هَرَبت بنت عمرها 12 سنة… وبعد 8 ساعات رجعت الكلاب والصدمة بدأت!
هَرَبت بنت عمرها 12 سنة… وبعد 8 ساعات رجعت الكلاب والصدمة بدأت!
ميسيسيبي عام 1891. أطلقت ثلاثة كلاب من فصيلة الروت وايلر في عتمة الليل لتعقب فتاة مستضعفة تبلغ من العمر اثني عشر عاما تدعى أميليا. كانت الكلاب شديدة الشراسة ومدربة على المطاردة. لم تكن تفشل بسهولة.
كان مالك المكان يتوقع عودتها خلال ساعة أو ساعتين ومعها دليل يؤكد أنها لحقت بالفتاة. لكن ثماني ساعات مرت. ثم عادت الكلاب.
وما الذي عادت به جعل حتى أقسى الرجال في ذلك المكان يتراجعون إلى الخلف مصدومين.
ما حدث خلال تلك الساعات الثماني كشف سرا مدمرا إلى درجة أنه كان سيهز أساس كل ما ظنوه حقيقة. وكل شيء بدأ بوجود فتاة لم يكن يفترض أن تكون موجودة. ولدت أميليا عام 1879.
وكان ذلك بعد أربعة عشر عاما من انتهاء حقبة الاستغلال القسري رسميا في الولايات المتحدة. لكن في ثورنهيل في ريف ميسيسيبي لم يخبر أحد العاملين تحت الإكراه أن الحرية قد جاءت.
كانت المستوطنة تقع عميقا داخل غابة نائية على بعد أميال من أي بلدة مخفية خلف الأشجار الكثيفة والأحراش والمستنقعات. كان الشريف الأقرب يتقاضى المال كي يغمض عينيه. لم يكن البريد يصل. ولم يكن الزوار يأتون. وكان الثلاثة والأربعون شخصا الذين عاشوا وماتوا على تلك الأرض يعتقدون أنها ما تزال ملكا لغيرهم. كانوا يعتقدون أن الهرب يعني خطرا كبيرا وعاقبة قاسية. ويعتقدون ذلك لأن هذا ما قيل لهم كل يوم.
توفيت أم أميليا أثناء ولادتها. أما والدها أخذ منها قسرا قبل أن تستطيع المشي. ربتها أخت تدعى روث وكانت تهمس لها بحكايات عن عالم خلف الأشجار.
أخبرتها روث عن حرب قيل إنها حررتهم جميعا. لكنها حذرتها أيضا من التلفظ بتلك الكلمات علنا لأن توماس ثورنهيلمالك المكانكان معروفا بقسوته الشديدة ومعاقبته للناس لأسباب
أقل من ذلك.
كانت أميليا تعمل في البيت الرئيسي. تنظف الأرضيات وتحمل الماء وتقدم الطعام. وكانت تسمع دائما أنها محظوظة إن أكلت ما تبقى من الطعام. تعلمت أن تجعل نفسها غير مرئية. لكن في داخلها كان شيء يحترق سؤال زرعته روث منذ سنوات إذا كنا أحرارا فلماذا ما زلنا هنا
في ليلة الرابع عشر من أكتوبر عام 1891 اتخذت أميليا قرارا غير كل شيء. هربت.
تسللت بعد منتصف الليل مباشرة. لم تحمل معها شيئا. لا طعام ولا بطانية ولا حذاء. كانت ترتدي الفستان القطني نفسه الذي تعمل به ولا شيء غيره. كان ضوء القمر شقا رقيقا بالكاد يرى. وكان الظلام كثيفا حتى إنها لم تر يديها أمام وجهها. لكنها ركضت على أي حال. ركضت لأن البقاء يعني ذبولا بطيئا والهرب يعني مخاطرة كبيرة لكنه على الأقل كان اختيارا.
اتجهت شرقا. كانت روث قد أخبرتها أن الشرق يقود إلى النهر وأن النهر يقود إلى قرى يعيش فيها السود أحرارا. قالت إن الطريق يستغرق يومين إن كنت تعرفه. لم تكن أميليا تعرفه لكنها ركضت.
وخلفها في المكان استيقظت إحدى النساء لتقضي حاجتها. انتبهت أن فراش أميليا فارغ. فتشت البيت الرئيسي. فتشت المطبخ. ثم فعلت ما يمليه الخوف أيقظت المشرف.
كان اسمه سايرس غاب. رجلا قاسيا بلا رحمة وكان يبدو أنه يجد متعة في ترهيب الآخرين. أشرف على ثورنهيل تسع سنوات. سبق له أن أمسك بفارين. وكان يستمتع بذلك.
مشى سايرس ببطء نحو الحظيرة. خلف بوابة حديدية كانت ثلاثة كلاب روت وايلر. أسماؤها بروتوس وقيصر ونيرو. كان وزن كل واحد منها يفوق مئة رطل. ربيت منذ كانت جراء لتتعقب وتحاصر. كان سايرس يحرضها ويبقيها في حالة توتر لتكون أكثر اندفاعا.
أحضر بطانية أميليا من فراشها. شمتها الكلاب. تحدقت عيونها
في الرائحة. فتح سايرس الباب وقال اعثروا عليها. فانطلقت الكلاب إلى الليل.
سمعت أميليا النباح. كانت قد ابتعدت نحو ميل في الغابة حين بدأ الصوت أولا بعيدا ثم أقرب ثم قريبا جدا حتى سمعت وقع أقدامها. ركضت أسرع.
