كانت تحت قدميه 15 سنة… وهو يقود البحث عنها أمام الكاميرات!
كانت تحت قدميه 15 سنة… وهو يقود البحث عنها أمام الكاميرات!
اختفت فتاة تبلغ من العمر خمسة عشر عاما وكان زوج أمها هو من قاد عمليات البحث عنها بينما كانت محتجزة في القبو طوال تلك السنوات.
في الثامن عشر من يونيو عام 2003 اختفت مراهقة تبلغ من العمر أربعة عشر عاما دون أن تترك أي أثر في الشوارع المنحدرة لمدينة إل ألتو في بوليفيا. وعلى مدى خمسة عشر عاما كاملة كان زوج أمها يقود حملات البحث بلا كلل ينظم المسيرات يظهر في البرامج التلفزيونية ويعلق الملصقات في كل زاوية من زوايا المدينة. لقد أصبح الوجه العلني لألم عائلة مدمرة.
لكن في الثاني والعشرين من أغسطس عام 2018 وبينما كان العمال يبدؤون بهدم جزء من المنزل العائلي تمهيدا لبيعه بعد ۏفاته المفاجئة عثروا في قبو المنزل على شيء جمد الډم في عروق بوليفيا بأكملها. كيف يمكن طوال 3900 يوم بينما كان مئات الأشخاص يبحثون بيأس عن فتاة مفقودة أن تكون موجودة على بعد أقل من ستة أمتار تحت أقدامهم
قبل أن نواصل هذه القصة الحقيقية المقلقة إذا كنت تقدر القصص الغامضة الواقعية مثل هذه فاشترك في القناة وفعل الإشعارات حتى لا تفوت أي قضية جديدة. واكتب لنا في التعليقات من أي بلد ومدينة تتابعنا فنحن فضوليون لمعرفة أين تنتشر جماعتنا حول العالم. والآن لنكتشف كيف بدأت القصة.
إل ألتو مدينة تتحدى المنطق الجغرافي. تقع على ارتفاع يزيد على أربعة آلاف متر فوق مستوى سطح البحر وتمتد فوق الهضبة البوليفية ككائن حي ينمو بلا ضابط. في عام 2003 كانت المدينة تعج بنحو ثمانمائة ألف نسمة كثير منهم من المهاجرين من شعب الأيمارا الذين قدموا بحثا عن فرص لم تعد مدينة لاباز شقيقتها الواقعة في الوادي قادرة على توفيرها.
كانت المنازل المبنية من الطوب غير المكتمل
تتسلق المنحدرات وفي كل زاوية تختلط رائحة السالتينيا الطازجة بغبار دائم تثيره الرياح القادمة من الهضبة في الشوارع غير المعبدة. وكانت منطقة فيا دولوريس في الدائرة الثامنة من إل ألتو واحدة من تلك الأحياء التي تعرف فيها العائلات بعضها منذ أجيال. البيوت متلاصقة بجدران مشتركة والأطفال يلعبون كرة القدم في الشوارع المرصوفة بالحجارة وفي أيام الأحد يمتد السوق الشعبي غير الرسمي عبر عدة شوارع.
كان ذلك النوع من الأماكن التي يظن فيها الجميع أنهم يعرفون كل شخص أو على الأقل هكذا كانوا يعتقدون. ولدت أندريا لوسيا كيسبي في الثاني عشر من نوفمبر عام 1988 في المستشفى البلدي بإل ألتو. كانت والدتها فليبا كيسبي تعمل في بيع الأقمشة في سوق السادس عشر من يوليو ذلك المتاهة التجارية الممتدة على كيلومترات حيث يمكن العثور على كل شيء من الأقمشة التقليدية إلى الأجهزة الكهربائية المهربة.
أما والد أندريا البيولوجي فقد ټوفي في حاډث سير على الطريق المؤدي إلى أورورو عندما كانت أندريا في الثالثة من عمرها. وجدت فليبا نفسها وحيدة مع طفلة صغيرة وديون بدت مستحيلة السداد بما تكسبه من كشكها في السوق. وفي عام 1995 تعرفت فليبا على روبرتو تشوكي خلال احتفال شعبي ديني.
كان روبرتو آنذاك في الثانية والثلاثين من عمره يعمل معلم بناء وله سمعة طيبة كعامل مجتهد. لم يكن يشرب بإفراط كما يفعل كثير من رجال الحي ولم يكن يشارك في ألعاب القماړ السرية وبدا مهتما بصدق بتكوين أسرة. بالنسبة لامرأة وحيدة لديها ابنة صغيرة مثل روبرتو الاستقرار.
تزوجا في مراسم بسيطة في كنيسة سان فرانسيسكو بإل ألتو في مارس عام 1996 عندما كانت أندريا في السابعة من عمرها.
وكانت السنوات الأولى بحسب كل من عرف العائلة طبيعية نسبيا. كان روبرتو يعمل في البناء خلال النهار وأحيانا يسافر إلى لاباز لمشاريع أكبر بينما واصلت فليبا عملها في السوق تخرج قبل الفجر وتعود بعد حلول الظلام.
كانت أندريا تدرس في المدرسة الحكومية في الحي وهي مؤسسة مكتظة بالفصول حيث يتقاسم خمسون طفلا مقاعد صممت لثلاثين فقط. ومع ذلك لاحظ بعض الجيران شيئا في ديناميكية الأسرة لم يتمكنوا من التعبير عنه بوضوح. كان روبرتو مفرط الحماية تجاه أندريا. لم يكن يسمح لها باللعب في الشارع مثل باقي الأطفال وكان يصر على توصيلها إلى المدرسة وإعادتها بنفسه حتى عندما يكون عمله في الجهة الأخرى من المدينة.
وإذا اقترحت فليبا أن تزور أندريا إحدى قريباتها أو تحضر حفلة للأطفال كان روبرتو يجد دائما سببا للاعتراض. كان يقول الشوارع خطېرة هناك كثير من السكارى واللصوص من الأفضل أن تبقى في البيت حيث تكون آمنة. وكانت فليبا المنهكة من ساعات العمل الطويلة والممتنة لزوج يبدو مهتما بابنتها لا تشكك في هذه القيود بل كانت تفسرها على أنها علامة على مسؤولية زوج الأم.
في بيئة يتجاهل فيها كثير من الرجال أبناء زوجاتهم بدا روبرتو على العكس تماما. كبرت أندريا طفلة هادئة ذات ابتسامة خجولة ودرجات ممتازة. كانت معلماتها يصفنها بالمجتهدة لكنها منطوية نادرا ما تشارك في ألعاب الفسحة مفضلة الجلوس وحدها مع دفتر ترسم فيه الجبال والمباني بدقة لافتة.
