خرجت تطالب بحقّها… وبعد 14 سنة ظهر “الدليل” تحت الإسمنت
خرجت تطالب بحقّها… وبعد 14 سنة ظهر “الدليل” تحت الإسمنت!
في إيزتابالابا مارسآذار 1997. كان الحر قد بدأ يثقل على الجدران الرمادية في سانتا مارتا أكاتيتلا عندما أغلقت غوادالوبي هيريرا باب بيتها بحذر. كان الوقت قد تجاوز التاسعة صباحا بقليل. ولم تكن تعلم أنها لن تعبره مرة أخرى. وعلى امتداد عقدين صارت غوادالوبي هيريرا مارتينيث اسما مألوفا في تلك المستعمرة.
امرأة قليلة الكلام رسمية المظهر تمشي باكرا وحقيبتها البيج الفاتح على كتفها نحو بيوت ليست بيتها تنظف الأرضيات وتطبخ وترعى أطفالا ليسوا أبناءها. وفي الخامسة والأربعين كانت ما تزال تملك القوة لطي الملاءات المبللة أو حمل الدلاء من الخزان إلى الطابق الثاني لكن ما لم تعد تحتمله هو قلة الاحترام.
في ذلك الاثنين خرجت غوادالوبي مرتدية بلوزة بلون خمري بأزرار كوتها بعناية في الليلة السابقة وبنطالا بيج فاتحا كانت ترتديه حين تريد أن تبدو أكثر رسمية قليلا. لم يكن يوما عاديا. فمنذ أسابيع وهي تدور في رأسها فكرة مواجهة امرأة تعرفها جيدا.
فرجينيا دي لا توري ربة عملها السابقة. كانت فرجينيا قد شغلتها سبع سنوات. لم تكن لطيفة لكنها كانت تدفع في موعدها حتى الأشهر الأخيرة. وعندما قررت غوادالوبي ترك العمل بسبب التعب ومشكلة في ركبتها طلبت منها السيدة بضعة أيام لتصفية مستحقاتها. ثم اختفت دون تفسير وانتقلت من منزلها دون أن تدفع ما عليها.
خلال الأسابيع التالية حاولت غوادالوبي التواصل معها عبر أرقام قديمة. سألت الجيران بل طلبت من عاملة سابقة عنوانها الجديد. لا شيء. كان شعورها بأنها مهملة ينخرها. لم يكن الأمر مالا فحسب بل كرامة. وفي ذلك الصباح قالت لابنتها الكبرى ميريام إنها ستذهب أخيرا للبحث عنها.
تمتمت وهي تضبط حزام حقيبتها لن أترك الأمر يمر بعد اليوم. عرضت ميريام أن ترافقها لكن غوادالوبي رفضت. قالت بنبرة هادئة لكنها حازمة هذا شأني. لم تحمل بطاقة هوية ولم تحمل هاتفا فقط بعض العملات وورقة مكتوبة بخط اليد فيها العنوان الذي حصلت عليه من إحدى الجارات شارع كلافيليناس في لوماس دي ساراغوسا.
ومعها حقيبتها المعتادة تلك نفسها التي كانت تضع فيها أدوات التنظيف ودفتر ملاحظاتها ومسبحة خشبية صغيرة. مرت الساعات. في البداية ظنت ميريام أن أمها ربما ذهبت إلى عنوان آخر أو توقفت لتتحدث مع إحدى المعارف. لم يكن معتادا أن تغيب كل هذا الوقت لكن غوادالوبي كانت تفاجئهم أحيانا.
غير أن الصمت بدأ يثقل مع حلول المساء السادسة ثم الثامنة ثم التاسعة ولم تعد. عاد إدواردو ابنها ذو التاسعة عشرة مبكرا من ورشة إصلاح السيارات تلك الليلة. ما إن دخل حتى سأل وأمي هزت
ميريام رأسها. خرجت صباحا ولم تعد.
سرعان ما بدأت الاتصالات بدونا إلفيرا وبالكمادة ليتيسيا وبالسيدة روزا التي كانت غوادالوبي تتقاسم معها الأعمال أحيانا. لا أحد يعرف شيئا لا أحد رآها. حاولوا الاتصال بالرقم القديم للسيدة فرجينيا. لم تجب. بل ذهبوا إلى آخر منزل عملت فيه غوادالوبي لكن الواجهة كانت خالية والزجاج متسخا ولافتة للإيجار مائلة على البوابة الحديدية.
كان الوقت قد تأخر. عادت ميريام إلى البيت وفي داخلها شعور لن يفارقها أن شيئا لا يستقيم وأن أمها لم تضل الطريق ولم تنسهم. كان هناك ما حدث بالفعل. وفي تلك الليلة نامت روسيو الصغرى ذات الأربعة عشر عاما وهي تعانق ملابس أمها. كانت المرة الأولى التي لا تنام فيها غوادالوبي في البيت دون أن تخبرهم.
في اليوم التالي ذهبت ميريام إلى النيابة العامة في إيزتابالابا. كانت تحمل صورة لأمها ونسخة من بطاقة الناخب ووصفا مكتوبا بخط اليد لما كانت ترتديه. الموظف الذي استقبلها سيرخيو كورنيخو بالكاد رفع عينيه. سألها إن كانت أمها مرتبطة بأحد.
قالت ميريام لا. سألها إن كانوا تشاجروا. قالت لا. سألها إن كانت تشرب الكحول. كتمت ميريام غضبها. قال الموظف وهو يملأ الاستمارة على عجل قد تكون غادرت بإرادتها. ثم أضاف انتظروا اثنتين وسبعين ساعة. إن لم تظهر ننظر في فتح ملف.
طوال ثلاثة أيام جابت الأسرة شوارع سانتا مارتا. توقفت ميريام عن عملها. طلب إدواردو إذنا في الورشة. لصقوا منشورات على الأعمدة وسألوا في المستشفيات ومحطات الحافلات وجالوا سوق إغناسيو ساراغوسا ومنطقة مترو أكاتيتلا. لا شيء. لم ير أحد غوادالوبي في ذلك الاثنين. لا كاميرات ولا شاهد ولا أثر.
كان عنوان فرجينيا الذي لديهم مبهما شارع طويل ببيوت متشابهة. طرقوا أبوابا كثيرة. بعض الجيران تذكروا شاحنة بيضاء كانت تقف هناك منذ أسابيع لكنهم لم يعرفوا من يسكن بالتحديد. آخرون قالوا إن عائلة كانت قد رحلت دون اسم أو رقم أو لوحات. كان الأمر أشبه بمطاردة دخان. وفي نهاية المطاف قبل البلاغ يوم الجمعة من الأسبوع نفسه.
ومع ذلك لم تكن هناك عملية بحث رسمية ولا فرق ميدانية ولا تفتيش. أودع الملف في خانة غياب محتمل بإرادة شخصية تحت الرمز 61497. وفي السجلات لم تعد غوادالوبي هيريرا أما مفقودة صارت بالغة ربما لا تريد أن تعثر عليها. لكن في بيتها لم يكن هذا خيارا يوما.
على مدى أسابيع كانت ميريام تحتفظ بدفتر تسجل فيه كل شيء الأماكن التي زاروها الأسماء ردود الجيران. بدأ إدواردو يمشي ليلا في مناطق قليلة العابرين. توقفت روسيو عن الكلام في المدرسة. ولم
تعثر قط على حقيبة غوادالوبي البيج الفاتح. ولم تعثر على بلوزتها الخمرية أيضا. كأن الأرض ابتلعتهما.
