع

بل مختلفا فقط وكأن جسدها يحاول أن يتذكر طريق العودة.

سأل هيكتور محاولا ألا يبدو متشبثا بالأمل فالأمل كان مخيفا يشبه السقوط

وما هذا

أجاب دييغو إيميليانو بصوت خافت

طين من تيباتيتلان من مكان قريب من النهر حيث التربة غريبة وثقيلة.

ثم قال بثقة

كانت جدتي الكبرى قابلة وكانت تقول إن التراب يجذب


الحياة حين تبدأ في التلاشي.

كان يتحدث بيقين الأطفال الذين لا يعرفون كيف يكذبون كذبا جميلا إما أن يقولوا الحقيقة أو يخترعوا تنينا. وفي هذا المزيج وجد هيكتور شيئا لم يره في المستشفى منذ وقت طويل النقاء.

قال هيكتور وهو يبتلع ريقه

انظر يا بني هذا يبدو جنونيا.

أجاب دييغو ببساطة

نعم. لكن ماذا لو لم يكن كذلك

فكر هيكتور في كل الإبر وكل الفحوصات وكل الاجتماعات الطبية التي شرحوا له فيها بأصوات لطيفة أن الجسد أحيانا يتوقف. فكر في بطن فاليريا في الطفل وفي الساعة التي كانت تمضي نحو موعد قيصرية محدد كأنه حكم.

قال أخيرا

بسرعة. وإن دخل أحد اختبئ.

غمس دييغو إيميليانو إصبعين في الطين وبدأ يدهنه بعناية فوق ثوب المستشفى في الموضع الذي كان بطن فاليريا ينتفخ فيه بالحياة. كانت يداه صغيرتين لكنهما تتحركان وكأنهما تعرفان الخريطة.

همس

استيقظي يا دونيا فاليريا. طفلك تعب من انتظارك في الأحلام.

ثم حدث شيء صغير جدا وفي الوقت نفسه شيء هائل تحركت أصابع فاليريا. حركة خفيفة كأنها انعكاس عصبي لكن هيكتور رآها. رآها بوضوح جعل قلبه يقفز إلى حلقه.

فاليريا!

انحنى فوقها وهو يرتجف.

سجل جهاز المراقبة تغيرا طفيفا بالكاد يلاحظ.

بيب بيب بيب

وكأن الجهاز نفسه يشك فيما يسجله.

واصل دييغو. لم يكتف بدهن الطين بل أخذ يتحدث. أخبر


جسد فاليريا النائم بما لا يخبره أحد عادة لمريض غيبوبة أن المطر ما زال يهطل في الخارج وأن رائحة المستشفى كريهة وأن هيكتور لم يرحل وأن الطفل يركل كأنه يلعب كرة القدم. وكأن القلب يستطيع أن يسمع ما توقف الدماغ عن الإجابة عنه.

حين انتهى مسح يديه بمنشفة كان قد طواها في جيبه ونظر إلى هيكتور بنظرة جادة على نحو غير متوقع.

قال محذرا

لا تخبر رئيسة الممرضات. إنها تغضب من كل شيء.

ثم تسلل خارج الغرفة على أطراف أصابعه سريعا كسر.

تلك الليلة لم ينم هيكتور. راقب فاليريا كما يراقب المرء شمعة محاولا ألا يرمش كي لا تنطفئ. عند الثالثة فجرا أقسم أنه رآها تحرك شفتيها. لم تكن كلمة لكنها كانت نية وحطمته رقة ذلك المشهد.

في اليوم التالي فحصت الممرضة خيمينا المؤشرات الحيوية لفاليريا وقطبت جبينها.

قالت وهي تتأمل الملف

هذا غريب هناك تحسن طفيف في الاستجابة العصبية. لا شيء يدعو للاحتفال بعد يا سيد هيكتور لكن لم أر هذا منذ أشهر.

ابتلع هيكتور اسم دييغو إيميليانو ورائحة التراب. ليس لأنه لا يثق بخيمينا بل لأن للمستشفى قواعد قد تكون أحيانا أقسى من المرض نفسه.