وعندما بلغت الثانية عشرة وبدأ جسدها يتغير كما يحدث مع جميع الفتيات لاحظت فليبا أن روبرتو أصبح أكثر تشددا. لم يعد يسمح لأندريا بارتداء بعض الملابس. كان يجب أن تصل التنانير إلى ما تحت الركبة ولا يسمح بأي
ملابس ضيقة. وكان يبرر ذلك بقوله إن الأمر احترام وأنهم لا يريدون أن يسيء رجال الحي الظن بها.
وفي عام 2002 عندما كانت أندريا في الثالثة عشرة وتدرس في الصف الثاني الثانوي طرأ عليها تغيير ملحوظ. بدأت درجاتها التي كانت ممتازة في التراجع. كانت تصل متأخرة إلى المدرسة وأحيانا بعيون غائرة وكأنها لم تنم. وفي مناسبتين حاولت مديرة المدرسة التحدث مع فليبا لكن العثور عليها خارج ساعات عملها في السوق كان شبه مستحيل. تركت رسائل لم تصل أبدا.
بعد سنوات ستتذكر إحدى زميلاتها جيسيكا أن أندريا حاولت أن تفضي لها بشيء ذات مرة. كان ذلك خلال الاستراحة في أبريل 2003. أخذتها أندريا خلف كشك المدرسة وبدأت تتحدث عن أشياء تحدث في منزلها. لكنها قبل أن تكمل جملتها اڼفجرت بالبكاء وركضت بعيدا. كانت جيسيكا في الثالثة عشرة آنذاك ولم تعرف كيف تتعامل مع تلك المعلومات الناقصة. ظنت أن أندريا تبالغ كما تفعل بعض المراهقات ولم تخبر أحدا. ذلك الجزء غير المكتمل من الاعتراف سيظل يطاردها طوال حياتها.
في أوائل يونيو 2003 كانت أندريا قد أتمت عامها الرابع عشر. ظل حي فيا دولوريس كما هو متاهة من الشوارع المرصوفة والمنازل المبنية من الطوب لكن شيئا في الجو بدا مختلفا تلك الأسبوع. حل الشتاء القارس للهضبة بقوة غير معتادة. انخفضت درجات الحرارة ليلا إلى ما دون الصفر وخلال النهار لم يكن للشمس الخادعة أن تدفئ الهواء الرقيق.
كان الناس يسيرون ملفوفين بسترات صوفية من وبر الألبكة وأغطية سميكة. وكان منزل عائلة تشوكي كيسبي بناء نموذجيا من مبنيين من الطوب الظاهر بنوافذ ذات قضبان حديدية مطلية بالأخضر وفناء صغير أمامي بأرضية إسمنتية. ما ميزه قليلا عن البيوت
المجاورة
كان القبو.
كان روبرتو قد بناه بنفسه بين عامي 1998 و بعد أن حفر في تربة الهضبة الصلبة بجهد شاق. قال إنه سيكون مخزنا لأدواته ومواد البناء مكانا يحفظ فيه المعدات الثمينة بعيدا عن السړقة. كان مدخل القبو في الفناء الخلفي مخفيا جزئيا خلف مظلة كانت فليبا تخزن تحتها الحطب للمطبخ.
لم يظن أحد أن في ذلك شيئا غير عادي. فالكثير من منازل إل ألتو تحتوي على أقبية أو مخازن تحت الأرض والمساحة الإضافية كانت ثمينة في مدينة يحسب فيها كل متر. وكان يوم الثلاثاء السابع عشر من يونيو 2003 يبدو يوما عاديا ظاهريا.
ذهبت أندريا إلى المدرسة وتذكرها زميلاتها بزيها المعتاد تنورة رمادية بلوزة بيضاء وسترة زرقاء داكنة تحمل شعار المدرسة المطرز على الصدر. كان شعرها مربوطا في ضفيرة طويلة تصل إلى منتصف ظهرها. وفي الحصة الأخيرة مادة الرياضيات لاحظت المعلمة سونيا كاليسايا أن أندريا كانت تحدق من النافذة بشرود لكنها لم تعر الأمر اهتماما.
في الساعة الثانية ظهرا عند انتهاء الدوام خرجت أندريا من بوابة المدرسة الرئيسية مع عشرات الطلاب. رآها عدد من زملائها تسير باتجاه منزلها الذي يبعد نحو عشرين دقيقة مشيا. كانت تمشي وحدها كعادتها. وكان روبرتو غالبا ينتظرها عند الخروج لكنه في ذلك اليوم لم يأت. وسيقول لاحقا إن طارئا في أحد مواقع العمل في لاباز منعه من الوصول.
ثلاثة أشخاص من الحي رأوا أندريا أثناء تلك المسيرة. دون إرنستو بائع شراب الآبي الذي كان عربته عند زاوية شارع بانوراميكا تعرف عليها ولوح لها بيده فردت التحية وتابعت طريقها. ورأتها الجارة نيلدا تمر أمام منزلها قرابة الثانية والنصف وأخيرا تذكر مجموعة من الأطفال الذين كانوا يلعبون
كرة القدم قرب منزلها أنهم رأوها تدخل من بوابة البيت حوالي الثانية وخمس وأربعين دقيقة عصرا. وكان ذلك آخر ما رآه أي شخص خارج ذلك المنزل لأندريا لوسيا كيسبي خلال السنوات الخمس عشرة التالية.
وصلت فليبا كيسبي إلى منزلها تلك الليلة حوالي السابعة والنصف كعادتها. كان السوق يغلق متأخرا ثم تستقل حافلة صغيرة تنزلها على بعد عدة شوارع من بيتها. وصلت مرهقة بيدين متشققتين من البرد وظهر يؤلمها من الوقوف طوال اليوم. كان روبرتو في المنزل قد أعد شايا ساخنا وكان يشاهد الأخبار على التلفاز الصغير في غرفة الجلوس. سألته فليبا عن أندريا فأجاب بهدوء إن الفتاة عادت من المدرسة أكلت شيئا ثم قالت إنها ستذهب إلى بيت زميلتها كلوديا لإنجاز عمل جماعي وأنها ستعود متأخرة قرابة التاسعة مساء.
لم تجد فليبا في ذلك ما يثير الريبة. صحيح أن روبرتو كان عادة يعارض هذه الخروجيات لكنها كانت متعبة جدا لتدقق. تناولت شيئا من الطعام واستحمت سريعا بماء فاتر بالكاد يسخنه السخان الغازي ثم جلست تشاهد التلفاز مع روبرتو بانتظار عودة أندريا.