ولم يتخيل أحد أن الأمر كان بطريقة ما قريبا من الحقيقة حرفيا تقريبا. بعد اليوم الرابع توقفت ميريام عن البحث عن أمها في الشوارع. وبدأت تبحث عنها في عيون الناس. كل امرأة تسير وظهرها للناس كل خطوة مسرعة كل ظل على الرصيف المقابل كان يبدو احتمالا سرابا آخر.
لم تعد غوادالوبي موجودة لكنها لم تكن قد رحلت. بقيت المائدة في بيت شارع سيدروس بأطباقها كما هي. وبقي خزانة غوادالوبي تحمل رائحتها وتنوراتها مطوية بعناية وعلب مرهم الأوكالبتوس على الرف. ميريام التي كانت دوما الابنة المسؤولة التي تحفظ نظام البيت حين تعمل أمها خارجه تحملت مهمة جديدة ألا تسمح لذاكرة غوادالوبي أن تنطفئ.
كانت هي من رتبت نسخ المنشورات وهي من أصرت على طلب العون من مجموعات نسائية حتى في زمن لم تكن فيه هذه الشبكات قد تشكلت فعليا. ففي 1997 لم تكن حالات الاختفاء تتصدر الصحف ولم تكن هناك شبكات اجتماعية ولا تنبيهات فورية.
وحين تكون الضحية عاملة منزل بلا نفوذ ولا اسم كبير كانت العدالة تذوب ببساطة بين الاستمارات والأعذار. أما إدواردو فبدأ يبتعد أكثر عن الورشة. أحيانا يبيت خارج البيت. وأحيانا يعود فجرا بوجه قاس وقميص متسخ ورائحة سهر. تعلق بشائعة سمعها في سوق شعبيأن بعض النساء قد يختفين وتتداول مزاعم عن جهات إجرامية تنقلهن إلى مناطق بعيدة
. أراد الذهاب إلى تيخوانا.
أقنعته ميريام بالبقاء. كانت تقول وماذا لو كانت ما تزال هنا قريبا ماذا لو كانت محتجزة في مكان ما أما روسيو فلم تتكلم. حشرت كل الأسئلة في صدرها وصارت ترسم دائما الشيء نفسه هيئة من الخلف ترتدي بلوزة أرجوانية تدخل شارعا بلا مخرج. مرت الشهور. ذكر الملف مرة واحدة في إذاعة محلية بفضل جارة ألحت على صحفي ثم انتهى كل شيء عند ذلك.
أما فرجينيا دي لا توري ربة العمل السابقة فلم يعثر عليها قط. لم تكن هناك سجلات واضحة لعنوانها الجديد. ولم يبد أن أحدا في الدائرة مهتم بتتبع الخيط. كان أغلب الجيران يظنون أن غوادالوبي تعبت فحسب وربما ذهبت مع أحدهم. كانت تلك العبارات تجرح كالسكاكين.
كانت إلفيرا روميرو الجارة الأقرب تكرر جملة لم تنسها روسيو أبدا نساء مثل أمك لا يختفين رغبة. إنما تبتلعهن الظلم. رافقت إلفيرا ميريام إلى المستشفيات معا راجعتا حالات مجهولي الهوية في المستشفيات دون أن تعثرا على أثر يطابقها. لم يطابق أي منها. وفي 1999 جدد عقد إيجار البيت الذي كانت غوادالوبي قد عملت فيه آخر مرة.
حاولت ميريام الحصول
على بيانات المستأجر لتتبع فرجينيا لكن شركة العقارات ادعت السرية. كانت الأدلة تذوب مرة أخرى داخل البيروقراطية. وفي عام 2000 أغلق الملف رسميا. لم يخبر أحد الأسرة. عرفوا حين ذهبوا يطلبون نسخة من المحضر. تمتم الموظف هذا أصبح غير نشط. وكأن الحديث عن ملف انتهت صلاحيته لا عن أم وأخت وامرأة اختفت بلا أثر.
كانت ميريام قد بلغت الخامسة والعشرين. تركت وظائف عديدة لتعتني بروسيو وبإدواردو الذي كان يصارع نوبات غضب صامت. وفي إحدى ليالي الصمت الثقيل دخلت ميريام غرفة أمها وفتحت دفترها الشخصي.
كان دفترا بغلاف صلب مهترئ تكتب فيه غوادالوبي قوائم المشتريات والمهام ومواعيد العمل. وفي الصفحة الأخيرة لم تكن سوى جملة واحدة الكرامة لا تطلب بل تنتزع. لم تعد أسرة هيريرا تحتفل بأعياد الميلاد ولا بليالي البوسادا ولا بالمناسبات الوطنية.
صار يوم 3 مارسآذار وحده يعلم كل عام شموع ودموع وصمت. وفي وسط المذبح البسيط كانت ميريام تضع دائما بلوزة بلون خمري ليست البلوزة الحقيقية بل واحدة مشابهة اشترتها من السوق الشعبي كرمز كطريقة لتقول أنت هنا.
لسنوات بقيت غوادالوبي ظلا لا وزن له خارج البيت لكن داخل البيت كانت غيابا يملأ كل شيء. لم يكن أحد يتخذ قرارا دون أن يفكر وماذا لو عادت أين ستنام ماذا سنقول لها مر عقد كامل. شاخ البيت وتقشرت الجدران. أنشأ إدواردو أسرة صغيرة لكنه لم يبتعد تماما. درست روسيو التمريض. وظلت ميريام على وعدها لم تتوقف عن البحث. وكان عام 2011 على وشك أن يبدأ بروتينه المعتاد من الاستسلام لكن ذلك العام سيغير كل شيء إلى الأبد.
لم يكن الأمر بحثا بل حملة تنظيف ومع ذلك انتهى إلى اكتشاف. لسنوات كان هناك أرض في زاوية شارع بيرولس مع ممر بلا اسم يبعد ستة شوارع فقط عن بيت آل هيريرا تستخدم مكبا عشوائيا. أرض غير منتظمة منسية من الدائرة تتكدس فيها فرش قديمة وأثاث مكسور وزجاجات وأكياس سوداء وأنقاض.
في ينايركانون الثاني 2011 وبعد شكاوى متكررة من الجيران بسبب انتشار الفئران أرسلت دائرة إيزتابالابا فريقا من العمال لتنظيف المكان. كانت المهمة بسيطة إزالة القمامة وتسوية الأرض تمهيدا لاستخدام محتمل. وكان من بين العمال أوسكار تيليز 38 عاما وراميرو كاستانييدا 41 عاما.
كانا عاملين معتادين على العمل بين الأنقاض والمناطق المتدهورة. في ذلك اليوم لاحظا شيئا غريبا وهما يحاولان تحريك لوح إسمنتي متشقق موضوع بطريقة غير طبيعية في وسط الأرض. لم يكن جزءا من رصيف ولا من بناء قديم بدا كأنه وضع بلا سبب. قال راميرو وهو يتفحص الحواف من يضع لوحا كهذا وحده هنا
كان اللوح يقارب مترا مربعا
وحوله آثار رطوبة. وبجهد رفعاه معا. ما رأياه تحت اللوح لم يكن مجرد تراب كان طينا أحمر مع ماء راكد ورائحة انغلاق حفرة. وداخل تلك الحفرة مضغوطين تحت ثقل الإسمنت ظهرت قطعتان أنهكهما الزمن.
حقيبة بيج فاتح يمكن تمييزها من النظرة الأولى ممزقة ملطخة مغطاة بطين يابس ورطوبة وإلى جوارها بلوزة نسائية بلون خمري بأزرار منفلتة وبشقوق وألياف ضعفت بفعل السنين. ومع ذلك ظل اللون رغم الاتساخ والبهتان حاضرا. أبلغ أوسكار مشرفه. وسرعان ما حضرت دورية وطوق المكان واستدعي ممثل النيابة.