مزقت الأغصان طريقها وأرهقتها الأشواك والحجارة وكانت تركض بلا اتجاه واضح وتعبت قدماها بين الأشواك والحجارة. لم تكن ترى أين تتجه. تعثرت بجذور وصخور وسقطت ثم نهضت وسقطت ثم نهضت. كان النباح يقترب.
وصلت إلى جدول ماء. كان باردا وجريانه سريعا. كانت روث قد أخبرتها أن الماء قد يخفي الرائحة. فقفزت أميليا فيه.
جرفها التيار إلى الأسفل. تمسكت بصخرة وتشبتت بها. تشبع فستانها بالماء وصار ثقيلا. بقيت هناك والماء يصل إلى صدرها ترتجف وتستمع. توقف النباح.
للحظة لم يسمع سوى صوت الماء ودقات قلبها. انتظرت. لم تتحرك. ثم سمعت صوت الشم.
كانت الكلاب على ضفة الجدول في الأعلى. كانت تتحرك ذهابا وإيابا. تنتظر أن تعثر على الأثر من جديد. خاضت أميليا أعمق. تركت التيار يحملها إلى الأسفل. أبقت رأسها بالكاد فوق السطح. كان البرد يخدر أصابعها. لم تعد تشعر بقدميها. لكنها واصلت.
التقطت الكلاب الرائحة من جديد. دخلت الماء. حملها التيار أكثر. دفعت أميليا نفسها إلى الضفة المقابلة وبدأت الركض ثانية. التصق فستانها بجسدها. كل خطوة كانت كأنها تجر حجارة. تشنجت ساقاها. اختنق صدرها من شدة الركض. لكنها لم تتوقف.
ركضت ساعة أخرى وربما أكثر. انزلق الزمن من بين يديها. لم تكن تعرف أين هي. بدا كل شيء متشابها. كان الظلام يبتلع كل شيء. كانت تائهة.
ثم رأت شيئا. كوخا. في فسحة صغيرة. نصف منهار تغطيه الكروم. السقف هابط من جانب. الباب معلق بمفاصله.
لم تهتم إن كان مهجورا.
اندفعت إلى الداخل وأغلقت الباب المكسور وراءها. أسندت ظهرها إلى الجدار وانزلقت إلى الأرض. كان صدرها يعلو ويهبط بعنف. كان جسدها كله يرتجف. النباح قريب خمسون مترا أو أقل.
نظرت أميليا حولها. لا شيء لا أثاث لا أدوات فقط تراب وخشب متعفن وظلال. زحفت إلى أبعد زاوية عن الباب وتكورت. أغمضت عينيها.
وصلت للمرة الأولى في حياتها. لم تكن تعرف إن كان الله يسمع فتيات مثلها لكنها صلت.
توقف النباح مرة أخرى. ثم سمعت الكلاب خارجا. سمعت مخالبها تخدش الجدران الخشبية. سمعت شمها عند الباب. حبست أنفاسها.
ثم نبح واحد منها ونباح حاد متوتر.
لقد عثر عليها.
انفتح الباب بعنف. دخل بروتوس أولا. وبدا المشهد مرعبا. كانت عيناه هائجتين. تبعه قيصر ونيرو ملاصقين له.
أطلقت أميليا صرخة. انكمشت. لم يكن هناك مكان تهرب إليه. قفز بروتوس نحوها.
ثم حدث شيء.
انهارت الأرض. مرت أميليا عبر الخشب المتعفن وسقطت في الظلام. ارتطمت بالأرض بقوة. انقطع نفسها.
شهقت وسعلت ولم تفهم أين هي. فوقها كانت تسمع الكلاب تنبح وتخدش عند الفتحة التي سقطت منها لكنها لم تستطع الوصول إليها.
كانت الفتحة ضيقة جدا.
كانت أميليا في قبو. ظلام كامل. لم تر شيئا. مدت يديها تتحسس. الجدران تراب. الأرض تراب. كانت الرائحة رطوبة وعفنا وتعفنا قديما. كان العمق ربما ثلاثة أمتار.
لم تستطع الكلاب الوصول إليها.
جلست في الظلام ترتجف تستمع إلى هدير الكلاب فوقها. مرت ساعات.
لم تغادر الكلاب. بقيت عند حافة الفتحة تنبح وتزمجر. غمرها الإرهاق وثقل البرد على عظامها. كان فستانها ما يزال مبللا وباردا. ضمت نفسها وانتظرت. لم تكن تعرف ماذا تفعل غير ذلك.
ثم تغير النباح. صار أهدأ مترددا. كانت الكلاب تشم شيئا.
سمعت أميليا حركة ابتعادها عن الفتحة.
مخالب على أرض الكوخ. شيء شتت انتباهها. انتظرت. توقف النباح تماما. صمت.
لم تتحرك. لم تثق. بقيت تتنفس بصمت. مرت دقائق ربما ساعة. لم تعد تميز الزمن. ثم سمعت صوتا.
يا فتاة
كان صوت امرأة. عجوز. خشن. جاء من فوق من داخل الكوخ. يا فتاة هل أنت هناك هل أنت في الأسفل
لم تجب أميليا. لم تكن تعرف إن كان فخا.
لن أؤذيك. تلك الكلاب ذهبت. يمكنك الصعود الآن.
كان حلق أميليا جافا جدا. ابتلعت بصعوبة. من أنت همست.
شخص لا ينبغي أن يكون هنا هو الآخر. اصعدي. لدي ماء.
ترددت أميليا. ثم مدت يدها حتى وجدت قطعة خشب بارزة في الجدار. استخدمتها لتتسلق. صعدت ببطء وحذر حتى استطاعت أن ترى الفتحة. كان وجه يراقبها.