مرت التاسعة ثم التاسعة والنصف وعند العاشرة بدأت فليبا تقلق. لم تكن إل ألتو مدينة خطړة على نحو خاص لكن تجوال فتاة في الرابعة عشرة ليلا في شوارع سيئة الإضاءة لم يكن أمرا مطمئنا. سألت روبرتو إن كان يعرف عنوان كلوديا بدقة فأجاب بأن أندريا لم تذكر العنوان بل الاسم فقط.
في العاشرة والنصف خرجت فليبا للبحث عنها. زارت بيوت بعض زميلات أندريا اللواتي تعرفهن وفي البيت الثاني وجدت كلوديا التي كانت ترتدي بيجامتها وتستعد للنوم ولم تكن تعرف شيئا عن أي عمل جماعي. بل قالت إن أندريا تغيبت عن الحصة الأخيرة ذلك اليوم وهو
ما ناقض لاحقا ما قاله طلاب آخرون.
بدأ قلب فليبا يخفق پعنف. عادت مسرعة إلى منزلها. بدا روبرتو مصډوما وقلقا حقا وقال ربما أخطأ الفهم وربما ذكرت أندريا اسم زميلة أخرى. معا بدآ يجوبان الحي يطرقان الأبواب يسألان الجيران ويتفقدان الزوايا التي يتجمع فيها الشباب. عند الواحدة فجرا وكانت الحرارة قد انخفضت إلى ما دون الصفر والشوارع خالية إلا من بعض الكلاب الضالة توجه الاثنان إلى مقر قوة مكافحة الچريمة في إل ألتو لتقديم بلاغ رسمي.
دون الضابط المناوب وهو رجل في الأربعين بملامح متعبة دائما البلاغ ببرود إداري. فتاة في الرابعة عشرة مفقودة منذ الثانية وخمس وأربعين من عصر اليوم السابق آخر من رآها جيران الحي عندما دخلت منزلها. شرح الضابط أنه قانونيا لا تعتبر الحالة اختفاء إلا بعد مرور ثمان وأربعين ساعة لكنه نظرا لصغر سنها سيستثنى الأمر. طلب صورة حديثة لأندريا. لم تكن لدى فليبا صورة معها. كانت الصور في عام 2003 رفاهية نادرة لعائلات محدودة الدخل. وعد روبرتو بإحضار صورة في اليوم التالي.
خلال الأيام الثلاثة التالية تحول منزل تشوكي كيسبي إلى مركز نشاط محموم. لم تذهب فليبا إلى السوق وقضت ساعاتها باكية تجري اتصالات من هاتف عمومي إلى أقارب بعيدين تسأل إن كانت أندريا قد لجأت إلى أحدهم. أما روبرتو فتولى دور المنظم. نسق مع الجيران لتشكيل فرق بحث وصمم بنفسه منشورات تحمل وصف أندريا وطبعها في مطبعة بوسط لاباز. احتوت المنشورات على خطأ مطبعي في رقم الهاتف لم يلاحظه أحد إلا بعد أسابيع بعد أن كان قد تم توزيع آلاف النسخ في أنحاء المدينة.
تركز البحث أولا في إل ألتو ثم امتد إلى لاباز. كانت النظرية السائدة أن أندريا ربما
هربت مع حبيب سري. كان روبرتو يرفض كل نظرية لكنه يصر على التحقيق في جميعها. زار محطات الحافلات تحدث إلى السائقين وعلق المنشورات في الأسواق والساحات.
بعد أسبوع من الاختفاء خصص برنامج تلفزيوني محلي فقرة للقضية. ظهرت فليبا على الشاشة مڼهارة بالكاد تستطيع التحدث بين نوبات بكائها. أما روبرتو فتحدث بوضوح لافت وصف أندريا بدقة طولها متر وخمسون سنتيمترا نحيلة البنية شعرها أسود أملس يصل إلى منتصف الظهر عيناها بنيتان داكنتان بشرتها سمراء ولديها ندبة صغيرة في ركبتها اليسرى بسبب سقوط سابق من دراجة. وجه نداء مؤثرا لكل من لديه معلومة وعرض مكافأة لا تملك العائلة القدرة الحقيقية على دفعها لكنها بدت جيدة أمام الكاميرات.
بدأت الاتصالات ترد. شخص قال إنه رأى فتاة تشبهها في سوق رودريغيز. وآخر أقسم أنه رآها تصعد حافلة متجهة إلى كوتشابامبا. اتصل رجل مدعيا أن أندريا في منزله لكن التحقيق كشف أنه شخص مختل عقليا اعتاد إجراء مثل هذه المكالمات في قضايا الاختفاء. كانت كل خيط يقود إلى طريق مسدود.
واصلت الشرطة التحقيق بإمكانات محدودة وبروتوكولات روتينية. استجوبوا زملاء المدرسة والمعلمين والجيران والأقارب وفتشوا منزل تشوكي كيسبي تفتيشا سطحيا بحثا عن دلائل عڼف أو آثار دماء أو نشاط إجرامي واضح. لم يعثروا على شيء. كانت غرفة أندريا مرتبة حقيبتها المدرسية على سريرها زيها معلق في الخزانة ولم يكن هناك نقص في الملابس يوحي بأنها غادرت بإرادتها.
ما لم يفعله المحققون هو تفتيش القبو تفتيشا دقيقا. عرض روبرتو المكان طواعية عندما طلب منه ذلك. نزلوا السلم الخرساني وأضاءوا بالمصابيح مساحة تبلغ نحو عشرين مترا مربعا ورأوا أدوات أكياس
إسمنت أنابيب
بلاستيكية وصناديق مسامير وبراغ كل شيء يبدو طبيعيا لمخزن عامل بناء. لم يلاحظوا أن القبو يبدو أصغر مما ينبغي مقارنة بأبعاد المنزل من الخارج ولم يطرقوا الجدران للتحقق من وجود فراغات مخفية.
لم يكن لديهم سبب للشك في أن خلف جدار من الطوب بدا حديث البناء في مساحة لا تتجاوز ثلاثة أمتار في مترين كانت أندريا تستمع إلى كل كلمة يقولونها وفمها مغطى بشريط لاصق كان روبرتو قد وضعه قبل وصول الشرطة.