لساعات عاين الخبراء الحفرة. لم تكن هناك بقايا عظمية ظاهرة فقط القطعتان. كان الطين قد حفظ جزءا من القماش لكن لم تظهر إشارات أخرى واضحة. وكانت الجارة دونيا إلفيرا هي التي مرت ورأت المشهد فسألت بصوت عال أليس هذا ما يخص غوادالوبي ارتد السؤال في الهواء كصدى قديم.
رد أحد العناصر بأنه لا توجد مؤشرات على بقايا بشرية لكن شخصا آخرامرأة كانت قد رأت المنشورات في التسعيناتتذكرت لون الملابس المذكور. تم الاتصال بميريام في عصر اليوم نفسه. قالوا لها إنهم ربما وجدوا مقتنيات قد تطابق وصف اختفاء والدتها. ولم يقولوا أكثر.
عندما وصلت إلى المكان لم تحتج إلى أي شرح. مشت بين الطين اليابس والغبار. اقتربت من السياج وما إن رأت الحقيبة البيج حتى أوقفها البكاء في مكانها. همست إنها حقيبتها. ثم تناولت البلوزة بحذر كأن أمها ما تزال حية كأن رائحتها ما تزال فيها. تعرفت عليها من خياطة صغيرة باليد ومن رقعة في الكم الأيسر كانت قد أصلحتها بنفسها قبل سنوات.
الزمن لا يمحو بعض التفاصيل فقط يخفيها. أعادت النيابة فتح الملف. عين خبير جديد وبدأت حفريات سطحية بحثا عن أي آثار مادية أو مؤشرات يمكن الاستناد إليها.. لم يظهر شيء. كانت الأرض قد ردمت مرات عديدة. والرطوبة بدلت طبقات التراب. وبدا أن اللوح وضع عمدا لإغلاق الحفرة.
وعند مراجعة سجلات الدائرة لم يوجد أي تسجيل لأعمال إنشائية في تلك النقطة. لم يستطع أحد تفسير من وضع اللوح ولماذا. لم يكن جزءا من أي بنية سابقة. استدعيت أسرة هيريرا للإدلاء بإفادتها من جديد. وقدمت ميريام صورا قديمة تظهر والدتها وهي ترتدي البلوزة نفسها وتحمل الحقيبة نفسها.
أعيد تصنيف الملف بوصفه اختفاء في ظروف غامضة وبمصدر غير معروف لكن غياب الجثمان أو الشهود كان يمنع أي تقدم حقيقي. عاد اسم فرجينيا دي لا توري إلى الواجهة في التحقيق لكن أثرها ظل معدوما. لم تظهر مرة أخرى في سجلات الإيجارات. لم يعثر على رقم وطني في
قواعد البيانات العامة. لا عقود ولا بلاغات ولا أثر قانوني.
كأن البلاد ابتلعتها. لأسابيع دارت القصة همسا بين الجيران. بعضهم تذكر أن فرجينيا كانت حادة الطباع. آخرون تمتموا أنها كانت تعرف أناسا ذوي نفوذ لكن أحدا لم يجزم. وحدها دونيا إلفيرا قالت بصوت مسموع ما كان كثيرون يفكرون فيه هذا لم يوضع وحده.
أسكت صوت غوادالوبي وطمست آثارها كما لو أنها شيء يمكن تجاهله.. ومع الوقت غطيت المنطقة من جديد. بيع المكان بثمن منخفض وبنيت فوقه مستودع لمواد معاد تدويرها. لم يعرف المالكون الجدد ما كان هناك من قبل. احتفظت ميريام بالبلوزة والحقيبة في صندوق مبطن بقماش أبيض.
لم تستطع دفنهما ولم تستطع تركهما. احتفظت بهما بوصفهما الدليلين الوحيدين على أن أمها وجدت يوما وأنها ناضلت ولم تغادر بإرادتها. لأن في المكسيك أحيانا لا يبقى سوى ذلك قطعة قماش ويقين صامت وغضب من عدم المعرفة. لم يكن هناك جثمان ولا متهمون ولا حقيقة. كان هناك صندوق فقط.
بعد العثور في الأرض الخالية دخلت أسرة هيريرا مرحلة جديدة مواجهة حقيقة بلا شكل بلا أدلة كافية لإغلاق الحداد لكن بعناصر قوية إلى حد يجعل إنكارها لاإنسانيا. أرسلت البلوزة والحقيبة إلى المختبر.
وأفاد التقرير بأن الألياف متوافقة مع مواد صنعت وسوقت بين عامي 1994 و. لم تظهر آثار دم مرئية ولم يكن هناك حمض نووي صالح للاستخدام. كان الطين والزمن وثقل الإسمنت قد أفسد أي أثر بيولوجي. وأبدت النيابة في إيزتابالاباتحت إدارة مختلفةاستعدادا أكبر لإعادة فتح القضية رسميا.
لكن بعد أسابيع من الإجراءات كانت الخلاصة هي نفسها بلا جثمان لا جريمة مؤكدة. بلا شهود لا متهمين. بلا أدلة لا قضية. وجاء في المحضر الختامي العناصر المعثور عليها لا تتيح إثبات الوفاة قانونيا بصورة يقينية للسيدة غوادالوبي هيريرا مارتينيث. سيبقى الملف مفتوحا رهن ظهور مؤشرات جديدة.
وقعت ميريام الوثيقة دون أن تنظر إلى أحد. كانت قد تعلمت عبر السنين أن أعمق ألم لا يصرخ بل يصمت ويواصل العيش. أما روسيو وقد كانت في الثامنة والعشرين فلم ترد حضور تلك الجلسة. ما كان يوجعها ليس غياب العدالة بل تخيل أن آثار أمها ومقتنياتها ظلت محجوبة تحت لوح إسمنتي على بعد دقائق من البيت لأكثر من عقد بينما هن يبحثن عنها في كل المدينة.
قالت يوما كنا ننتظرها وكانت هناك بجانبنا بلا صوت بلا اسم مثل كثيرات. وأما إدواردو فصار ينظر بريبة إلى كل وجه في الشارع. لم يتجاوز قط فكرة أن من فعل ذلك قد يكون ما يزال حيا يمشي ويشتري خبزا في
الحي نفسه ويعيش بلا شعور بالذنب.
وبشأن فرجينيا دي لا توري لم تستطع النيابة العثور إلا على شهادة ميلاد مؤرخة عام 1945. لا سجل بعدها. ذكر أحدهم أنها ربما انتقلت إلى بويبلا وقال آخرون إن لها أختا في ليون لكن لم يثبت شيء. لم تستدع ولم تحقق معها بجدية.
في 2012 ضم فريق من أسر المفقودات ملف غوادالوبي إلى معرض فوتوغرافي بعنوان غيابات تؤلم. علقت صورتهاصورة قديمة من الثمانينيات تظهرها جالسة أمام موقدإلى جانب صور عاملات أخريات اختفين في التسعينات. حضرت ميريام الافتتاح. حملت البلوزة مطوية في حقيبة قماش بيضاء.
أبقتها على حجرها طوال الحفل. لم تدل بتصريح ولم ترد مقابلات. قالت فقط أمي خرجت يوما لتطالب بما لها ولم تعد. هذا وحده يقول كل ما يجب أن يقال عن هذا البلد.