عاد دييغو بعد يومين ومعه مرطبان أصغر وبعض الأوراق الخضراء ملفوفة في منديل.

قال

جدتي تقول ليس كل يوم. يجب أن نترك الجسد يمتص الخير.

سأله هيكتور

ما هذه الأوراق

قال

المليسة


والنعناع. للتهدئة ولليقظة.

كانت المرة الثانية أكثر


 

كانت أمطار شهر آذار تضرب نوافذ مستشفى القلب المقدس الإقليمي في غوادالاخارا بعنف كأنها تحاول اقتحام المكان لتغسله بالماء البارد وتمحو كل ما فيه من رائحة المبيض والإرهاق والصلوات الهامسة.

في الغرفة رقم 312 كان الصوت الأكثر ثباتا هو صوت جهاز المراقبة

بيب بيب بيب

إيقاع عنيد لا يتزحزح أمام شيء.

فاليريا كورتيز ممرضة بالمهنة ومريضة بحادثة قاسية من حوادث الحياة كانت عالقة في غيبوبة عميقة منذ ثمانية أشهر. كانت في الثانية والثلاثين من عمرها ومع ذلك كان في بطنها طفل ينمو طفل بدا مصمما على تذكير الجميع بأن الجسد لا يطيع دائما التوقعات. كان الأطباء يكررون كلمات كانت تقع على قلب هيكتور ريفيرا كالحجارة

حالة نباتية

احتمالات ضعيفة

علينا الاستعداد لعملية قيصرية.

هيكتور المحاسب البالغ من العمر سبعة وثلاثين عاما ترك مكتبه كما يترك المرء بيتا مشتعلا متمسكا فقط بالعمود الوحيد الذي ما زال قائما. كان ينام نوما سيئا على كرسي ويأكل أقل ما يمكن ويتحدث أكثر ما يستطيع. كان يحدث فاليريا عن أشياء بسيطة وكأن الحب سلك يصل مباشرة إلى أذنها يخبرها أن شجرة الجاكرندا في الساحة صارت بنفسجية وأن أمه أعدت حساء الدجاج مرة أخرى لأنه يشفي حتى الروح وأن الجنين يتحرك كلما همهم بلحن نشاز.

في ذلك العصر فتح الباب دون الطرق


اللطيف المعتاد من طاقم التمريض.

لم تكن ممرضة.

كان طفلا.

كان في الثامنة من عمره بشعر داكن التصق جبينه به من الرطوبة ويحمل مرطبانا زجاجيا مملوءا بشيء يشبه التراب المبتل. طين كثيف داكن تفوح منه رائحة الأرض الزراعية بعد العاصفة.

قفز هيكتور واقفا وقد أفزعته استحالة الموقف أكثر من الطفل نفسه وقال

ماذا تفعل هنا يا صغيري من سمح لك بالدخول

لم يتراجع الطفل خطوة واحدة. كانت في عينيه نظرة فضول تتخللها جدية غريبة كأنه يحمل أمرا أثقل من المرطبان.

قال بهدوء

اسمي دييغو إيميليانو. أنا حفيد دونيا توماسا المرأة التي تنظف هنا ليلا.

ثم رفع المرطبان كما لو كان يقدم قربانا وأضاف

جدتي تقول إن هذا يساعد يساعدها على أن تستيقظ.

شعر هيكتور بردة الفعل التلقائية لمن أمضى شهورا يسمع عبارة لا يوجد ما يمكن فعله ضحكة مرة وغضب ورغبة في استدعاء الأمن. لكنه نظر إلى فاليريا.

لأول مرة منذ أسابيع بدا تنفسها مختلفا.

ليس أقوى

ولا أسرع

بل مختلفا فقط وكأن جسدها يحاول أن يتذكر طريق العودة.

سأل هيكتور محاولا ألا يبدو متشبثا بالأمل فالأمل كان مخيفا يشبه السقوط

وما هذا

أجاب دييغو إيميليانو بصوت خافت

طين من تيباتيتلان من مكان قريب من النهر حيث التربة غريبة وثقيلة.