كانت الأشهر الأولى التي تلت اختفاء أندريا دوامة من الحركة المحمومة والأمل الذي يتآكل يوما بعد يوم. فقدت فيليبا الكثير من وزنها حتى أصبحت ملابسها واسعة عليها. كانت زميلاتها في السوق يجمعن التبرعات لمساعدتها في المصاريف لأنها بالكاد كانت قادرة على التركيز في البيع. كانت تقضي ساعات العصر وهي تمشي في شوارع مدينة إل ألتو تحدق في وجه كل طفلة تمر تبحث في كل ملامح عن أثر مألوف.
أما روبرتو فكان على النقيض تماما يبدو وكأنه يعمل بطاقة متجددة. نظم ليس مسيرة واحدة بل ثلاث مسيرات جماهيرية مطالبا بزيادة الموارد الشرطية للبحث عن الأطفال المفقودين. ظهر في أربعة برامج تلفزيونية مختلفة وأدلى بتصريحات للصحف وأصبح الوجه العلني للمأساة زوج الأم المتفاني الذي يرفض الاستسلام.
كان بعض الجيران يعلقون بإعجاب قائلين إن كثيرا من الرجال في موقعه كانوا سيتخلون عن العائلة فبعد كل شيء أندريا لم تكن ابنته البيولوجية. لكن روبرتو بدا أكثر التزاما بالعثور عليها مما قد يكون عليه كثير من الآباء مع أبنائهم. في سبتمبر من عام 2003 بعد ثلاثة أشهر من الاختفاء توقف التحقيق الشرطي فعليا.
لم تكن هناك أي خيوط جديدة. القليل الذي
ظهر تبين أنه بلاغات كاذبة. أغلق الملف باعتباره اختفاء غير محلول واحدا من عشرات القضايا التي كانت تتراكم سنويا في مراكز الشرطة في إل ألتو. قال المحقق راميرو كوندي الذي كان مسؤولا عن القضية لفيليبا بصراحة إنه من دون أدلة مادية أو شهود موثوقين أو طلب فدية فليس هناك الكثير مما يمكنهم فعله.
واقترح عليها احتمال أن تكون أندريا قد هربت بإرادتها وأنها قد تعود يوما ما عندما تكون مستعدة. تمسكت فيليبا بهذه الفكرة كما يتمسك الغريق بطوق النجاة. أبقت غرفة أندريا كما هي تماما. لم تلمس ملابسها ولم تحرك دفاترها المدرسية ولم تغير أغطية سريرها. وفي كل 18 يونيو ذكرى اختفائها كانت تنظم وقفة شموع في الساحة الرئيسية بحي فيا دولوريس.
في السنوات الأولى كان العشرات يحضرون. في الذكرى الخامسة حضر سبعة أشخاص فقط. وفي الذكرى العاشرة لم يحضر سوى هي وروبرتو وجارتين مسنتين شعرتا بأن الحضور واجب اجتماعي. ما لم يكن يعرفه أحد هو أن أندريا لم تكن في مدينة أخرى ولم تهرب مع أي حبيب ولم تختطف
كانت على عمق خمسة أمتار ونصف تحت أقدام أمها كل ليلة بينما كانت فيليبا تبكي في غرفة الجلوس متسائلة أين تكون ابنتها. كان الفراغ المخفي في القبو زنزانة كابوسية. كان روبرتو قد بناها على مدى أشهر يعمل فيها بطريقة منهجية في كل مرة تذهب فيها فيليبا إلى السوق.
بنى جدارا زائفا تاركا مساحة بالكاد تكفي لسرير حديدي صغير ودلو يستخدم كمرحاض ولا شيء أكثر. كانت التهوية تأتي عبر أنبوب ضيق يمتد داخل الجدران ويخرج بخفاء في السقف مموها كجزء من نظام الصرف. أما الضوء الوحيد فكان من مصباح منخفض الجهد موصول بنظام كهربائي منفصل
كان روبرتو يتحكم فيه من الأعلى.
في الأيام الأولى من احتجازها صړخت أندريا حتى بح صوتها. ضړبت الجدران حتى ڼزفت يداها. كان روبرتو قد حسب كل شيء بدقة. الجدران كانت سميكة والقبو عميقا جدا وضجيج المدينة المستمر في الخارج كان يبتلع أي صوت قد يتسرب.
إضافة إلى ذلك كان قد اختار التوقيت بدقة شيطانية. فقد فتشت الشرطة القبو خلال الأسبوع الثالث من البحث. بعد ذلك لم ينزل إليه أحد مرة أخرى سوى هو. مع مرور الوقت تعلمت أندريا قواعد واقعها الجديد. كان روبرتو ينزل مرتين في اليوم صباحا باكرا قبل أن تستيقظ فيليبا وليلا بعد أن تنام. كان يجلب الطعام غالبا بقايا ما طهي في الأعلى ويبدل الدلو عند الحاجة.
وخلال تلك الزيارات كانت تحدث أمور تعلمت أندريا أن مقاومتها بلا جدوى. في المرة الأولى التي حاولت فيها مهاجمته بصحن معدني كان قد أعطاها إياه اختفى روبرتو لثلاثة أيام تاركا إياها بلا طعام ولا ماء. كادت أندريا أن ټموت من الجفاف قبل أن يعود. تعلمت كيف تبقى على قيد الحياة كيف تنفصل ذهنيا كيف تلجأ إلى عقلها بينما كان جسدها موجودا في ذلك الحيز الخرساني البارد.
كان روبرتو يجلب لها أحيانا كتبا قديمة ومجلات قديمة ودفاتر يمكنها أن ترسم فيها. كانت تملأ الصفحات بصور للسماء والجبال والمساحات المفتوحة التي بالكاد تتذكرها. فقدت الإحساس بالزمن. لم تكن هناك نوافذ ولا وسيلة لمعرفة إن كان الوقت نهارا أم ليلا سوى التوقيت التقريبي لزيارات روبرتو.
في عام 2005 بعد عامين من اختفائها حملت أندريا. كانت في السادسة عشرة من عمرها. تصرف روبرتو وكأن الأمر طبيعي بل مرغوب فيه. كان يجلب لها فيتامينات الحمل يشتريها من صيدليات
في مناطق مختلفة حتى لا يثير الشبهات. وعندما بدأت أندريا تعاني من المخاض في يناير 2006 نزل روبرتو ومعه مناشف وماء ساخن ومقص معقم.
كان قد شاهد ما يكفي من الولادات في البرامج التلفزيونية ليملك فكرة أساسية عما يجب فعله. أنجبت أندريا طفلة في ذلك القبو دون تخدير وهي تعض يدها حتى لا تصرخ بصوت عال. ولدت الطفلة صغيرة الحجم لكنها بدت سليمة. قطع روبرتو الحبل السري ونظف الطفلة ولفها ببطانية ثم صعد بها إلى الأعلى.