امرأة سوداء البشرة شعرها فضي وتجاعيد عميقة حول عينيها.
انحنت وساعدت أميليا على الخروج. وقفت أميليا بساقين مرتجفتين ونظرت حولها. الكلاب اختفت. وقفت المرأة أمامها وفي يدها كوب قصدير.
اشربي.
أخذت أميليا الكوب وشربت. كان الماء فاترا لكنه كان ألذ ماء ذاقته في حياتها. شربت حتى فرغ الكوب.
أين ذهبت الكلاب سألت أميليا.
ابتسمت المرأة. لم تكن ابتسامة فرح. كانت ابتسامة حزينة تعرف الكثير.
قالت أبعدتها.
كيف
كما أبعدت كل من جاء يبحث عني. أعرف أشياء أشياء تخيف الكلاب وتخيف الرجال أيضا.
حدقت أميليا فيها. من أنت
اسمي إستير. أعيش في هذه الغابة منذ قرابة أربعين عاما. كنت محتجزة منذ زمن بعيد. وهربت.
لاحقوني بالكلاب أيضا. لكنني تعلمت البقاء. تعلمت الاختباء والدفاع عن نفسي بطرق
خانتها ساقا أميليا فسقطت إلى الأرض.
هل سيعودون سألت ودموع الألم في عينيها.
الكلاب لا. وضعت شيئا في الهواء لا يحتملونه.
ثم قالت لكن الرجال عاجلا أم آجلا سيأتون. هم دائما يأتون.
ماذا أفعل
جثت إستير أمامها وضعت يدها على
كتفها استريحي ثم اركضي من جديد. لكن هذه المرة اركضي بعقل. سأريك الطريق.
نامت أميليا ساعتين على أرض الكوخ الترابية. وعندما استيقظت كان الفجر يتسلل من الشقوق.
كانت إستير جالسة قرب الباب تحدق في الأشجار. في يدها أداة قديمة لكنها حادة.
قالت دون أن تلتفت سترين قريبا. الكلاب عادت إلى أصحابها. والرجال سيريدون أن يفهموا لماذا عادت الكلاب إن لم تعودي أنت.
جلست أميليا. كان جسدها يصرخ من الألم. عضلاتها مشدودة. قدماها متورمتان وعليهما آثار تعب وإرهاق.
نظرت إليهما وكادت الدموع تنفلت. لكنها حبستها.
كم يبعد النهر سألت أميليا.
يومان إن تحركت بسرعة. ثلاثة إن لم تفعلي. لكنك لن تذهبي إلى النهر.
رفعت أميليا عينيها لماذا
لأنهم يعرفون أن الفارين يذهبون إلى هناك. سيكون رجال ينتظرون. إن ذهبت إلى النهر سيلقون القبض عليك أو أسوأ.
إذا إلى أين أذهب
التفتت إستير أخيرا. كانت نظرتها حادة لكنها غير قاسية.
إلى الشمال. هناك مستوطنة تبعد أربعة أيام. أناس أحرار. لا تسألي كثيرا. هم لا يطردون أحدا. لكن الطريق خطير. طريق قاس لا يرحم كثيرون لا يصلون.
قالت أميليا معظم الناس لا يصلون أصلا.
ابتسمت إستير ابتسامة خفيفة أنت لديك نار في داخلك. جيد. ستحتاجينها.
نهضت إستير وذهبت إلى زاوية الكوخ حركت ألواحا رخوة وأخرجت كيسا صغيرا. فيه لحم مجفف وقطعة خبز يابس وقارورة ماء. ناولته لأميليا.
هذا يكفيك يومين إن كنت حذرة. بعد ذلك ستبحثين عن طعام بنفسك.
هزت أميليا رأسها لا أعرف
تنهدت إستير ستتعلمين بسرعة أو ستنهكين سريعا وتفقدين قدرتك على الاستمرار.
ثم جلست قربها وبدأت تربط قدميها بقطع قماش مزقتها من بطانية قديمة. كان القماش خشنا لكنه أفضل من لا شيء.
لماذا تساعدينني سألت أميليا.
لم تجب إستير فورا.
أنهت الربط ثم اتكأت إلى الخلف.
لأن أحدا ساعدني مرة منذ زمن. وأقسمت إن أتيحت لي فرصة سأفعل الشيء نفسه. هذا كل شيء.
ثم نهضت وعادت إلى الباب عليك أن تغادري الآن. أنا عجوز وأشعر بما سيأتي.
وقفت أميليا. كانت ساقاها ترتجفان لكنها تماسكت. علقت الكيس على كتفها.
وأنت
سأكون بخير. أنا دائما بخير.
اتجهت أميليا نحو الباب. ثم توقفت ونظرت إلى إستير.
شكرا لك.
هزت إستير رأسها لا تشكريني بعد. اشكريني حين تنجحين.
خرجت أميليا إلى الغابة. كان هواء الصباح نقيا. بدأت الطيور تغني. للحظة شعرت كأن السلام ممكن.
ثم سمعت أصواتا.
أصوات رجال. بعيدة لكنها تقترب.
ركضت.
رأت إستير ظلها يختفي بين الأشجار. ثم استدارت وعادت إلى الكوخ وجلست في منتصفه تنتظر. لقد فعلتها من قبل. وكانت تعرف ما سيأتي.
بعد خمس عشرة دقيقة وصل سايرس غاب ومعه خمسة رجال. كانوا يحملون عصيا وأشياء للعمل . طوقوا الكوخ.
ركل سايرس الباب ودخل. رأى إستير جالسة ساكنة كالحجر.
أين هي سأل.
من ردت إستير.