ثم قال بثقة

كانت جدتي الكبرى قابلة وكانت تقول إن التراب يجذب


الحياة حين تبدأ في التلاشي.

كان يتحدث بيقين الأطفال الذين لا يعرفون كيف يكذبون كذبا جميلا إما أن يقولوا الحقيقة أو يخترعوا تنينا. وفي هذا المزيج وجد هيكتور شيئا لم يره في المستشفى منذ وقت طويل النقاء.

قال هيكتور وهو يبتلع ريقه

انظر يا بني هذا يبدو جنونيا.

أجاب دييغو ببساطة

نعم. لكن ماذا لو لم يكن كذلك

فكر هيكتور في كل الإبر وكل الفحوصات وكل الاجتماعات الطبية التي شرحوا له فيها بأصوات لطيفة أن الجسد أحيانا يتوقف. فكر في بطن فاليريا في الطفل وفي الساعة التي كانت تمضي نحو موعد قيصرية محدد كأنه حكم.

قال أخيرا

بسرعة. وإن دخل أحد اختبئ.

غمس دييغو إيميليانو إصبعين في الطين وبدأ يدهنه بعناية فوق ثوب المستشفى في الموضع الذي كان بطن فاليريا ينتفخ فيه بالحياة. كانت يداه صغيرتين لكنهما تتحركان وكأنهما تعرفان الخريطة.

همس

استيقظي يا دونيا فاليريا. طفلك تعب من انتظارك في الأحلام.

ثم حدث شيء صغير جدا وفي الوقت نفسه شيء هائل تحركت أصابع فاليريا. حركة خفيفة كأنها انعكاس عصبي لكن هيكتور رآها. رآها بوضوح جعل قلبه يقفز إلى حلقه.

فاليريا!

انحنى فوقها وهو يرتجف.

سجل جهاز المراقبة تغيرا طفيفا بالكاد يلاحظ.

بيب بيب بيب

وكأن الجهاز نفسه يشك فيما يسجله.

واصل دييغو. لم يكتف بدهن الطين بل أخذ يتحدث. أخبر


جسد فاليريا النائم بما لا يخبره أحد عادة لمريض غيبوبة أن المطر ما زال يهطل في الخارج وأن رائحة المستشفى كريهة وأن هيكتور لم يرحل وأن الطفل يركل كأنه يلعب كرة القدم. وكأن القلب يستطيع أن يسمع ما توقف الدماغ عن الإجابة عنه.

حين انتهى مسح يديه بمنشفة كان قد طواها في جيبه ونظر إلى هيكتور بنظرة جادة على نحو غير متوقع.

قال محذرا

لا تخبر رئيسة الممرضات. إنها تغضب من كل شيء.

ثم تسلل خارج الغرفة على أطراف أصابعه سريعا كسر.

تلك الليلة لم ينم هيكتور. راقب فاليريا كما يراقب المرء شمعة محاولا ألا يرمش كي لا تنطفئ. عند الثالثة فجرا أقسم أنه رآها تحرك شفتيها. لم تكن كلمة لكنها كانت نية وحطمته رقة ذلك المشهد.

في اليوم التالي فحصت الممرضة خيمينا المؤشرات الحيوية لفاليريا وقطبت جبينها.

قالت وهي تتأمل الملف

هذا غريب هناك تحسن طفيف في الاستجابة العصبية. لا شيء يدعو للاحتفال بعد يا سيد هيكتور لكن لم أر هذا منذ أشهر.

ابتلع هيكتور اسم دييغو إيميليانو ورائحة التراب. ليس لأنه لا يثق بخيمينا بل لأن للمستشفى قواعد قد تكون أحيانا أقسى من المرض نفسه.

عاد دييغو بعد يومين ومعه مرطبان أصغر وبعض الأوراق الخضراء ملفوفة في منديل.

قال

جدتي تقول ليس كل يوم. يجب أن نترك الجسد يمتص الخير.

سأله هيكتور

ما هذه الأوراق

قال

المليسة


والنعناع. للتهدئة ولليقظة.

