القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 

سكريبت اهربي كامله وحصريه 

 


اهربي 

دخلـت العـروس إلى الحمـام لبضـع دقـائق أثناء الزفاف، فأوقـفها عامـل النظـافة عـند الباب وقال بهدوء: عريسِك حط حاجة في كاسك ما أعرفش ايه بس أوعي تشربي منه

تجمدت آية في مكانها للحظة شعرت وكأن الكلمات لم تصل إلى أذنها بل سقطت مباشرة في صدرها وأحدثت رجفة باردة سرت في جسدها كله نظرت إلى الرجل الذي قال الجملة ولم تجد في عينيه خوفا ولا رغبة في إثارة الفزع فقط يقين غريب وهدوء شخص رأى شيئا لا يستطيع تجاهله ثم ابتعد دون أن ينتظر ردها وكأنه أدى واجبا ثقيلا وترك القرار لها

أغلقت آية باب الحمام خلفها ببطء شديد واستندت بظهرها إلى الباب للحظات تحاول أن تلتقط أنفاسها وقفت أمام المرآة تحدق في انعكاسها فستان أبيض فاخر طرحة طويلة تاج بسيط ووجه شاحب لا يشبه وجه العروس التي حلمت أن تكونها طوال عمرها كانت تعرف أنها يفترض أن تكون سعيدة أن تشعر بالفرح والطمأنينة لكنها لم تجد في داخلها سوى فراغ بارد وقلق غامض كان يلازمها منذ الصباح دون سبب واضح

خلف الجدار كانت الموسيقى تعلو والزغاريد تتصاعد والضحكات تملأ القاعة صوت المقدم يعلن الفقرات واحدة تلو الأخرى والجميع يحتفلون وكأن العالم في أمان بينما كانت آية تشعر أن شيئا خطيرا يقترب منها ببطء

عدلت طرحتها وأخذت نفسا عميقا وحاولت إقناع نفسها أن ما سمعته مجرد سوء فهم ربما الرجل أخطأ أو بالغ أو أساء الظن فؤاد لا يمكن أن يفعل ذلك فؤاد كان هادئا محترما محسوبا في كل خطوة رجل أعمال ناجح معروف بعقله البارد وتنظيمه الشديد ظهر في حياتها بعد وفاة زوجها الأول بسنة واحدة فقط

حادثة سيارة مفاجئة على الطريق السريع قالوا إن الفرامل تعطلت وقالوا قضاء وقدر وانتهت حياة رجل كانت تحبه بهدوء موجع وبعدها وجدت نفسها وحيدة ضعيفة محاطة بالفراغ والخوف وفي وسط كل ذلك ظهر فؤاد قريب العائلة وقف بجوار والدها ساعد في الإجراءات حضر العزاء اهتم بالتفاصيل أوصل والدها إلى المستشفى عندما بدأت مشاكله القلبية تحدث تحدث عن الأمان والاستقرار والمستقبل وأقنع الجميع أنه الرجل المناسب

والدها وثق فيه العائلة وثقت فيه وحتى هي حاولت أن تصدق أن الله يعوضها به لكن شيئا في داخلها ظل متحفظا لم تعرف له اسما حتى تلك اللحظة

كلمات عامل النظافة ظلت تدور في رأسها كصدى لا يهدأ كاسك مسحوق أوعي تشربي

خرجت آية من الحمام بخطوات ثابتة تخفي اضطرابها وعادت إلى القاعة حيث كان فؤاد يقف في صدر المكان يضحك ويتحدث مع الضيوف بثقة رجل يظن أن كل شيء تحت سيطرته أمامهما كان هناك كأسان مربوطان بشريط حريري أبيض ضمن طقس من طقوس الاحتفال

جلست بجانبه فمال عليها ووضع يده على ركبتها تحت الطاولة لمسته كانت ثقيلة غير مريحة لم تكن لمسة حب بل لمسة امتلاك وضغط قال بصوت منخفض أين كنت المقدم مستني النخب

أجابته بهدوء مصطنع كنت أظبط الفستان ابتسم ابتسامة خفيفة لكن عينيه ظلتا باردتين وقال خلصي يلا ركزي

الموسيقى علت فجأة والمقدم رفع الكأس ودعا الجميع للصمت التفت فؤاد للحظة يرد على أحد الحضور وفي تلك الثانية القصيرة مدت آية يدها وعدلت الشريط الحريري حول الكأسين وبحركة محسوبة بدلت موضعيهما ثم أعادت يدها إلى مكانها وكأنها لم تفعل شيئا قلبها كان يخبط بعنف لكنها لم ترتجف