اقترب سايرس بحدة وهو يضغط بالكلام الفتاة الكلاب تتبعتها حتى هنا. أين هي
نظرت إليه إستير كما لو كان طفلا يصرخ في نوبة غضب لا توجد فتاة هنا. أنا وحدي منذ سنوات. كلابك لا بد أنها ضاعت.
نظر سايرس حوله. رأى الفتحة في الأرض. اقترب ونظر إلى القبو. كان فارغا.
استدار نحو إستير أنت تكذبين.
قالت بهدوء صدق ما تشاء ولا تجعله حقيقة.
تقدم أحد الرجال سايرس نضيع الوقت. الفتاة خرجت منذ مدة. لنذهب.
حدق سايرس في إستير طويلا. ثم خفض ما كان يحمله.
إن اكتشفت أنك ساعدتها سأعود ولن أكون لطيفا.
لم تقل إستير شيئا.
خرج سايرس ورجاله. سمعت خطواتهم تبتعد. نهضت إستير أمسكت أداتها القديمة وخرجت من الباب الخلفي. الآن عليها أن تهرب هي أيضا.
كانت أميليا
تتحرك بأقصى ما تستطيع. الضمادات ساعدتها لكن كل خطوة كانت ألما. اتبعت الاتجاه الذي حددته إستير نحو الشمال نحو شيء قد يكون حرية أو نهاية.
عند الظهيرة بدأت الأشجار تتغير. صارت الأرض أكثر رطوبة وليونة. شمت رائحة المستنقع قبل أن تراه رائحة ماء راكد وأشياء فاسدة منذ زمن.
وقفت على حافة المستنقع وتحدقت.
امتد أمامها كمرآة سوداء. أشجار تخرج من الماء جذورها ملتوية كأنها ممضوغة. طحالب تتدلى من الأغصان مثل ستائر قديمة. كان الماء ساكنا أكثر مما ينبغي. عرفت ما يعنيه ذلك تماسيح.
كان أمامها خياران تعبر المستنقع أو تلتف حوله. الالتفاف سيأخذ أياما وهي لا تملك أياما.
فنزلت إلى الماء.
كان دافئا على نحو مزعج. وصل إلى ركبتيها. ثم إلى خصرها. ثم إلى صدرها. كانت الأرض طينا لزجا يمسك بقدميها مع كل خطوة.
رفعت ذراعيها فوق الماء وتحركت ببطء. لم ترد أن تحدث صوتا. لم ترد أن تجذب الانتباه.
مر شيء قرب ساقها. تجمدت في مكانها. نظرت إلى الأسفل لكنها لم تر شيئا في ذلك الماء الداكن. انتظرت. ثم ابتعد الشيء. فتابعت.
استغرق عبور المستنقع ثلاث ساعات. وعندما وصلت إلى أرض صلبة في الجهة الأخرى انهارت. كان جسدها كله يرتجف. انفكت الضمادات عن قدميها وطفت بعيدا. كان فستانها مغطى بالطين والوحل. كانت رائحتها رائحة طين وماء راكد.
بقيت مستلقية وقتا. كانت الشمس تميل إلى الغروب. عرفت أنها يجب أن تتحرك أن تبحث عن مأوى قبل حلول الليل لكن جسدها لم يطع.
كانت متعبة جائعة مكسورة.
ثم سمعت خطوات.
أجبرت نفسها على الجلوس.
خرج شخص من بين الأشجار. رجل أسود طويل القامة. يحمل أداة صيد. انقبض قلب أميليا. حاولت الوقوف لكن ساقيها لم تستجيبا.
وقف على بعد خطوات. نظر إليها من أعلى لأسفل.
هل أنت خائفة سأل.
لم تجب. لم تعرف إن كانت تستطيع الوثوق به.
قال لا بأس. لن أؤذيك.
خفض ما كان يحمله ووضعه على الأرض. ثم جلس
أمامها.
اسمي ماركوس. أنا حر منذ ستة أشهر. أتجه إلى المستوطنة إلى الملاذ.
هل أنت ذاهبة إلى هناك أيضا
أومأت أميليا ببطء.
كم يبعد سألت.
ثلاثة أيام إن سرنا بثبات. أقل إن ضغطنا أنفسنا. لكنك لا تبدين قادرة على الكثير.
قالت أميليا سأصل.
راقبها ماركوس. ثم أخرج من حقيبته قطعة سمك مجفف وناولها لها كلي. لن تصلي إلى مكان وبطنك فارغة.
أخذت أميليا السمك وأكلت. كان مالحا وقاسيا لكنه طعام. أكلت ببطء كأنها تخشى أن يختفي.
سألها ماركوس من أين أنت
قالت من ثورنهيل.
تغير وجهه. اندهش ثم غضب.
ثورنهيل من المفترض أن ذلك المكان مهجور. الجميع يعرفون أن الحرب حررتهم قبل ثلاثين عاما.
قالت أميليا هناك لم يخبرونا.
وقف ماركوس وراح يتمشى بعصبية كأنه يريد أن يحطم شيئا.
كم شخصا ما يزال هناك
ثلاثة وأربعون ربما أقل الآن. الناس يرحلون ولا أحد يعوضهم.
تنفس ماركوس بعمق يجب أن نبلغ أحدا. عندما نصل إلى المستوطنة سنجعلهم يسمعون.
قالت أميليا لن يصدقوك.
قال سيفعلون لأنني سأجعلهم يفعلون.
أرادت أميليا أن تصدقه. أرادت أن تؤمن أن أحدا سيهتم. لكنها تعلمت منذ زمن أن التمني لا يجعل الأشياء حقيقية.