واليوم فوق الأرض التي ظهر فيها اللوح يوجد مستودع بسقف من صفائح معدنية وجدران من طوب أسمنتي مطلي بالجير. في الداخل تتكدس قوارير كبيرة وأكياس وخردة. لا أحد من العمال يعرف ما تحت الإسمنت. لا أحد يسأل لا أحد يتذكر.
وفي بيت شارع سيدروس ما تزال ميريام تعيش. تبقي غرفة أمها كما كانت. وعلى الحائط قرب المذبح الصغير توجد ورقة مغلفة بالبلاستيك كتب فيها غوادالوبي هيريرا مارتينيث أم عاملة مختفية منذ 1997.
وفي كل يوم 3 مارسآذار لا يطبخ في ذلك البيت. لا تشغل التلفاز لا يكنس بل يترك مكان فارغ على المائدة وتشعل شمعة أمام البلوزة الخمرية لا تكريما ولا مواساة بل احتجاجا صامتا طريقة للقول إنها لم ترحل.
لقد اختفت لأن النهايات في المكسيك لا تغلق دائما لكن الذكريات لا تمحى كذلك. استمرت الأيام لكنها لم تعد طبيعية. في سانتا مارتا أكاتيتلا حيث ضجيج الأسواق ومكبرات الصوت يهيمن على الصباحات صار بيت آل هيريرا مساحة معلقة. قلت الزيارات. وتوقف الجيران عن السؤال.
تعلمت الأسرة التعايش مع ما لم يقل. عادت ميريام إلى عملها كمساعدة تربوية لكنها لم تعد كما كانت. لم تعد تضحك مع الأطفال كما قبل. كثيرا ما كانت عيناها تتيهان خصوصا حين يذكر أحد اسم غوادالوبي. كانت أمها قدوتها وبوصلتها. والآن صارت مسؤوليتها الأكبر ألا ينسوها.
كلما استطاعت نظمت سهرات صغيرة في البيت تدعو فيها نساء الحي للتحدث عما حدث. صاروا يستخدمون الكلمة التي لم يكن أحد يريد قولها قبلا اختفاء. ومن دون أن تكون ناشطة صارت ميريام مرجعا غير رسمي. كانت قد عاشت ما تخشاه كثيرات وهذا منحها قوة رغم أنها كانت تتفتت من الداخل.
في إحدى أمسيات عام 2013 وبينما كانت ميريام تنظف رفا قديما
عثرت على شيء لا تتذكر أنها رأته من قبل دفترا صغيرا رمادي الغلاف بغطاء صلب بلا عنوان. كان مدسوسا بين أوراق قديمة داخل صندوق تركته أمها في أعلى الخزانة. وحين فتحته وجدت جملا متفرقة خواطر كتبتها غوادالوبي في أوقات متباعدة
أحيانا أسأل نفسي هل تكفي هذه الحياة لامرأة واحدة نحن اللواتي نخدم الآخرين لنا تعب أيضا. هناك أشياء تنكسر دون أن تصدر صوتا.
احتفظت ميريام بالدفتر كما لو كان وصية لأن كل سطر فيه كان يؤكد شيئا طالما شعرت به أن أمها لم تكن تريد أن تختفي ولم تكن تريد أن تستسلم لكنها أيضا لم تعد تريد أن تبقى غير مرئية.
أما إدواردو فلم يكن يتحدث عن الموضوع. اكتفى بإصلاح المحركات وبيع قطع الغيار لكنه كان بين حين وآخر يعود ليلا إلى مكان المستودع الذي بني فوق الأرض التي وجدت فيها الحقيبة والبلوزة. يقف هناك صامتا كأنه ينتظر شقا في الإسمنت شيئا يسمح له بالدخول والحفر بيديه ليثبت ما يفترضه الجميع ولا يجرؤ أحد على قوله بصوت عال.
وفي مرة قال لميريام وماذا لو لم تكن السيدة فرجينيا ماذا لو كان شخصا آخر ماذا لو كان أحدا من هنا أحدا كان يعرف أن أمي ستذهب لتحصيل مستحقاتها ذلك اليوم لم تعرف ميريام بماذا تجيب. كانت الاحتمالات لا تنتهي والنظام لم يهتم يوما باستبعاد أي احتمال.
ذلك الشك ذلك الكسر الداخلي كان الأكثر إيلاما. أما روسيووقد أصبحت ممرضةفحافظت على مسافة عاطفية. كانت تساعد في البيت وتعتني بأختها حين تمرض ميريام أو تنهار أعصابها لكنها لا تفتح باب الماضي حتى جاء يوم دون إنذار وقدمت ملفا أصفر قصاصات ملاحظات رسومات ونصوص كتبتها بنفسها. سمته ما تركته أمي.
كان فيه كل ما خبأته روسيو منذ كانت في الرابعة عشرة نسخ من الملصقات صور قديمة إشارات صغيرة إلى نساء أخريات اختفين في التسعينات. كان ذلك طريقتها لتقول أنا أيضا أتذكر. وجمع ذلك الفعل الثلاثة الذين بقوا بعد غياب غوادالوبيلا كما كانوا قبلا لن يكونوا كذلك أبدالكن بما يكفي ليتقاسموا الألم لأن هذا وحده لم ينتزع منهم.
بعد سنوات من العثور على المقتنيات عاودت النيابة الاتصال بميريام. أرادوا أن يعرفوا إن كانت ترغب في توقيع محضر افتراض وفاة. قالت لا. ما دام لا يوجد جثمان وما دامت الحقيقة لم تقل كما حدثت فأمها ستظل مفقودة لا ميتة لا منسية بل غير مرئية فحسب. قد رفع اللوح لكن ثقله بقي.
وهكذا في مستعمرة تشبه كثيرات غيرها شرق مدينة مكسيكو بين شوارع بلا أسماء وأسلاك كهرباء متشابكة بقي بيت ينتظر. لم يعد انتظارا بسذاجة الأمل الأولى بل بكرامة صامتة لمن يعرف أن قصته
تستحق أن تروى. حتى لو لم يعد العالم يسمع فإن صمت بيت واحد قد يمتد لعدة شوارع.
وأحيانا يكفي لحي كامل وأحيانا يغطي بلدا.
في السنوات التي تلت العثور على الحقيبة والبلوزة تحولت قصة غوادالوبي إلى همس ثابت داخل سانتا مارتا أكاتيتلا. لم تكن على صفحات الجرائد ولم تصبح خبرا وطنيا لكن من عرفها أو تبادل معها كلمة ذات يوم لم ينسها.
بدأت دونيا إلفيرا روميرو تشعل شمعة إضافية كل يوم 3 مارسآذار عند باب بيتها. لم تذكر أسماء ولم ترفع لافتات فقط تضع الشمعة على حجر وبجوارها زهرة ورقية. كان بعض أطفال الحي يرونها ويسألون هل هذه للسيدة التي ضاعت فتهز رأسها بالإيجاب.
وتكرر ذلك الفعل. بيت واحد ثم بيتان ثم ثلاثة. بعضهم يفعلها في اليوم نفسه وبعضهم حين يشعر أن الوقت حان. في حي اعتاد انقطاع الماء ومسيرات بلا صدى وحكايات لا يجمعها أحد وجدت الذاكرة طريقها أيضا.
واصلت ميريام عملها ورعايتها للبيت. وفي وقت فراغها بدأت تكتب أسماء نساء أخريات اختفين في المنطقة. صنعت قائمة بخط اليد. لم يكن ذلك نشاطا منظما بل ضرورة. رفضا لأن يكون ما حدث لأمها مجرد حالة أخرى. تلك الجملةالتي كانت تقال من السلطات ومن الجيران ومن المعارف الذين لم يعودوا يعرفون ماذا يقولونصارت الشرارة داخلها.