بعد يومين عاد روبرتو إلى المنزل مع فيليبا بقصة أعدها بعناية. قال إنه وجد طفلة متروكة قرب ورشة بناء يعمل فيها. كانت في صندوق كرتوني ومعها ورقة تقول إن الأم لا تستطيع رعايتها. فيليبا الغارقة في اكتئاب فقدان أندريا رأت في تلك الطفلة فرصة للخلاص حياة جديدة تعوض الحياة التي فقدتها.
بدأوا إجراءات التبني. زارهم عامل اجتماعي ورأى أن البيت متواضع لكنه نظيف ووافق على التبني المؤقت الذي تحول لاحقا إلى دائم. أطلقوا على الطفلة اسم لوسيا الاسم الثاني لأندريا. قال روبرتو إنه تكريم لابنة زوجته التي لم يجدوها قط. بكت فيليبا أياما معتبرة ذلك لفتة جميلة من رجل لم يستطع نسيانها.
في القبو كانت أندريا تسمع بكاء ابنتها في الطابق العلوي. كانت تسمع أمها تغني لها أغاني المهد. كانت تسمع روبرتو يلعب معها ويجعلها تضحك. كانت فداحة هذا الوضع لا توصف. وعندما كان روبرتو ينزل وتسأله أندريا عن الطفلة كان يجيب بقسۏة محسوبة حالها أفضل في الأعلى من أن تكون هنا معك. إنها ابنتي الآن. وإذا تصرفت جيدا ربما أسمح لك برؤيتها يوما ما. ذلك اليوم لم يأت أبدا.
استمرت السنوات في روتين ۏحشي. في عام 2009 حملت أندريا
مرة أخرى. هذه
المرة كان مولودا ذكرا. كرر روبرتو قصة الطفل المتروك. فيليبا التي كانت قد بلغت الخمسين والممتنة لوجود طفلين يملآن فراغ أندريا لم تطرح أسئلة كثيرة.
سمي الطفل أندريس وهو اسم اختاره روبرتو قائلا إنه يتناغم مع لوسيا. كانت أندريا في الحادية والعشرين من عمرها. كانت قد قضت ما يقارب نصف حياتها في ذلك القبو. تغير جسدها. أنجبت مرتين. شحبت بشرتها بسبب غياب ضوء الشمس. انحنت قامتها من العيش في مكان منخفض السقف.
لكن عقلها على نحو مدهش لم ينكسر تماما. وجدت طرقا للحفاظ على اتزانها. كانت تكتب وترسم وتجري تمارين ذهنية في الحساب وتحفظ قصائد من الكتب التي كان روبرتو يجلبها. كانت تتشبث بالأمل في أن ينتهي هذا يوما ما بطريقة ما.
في العالم الخارجي استمرت الحياة. عادت فيليبا إلى كشكها في السوق وإن لم تستعد طاقتها السابقة أبدا. كبر الطفلان لوسيا وأندريس دون أن يعرفا أن أمهما الحقيقية كانت على بعد أمتار تحت أقدامهما. واصل روبرتو عمله في البناء واعتنى بالبيت. كان أبا يبدو متفانيا.
مرة واحدة في السنة في 18 يونيو كان لا يزال يرافق فيليبا إلى الوقفة الصغيرة التي كانت تصر على تنظيمها. كان الحضور يقل عاما بعد عام. بحلول عام 2013 بعد عشر سنوات من الاختفاء لم يعد يأتي أحد سواهما.
في القبو كانت أندريا تضع علامات على الجدران بمسمار صدئ وجدته. خطوط عمودية مجمعة بخمسات. فقدت العدة مرات واضطرت إلى البدء من جديد. قدرت أنها كانت هناك نحو 3500 يوم لكنها قد تكون مخطئة بأسابيع أو حتى أشهر. الزمن في الظلام يفقد معناه.
خلال تلك السنوات كانت هناك لحظات فكرت فيها أندريا بإنهاء حياتها. كانت هناك طرق للقيام بذلك حتى في ذلك الحيز
المحدود. لكن شيئا ما كان يوقفها دائما. ربما صورة طفليها في الأعلى. وربما عناد بيولوجي بسيط. وربما خيال بأن روبرتو سيخطئ يوما ما وأن أحدا سيكتشف الأمر وأنها ستخرج.
في العالم العلوي كان روبرتو يشيخ. بحلول عام 2015 كان قد بلغ الثانية والخمسين. بدأ يعاني من مشكلات صحية ارتفاع ضغط الډم وآلام في الصدر كان يتجاهلها. أصبح العمل البدني في البناء أصعب عاما بعد عام لكنه لم يكن قادرا على التوقف لأنه كان بحاجة إلى المال لإعالة الأسرة وبشكل سري لإبقاء أندريا على قيد الحياة في القبو.
كانت هناك لحظات بدا فيها روبرتو شبه إنساني أثناء زياراته للقبو. كان يتحدث مع أندريا عن يومه وعن الأطفال وعن مشكلات عادية وكأنها محادثة طبيعية بين شخصين تربطهما علاقة طبيعية. تعلمت أندريا أن ترد وأن تتظاهر بنوع من الود لأنها اكتشفت أن ذلك يجعله أقل قسۏة. كانت رقصة بقاء.
في عام 2017 بعد 14 عاما من الاختفاء بدأت فيليبا تتحدث عن الانتقال من المنزل. كان البيت مليئا بذكريات مؤلمة. كان الأطفال يكبرون ويحتاجون إلى مساحة أكبر. ربما يمكنهم البيع وشراء شيء أصغر في منطقة أخرى بداية جديدة. كان روبرتو يرفض الفكرة في كل مرة. يختلق أعذارا. سوق العقارات سيئ. لن يحصلوا على سعر جيد. الأطفال مرتاحون في مدارسهم الحالية. في النهاية كانت فيليبا تتوقف عن الإلحاح.
لكن في فبراير 2018 تغير شيء ما. بدأت نوبات ألم الصدر لدى روبرتو تتكرر. أخبره طبيب في مركز صحي بأنه بحاجة إلى فحوصات أكثر شمولا وربما إلى علاج قلبي. تجاهل روبرتو التوصيات. لم يكن يستطيع المجازفة بدخول المستشفى أو بأن يتولى أحد غيره شؤون البيت أو بأن يكتشف أحد القبو.