قال ماركوس سنرتاح هنا الليلة. نتحرك قبل الفجر. سأحرس. أنت نامي.
قالت أميليا لا أستطيع. كلما أغمضت عيني أسمع الكلاب.
قال الكلاب ذهبت.
قالت الكلاب دائما تعود.
لم يجادلها. أومأ فقط إذن سنبقى مستيقظين معا.
حل الظلام. امتلأت الغابة بأصوات الليل صراصير بوم أشياء تتحرك بين الشجيرات. كانت أميليا تفزع من كل صوت. أما ماركوس فبقي هادئا. كان يميز الأصوات المهمة من غير المهمة.
قرب منتصف الليل قال ماركوس هل لك عائلة هناك
قالت لا كلهم رحلوا. غابوا أو تفرقوا لا أعرف.
قال آسف.
قالت لا بأس. أنا خرجت. هذا ما يهم.
نظر ماركوس إليها أنت قوية. أقوى من معظم من عرفتهم. ستصلين.
قالت أنت لا تعرف.
قال بل أعرف.
لم ترد. ضمت ركبتيها إلى صدرها وحدقت في الظلام. في مكان ما كان سايرس ورجاله يبحثون عنها. وفي مكان ما كان الباقون يعيشون في القيود يظنون أن هذا قدرهم. تذكرت روث. تساءلت هل عرفت أنها هربت. هل هي فخورة أم مرعوبة أم الاثنان معا. هل ستراها مرة أخرى.
لم تسمح لنفسها بالبكاء.
البكاء لا يفيد. يضعفك وهي لا تستطيع أن تكون ضعيفة. ليس الآن.
ومع تقدم الليل استسلمت عيناها أخيرا. نامت جالسة رأسها على ركبتيها. حلمت بكلاب بعيون حمراء ومطاردات وبنهر لا تصل إليه.
عندما استيقظت كان ماركوس يهز كتفها علينا أن نتحرك. الآن.
قالت الآن ماذا هناك
قال سمعت أصوات رجال على بعد ميل تقريبا.
حملوا أشياءهم وانطلقوا بسرعة. كانت الشمس تبدأ بالارتفاع. كانت الغابة رمادية كئيبة. شقوا طريقهم نحو الشمال بين الشجيرات والأخشاب الساقطة. خلفهم كانت الأصوات تقترب.
قال صوت أرى آثار أقدام هنا. هم مروا من هنا.
كانت قدما أميليا تتألمان من جديد. تركت خطواتهما آثارا على الأرض. كانت تعرف أنهما يتركان دليلا لكن لا شيء يمكن فعله.
وصلوا إلى واد عميق وضيق جوانبه شديدة الانحدار وفي قاعه مجرى ماء.
نظر ماركوس إلى أميليا علينا أن نقفز.
قالت لا أستطيع.
قال بلى تستطيعين. على الثلاثة. واحد اثنان ثلاثة اقفزي!
قفزت أميليا سقطت وتدحرجت. اندفع ألم حاد في كاحلها. حبست صوتها بصعوبة.
هبط ماركوس بجانبها وساعدها على النهوض فورا واصلي.
ركضوا في قاع الوادي يرشون الماء البارد. كان الماء يخفف حرارة قدميها المحترقتين. تحركوا بأسرع ما يستطيعون لكن أميليا بدأت تبطئ. كان كاحلها ينتفخ. كانت تعرج بشدة.
خلفهم سمعوا الرجال يصلون إلى حافة الوادي.
انزلوا طوقوهم!
شتم ماركوس بصوت منخفض. ثم قال لأميليا هل تعرفين التسلق
نظرت إلى الجدران الحادة لا.
قال
ستتعلمين.
وجدوا جزءا أقل انحدارا. صعد ماركوس أولا ثم مد يده لها. أمسكت يده وحاولت. انزلقت قدماها على الصخور المبللة فسقطت. أعاد رفعها. حاولت مرة ثانية. وصلت إلى منتصف الطريق ثم خانها كاحلها فسقطت.
كانت الأصوات تقترب.
قالت أميليا لاهثة اتركني اذهب.
قال لا. عليك أن تصلي. عليك أن تخبريهم عن ثورنهيل. اجعليهم يسمعون.
عاد ماركوس إلى أسفل أمسك كتفيها لن أتركك. سنصل معا. هيا.
نظرت في عينيه ورأت شيئا لم تره منذ زمن عزيمة أمل إيمان.
نهضت. ساعدها. ببطء وألم لكنهما وصلا إلى الأعلى. اندفعا داخل الأشجار.
خلفهما كانت الكلمات واضحة أراهم! لا تدعوهم يهربون!
تعالت أصوات مخيفة خلفهم واهتزت الأشجار من حولهم فزادوا سرعتهم بكل ما لديهم وتساقطت قشور من جذوع الأشجار من شدة الارتباك حولهم فواصلت الركض.
ثم خرجوا من بين الأشجار إلى فسحة.
وفي الفسحة كانت هناك بيوت حقيقية. دخان يخرج من المداخن. أناس في الحقول والحدائق.
توقف الجميع وحدقوا.
تعثرت أميليا وماركوس إلى داخل الفسحة. خلفهما خرج ثلاثة رجال من الغابة. توقفوا حين رأوا المشهد.
رفع أحدهم أداة بيده وقال هذان فاران إنهما تابعان لنا.
تقدم رجل مسن من أهل المستوطنة شعره أبيض ولحيته بيضاء. كان يمشي بعكاز لكن صوته قوي.
قال هنا لا يوجد ملك هنا أناس أحرار. وأنتم معتدون.