مجرد حالة أخرى لم يعد هناك ما يمكن فعله ربما بدأت حياة جديدة.
كم من النساء المكسيكيات سمعن هذه العبارات. وميريام أيضا. لكنها اختارت ألا تقع في فخها.
في ليلة من ليالي عام 2015 جاءت روسيو بخبر مطبوع من عملها في عيادة. امرأة مسنة بلا اسم ولا أوراق عثر عليها تائهة في شمال البلاد وبعض ملامحها تشبه ملامح غوادالوبي. ترددت ميريام ورفض إدواردو لكنهم مع ذلك تواصلوا مع سلطات تلك الولاية وأرسلوا الصور وطلبوا فحصا وراثيا. وصل الرد بعد ثلاثة أسابيع ليست هي.
كانت تلك آخر مرة فكروا فيها بجدية أنها قد تكون حية. بعد ذلك تغير التركيز. لم يعد الهدف العثور على غوادالوبي بل منع أن تختفي نساء أخريات مثلها دون أثر.
بدأت ميريام تلقي كلمات قصيرة في المدرسة الإعدادية القريبة. كانت تقول للطالبات إن عليهن توثيق تحركاتهن ومشاركة المعلومات والثقة بشخص واحد على الأقل. لم تكن دروسا بل تحذيرات خرجت من الألم. لم تتقاض شيئا مقابل ذلك لكنها كانت تفعلها كما لو كانت تفي بوعد.
وفي تلك الجلسات كانت تكرر دائما الحكاية نفسها أمي خرجت لتحصيل ما لها. كانت ترتدي بلوزة خمرية. ولم تعد.
أما إدواردو فاختار الصمت. غضبه صار روتينا. وكان يكفيه
أن يمر كل ليلة أمام المستودع المبني فوق المكان ينظر إلى ظله تحت ضوء العمود ويتذكر. ولمرة واحدة فقط تجرأ أن يتحدث مع عامل جديد هناك. سأله إن كانوا قد حفروا يوما في ذلك الموضع.
نظر الرجل إليه باستغراب لماذا إنها أرض صلبة لا أكثر. أجاب إدواردو لا شيء. ثم انصرف.
ظل ذلك المكان سرا يتداوله الناس دون تصريح. بعضهم سماه أرض السيدة. وآخرون تجنبوا المرور منه لا خوفا بل احتراما لأنهم كانوا يعرفونولو لم يقولواأن شيئا خطيرا قد وقع هناك.
أما روسيو ومن موقعها كممرضة فقد بدأت تلاحظ أنماطا أمهات لا يعدن إلى مواعيد المتابعة نساء يتوقفن فجأة عن الظهور. تعلمت أن تقرأ الصمت في عيون المراجعات وفي أكثر من مرة قالتها بلا مواربة إن اختفى أحد لا تنتظروا. ابحثوا. طالبوا. لا تسكتوا.
ثلاثة إخوة ثلاثة مسارات وجرح واحد.
لم تحل قضية غوادالوبي هيريرا أبدا. لم يستجوب أحد بجدية. لم تصدر أي مذكرة توقيف. ربة العمل السابقةالتي كانت آخر وجهة معروفةلم تظهر في أي سجل رسمي بعد عام 1997 كأن البلاد فيها شقوق يمكن لبعض الناس أن يسقطوا فيها دون أثر.
في المكسيك عائلات تقضي عمرها كله تردد السؤال نفسه أين أمي لماذا لا أحد يبحث ماذا لو كانت ما تزال حية
أسرة هيريرا لم تعد تسأل. لم تعد تبحث بالطريقة الأولى لكنها واصلت الحكي. وما دامت تحكي فلن تكون غوادالوبي مجرد رقم. ستكون قصة وذاكرة وتحذيرا لمن يظن أن ذلك لا يحدث إلا للآخرين.
إن النسيان شكل من أشكال العنف لكن التذكر أيضا مؤلم.
وبعد قرابة عقدين على اليوم الذي خرجت فيه غوادالوبي ببلوزتها الخمرية وحقيبتها الفاتحة ظل ثقل اختفائها موجودا في البيت موزعا على أشياء وروتين وإيماءات لا إرادية. لم يكن ذلك ذكرى بقدر ما كان حضورا بلا وجه اسما يقال رغم الصمت الرسمي.
كانت ميريام وقد تجاوزت الأربعين قد تعلمت أن تتحرك داخل ذلك الألم. لم تعد تبكي كل يوم ولم تعد تفتش عن إجابات في كل زاوية لكنها لم تتوقف عن حماية التفاصيل البلوزة محفوظة بورق رقيق المذبح البسيط بشمعة بيضاء دفتر أمها بخواطر قصيرة كأنها بطاقات من ماض لا يريد أحد إغلاقه.
وفي أحد تلك الأيام وبينما ترتب أوراقا قديمة وجدت رسالة لم ترسل قط. كانت موجهة إلى فرجينيا. خطها ضيق وحبرها أزرق
أنت تعرفين ما فعلت أو ما سمحت أن يحدث. لا أدري إن كنت أنت من فعل أم كان أحد حولك لكن الصمت أيضا عنف. أنا لا أحتاج عدالة أحتاج أن تقوليها. أن تقوليها على الأقل.
لم تعرف ميريام هل كتبت أمها تلك الرسالة فعلا
قبل اختفائها أم أنها كتبتها هي بعد سنوات محاولة أن تمنح كلمات لشيء لا يسمى. لكنها احتفظت بها ولم تخبر أحدا. وفي داخلها لم تعد تتوقع أن تعود فرجينيا لكنها كانت تتمنى أن تشعر تلك المرأة في مكان ما من البلاد بوخزة بظل لا يزول.
إدواردو من جهته بدأ يعاني مشكلات صحية ضغطا مرتفعا وصداعا متكررا. كان قد كف عن الحديث عن الموضوع لكنه ظل يمر أحيانا قرب المكان. لم يعد يقف طويلا فقط يمر بدراجته ينظر نحو المستودع ثم يمضي.
مرة سأله صديق في الورشة لماذا تفعل ذلك لم يجب فورا ثم قال فقط هناك شيء لي هناك. وكان صادقا. جزء منه دفن مع تلك الحقيبة الممزقة.
حاولت روسيو إقناعهم بعلاج نفسي أسري. رفضت ميريام. ورآه إدواردو تضييعا للوقت. ذهبت روسيو وحدها.
في إحدى الجلسات سألتها الأخصائية ماذا تشعرين حين تفكرين بأمك قالت روسيو ظلم لكن أيضا فخر لأن أمي تجرأت على شيء كثيرات لا يفعلنه أن تطالب.
عندها فهمت أن حكاية غوادالوبي ليست مأساة فقط بل إرثا وتحذيرا.
وفي تلك السنوات ظهرت شائعات بعيدة امرأة مختفية في فيراكروز بملامح مشابهة مقالة قديمة عن شبكات استغلال في بويبلا ومن قال إنه رأى امرأة تشبه غوادالوبي في مطبخ خيري في إيدالغو. كانت كل إشارة تفتح نافذة أمل قصيرة ثم تنغلق. لكن ميريام تعلمت أن تصفي ألا تسمح لكل إشارة أن تهزها من الداخل. صنعت قلبا محميالا بلا إحساس بل متحصنالأنها كانت تعرف أن أمها لن تعود لكنها كانت تعرف أيضا أن النسيان ليس خيارا.
في 2016 دعيت ميريام إلى لقاء غير رسمي لأسر المفقودين. لم تكن تريد الذهاب. كانت ترى أن الكلمات لا تغير شيئا. لكن روسيو أصرت فذهبت.