عاد فؤاد وجلس ورفع الكأس بثقة وقال بصوت مسموع نخب بداية عمر جديد رفعت آية الكأس الآخر وابتسمت ابتسامة هادئة والتقت عيناها بعينيه لثوان شعرت خلالها أن الزمن توقف ثم شرب

في البداية لم يحدث شيء ابتلع الرشفة الأولى بسهولة ثم الثانية لكن فجأة تغير وجهه اختفت الابتسامة وبهت لون بشرته وارتعشت يده ثم سقط الكأس من بين أصابعه وارتطم بالأرض محدثا صوتا حادا قطع القاعة كلها

ساد صمت ثقيل وووو صلي على محمد وال محمد وتابع التعليقات 👇🔻👇


 


ساد صمت ثقيل لثوانٍ بدت أطول من عمر القاعة نفسها، كأن الموسيقى والزغاريد والضحكات كلها توقفت عند تلك اللحظة، وعيون الحضور اتجهت فجأة إلى فؤاد الممدد على المقعد ويده ترتجف وملامحه تتغير بسرعة مخيفة، لم يفهم أحد ما يحدث، بعضهم ظنها مزحة ثقيلة أو هبوطًا مفاجئًا في الضغط، وآخرون اعتقدوا أنه توتر عريس في ليلة زفافه، لكن آية كانت الوحيدة التي رأت الحقيقة تتشكل أمامها بوضوح جارح.


ارتفع همس مرتبك بين الصفوف، سيدة صاحت باسمه، رجل تحرك نحوه، المقدم تجمد مكانه لا يعرف هل يكمل الفقرة أم يطلب إسعافًا، وفؤاد حاول أن يتكلم لكن صوته خرج مبحوحًا متقطعًا، حاول أن ينهض فسقط مرة أخرى، عرق بارد غطى جبهته، وشفته ارتجفت كأنه يحاول التمسك بالحياة أو ربما يحاول إنكار ما يحدث له.


آية ظلت جالسة في مكانها، ظهرها مستقيم، يداها متشابكتان في حجرها، قلبها يخبط بعنف لكن وجهها كان هادئًا على نحو غريب، لم تصرخ، لم تندفع نحوه، لم تمثل دور العروس المفزوعة كما كان متوقعًا منها، فقط نظرت إليه بنظرة طويلة صامتة، نظرة امرأة فهمت أخيرًا كل ما لم تفهمه من قبل.


أحد الحضور اقترب وهو يهتف اطلبوا إسعاف بسرعة، آخر جرى ناحية الخارج، والمقدم حاول إنقاذ الموقف بصوت مرتعش، لكن القاعة كانت قد انكسرت، لم يعد هناك زفاف، لم يعد هناك نخب، لم يبق سوى رجل يحتضر وسط زينته البيضاء وامرأة تقف على حافة حقيقة قاسية.


نُقل فؤاد إلى المستشفى وسط فوضى عارمة، سيارات الإسعاف، همهمات، بكاء، تساؤلات، اتهامات مبطنة، وآية كانت تجلس في سيارة أخرى بصحبة والدها، رأسها مائل إلى النافذة، تنظر إلى أضواء الشارع دون أن تراها، تستعيد المشهد من أوله، كلمات عامل النظافة، الكأس، اللمسة الثقيلة، الابتسامة الباردة، وكأن كل شيء كان إشارة واضحة لكنها لم تملك الشجاعة لرؤيتها إلا في اللحظة الأخيرة.



في المستشفى أُدخل فؤاد العناية المركزة، أطباء يتحركون بسرعة، أجهزة، أصوات متداخلة، تشخيص أولي بتسمم حاد، المادة غير معروفة بعد، ووجوه العائلة تجمدت، السؤال الوحيد الذي تكرر همسًا وصراخًا هو كيف ولماذا.


جلست آية في صالة الانتظار، فستانها الأبيض اتسخ عند الحافة، طرحتها انزلقت عن رأسها، لكن لم يكن ذلك مهمًا، لم تعد تلك العروس، لم تعد تلك المرأة التي جاءت لتبدأ عمرًا جديدًا، كانت الآن امرأة تحاول فهم كيف نجت من موت محقق دون أن تموت معه.