في 19 أغسطس
2018 كان روبرتو يعمل في ورشة بناء بالمنطقة الجنوبية من لاباز. كان الجو حارا على غير العادة في فصل الشتاء. كان يحمل كتل إسمنتية عندما شعر بضغط ساحق في صدره. امتد الألم إلى ذراعه اليسرى. سقط على ركبتيه. أحاط به زملاؤه. اتصل أحدهم بالإسعاف لكن عندما وصلت إلى مستشفى الصدر كان روبرتو تشوكي قد فارق الحياة. نوبة قلبية حادة. كان عمره 55 عاما.
تلقت فيليبا الخبر في كشكها في السوق. انهار عالمها مجددا. أولا فقدت ابنتها والآن فقدت زوجها. نظم الجيران مراسم العزاء وساعدوا في مصاريف الچنازة. ډفن روبرتو بعد ثلاثة أيام في المقپرة العامة في إل ألتو في جنازة متواضعة لكنها لائقة. حضر كثيرون. كان روبرتو معروفا في الحي محترما كعامل ومتذكرا على أنه الرجل الذي لم يستسلم أبدا في البحث عن ربيبته المفقودة.
في القبو لاحظت أندريا أن هناك خطبا ما عندما لم يأت روبرتو لثلاثة أيام متتالية. ثم أربعة ثم خمسة. لم يجلب طعاما ولم يغير الدلو ولم يأت. بدأت أندريا بتقنين القليل من الطعام المتبقي من آخر زيارة. كانت تشرب من قطرة الماء الصغيرة التي كان روبرتو قد ركبها لحالات الطوارئ.
بعد أسبوع بدأت تفكر بجدية أن روبرتو قد ماټ وأنها ستموت جوعا في ذلك القبو دون أن يعثر عليها أحد.
بعد الچنازة ڠرقت فيليبا في اكتئاب عميق. كانت في الثامنة والخمسين ولديها طفلان لتربيتهما وحدها ومعاش ضئيل من مبيعات السوق وبيت صار يبدو كقبر مليء بالأشباح. جاءت شقيقتها التي تعيش في كوتشابامبا لتكون معها في الأسابيع الأولى.
كانت هي من اقترحت فكرة بيع المنزل. قالت لفيليبا ذات مساء وهما تشربان شاي الكوكا في المطبخ هذا البيت مليء بالحزن. فقدت أندريا هنا.
والآن فقدت روبرتو. الأطفال بحاجة إلى مكان أخف وطأة. ابيعي واشتري شيئا أصغر أسهل. ابدئي من جديد. هذه المرة استمعت فيليبا.
في أوائل سبتمبر عرضت المنزل للبيع. جاء وكيل عقاري لتقييمه. قال إنها ملكية جيدة لكنها تحتاج إلى عمل. الجدران بها تشققات والحمام بحاجة إلى تجديد والقبو حسنا القبو قد يكون نقطة بيع إذا نظف وجهز بشكل مناسب. كثير من الناس يبحثون عن مساحة تخزين أوضح الوكيل.
إذا قمنا بترتيب القبو وإزالة الأشياء القديمة وربما طلاء الجدران فقد يرفع ذلك قيمة العقار بنسبة 15 إلى 20 في المئة. أومأت فيليبا دون حماسة. نادرا ما كانت تنزل إلى القبو. كان مساحة روبرتو لكن إن كان ذلك سيساعد على بيع البيت أسرع فلا بد من القيام به.
أوصى الوكيل بفريق من العمال المتخصصين في تنظيف وتجديد العقارات قبل البيع. في 22 أغسطس 2018 وصل ثلاثة رجال إلى منزل فيليبا الساعة الثامنة صباحا. كانوا ماريو رجل في الأربعينيات يقود الفريق ومساعدين شابين هما خافيير وكريستيان. أرتهم فيليبا مدخل القبو في الفناء الخلفي وشرحت لهم أنه يمكنهم إخراج أي شيء يبدو كأنه قمامة.
أما الأدوات الجيدة إن وجدوها فعليهم تركها لها. نزل الرجال الثلاثة عبر الدرج الخرساني ومعهم مصابيح يدوية وبدأوا العمل. كان القبو مغبرا وتفوح منه رائحة الرطوبة. كانت هناك صناديق مكدسة وأدوات صدئة وأكياس إسمنت متصلبة يبدو أنها موجودة منذ سنوات.
بدأوا بإخراج الأشياء إلى الفناء لفرزها. كان خافيير هو من لاحظ أمرا غريبا. بينما كان يقيس الجدران ليحسب كمية الطلاء المطلوبة أدرك أن الجدار الخلفي يبدو أحدث من غيره. كان لون الطوب مختلفا قليلا والملاط أقل تآكلا.
أخبر ماريو
بذلك. اقترب ماريو وطرق
الجدار بمفاصله. كان الصوت أجوف قليلا مختلفا عن الجدران الصلبة المحيطة. تبادل نظرة مع خافيير. في خبرته في تجديد البيوت القديمة لم يكن من الغريب العثور على مساحات مخفية. أحيانا كان المالك يبني تجاويف سرية لإخفاء المال أو أشياء ثمينة.
وأحيانا كانت مجرد أخطاء معمارية فراغات مېتة نتجت عن توسعات. قال ماريو لنفتح هذا. ربما يكون هناك شيء ذو قيمة مخبأ. أحضر كريستيان مطرقة ثقيلة وإزميلا. بدأ ماريو يضرب الجدار بطريقة منهجية باحثا عن أضعف نقطة.
بعد بضع دقائق تمكن من إحداث شق. كان الطوب رغم مظهره المتين أقل صلابة من الجدران الأصلية. ومع كل ضړبة كان الشق يتسع. داخل الزنزانة المخفية سمعت أندريا الضربات. في البداية ظنت أنها تهلوس. كانت قد أمضت تسعة أيام دون طعام صلب تعتمد فقط على قطرات الماء.
كانت ضعيفة مصاپة بالجفاف على حافة فقدان الوعي لكن الضربات كانت حقيقية. كان هناك شخص ما خلف الجدار. للمرة الأولى منذ 15 عاما وجدت أندريا القوة لتصرخ النجدة أرجوكم أنا هنا بالداخل.
تجمد العمال الثلاثة في أماكنهم. سقطت المطرقة من يد ماريو. تبادلوا نظرات ړعب مطلق. كانوا قد سمعوا صوت امرأة يأتي من خلف الجدار. صړخ ماريو بصوت مرتجف مرحبا هل هناك أحد هناك نعم أرجوكم
أخرجوني من هنا.
بدأ ماريو وخافيير بتحطيم الجدار بيأس متجدد. تساقط الطوب وامتلأ الهواء بالغبار. بعد خمس دقائق من العمل المحموم فتحوا فجوة كبيرة بما يكفي لرؤية الداخل.