في قاعة صغيرة بكراس بلاستيكية وقهوة سريعة سمعت ميريام قصصا مطابقة لقصتها أمهات وأخوات وزوجات كلهن يشتركن في شيء واحدامرأة خرجت ولم تعد.
لأول مرة لم تشعر ميريام بأنها وحدها. لم تلق خطابا ولم تطلب شيئا فقط عرضت صورة أمها نفس الصورة التي استخدمتها على الملصقات عام 1997 غوادالوبي واقفة أمام حائط ترتدي مريولا ويداها متشابكتان وتبتسم ابتسامة خفيفة.
بعد الاجتماع اقتربت منها امرأة وقالت أمك أيضا كانت عاملة منزل صحيح أومأت ميريام. فقالت المرأة هن يسندن البلد ولا أحد يبحث عنهن حين يختفين. بقيت تلك العبارة في ذهن ميريام أسابيع لأنها لخصت كل ما عاشوه.
غوادالوبي لم تكن استثناء كانت رمزا. وميريام بدأت تفهم ذلك بوضوح أكبر.
في البيت لم يكن الإخوة يتحدثون كل يوم لكنهم كانوا يعرفون أن كل ما يفعلونهكل قرار
كل عادة كل صمتما يزال يدور حول غياب واحد غياب لم يعد يلسع كما قبل لكنه لم يتوقف عن الثقل.
أحيانا تكفي قصة امرأة واحدة لتشرح ما تعجز عنه آلاف القصص.
وفي المدرسة الإعدادية الفنية التي كانت ميريام تساعد فيها وقع أمر أعاد بعثرته كل شيء داخلها طالبة عمرها أربعة عشر عاما توقفت عن الحضور بلا تفسير. اسمها إيتسل فارغاس. كانت تعيش مع جدتها في منطقة أعلى من الحي. لم يكن هناك بلاغ ولم يكن أحد يعرف شيئا.
مر الأمر بلا ضجيج لكن ميريام لم يحتمل ذلك الصمت. تحدثت مع المديرة وبعض المعلمين وبدأت تسأل ومن حيث لا تريد عادت إلى تلك المنطقة القديمة من العجز حيث كانت في 1997.
عادت لتلصق منشورات. عادت لتسير في الشوارع. عادت لتشعر بتلك الغثيان الصامت الذي يصاحب الخوف. وبعد أربعة أيام عثر على إيتسل. كانت قد ذهبت مع رجل أكبر سنا. كانت حية لكن القصة أيقظت شيئا في ميريام لم يعد يمكن دفنه.
قالت في نفسها لا أستطيع أن أبقى أتفرج على تكرار الأمر.
ومن هنا قررت فعل شيء صغير لكنه حاسم. بالتعاون مع روسيو بدأت تجمع شهادات عاملات منازل في سانتا مارتا. لم يكن عملا رسميا مجرد تسجيلات صوتية بموافقة وأحاديث ونصوص قصيرة.
كثيرات تحدثن عن أجور غير مدفوعة وعن ربات عمل يختفين دون دفع وعن ساعات قاسية وإهانات يومية. وبين كل تلك الأصوات كانت قصة غوادالوبي تعود مرارا كصدى لا ينتهي. بعضهن تذكرن أنهن عملن معها وبعضهن رأين ملصقاتها وبعضهن اكتفين بقول حتى أنا خفت يوما أن أخرج لأطالب بحقي.
وهكذا ولدبلا اسم رسمي وبلا تمويل وبلا منصاتأرشيف شفهي غير رسمي لعاملات المنازل. كانت ميريام تسميه دفتر اللواتي لا يستسلمن. وكانت روسيو ترتبه في دفتر أزرق بأسماء وتواريخ وحكايات. أما إدواردو ورغم أنه لم يشارك كان يراقب باحترام.
كان يرى في أختيه شيئا لا ينطفئ. ورغم أنه لم يوافق على أساليبهما كان يعرف أنه لولا ذلك لكانت غوادالوبي ستتحول إلى غبار.
في 2017 علمت مجموعة نسوية صغيرة شرق المدينة بالقصة. دعت ميريام إلى فعالية مجتمعية. لم ترغب في الحديث أمام الناس لكنها وافقت على إحضار الصورة ونسخة من البلوزةبعد أن بهت لونهاكمعنى رمزي.
كانت أمسية بسيطة بلا خطابات طويلة ولا كاميرات لكن شيئا تغير. اقتربت منها شابة في العشرين تقريبا وقالت أمي أيضا اختفت. لم يبحث عنها أحد لكن قصتك تعطيني قوة لأكمل. لم تجب ميريام كثيرا فقط أومأت.
لم تعد تبكي من الداخل كلما سمعت مثل هذه الجمل لكنها كانت تخزنها لأنها تعرف إذا كانت أمها لا تستطيع الكلام فهناك من يستطيع أن يتكلم
عنها.
وبمرور الوقت لم يعد اسم غوادالوبي حبيس البيت. بدأ يظهر في أماكن أخرى في جلسات ولقاءات حيية ودروس حقوق عمل كانت روسيو تساعد على تنظيمها. لم يرفع كشعار ولم يتحول إلى رمز واسع لكنه صار حكاية ينبغي أن تروى.
وفي أحد اللقاءات سألتها امرأة وماذا لو كانت قد رحلت بإرادتها ماذا لو تعبت فقط لم تغضب ميريام. ابتسمت بحزن وقالت لو رحلت كانت ستترك أشياءها كانت ستخبرنا. أمي لم تختف. أمي أخفيت.
بهذه النبرة وبهذا الثبات الهادئ صارت قصة غوادالوبي بذرة. مقاومة تبنى من الذاكرة.
لم تصبح خبرا وطنيا ولم تنل عدالة ولم يعثر على جثمان لكن اسمها ظل يتكرر كما تتكرر الأدعية والأغاني القديمة والعهود الصامتة. لأن في المكسيك حكايات لا تموت بل تنتقل من فم إلى فم.
وبعض الناس لا يرحلون تماما. يبقون في الأشياء وفي العادات وفي ما لا يتغير.
مرت سنوات أخرى. كبرت المستعمرة كما تنمو نبتة بلا تقليم بيوت جديدة تجارة أكثر ضجيج أكثر. لكن بيت آل هيريرا بقي كما هو. نفس الطلاء المتعب نفس البوابة الخضراء نفس المذبح بشمعة بيضاء وصورة باهتة. لم يمر الزمن هناك بل توقف.
ميرياموقد صارت في الخمسينلم تعد تتحدث كثيرا عن القضية لكن كل شيء فيها كان ينطق بها طريقتها في النظر إلى الفتيات اللواتي يدخلن المترو وحدهن صمتها كلما سمعت صفارة انقباضها الفوري حين يقول أحدهم اختفت امرأة.
وفي يوم سألتها ابنة أخيها الصغيرة ذات السبع سنوات وهي تشير إلى الصورة لماذا تلك السيدة على طاولة صغيرة أجابت ميريام دون مبالغة لأننا ما زلنا ننتظرها. لم تفهم الطفلة تماما لكنها في كل زيارة كانت تضع زهرة ورقية قرب الشمعة. لم يطلب منها أحد. كانت تفعل ذلك لأنها تشعر أن أحدا ينقص هناك.