كانت المرة الثانية أكثر




إرباكا. أمالت فاليريا رأسها قليلا كأنها تبحث عن مصدر صوت الطفل. شعر هيكتور بموجة مشاعر تضربه بقوة حتى اضطر أن يستند إلى الجدار.

ابتسم دييغو وقال بفخر هادئ

أرأيت إنها تسمع.

لكن المشكلة كانت أن التحسنات الغريبة في ذلك المستشفى لم تكن توقظ الأمل فقط بل كانت توقظ الشك أيضا.

لاحظت رئيسة الممرضات بياتريس ميندوزا وهي امرأة صارمة ذات نظرات حادة نمطا متكررا التغيرات في المؤشرات الحيوية كانت تحدث في الأوقات نفسها تقريبا. بدأت تسير في الممر أكثر من المعتاد كأن الساعة صارت ملكا لها.

في أحد أيام الخميس كاد دييغو أن يصطدم بها. اختبأ خلف عربة الأدوية وحبس أنفاسه. توقفت بياتريس وشمت الهواء كأنها تشم كذبة ثم واصلت السير لكن بحاجب مرفوع.

في تلك الليلة جاءت دونيا توماسا مع حفيدها في الثانية فجرا. كانت تحمل المرطبان وكيسا قماشيا صغيرا.

همست لهيكتور

يا دون هيكتور حفيدي قلق. يقول إن هذه الليلة مهمة.

اقترب دييغو من فاليريا كما يقترب المرء من نار مقدسة.

قال بصوت خافت

يا دونيا فاليريا طفلك على وشك القدوم. عودي.

وكانت الاستجابة فورية.

فتحت فاليريا عينيها.

لبضع ثوان فقط لكنها كانت كافية. لم تنظر إلى السقف ولم تحدق في الفراغ. نظرت إلى الطفل. وانسابت دمعة من زاوية عينها صافية وصامتة.

فاليريا!

قبض هيكتور على يدها.

حبيبتي أنا هنا

أنا

حاولت فاليريا أن تتكلم فلم يخرج سوى نفس. لكن طريقة تنفسها بعد ذلك لم تكن تنفس غيبوبة.

كانت نوما.

في الصباح التالي دخل طبيب الأعصاب الدكتور ألفونسو فيالوبوس الغرفة وتجمد أمام شاشات المراقبة.

قال بصوت منخفض كأن المستشفى كله قد يسمعه

هذا لم يعد غيبوبة عميقة. هذا نوم طبيعي. أحتاج إلى فحوصات عاجلة.

أكدت الفحوصات ما لا يصدق نشاطا دماغيا يتوافق مع استيقاظ تدريجي. انتشر الخبر بين الطاقم كشرارة ووصلت الشرارة حتما إلى بياتريس ميندوزا.

دخلت بياتريس الغرفة حين صارت فاليريا قادرة على إبقاء عينيها مفتوحتين لفترات أطول. نظرت إليها بذلك المزيج من السلطة والخوف الذي يملكه من يظن أنه يسيطر على العالم.

قالت

السيدة فاليريا أحتاج أن أعرف إن كان قد حدث أي شيء خارج البروتوكول.

شعر هيكتور بأن معدته تهوي. خفضت دونيا توماسا بصرها. قبض دييغو على يد جدته مستعدا للتوبيخ.

لكن فاليريا وهي ما تزال ضعيفة فعلت ما لم يتوقعه أحد.

قالت

نعم. لقد ساعدوني. ولا أريد معاقبتهم.

رمشت بياتريس كأن هذا الجواب غير موجود في دليلها.

استدعي الدكتور فيالوبوس إلى النقاش واستمع إلى القصة كاملة طين تيباتيتلان التطبيق الخارجي الأوراق. لم ينفجر غضبا بل بدا متأملا وبدأ يطرح أسئلة دقيقة.

قال

يا دونيا توماسا هل ما زال لديك عينة

قالت

نعم يا دكتور.

قال

إذن

سنفعل هذا بطريقة صحيحة نحللها. وحتى ذلك الحين لا يلمس أحد أحدا. أريد حقائق لا صراعات.

فتحت بياتريس فمها للاعتراض لكن الطبيب أوقفها بنظرة حازمة.