ما رأوه أصابهم بالذهول. على أرضية مساحة ضيقة جدا بالكاد بحجم حمام صغير كانت هناك امرأة هزيلة تكاد لا تعرف كإنسانة. كانت بشرتها شاحبة بشكل مرضي. شعرها الطويل المتشابك ينسدل على كتفين نحيلين. عيناها الواسعتان تنظران من وجه غائر. كانت ترتدي ملابس قڈرة وممزقة.
كانت ترتجف تحاول الوقوف لكن دون قوة كافية. تقيأ كريستيان أصغرهم سنا في الزاوية. أخرج خافيير هاتفه للاتصال بالشرطة لكن يديه كانتا ترتجفان بشدة حتى أسقط الهاتف. كان ماريو هو من تمالك نفسه أخيرا. اقترب من الفتحة في الجدار.
سيدتي سنخرجك من هنا. اهدئي المساعدة قادمة. وسع الفتحة بما يكفي لتتمكن أندريا من المرور. عندما ساعدها على الخروج كان وزن جسدها شبه معډوم. كان كحمل طفل. حاولت أندريا المشي لكن ساقيها الضعيفتين بسبب سنوات من قلة الاستخدام لم تحملاها. حملها ماريو إلى الدرج.
كانت فيليبا في المطبخ تحضر الغداء عندما سمعت الضجيج. صړاخ العمال خطوات سريعة.
قال ماريو بصوت مكسور سيدتي فيليبا وجدنا شخصا في القبو. كانت مختبئة
خلف جدار. اقتربت فيليبا نظرت إلى وجه المرأة وفي تلك اللحظة رغم مرور 15 عاما ورغم التغيرات الجسدية ورغم كل شيء تعرفت على عيني ابنتها.
همست أندريا أومأت المرأة الضعيفة. قالت بصوت أجش بسبب سنوات من قلة الاستخدام أمي أنا هنا. أطلقت فيليبا كيسبي صړخة سمع صداها في الحي كله. سقطت على ركبتيها في الفناء الإسمنتي. بدأ الجيران يتجمعون لمعرفة ما يحدث.
كان خافيير قد اتصل بالشرطة والإسعاف. خلال أقل من عشر دقائق امتلأ فناء منزل تشوكي كيسبي بالناس جميعهم يحاولون استيعاب المستحيل الذي حدث للتو. وصلت سيارة الإسعاف بعد 15 دقيقة تلتها دوريتان من قوة مكافحة الچريمة.
فحص المسعفون أندريا بسرعة. كانت تعاني من سوء تغذية شديد وجفاف وچروح قديمة متعددة لكنها كانت على قيد الحياة. وضعت على نقالة ونقلت إلى المستشفى البلدي في إل ألتو. صعدت فيليبا معها في حالة صدمة عميقة بالكاد كانت قادرة على استيعاب ما تراه.
طوقت الشرطة المنزل فورا. أسندت القضية إلى المحقق ماركو فيلانويفا من قسم الأشخاص المفقودين. كان في الثامنة والثلاثين وله عشر سنوات في القسم. كان قد رأى أشياء مروعة كثيرة لكن عندما نزل إلى ذلك القبو ورأى المساحة التي قضت فيها أندريا 15 عاما شعر بالغثيان.
عندما
استقرت حالتها بما يكفي جاء المحقق فيلانويفا لأخذ إفادتها. تحدثت أندريا أربع ساعات متواصلة. روت كل شيء. كيف حپسها روبرتو في ذلك اليوم الأول عندما عادت من المدرسة مهددا پقتل أمها إن صړخت. كيف بنى الزنزانة قبل أشهر.
تسربت الأخبار إلى الصحافة قبل أن تتمكن الشرطة من السيطرة عليها. بحلول مساء 23 أغسطس كانت القصة في جميع نشرات الأخبار في بوليفيا. امرأة تعثر عليها حية بعد 15 عاما من الاختفاء كانت محتجزة في قبو منزلها.
كانت التفاصيل صاډمة إلى حد أن بعض وسائل الإعلام ترددت في مقدار ما يمكن نشره
نقل الطفلان لوسيا البالغة 12 عاما وأندريس البالغ 9 أعوام مؤقتا إلى رعاية شقيقة فيليبا ريثما يتخذ قرار. كانا أصغر من أن يفهما ما حدث بالكامل. قيل لهما إن والدهما ارتكب أفعالا سيئة جدا وإن المرأة في المستشفى هي شقيقتهما الكبرى التي كانت مفقودة طويلا. لم يخبرا بعد بالعلاقة البيولوجية الكاملة.
توسع التحقيق بسرعة. أعاد فيلانويفا وفريقه بناء حياة روبرتو تشوكي. تحدثوا مع زملاء العمل والأقارب والجيران. ظهرت صورة رجل دقيق هادئ لا يثير الشبهات. ذكر بعض زملائه في البناء أنه كان أحيانا يبدو متلهفا لإنهاء العمل والعودة إلى المنزل.
كان قد رفض ذات مرة مشروعا
مربحا يتطلب السفر
إلى سانتا كروز لمدة شهر قائلا إنه لا يستطيع ترك عائلته وحدها كل هذا الوقت. راجعوا تاريخه. ولد روبرتو تشوكي عام 1963 في مجتمع ريفي قرب أورورو. هاجر إلى إل ألتو عام 1984. لم يكن لديه سجل جنائي ولم يعتقل يوما.
ظاهريا كان مواطنا عاديا لكن عند التعمق ظهرت الشقوق. تم العثور على حبيبة سابقة له من قبل زواجه بفيليبا كانت تعيش في الأرجنتين. عندما اتصلوا بها وشرحوا لها القضية ساد صمت طويل قبل أن تتكلم. قالت إن روبرتو كان لديه سلوكيات غريبة تتعلق بالسيطرة.
عثر الفريق الجنائي في منزل روبرتو على عدة دفاتر مخبأة في صندوق داخل خزانته. كانت مذكرات. بدأ كتابتها عام 1998 قبل خمس سنوات من حبس أندريا. كانت التدوينات مقلقة. كان يصف أفكاره عن أندريا عندما كانت في التاسعة والعاشرة والحادية عشرة. كان يصف كيف كانت تكبر بجمال وكيف يجب عليه حمايتها من الرجال الآخرين. أصبحت التدوينات أكثر ظلمة تدريجيا.
في تدوينة عام 2002 كتب قريبا ستضطر لاتخاذ قرارات. لا يمكنني السماح لها بالذهاب مع شخص آخر. إنها لي. كانت هناك مخططات تفصيلية لبناء الزنزانة وحسابات للتهوية وملاحظات عن عزل الصوت. كان روبرتو قد خطط لكل شيء لسنوات. لم يكن فعلا اندفاعيا بل مدروسا ومخططا بعناية.