بعد ساعات خرج الطبيب بوجه متجهم، أعلن أن الحالة مستقرة مؤقتًا لكن الخطر لم يزُل، وأن المادة المستخدمة قوية ومقصودة وليست عرضية، وأن التحقيق سيأخذ مجراه، هنا فقط بدأت العيون تلتفت إلى آية، نظرات غير منطوقة، تساؤلات صامتة، بعض الشك، بعض الاتهام، وبعض الفضول القاسي.


اقتربت منها شقيقة فؤاد وسألتها بصوت منخفض لكنه حاد، حصل إيه بالضبط، آية رفعت عينيها ببطء وقالت الحقيقة كما هي، قالت إن شخصًا حذرها، قالت إنها بدلت الكأسين، قالت كل شيء دون تردد، ساد صمت أشد من صمت القاعة، صمت ثقيل لا يحتمل، ثم انفجرت الأصوات، اتهامات، صراخ، بكاء، والدها وقف أمامها يحميها بجسده، يكرر إنها بنتي وأنا واثق فيها.


وصلت الشرطة، التحقيق بدأ، عامل النظافة تم استدعاؤه، تبيّن أنه رأى فؤاد وهو يضع شيئًا في الكأس أثناء انشغاله بالضيوف، حاول إبلاغ أحد لكنه لم يجد إلا العروس، فعل ما استطاع ثم انسحب، تحليل المعمل أكد أن المادة مخدرة قوية كانت ستفقد آية وعيها تمامًا خلال دقائق.


هنا انقلبت القصة، من عروس متهمة إلى ضحية نجت بأعجوبة، ومن رجل أعمال محترم إلى مشتبه به يحمل تاريخًا بدأ يتكشف ببطء، علاقات سابقة انتهت فجأة، زوجة أولى توفيت في ظروف غامضة، شريكة أعمال اختفت من المشهد، ملفات قديمة أُغلقت بسرعة مريبة.


آية عادت إلى بيت والدها بعد أيام، الزفاف أُلغي، الخبر انتشر، الناس تحدثت، بعضهم تعاطف، بعضهم شكك، لكنها لم تعد تهتم، كانت تحاول فقط أن تعود إلى نفسها، أن تفهم كيف سمحت لنفسها أن تقترب من هذا الحد من الخطر دون أن تنتبه.


في الليل كانت تستيقظ فزعة، ترى الكأس يسقط، ترى عينيه الباردتين، تسمع عبارة أوعي تشربي، لكنها مع كل فجر جديد كانت تشعر بقوة مختلفة، قوة امرأة كُتب لها عمر آخر.


بعد أسابيع صدر القرار الرسمي بفتح تحقيق موسع في كل ما يخص فؤاد، وُضع تحت الحراسة في المستشفى، ثم نُقل إلى السجن بعد تحسن حالته، لم تسعَ آية للانتقام، لم تزره، لم تحاول مواجهته، تركت العدالة تأخذ مجراها، واكتفت بأنها نجت.


مرت الشهور، الحياة عادت ببطء، آية بدأت علاجًا نفسيًا، عادت لعملها، أعادت ترتيب بيتها وغرفتها وأفكارها، تعلمت أن الثقة لا تُمنح لمجرد الاحتياج، وأن الهدوء قد يخفي أخطر العواصف.


وفي يوم عادي، بينما كانت تشتري قهوتها من مقهى صغير، رأت عامل النظافة نفسه، تعرفت عليه فورًا، ابتسمت له، شكرته بعينيها قبل كلماتها، قال لها بهدوء الحمد لله إنك سمعتي، أومأت برأسها ومضت، تشعر أن بعض الغرباء يمرون في حياتنا فقط لينقذونا ثم يختفون.


عادت آية إلى بيتها ذلك اليوم، وقفت أمام المرآة، نفس المرآة التي وقفت أمامها يوم الزفاف، لكن الوجه كان مختلفًا، أكثر وعيًا، أقل خوفًا، امرأة خرجت من حافة الموت لتبدأ حياة لا تقوم على الوهم، بل على الاختيار.


وأدركت أخيرًا أن نجاتها لم تكن صدفة، بل فرصة، وأن بعض النهايات المؤلمة ليست إلا بدايات مؤجلة، وأن الكأس الذي لم تشربه أنقذ عمرًا كاملًا.


تمت


تعليقات

التنقل السريع
    close