قال الرجل لدينا حق في ملكنا.
قال المسن ولديكم حق واحد فقط الآن أن ترحلوا. وإلا
تقدم رجال ونساء. بعضهم يحمل أدوات. وبعضهم كان في وضع استعداد للدفاع عن المكان. وقفوا صفا بين الرجال وبين أميليا وماركوس.
نظر الرجال الثلاثة إلى بعضهم. كانوا أقل عددا مما توقعوا. قال أحدهم هذا لم ينته.
قال المسن بل انتهى.
تراجع الرجال ببطء ثم استداروا واختفوا في الغابة.
انهارت ساقا أميليا تماما. سقطت على الأرض.
جثا ماركوس بجانبها.
اقترب المسن ونظر إليهما من أين أنتما
قال ماركوس من ثورنهيل وما يزال هناك أربعون آخرون يحتاجون النجدة.
اشتد وجه الرجل ثورنهيل من المفترض أن ذلك المكان لم يعد موجودا.
قال ماركوس هو موجود وهم ما يزالون محتجزين قسرا هناك.
همس الناس. الحرية جاءت منذ 1865
نظر المسن إلى أميليا أحق ما تقولون
أومأت أميليا. لم تستطع الكلام. كانت منهكة.
التفت الرجل إلى الناس اتصلوا بالشريف واتصلوا بالمأمور الفيدرالي. اليوم سننهي هذا.
بعد يومين كانت أميليا تجلس على شرفة بيت صغير في المستوطنة. كانت قدماها مضمدتين جيدا. امرأة تدعى كلارا غسلت جروحها بماء دافئ وصابون وضعت مرهما ولفتها بقماش أبيض نظيف. وأعطتها فستانا جديدا من قطن أزرق مزين بزهيرات صفراء صغيرةأول ثوب جديد ترتديه في حياتها.
كانت تراقب الطريق منذ الفجر.
جلس ماركوس إلى جانبها سنرى.
قالت أميليا الكلمات لا تساوي الكثير.
قال هذه ليست كلمات. لقد حرصت على ذلك.
كان الرجل الذي قاد المستوطنة اسمه صموئيل. كان مستعبدا في ألاباما وهرب وهو في السادسة عشرة حتى وصل إلى الشمال. وبعد انتهاء الحرب عاد جنوبا وساعد في بناء هذه المستوطنة. سماها الأمل الجديد. كانت أربعون عائلة تعيش هناك. كانوا يزرعون ويبنون ويعيشون أحرارا.
أرسل صموئيل رسالة إلى مأمور فيدرالي في جاكسون. أخبره عن ثورنهيل وعن الناس الذين ما يزالون مستعبدين هناك وعن القوانين التي تنتهك. وعد المأمور بالتحقيق لكن الوعود سهلة والفعل صعب.
لم تسمح أميليا لنفسها أن تصدق أن شيئا سيتغير. تعلمت أن الأمل يؤلم حين يسلب.
لكنها رأتهم.
مجموعة رجال على ظهور خيل تنزل الطريق. كان المأمور الفيدرالي في المقدمة يرتدي بدلة داكنة وشارة على صدره. خلفه رجال وجنود يحملون معدات رسمية ووثائق.
خرج صموئيل للقائهم. تبعه ماركوس وأميليا.
قال المأمور أأنت صموئيل
قال نعم.
قال أنا المأمور كلايتون. جئت لأحقق في ادعاءات بوجود احتجاز قسري غير قانوني في
ثورنهيل.
قال صموئيل ليست ادعاءات إنها الحقيقة. ولدي شاهدان.
نظر كلايتون إلى أميليا وماركوس. ثبت نظره على أميليا كانت طفلة نحيلة عليها آثار جروح وعيناها أكبر مما ينبغي.
قال أأنت من ثورنهيل
قالت نعم يا سيدي.
قال وتقولين إن هناك أناسا ما يزالون محتجزين هناك
قالت نعم يا سيدي. اثنان وأربعون.
قبض المأمور على فكه. ثم التفت إلى رجاله نركب الآن. نتحرك فورا.
قال ماركوس سأذهب معكم.
وقالت أميليا وأنا أيضا.
نظر إليها المأمور ليس ضروريا يا فتاة
قالت بل ضروري. هؤلاء أهلي.
أرادت أن ترى العودة. أن ترى أن أحدا جاء. أن ترى أن أحدا اهتم.
تأملها المأمور لحظة ثم أومأ حسنا لكن ابقي خلفنا. قد يصبح الأمر خطيرا.
أعطوا أميليا وماركوس حصانين. لم تركب أميليا من قبل لكنها تعلمت بسرعة. تحركوا جنوبا نحو ثورنهيل. استغرق الطريق معظم اليوم.
كلما اقتربوا تسارع قلب أميليا. لم تكن تعرف ماذا ستجد. هل ما يزال أحد حيا وصلوا قبل الغروب بقليل.
كان المكان كما تتذكره البيت الأبيض الكبير على التلة الأكواخ الصغيرة خلفه الحقول الممتدة والدخان يتصاعد من المداخن. كان هناك أناس ما يزالون هناك.
رفع المأمور يده توزعوا. طوقوا المكان. لا أحد يخرج حتى آمر.
تحرك الرجال إلى مواقعهم. تقدم المأمور إلى البيت الرئيسي ومعه ستة رجال. بقيت أميليا وماركوس خلفهم لكن قريبين بما يكفي للرؤية.
خرج توماس ثورنهيل إلى الشرفة. كان رجلا ضخما وجهه محمر شعره يشيب. في يده كأس شراب. نظر إلى المأمور وابتسم.