قال

البروتوكولات وجدت لحماية الناس لا لإغلاق باب الفضول السريري.

بعد أسبوع جاءت نتائج المختبر تركيزات عالية من معادن وعناصر نادرة بتركيب خاص يمكن نظريا أن يدعم بعض العمليات الدموية والحسية عبر الجلد. لم يكن سحرا.

كان طبيعة مع كيمياء وطفلا بقلب نقي يفعل ما نسي الكبار كيف يفعلونه

التحدث إلى من كان تائها.

حين صارت فاليريا أقوى طلبت أن ترى دييغو وحده. دخل الطفل مترددا وفي جيبه رسم مطوي.

قال بخفوت

مرحبا يا دونيا فاليريا. آسف إن ذهبت إلى مكان لم يكن ينبغي لي دخوله.

ابتسمت له فاليريا وعيناها تلمعان بدموع جديدة.

قالت

لا تعتذر لأنك أعدتني. أنا كنت أسمعك. في أحلامي. كنت دائما أشم رائحة التراب المبتل وصوتك كان كالمصباح.

وقف دييغو ثابتا وهو يبتلع مشاعره.

قال

جدتي تقول إن المريض يكون كأنه تائه في جبل مظلم وإنك إن أحببته تصرخ له من الخارج كي يجد الطريق.

قالت فاليريا هامسة

جدتك محقة. وقد صرخت بطريقة جميلة.

بعد أسبوعين استعد المستشفى للولادة. كانت فاليريا ترتجف خوفا لكنها طلبت أمرا واحدا أن يبقى دييغو ودونيا توماسا قريبين ولو في الممر.

كان المخاض شاقا وقاسيا طويل الساعات متقلب

الإيقاع كأن الجسد الذي عاد من الغيبوبة كان يخوض معركته الأخيرة ليثبت أنه ما زال قادرا على العطاء. كانت فاليريا تتنفس بصعوبة يعلو صدرها ويهبط والعرق يتجمع على جبينها فيما تتناوب الأصوات في الغرفة بين أوامر الأطباء ونبض الأجهزة وهمسات القلق التي لا تقال كاملة.

وفي لحظة مفاجئة انخفض نبض الطفل.

تغير الجو في الغرفة دفعة واحدة.

ازدادت الخطوات سرعة وارتفعت النبرات وتحولت الحركة المنظمة إلى عجلة حذرة.

شعرت فاليريا بالخوف يتسلل إلى أعماقها خوفا بدائيا لا يحتاج إلى تفسير.

عندها وبحركة غريزية قبضت على الكيس القماشي الصغير الذي كانت دونيا توماسا قد وضعته في يدها قبل الدخول إلى غرفة الولادة قائلة لها يومها ليس سحرا فقط شيء يذكرك أنك قوية.

ضمته فاليريا إلى صدرها كأنها تتشبث بآخر خيط يربطها بالحياة التي كادت أن تفقدها.

كان هيكتور إلى جانبها لم يبتعد خطوة واحدة.

أمسك جبينها براحته كما كان يفعل منذ أشهر وكما فعل في الليالي الطويلة التي جلس فيها قرب سريرها وهي غائبة. انحنى عليها وكرر الكلمات ذاتها بنفس النبرة بنفس الإصرار كأنها تعويذة لا يريد لها أن تفقد قوتها

أنا هنا. لن أتركك.

أنا هنا لن أتركك.

لم تكن الكلمات جديدة لكنها كانت ثابتة وصدقها كان أثقل من أي دواء.

ثم بعد دقائق بدت كأنها دهر كامل دوى صوت بكاء حاد قوي لا يخطئه السمع.

في الساعة الثانية وإحدى وعشرين دقيقة بعد الظهر في يوم ثلاثاء

 

بدا كأنه مغسول بضوء الشمس بعد عاصفة طويلة ولد ماتيو أندريس ريفيرا كورتيز.

كان يبكي بصوت عال صرخة حياة صافية كأنه يطالب بكل اللحظات التي انتظرها في الظل وكل الأيام التي قاوم فيها مع أمه صمت الغيبوبة.