تحولت القضية إلى قضية وطنية ثم دولية. غطت وسائل إعلام من الأرجنتين وتشيلي وبيرو والبرازيل القصة. دعي علماء أنثروبولوجيا وعلماء نفس إلى البرامج التلفزيونية لمحاولة تفسير
كيف يمكن لشيء كهذا أن يحدث. كيف لم يلاحظ أحد كيف استطاع روبرتو أن يعيش هذه الحياة المزدوجة 15 عاما في 2 سبتمبر 2018 خرجت أندريا من المستشفى. كانت تتعافى جسديا رغم تحذير الأطباء من أنها ستحتاج إلى أشهر وربما سنوات من إعادة التأهيل. نفسيا بدأت علاجا مكثفا. عرضت النيابة العامة الحماية والدعم بما في ذلك مكان آمن للعيش بينما تقرر ما ستفعله بحياتها.
كانت أندريا الآن في التاسعة والعشرين. سنوات مراهقتها وأكمل عقد العشرينات قضتها في زنزانة خرسانية. العالم الذي خرجت إليه كان مختلفا. في 2003 كانت الهواتف المحمولة رفاهية نادرة. في 2018 كان الجميع يحمل هواتف ذكية. الإنترنت الذي بالكاد كان موجودا في إل ألتو عند اختفائها صار في كل مكان.
لكن الأصعب لم يكن التكنولوجيا بل مواجهة عائلتها. كانت فيليبا محطمة بالذنب. كانت تلوم نفسها لعدم رؤية الإشارات ولثقتها بروبرتو ولانشغالها بالعمل إلى درجة لم تلاحظ ما يحدث في بيتها.
كانت قد ربت طفلي أندريا معتقدة أنهما متبنيان دون أن تعلم أن ابنتها كانت تعاني تحتها مباشرة. أول لقاء بين أندريا ولوسيا وأندريس بعد خروجها من المستشفى كان تحت إشراف مختصين نفسيين. كان الطفلان مشوشين وخائفين. بالنسبة لهما كانت أندريا غريبة ذات قصة مرعبة.
أوصى المختصون بالتدرج وترك العلاقة تتطور بشكل طبيعي. واجهت أندريا أيضا قرارات قانونية. كان روبرتو قد ماټ ولا يمكن محاكمته لكن القضية كشفت إخفاقات جسيمة
في النظام.
كيف أمكن أن يكون تفتيش منزل في قضية اختفاء بهذه السطحية لماذا لم يطرح العاملون الاجتماعيون أسئلة أكثر أثناء إجراءات التبني هل كان يمكن منع ذلك استدعي المحقق الأصلي راميرو كوندي الذي كان قد تقاعد للإدلاء بشهادته.
اعترف بأن تفتيش القبو كان سطحيا لكنه دافع عن نفسه قائلا إن الموارد كانت محدودة وأن لديهم عشرات القضايا المشابهة. قال لم نتخيل أن البحث عن شخص قد يتطلب هدم جدران منزل العائلة نفسها. بأثر رجعي يبدو الأمر واضحا لكن في ذلك الوقت كان روبرتو أقل الناس إثارة للشك.
قررت النيابة عدم توجيه اټهامات لأي من المحققين السابقين. لم تكن هناك أدلة على إهمال جنائي بل قيود نظامية. لكن القضية أدت إلى تغييرات. أعلنت الحكومة البوليفية بروتوكولات جديدة للتحقيق في قضايا المفقودين وتفتيشات أكثر شمولا وتدريبا أفضل وزيادة الموارد.
كانت تغييرات جاءت بعد 15 عاما بالنسبة لأندريا لكنها ربما تمنع حالات مستقبلية. في أكتوبر 2018 أجرت أندريا مقابلة تلفزيونية واحدة فقط. تحدثت بهدوء وحزم. قالت إنها لا تريد أن ترى كضحېة للأبد. لقد نجت من أسوأ ما يمكن أن يمر به إنسان والآن تريد أن تعيش.
قالت لمدة 15 عاما سلبني روبرتو حريتي وشبابي وقدرتي على الاختيار. لكنه لم يستطع أن يسلبني عقلي ولا إنسانيتي. كل يوم كنت هناك وعدت نفسي إن خرجت يوما فلن أضيع لحظة واحدة من الحرية.
وعندما سئلت عن لوسيا وأندريس اختارت كلماتها بعناية.
قالت إنهما ابناها بيولوجيا لكنهما أيضا شقيقاها بالطريقة التي تربيا بها. هما ضحيتان مثلها. لن تفرض علاقة. وعندما يكبران إن أرادا التعرف إليها أكثر ستكون هناك.
وعن أمها قالت أمي كانت ضحېة أيضا. روبرتو تلاعب بها كما تلاعب بي لكن بطريقة مختلفة. لا أستطيع أن ألومها. كانت فيليبا تبكي لساعات وهي تشاهد المقابلة.
في الأشهر التالية بدأت أندريا إعادة بناء حياتها ببطء. حصلت على معاش صغير بسبب الإعاقة الناتجة عن الصدمة. عرضت منظمات حقوق الإنسان المساعدة. بدأت علاجا جسديا ونفسيا وتعليما تعويضيا.
كان الأصعب هو البسيط المشي في الشارع دون هلع التواجد في أماكن مفتوحة دون دوار النوم في غرفة بها نوافذ. كانت هناك أيام جيدة وأيام سيئة. ببطء شديد كانت تبني ما يمكن أن يسمى حياة طبيعية.
في عام 2020 التحقت بدروس ليلية لإكمال دراستها الثانوية. كانت في الثانية والثلاثين تدرس إلى جانب مراهقين. تخرجت عام 2021. وفي 2022 بدأت العمل في منظمة لمساعدة ضحاېا العڼف.
في يونيو 2023 بعد 20 عاما من اختفائها أجرت مقابلة إذاعية تحدثت فيها عن عملها لا عن مأساتها. قالت في ختامها عشت 15 عاما في ظلام تام. ظننت أنني لن أرى الشمس مجددا. لكنني لم أمت. واليوم كل فجر أراه هو هدية.
شعرت فيليبا وهي تستمع إلى الراديو بشيء من السلام لأول مرة منذ 20 عاما. انتهت قصة أندريا لا في الظلام بل في الضوء كشهادة على قدرة الإنسان على الصمود وإعادة بناء الحياة
مهما كان الثمن.


تعليقات
إرسال تعليق