واصلت روسيو من موقعها كممرضة مجتمعية تنظيم لقاءات صغيرة مع عاملات المنازل. لم تكن لقاءات كبيرة بل أربع نساء أو خمس يتحدثن عن الحقوق وعن الأمان وعن ماذا يفعلن إذا رفضت ربة العمل الدفع. وفي كل اجتماع كانت روسيو تذكر قصة أمها لا بدموع بل بحزم بوصفها تحذيرا ودرسا.
في أحد تلك الاجتماعات كانت هناك امرأة تدعى لوس ماريا في السادسة والثلاثين من عمرها وكانت جديدة على الحي. استمعت بصمت حتى نهاية الحديث. ثم اقتربت وقالت أنا عملت فترة مع سيدة اسمها فرجينيا لا أعرف إن كانت هي نفسها. كانت باردة جدا قليلة الكلام. وفي يوم اختفت دون أي توضيح ولم تعد.
لم تظهر روسيو انفعالا. سألتها فورا عن التفاصيل. لكن لوس ماريا لم تتذكر كثيرا. قالت إنها تتذكر بيتا في إيستاكالكو وأختا تعيش في تلاهواك. لم تكن لديها بيانات واضحة. لكن الاسم كان هو نفسه. والعمر بدا مناسبا. دونت روسيو كل ما قالته وأخبرت ميريام.
وللحظة قصيرة أعاد احتمال أن تكون فرجينيا ما تزال حية إشعال شيء كان قد نام طويلا. لم يكن أملا كان غضبا. والسؤال الذي لا مفر منه ماذا لو كانت تعرف دائما أين كانت أمنا
حاولن العثور على لوس ماريا بعد أيام. لم يجدنها. توقفت عن الحضور إلى اللقاءات. غيرت رقمها. ولم يبق لها أثر. كان الأمر مثل شرارة خاطفة لا تكفي لترى الطريق لكنها تكفي لتعرف أن شيئا ما هناك.
عندما علم إدواردو بالأمر لم
يقل الكثير. فقط عاد تلك الليلة ليمر قرب المستودع. لم يكن البناء كما كان. صار مطليا بالأزرق وبلافتة جديدة وبملاك جدد لكن الأرض هي الأرض وتحت تلك الأرض ظل كل شيء في مكانه.
أحيانا كانت ميريام تفكر في استخراج ما تحت الأرض في حفريات رسمية حتى لو لم تعد تتوقع العثور على بقايا لكنها كانت تعرف أن ذلك لن يحدث بلا أمر قضائي. القانون يريد أدلة. وهم لم يكن لديهم سوى الذاكرة. والذاكرة في المكسيك لا تكفي دائما.
في 2019 تضمن فيلم وثائقي مستقل قصير مقطعا عن قضية غوادالوبي. مخرجة شابة سمعت القصة عبر صديقة لروسيو وصورت مقابلات قليلة. وافقت ميريام على الظهور لا رغبة في الظهور بل لتترك أثرا مسجلا تحسبا ليوم قد تختفي فيه هي أيضا.
في المقابلة وفي النهاية سألتها المخرجة ماذا تقولين اليوم لأمك لو كانت تسمعك صمتت ميريام ثواني طويلة ثم قالت لقد حاولنا كل شيء. لم ننسك. ورغم أن العالم لم ينصفك نحن لم نغادر. لأن ذلك كان الحقيقة. لم يغادروا لم يتركوا لم ينسوا.
في بيت آل هيريرا ظل اسم غوادالوبي يذكر بين حين وآخر لا بصراخ ولا بيأس بل بحزم كأنما يقال اسم حقيقة تزعج كأنما يقال اسم شخصرغم غيابهما يزال حاضرا.
أحيانا تكون أقسى ورثة ليست فيما نملكه بل فيما لم نستعده أبدا.
بيت آل هيريرا في شارع سيدروس لم يبع ولم يؤجر قط ليس لعدم الحاجة بل لقناعة. كانت ميريام وروسيو وإدواردو يعرفون أن ذلك المكان أكبر من إسمنت وجدران. كان آخر حد تبقى فيه غوادالوبي موجودة بين نباتاتها اليابسة وموقدها القديم وسريرها الذي بقي كما هو.
في كل زاوية شيء يتحدث عنها لا سحرا ولا خرافة بل ذاكرة. لأنها كانت محور البيت قاعدته وقلبه. وحين يغيب القلب لا تتوقف الدورة لكنها تتعلم العيش بنقص دائم.
في لقاء عائلي بعد سنوات سأل ابن أخ مراهق دون أن يقصد شيئا وأين الجدة غوادالوبي لماذا لم أعرفها لم يجب أحد فورا.
كانت ميريام من كسر الصمت وقالت لأن أحدا قرر أننا لا نستحقها بعد اليوم. لكنها هنا. كانت دائما هنا. لم تقصد هنا بمعناه الحرفي لم تكن تتحدث عن أشباح بل عن أثرها عن طريقتها في الطبخ وفي الرعاية وفي العمل عن أخلاق ميريام حين تواجه الظلم عن صمت إدواردو الموزون أمام مشكلات الحياة عن الحنان الخفي في عناية روسيو بالناس. كانت غوادالوبي ما تزال تربيهم وهم يفتقدونها.
في 2020 قررت مجموعة صغيرة من عاملات المنازل تنظيم لقاء في الحي. أردن إظهار قصص كانت تسكت دائما. اقترحت روسيو إدراج اسم أمها. ترددن في البداية. لم يرغبن في تسييس الحدث لكن ميريام قالت بوضوح أمي ليست سياسة. أمي ذاكرة. والذاكرة لا تعيق بل تعلم. فوافقن.
على لوحة بسيطة مكتوبة بخط اليد ظهر تكريما لغوادالوبي هيريرا مارتينيث عاملة منزل أم اختفت عام 1997. لم ترحل أخفيت.
ذلك المساء ومع نزول العتمة بدأت نساء كثيرات يحكين قصصهن. واحدة قالت إنها طردت بلا أجر بعد أن مرضت. أخرى قالت إن ربة عمل كانت تغلق عليها باب البيت حين تريد الخروج. ثالثة بكت وهي تقول إن ابنتها لم تتعلم القراءة لأن أمها كانت دائما تنظف بيوت الآخرين.
وفي ذلك الجو الممتلئ صدقا وإرهاقا لم يعد اسم غوادالوبي ملفا.
صار مرآة.
لم تتكلم ميريام. لم تكن بحاجة إلى الكلام. كانت هناك والبلوزة الخمرية مطوية فوق ركبتيها كما كانت منذ اليوم الأول تسند كل شيء.
في تلك الليلة عندما عادت إلى البيت وجدت في صندوق البريد ظرفا بلا مرسل. في داخله ورقة مصورة عليها صورة قديمة امرأة من الخلف تحمل حقيبة على كتفها. كانت الصورة مشوشة مأخوذة من كاميرا مراقبة قديمة. لا تاريخ لا مكان لا شرح.
كانت الهيئة تشبه غوادالوبي لكنها أيضا قد تكون أي امرأة عاملة في تلك الحقبة. لم تعرف ميريام ماذا تفكر. عرضتها على روسيو وعلى إدواردو. لم يستطع أحد الجزم بشيء. لم تكن سوى ظل إشارة مزحة قاسية أو احتمال بعيد.
لم ترم ميريام الورقة. وضعتها داخل الدفتر الرمادي ذلك الذي كانت أمها قد كتبت فيه يوما هناك أشياء تنكسر دون أن تصدر صوتا. وفي تلك الجملة اتسع كل ما حدث لهم. لأن أشياء كثيرة انكسرت الثقة والإيمان بالعدالة وحلم شيخوخة مشتركة لكن شيئا آخر بقي إرادة نار لا تنطفئ.