وحين وضعوه على صدر فاليريا التصق جسده الصغير بجسدها الدافئ فانفجرت منها شهقة عميقة خرجت من صدرها لا كأنها زفرة ألم بل كأنها إعلان عودة عودة كاملة نهائية لا رجوع عنها.

بكت فاليريا وبكى هيكتور وبكى بعض من في الغرفة دون أن ينتبهوا حتى إلى دموعهم. لم يكن بكاء ضعف بل بكاء نهاية انتظار طويل.

بعد ساعات حين هدأت الغرفة وعاد الصمت إليها كان أول من دخل عليها زائر صغير بخطوات مترددة ولكن بعينين لامعتين.

كان دييغو إيميليانو.

وقف قرب

السرير يتأمل الطفل كما لو كان ينظر إلى نجم ولد لتوه في سماء قريبة. اقترب قليلا وخفض صوته وهمس بجدية طفولية خالصة

مرحبا يا ماتيو.

أنا دييغو.

أنا من أحضر لك أمك.

ابتسمت فاليريا له ابتسامة متعبة لكنها صافية. نظرت إليه طويلا وكأنها ترى فيه كل ما أعادها من العتمة. بصوت ما يزال خشنا ضعيفا لكنه واضح قالت المفاجأة التي لم يتوقعها أحد المفاجأة التي جعلت حتى بياتريس ميندوزا الواقفة عند الباب تسقط حذرها للحظة

دييغو هل تقبل أن تكون عرابه

اتسعت عينا الطفل وتجمد في مكانه.

لم يكن سؤالا عاديا بالنسبة له.

قال بدهشة صادقة

أنا

عراب حقيقي

أجاب هيكتور وهذه المرة لم يرتجف صوته بل خرج ثابتا ممتلئا امتنانا

نعم حقيقي.

لقد منحتنا عائلة كاملة.


مرت الأيام ثم الأسابيع وبدأت آثار تلك القصة تتجاوز حدود الغرفة رقم 312.

افتتح المستشفى برنامجا تجريبيا صغيرا للعلاجات التكميلية تحت إشراف طبي ودراسة علمية دقيقة. لم يعد الحديث عن الطين أو الأعشاب همسا في الممرات بل موضوع بحث ونقاش.

جرى تعيين دونيا توماسا مستشارة مجتمعية ولأول مرة منذ سنوات طويلة توقفت عن العيش بخوف دائم من فقدان عملها. صار صوتها مسموعا لا لأنها كسرت القواعد بل لأنها فتحت بابا كان مغلقا.

أما بياتريس ميندوزا المرأة الصارمة التي كانت ترى العالم من خلال البروتوكولات فقط فكانت المفاجأة الأكبر. صارت أول من يصر على توثيق كل خطوة كما ينبغي واعترفت يوما بصوت منخفض وفي لحظة صدق نادرة أن جدتها كانت تستخدم علاجات

مشابهة لكنها تعلمت منذ صغرها أن تخجل من ذلك.

قالت وهي تنظر إلى دييغو باحترام لم يسبق له مثيل

كم هو غبي

لقد نسيت كيف أستمع.

حصل دييغو إيميليانو على منحة مدرسية غيرت مسار حياته. لم يعد مجرد طفل يرافق جدته ليلا بل صار طفلا ينظر إليه كمنقذ صغير دون أن يحمل فوق طاقته.

ومع كل شهر جديد يكمله ماتيو أندريس في حياته كان هيكتور وفاليريا يكرران الطقس نفسه

صورة عائلية بسيطة

كوب شاي نعناع دافئ

والعراب الصغير يحمل الطفل برفق شديد كأنه يحمل مستقبلا لا يريد له أن ينكسر.

لأنه في النهاية في الغرفة رقم 312 لم يكن أول ما استيقظ هو فاليريا.

بل كان الأمل.

والأمل حين تحمله يد صغيرة وقلب نقي وصوت لا يعرف اليأس يكون أحيانا قويا بما يكفي ليحرك حتى ما ظن الجميع أنه لن يتحرك أبدا.

 

تعليقات

التنقل السريع
    close