قال كيف أساعدكم يا سادة
قال المأمور أنا المأمور الفيدرالي كلايتون. جئت لأحقق في بلاغات عن عبودية غير قانونية في هذه الأرض.
لم تختف ابتسامة ثورنهيل لا أعرف عما تتحدث. هذه مزرعة. هؤلاء عمال يتقاضون أجورا.
قال المأمور إذا لن تمانع إن تحدثت إليهم.
قال ثورنهيل افعل ما تشاء لكنك تضيع وقتك.
ترجل المأمور واتجه نحو الأكواخ. تبعته أميليا على مسافة. كان قلبها يكاد ينفجر.
تجمع الناس خارج الأكواخ. سمعوا الخيل رأوا رجالا أصحاب الشارات. وقفوا صامتين خائفين.
رأت أميليا وجوها تعرفها. كانت روث هناك. بدت أكبر سنا وأنحف لكنها حية. رأت روث أميليا فاتسعت عيناها.
تقدم المأمور اسمي المأمور الفيدرالي كلايتون. لدي أسئلة. هل تحتجزون هنا ضد إرادتكم
لم
يتكلم أحد.
نظروا إلى بعضهم. ثم نظروا إلى ثورنهيل على الشرفة. ثم إلى سايرس غاب الذي ظهر متأهبا.
سأل المأمور هل تستطيعون الرحيل متى شئتم هل تتقاضون أجرا
ساد الصمت.
لم تتحمل أميليا. تقدمت خطوة.
قالت بصوت مرتجف لكنه مسموع إنهم خائفون إن قالوا الحقيقة سيتعرضون للأذى.
ثم قالت لقد عوقبوا طوال حياتهم لأنهم قالوا الحقيقة.
اقتربت من روث. مدت روث يدها وأمسكتها.
همست روث أميليا يا طفلتي ماذا تفعلين
قالت أميليا ما كان يجب أن نؤجله أكثر.
التفتت إلى المأمور وقالت هؤلاء الناس مستعبدون هنا منذ قبل أن أولد. أبو ثورنهيل بدأ الأمر. أخفونا. قالوا لنا إن الحرب لم تعن شيئا. قالوا لنا إننا ملك لهم. أجبرونا على العمل. عاقبونا. وأوقعوا أذى وعقوبات قاسية على من خالفهم.
ثم قالت أنا في الثانية عشرة وقد شهدت هنا أحداثا قاسية لا تنسى. اختفوا وتركوا وراءهم آثارا بلا أسماء.
شحبت ملامح المأمور.
صرخ ثورنهيل من الشرفة كذب! هذه الفتاة كاذبة ولصة. هربت والآن تريد أن تثير الفوضى.
قالت أميليا إن كان كذبا فلماذا أطلقتم الكلاب خلفي ولماذا طاردني سايرس كأنني حيوان ولماذا على ظهور الناس هنا علامات معاناة لا تخطئها العين
التفتت إلى روث أريه.
ترددت روث. ثم استدارت ببطء ورفعت قميصها من الخلف. كان ظهرها مغطى بآثار قديمة.
واحدا تلو الآخر استدار آخرون رجال ونساء وحتى أطفال. ظهر بعد ظهر كلها آثار.
قبض المأمور يده بقوة ثم قال بصوت منخفض يا سيد ثورنهيل أنت قيد الاعتقال.
صرخ ثورنهيل بأي حق هؤلاء يعملون لدي!
قال المأمور بتهمة العبودية غير القانونية والاحتجاز القسري وجرائم جسيمة أخرى وانتهاك التعديل الثالث عشر من دستور الولايات المتحدة.
رمي ثورنهيل كأسه فانكسر على درجات الشرفة لا تستطيع فعل هذا! هذه أرضي! هؤلاء
قاطعه المأمور هؤلاء بشر. وهم أحرار منذ 1865. وأنتم تنتهكون القانون الفيدرالي منذ ثلاثين عاما.
أشار إلى رجاله اعتقلوه واعتقلوا المشرف أيضا.
حاول سايرس الهرب. لم يقطع ثلاثة أمتار حتى أوقفه رجلان بسرعة. سحب ثورنهيل أخرج تحت السيطرة وهو يصرخ.
وقف الناس في الأكواخ صامتين مذهولين. ثم بدأ أحدهم يبكي. ثم آخر. ثم الجميع.
لم تكن دموع حزن بل شيء آخر ارتياح عدم تصديق خوف فرح كل ذلك معا.
احتضنت روث أميليا بقوة
عدت عدت من أجلنا.
قالت أميليا وعدت نفسي إن نجوت سأعود.
اقترب المأمور سأحتاج إلى إفادات من الجميع. سيأخذ الأمر وقتا لكن العدالة ستتحقق.
قالت روث لا نريد مالا نريد أن نعيش بسلام.
قال المأمور وسيكون لكم ذلك.
على مدى ثلاثة أيام وثق رجاله كل شيء. وجدوا دلائل وشواهد لا تنكر في الغابة. جمعوا أدلة. اعتقلوا ثلاثة رجال آخرين تعاونوا مع ثورنهيل.
كان أمام سكان ثورنهيل خياران أن يبقوا ويعملوا الأرض أحرارا بحقوق ملكية أو أن يغادروا إلى حيث يشاؤون. اختار معظمهم البقاء لأنه البيت الوحيد الذي عرفوه لكنه سيكون بيتهم الآن.
ساعدهم صموئيل على تشكيل مجلس يدير شؤونهم. وساعدهم على تقديم الأوراق القانونية للمطالبة بالأرض. وساعدهم على فهم معنى الحرية.