كانت روسيو أحيانا تسأل نفسها ماذا لو أن أمها لم تخرج ذلك الصباح ماذا لو بقيت في البيت ماذا لو قبلت الظلم وسكتت
لكنها حين تنظر إلى ميريامإلى قوتها الهادئةوتنظر إلى إدواردو وهو ما يزال واقفا رغم كل شيء تفهم أن غوادالوبي لم تكن مجرد ضحية بل امرأة قررت ألا تدهس. خرجت لأنها كانت تؤمن بحقها. ووهذامهما كان الثمن الذي دفعتهترك درسا لا يمكن محوه لا بالسنوات ولا بالصمت في بلد فيه آلاف المفقودين.
كل قصة خريطة مكسورة لكن بعض الطرق ولو كانت غير مرئية تبقى حية.
مرت السنوات. سانتا مارتا أكاتيتلا لم تعد تلك المستعمرة الترابية في التسعينات. تغير الضجيج وتغير الناس. لكن بيوتا معينة ووجوها معينة وصمتا معينا بقي كما هو تماما.
بيت آل هيريرا لم يرمم. لا إهمالا بل احتراما لأنه البيت الذي عرفته غوادالوبي ولم يرد أحد أن يغيره من دونها. وفي 2022 تواصل فريق جامعي مع ميريام. كانوا يريدون إدراج قضية أمها في أرشيف تاريخي لاختفاء النساء في مدينة مكسيكو بين 1980 و.
ترددت في البداية. لم تكن تريد أن تصبح غوادالوبي رقما أو رسما بيانيا أو هامشا. لكن الشباب ألحوا باحترام ليس لأجل الإحصاء بل كي لا يقول أحد في المستقبل إن هذه الأشياء لم تكن تحدث من قبل. كانت تحدث وكان الجميع يصمت.
وافقت ميريام بشرط واحد أن يكتب الاسم كاملا. بلا أحرف مختصرة بلا إخفاء. اسمها غوادالوبي هيريرا مارتينيث. عملت طوال حياتها وخذلها البلد.
عندما نشر الأرشيف بصيغة رقمية شاركته باحثة شابة على الشبكات. انتشر الاسم لساعات ثم ابتلعه سيل الأخبار والطرائف والأحداث اليومية
لكن شخصا ما قرأه.
كانت امرأة مسنة جارة سابقة سكنت يوما في شارع كلافيليناس حيث قيل إن غوادالوبي ذهبت آخر مرة. اسمها أماليا فييرو. كانت قد هاجرت إلى تشياباس منذ سنوات لكن حين رأت الاسم تذكرت شيئا لم تقله أبدا.
قالت إنها في مارسآذار 1997 وفي إحدى بعد الظهيرات رأت امرأة تطرق باب بيت فرجينيا. كانت ترتدي بلوزة أرجوانية وتبدو متوترة. لم تعرف إن كانوا فتحوا لها ولم تعرف إن دخلت لكنها تتذكر شيئا واحدا بعد قليل رأيت شاحنة تخرج. كان شخص يحمل شيئا ملفوفا
غير واضح المعالم. ظننته أمتعة أو أغراضا.
كانت تلك الجملة كافية لتحرك شيئا في ميريام. كان الوقت متأخرا جدا لتحويلها إلى دليل وقليلة جدا لتصبح عدالة لكنها كانت تأكيدا. غوادالوبي وصلت فعلا. طرقت الباب فعلا. أغلق التاريخ دائرة لكن ذلك لم يكن نهاية بل يقينا جديدا قطعة أخرى في أحجية الذاكرة الناقصة.
في تلك الليلة لم تنم ميريام. جلست على السرير وكتبت شيئا على ورقة. وفي اليوم التالي ذهبت إلى مذبح أمها ووضعت الورقة مطوية هناك. كانت تقول وجدناك يا أمي ليس بالكامل لكن
بما يكفي. لست تحت الأرض أنت هنا في كل شيء رفضنا أن نسمح له أن يمحوك.
قرأت روسيو الورقة ولم تقل شيئا. فقط وضعت زهرة يابسة قرب الشمعة. أما إدواردو فمر بعد أيام مرة أخرى أمام المستودع. توقف نظر إلى المبنى الأزرق ولأول مرة منذ سنوات لم يشعر بالغضب بل شعر بحزن هادئ حداد بلا جثمان لكنه باسم.
لأن هذا ما كان لديهم اسم كامل حكاية أعيد تركيبها ووعد أوفي أن غوادالوبي هيريرا مارتينيث لن تنسى.
لم تكن هناك قبر ولا قداس ولا عدالة لكن ما تركته لم يمكن دفنه. وهذا في هذا البلد يكفي أحيانا ليكون كثيرا.
لا يحتاج المرء إلى برهان كامل ليوقن أن إنسانا عاش هنا. يكفي أن ينظر إلى ما تركه وراءه.
في عام 2024 اتخذت ميريام أخيرا قرارا كانت تؤجله قرابة ثلاثة عقود أن تؤطر البلوزة الخمرية وتضعها في إطار زجاجي لا كتأبين بل كدليل. لأنها كانت كذلك مادة محسوسة تثبت أن أمها كانت هنا عاشت طالبت بحقها ولم ترحل برغبتها.
علق الإطار في غرفة الجلوس مقابل الباب مباشرة. كل من يدخل يراه. لا أحد يعلق لا أحد يشير لكنه موجود هناك كتحذير وكشهادة.
صارت روسيو وهي في الحادية والأربعين منسقة للصحة المجتمعية في مركز طبي في الحي. وعندما تستقبل نساء كبيرات بقصص تروى بنصف كلامنساء يقال إنهن ضعن أو لم يعدن أو ذهبن مع أحدلا تحكم عليهن. تصدقهن. تصغي. وتفكر في أمها.
أما إدواردووقد أطفأ الزمن بريق عينيهفما زال يعمل في الورشة. وأحيانا يسأل أحد المتدربين الشباب هل صحيح أن أمك اختفت لا يجيب فورا. ثم يقول فقط نعم لكن ليس بالكامل.
ثم يتوقف لحظة كأنه يسأل نفسه قبل أن يسأل العالم كيف لا
لم تختف غوادالوبي بالكامل. هي في كل قرار يتخذه أبناؤها في كل صمت لا يكررونه وفي كل قصة تحكى الآن بسبب ما عاشته وما لم تستطع أن ترويه.
وفي 2025 كتبت حفيدة ميريامطفلة في الحادية عشرةموضوعا مدرسيا بعنوان أشجع امرأة في عائلتي. لم تكتب عن خالة ولا عن أم بل عن غوادالوبي هيريرا مارتينيث امرأة لم تعرفها قط لكنها كانت تعرف قصتها أكثر من كثير من القصص الأخرى.
جدتي الكبرى اختفت لأنها أرادت أن يدفع لها حقها. يقولون إنها كانت قوية. يقولون إنها كانت تعمل كثيرا. كنت أتمنى أن أعرفها لكنني أتذكرها على أي حال.
بهذه الكلمات ظل الخيط حيا. لأن طفلة في الحادية عشرة حين تستطيع أن تحكي ما جرى بلا فضول مؤذ ولا خوف ولا استسلام فهذا يعني أن شيئا ما قد نجا. شيء انتشل من الصمت. وفي ذلك البيت ذي الجدران الرمادية في تلك المستعمرة التي اعتادت النسيان لم يعد اسم غوادالوبي مرادفا للاختفاء بل مرادفا للكرامة.
نعم هناك غيابات لا تمتلئ أبدا لكن هناك أيضا حكايات ترفض أن تختفي.


تعليقات
إرسال تعليق