أما أميليا فقررت أن تبقى لا في ثورنهيل. لم تستطع. كانت هناك أشباح كثيرة وذكريات كثيرة. لكنها بقيت في الأمل الجديد. أخذتها كلارا وزوجها كابنة.
وبقي ماركوس أيضا. صار صديقا مقربا لها. علمها القراءة. تعلمت بسرعة. بعد ستة أشهر صارت تقرأ أفضل من كثير من البالغين. كانت تقرأ كل ما تقع عليه كتبا صحفا وثائق قانونية. كانت تريد أن تفهم العالم وأن تضمن ألا يكذب عليها أحد مرة أخرى.
عقدت محاكمة توماس ثورنهيل بعد ثمانية أشهر. شهدت أميليا وشهدت روث واثنا عشر شخصا آخر. لم تحتج هيئة المحلفين أكثر من ساعتين. مذنب في جميع التهم. حكم عليه بعشرين عاما. انتهت قصته في محبسه بعد ثمانية عشر شهرا إثر أزمة قلبية.
حكم على سايرس بخمس عشرة سنة. ثم خرج واختفى. لم يعرف أحد أين ذهب. ولم يهتم أحد.
أما الكلاب الثلاثة فقيل إنها وجدت. وقيل إنها تجولت في الغابة. وقيل أشياء أخرى. لم تكن أميليا تريد أن تعرف.
بعد خمس سنوات من هروبها كانت أميليا تجلس على شرفة بيتها الصغير في الأمل الجديد. كانت في السابعة عشرة أطول وأقوى. بقيت آثار قدميها ندوبا باهتة لكنها كانت تحملها كتذكير.
كانت روث تعيش على بعد بيتين. صارت أكبر سنا لكنها أكثر ابتساما. زرعت حديقة صغيرة وصارت تقضي أيامها في رعاية نباتات تخصها لا تخص أحدا غيرها.
تزوج ماركوس امرأة من المستوطنة وأنجبا طفلا. عمل نجارا وساعد في بناء بيوت جديدة كلما جاءت عائلات أخرى. كان الأمل الجديد يكبر.
عملت أميليا معلمة. علمت الأطفال القراءة
والكتابة. علمتهم حقوقهم. علمتهم تاريخهم. أرادت أن يعرفوا ما حدث لآبائهم وأجدادهم وأن يعرفوا ثمن الحرية.
وفي إحدى الأمسيات جاءت فتاة صغيرة بعد الدرس.
قالت يا آنسة أميليا هل صحيح أنك هربت من الكلاب
قالت أميليا نعم صحيح.
قالت الطفلة هل كنت خائفة
جثت أميليا لتنظر في عينيها كنت مرعوبة كل ثانية لكنني ركضت على أي حال.
قالت الطفلة لماذا
أومأت أميليا لأن الخوف
لا يعني أنك لا تستطيعين أن تكوني شجاعة. الخوف يعني فقط أنك ما زلت حية. وطالما أنت حية تستطيعين أن تختاري. أن تستسلمي أو تواصلي. وأنا اخترت أن أواصل.
ابتسمت الطفلة وركضت إلى صديقاتها. راقبتها أميليا وهي تبتعد. تذكرت تلك الليلة الكلاب الظلام الرعب. تذكرت القرار الذي غير كل شيء.
وتذكرت الاثنين والأربعين الذين صاروا أحرارا لأن طفلة في الثانية عشرة فضلت أن تهرب على أن تعيش في قيد دائم. وتذكرت أناسا لم تعرف أسماءهم من حاولوا الهرب ولم ينجحوا ومن رحلوا وهم يظنون أن الحرية كذبة.
ووعدت نفسها كل يوم أن تتذكرهم وأن تكرمهم وأن تجعل معاناتهم ذات معنى وأن تتأكد ألا يتكرر ذلك أبدا.
كانت الشمس تغرب فوق الأمل الجديد. دخان يصعد من المداخن. أطفال يلعبون في الطرقات. أناس يجلسون على الشرفات يتحدثون ويضحكون. لم تكن الحياة مثالية. ولا شيء يصبح كاملا بمجرد الحرية.
لكنها كانت حياتهم. وكانت حرة.
والحريةكما فهمتها أميلياليست شيئا يمنح. إنها شيء ينتزع ويدافع من أجله ويحمى بإصرار وصدق وتضحية.
وحين تفهم معناها حقا لا يمكنك أن تعود إلى الوراء. لا يمكنك أن تنسى الحقيقة. لا يمكنك أن تتجاهل أنك تملك حق اختيار طريقك.
وأقوى وسيلة في وجه الظلم ليس الاستسلام بل رفض تصديق الأكاذيب. رفض قبول أنك أقل من إنسان. رفض الاعتقاد أن القيود قدر دائم.
كانت أميليا في الثانية عشرة حين تعلمت هذا الدرس.
كانت صغيرة ضعيفة خائفة لكنها امتلكت شيئا لم يستطع سجانوها انتزاعه اليقين بأنها تستحق الأفضل والشجاعة لتتصرف على أساس ذلك.
تلك الشجاعة أنقذت ثلاثة وأربعين نفساومنها نفسهاوأثبتت شيئا يخشاه الطغاة دائما أن شخصا واحدا محمولا بالحقيقة والإصرار وحدهما قادر على هدم نظام كامل بني على الكذب.
هربت أميليا إلى الظلام وهي لا تعرف إن كانت ستنجو. لكنها ركضت نحو الضوء نحو الحرية ونحو الأمل ووصلت.
لا لأنها كانت مميزة بمعجزة بل لأنها رفضت أن تقبل أنها ليست جديرة.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق