أعلنوا أنها «مجنونة»… فقلبت الطاولة وصادرت إمبراطوريتهم في دقيقة واحدة!
أعلنوا أنها «مجنونة»… فقلبت الطاولة وصادرت إمبراطوريتهم في دقيقة واحدة!
في حفل تقاعدي أعلن زوجي وولدي أمام الحاضرين أنهم قد استصدروا قرارا باعتباري غير مؤهلة عقليا وأنهم ابتداء من الغد سيتولون السيطرة الكاملة على سلسلة فنادقي. ابتسمت من فوق كرسي متحرك كنت أجلس عليه.
كان زوجي ممسكا بيد مساعدته الجديدة ذات الاثنين والعشرين عاما يعد الضيوف بأن الشركة ستكتسب طابعا أكثر شبابا. لم أصرخ ولم أحاول إثبات صفاء ذهني. اكتفيت بإخراج جهاز تحكم صغير من فوق حجري أوقفت الموسيقى وقلت من المؤسف أنكم نسيتم من الذي صاغ النظام الأساسي للشركة. لقد فعلتم للتو بند الحل التلقائي بسبب التآمر.
تحطم كأس ابني على الأرض. شحب وجه زوجي بينما أخذ جهاز العرض في القاعة يظهر بدلا من صوري أرصدة حسابات الشركة وهي تعود إلى الصفر.
همست ابنتي أمي ماذا فعلت.
وقفت ببساطة وسرت بخطوات ثابتة نحو المخرج وأخبرتهم أن أمامهم عشر دقائق قبل أن يتولى فريق الأمن الخاصالذي تعاقدت معه بنفسيإخراجهم من مبناي بتهمة التعدي على الملكية الخاصة.
كانت قاعة الاحتفالات في فندقي الرئيسي في نيويورك تتلألأ ببريق ألف بلورة. كنت أرتدي فستانا حريريا فضي اللون يجعلني أبدو هشة صورة تعمدت ترسيخها بعناية طوال الأشهر الستة الماضية.
جلست على كرسي متحرك متظاهرة بضعف لا أشعر به أراقب النسور التي ربيتها بنفسي وهي تستعد للانقضاض على الوليمة.
صعد زوجي آرثر إلى المنصة.
لم يكن يضع خاتم زواجنا وبدلا منه كان يرتدي ساعة ذهبية أهديتها له فيما يحتضن فتاة تدعى كاندي في عمر ابنتنا الصغرى.
قال بصوت متصنع الحزن لقد قدمت فيكتوريا كل شيء لهذه الشركة لكن صحتها العقلية تدهورت. واليوم وبدعم من ولديها نعلن إحالتها القسرية إلى مصحة خاصة في جبال الألب. وسنتولى نحن
إدارة الإمبراطورية.
أومأ ولداي جوليان وسامانثا بابتسامات مدروسة. اقترب جوليان مني ووضع يده على كتفي بنبرة أبوية زائفة أثارت اشمئزازي.
همس بما يكفي لالتقاطه عبر الميكروفونات إنه لمصلحتك يا أمي. لم تعودي قادرة على تحمل كل هذا الضغط. تحتاجين إلى الراحة في مكان لا يزعجك فيه أحد.
كان الصمت في القاعة كثيفا. الشركاء القدامى نظروا إلي بمزيج من الشفقة والارتياح فالمال في نظرهم أكثر أمانا في أيد قوية.
لم ترتجف يدي. تركتهم يكملون عرضهم. وعندما دعا آرثر إلى نخب البداية الجديدة أخرجت جهاز التحكم الذي يدير النظام السمعي البصري للفندق.
قلت بصوت ملأ القاعة بقوة جعلت عددا من الضيوف يسقطون كؤوسهم يا له من خطاب مؤثر يا آرثر. لكن يبدو أن طموحك أنساك درس القانون التجاري الذي دفعت أنا رسومه.
ضغطت الزر. فظهرت على الشاشة العملاقة خلفهم بدلا من الشعار الجديد للشركة وثيقة قانونية مختومة بختم المحكمة العليا.
قلت وأنا أنهض من الكرسي المتحرك برشاقة جعلتهم يلوذون بالصمت يا آرثر يا جوليان يا سامанثا قبل عشرة أعوام عندما أسسنا الشركة انطلاقا من إرث عائلتي أدرجت بندا يسمى حماية النزاهة. ينص هذا البند على أنه عند أي محاولة لإعلان عجز احتيالي أو تآمر الشركاء الأقلية على الشريك الأكبر تحل الشركة فورا وتعود جميع أصولها إلى المؤسسة الأصلية. مؤسستي.
ترنح آرثر وهو ينزل من المنصة. قال فيكتوريا عم تتحدثين نحن عائلة!.
أجبته وأنا أتقدم نحوه العائلة لا تزور تقارير طبية لإيداع أمها في مصحة عقلية.
ثم أضفت بهدوء جميع أصول هذه الشركة بما في ذلك الحسابات التي كنتم تخططون لاستخدامها لشراء الشقة الفاخرة لكاندي والسيارات الرياضية لجوليان نقلت إلى
حساب وصاية قانونية قبل خمس دقائق بالضبط.
تحول وجه جوليان من نشوة النصر إلى رعب مطلق. أخذ يتفحص هاتفه بجنون ليكتشف أن بطاقاته الائتمانية التابعة للشركة قد رفضت.
قلت وأنا أنظر إلى ولدي لم يبق لكم شيء. لا أسهم ولا رواتب ولا حق وصول إلى الممتلكات. المنزل الذي تعيشون فيه تابع للشركة والشركة باتت الآن لي وحدي.
خفتت الهمهمات في القاعة. لم يبق سوى صوت البيانو الآلي يعزف لحنا هادئا وكأن الفندق نفسهصنيعي وشاهدي الصامتيدرك ما حدث لتوه.
تقدم آرثر نحوي بخطوة مترددة كأن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدميه. كانت عيناه شاردتين لا تستقران على شيء وارتجفت يده وهو يحاول أن يلمس يدي كما لو أن لمسة واحدة قد تعيد إليه ما فقده في لحظة واحدة.
قال بصوت متهدج يكاد يختنق بين شفتيه
فيكتوريا أنا لم أرد أن ينتهي الأمر هكذا.
تأملته طويلا. لم أتعجل الرد ولم أشح بوجهي عنه. أردت أن يرى في عيني الحقيقة كاملة عارية من أي حنين. لسنوات طويلة كنت أخلط بين طموحه والحب بين تملكه والغيرة بين تلاعبه وادعائه الحرص علي. كنت أفسر أنانيته على أنها شغف وجشعه على أنه حرص على مستقبل العائلة. لكن في تلك اللحظة لم يبق في عينيه أي أثر للندم ولا ظل لخجل صادق. لم يكن فيه إلا خوف خالص خوف رجل أدرك أنه خسر كل شيء دفعة واحدة.
قلت بهدوء لم أعرفه من قبل
كنت تريد عرشي دائما يا آرثر. لم تكن تريدني أنا بل كنت تريد ما أمثله. لكنك لم تفهم يوما أن قوتي لم تكن في الشركات ولا في الفنادق ولا في الحسابات المصرفية بل في معرفتي متى أتمسك ومتى أترك.
تردد صدى كلماتي في القاعة كأنها حكم نهائي لا يقبل الاستئناف.
التفت إلى ولدي. كانت سامانثا تبكي بصمت كتفاها يهتزان وعيناها محمرتان
كطفلة أضاعت طريقها في زحام كبير. أما جوليان فكان يقف جامدا رأسه منكس إلى الأرض كأنه يحاول أن يختفي داخل ظله. لم يجرؤ على رفع بصره نحوي وربما لم يكن قادرا على تحمل نظرتي.
همست سامانثا بصوت متكسر
أمي لقد دمرنا كل شيء.
تقدمت نحوها ببطء وكل خطوة كانت تختصر سنوات من الجفاء. لمست وجهها للمرة الأولى منذ زمن طويل. كان وجهها دافئا مرتجفا كأنه يستعيد إحساس الطفولة الذي ضاع تحت طبقات الطموح والضغوط والتوقعات.
قلت لها بصوت أكثر رفقا
لا يا ابنتي. الذي تدمر لم يكن المال ولا الشركة ولا المكانة. الذي تدمر كان الحب وقد تدمر منذ وقت طويل قبل أن تفكروا في هذه الخيانة. لكن ما زال أمامكم وقت لإعادة بناء شيء ما إذا تعلمتم معنى أن يحمل الإنسان اسما نظيفا وضميرا لا يساوم.
رفعت سامانثا عينيها إلي وفيهما خليط من الندم والرغبة في الفهم. أما جوليان فابتلع ريقه بصعوبة وكأنه يحاول أن يتقبل حقيقة لم يكن يتخيل يوما أن يواجهها.
ثم استدرت نحو الحاضرين. نحو الشركاء الذين رافقوني لعقود والذين خافوا صلابتي يوما وأعجبوا بذكائي يوما آخر. رأيت في وجوههم دهشة لم يحاولوا إخفاءها واحتراما لم يعودوا ينكرونه.
قلت بصوت واضح ثابت
هذه الليلة لا نحتفل بتقاعدي بل نحتفل بحريتي. لقد عشت سنوات أقاتل من أجل الحفاظ على إمبراطورية ظننتها امتدادا لذاتي. لكنني أدركت أن الإمبراطورية التي تحتاج إلى خيانة كي تستمر لا تستحق أن تحمى.
توقفت لحظة ثم تابعت
ستحل الشركة رسميا خلال الأسابيع القادمة وسينتقل كامل إرثها إلى مؤسسة أورورا. مؤسسة ستكرس مواردها لدعم النساء اللواتي حوربن في صمت واللواتي أسكتن باسم العائلة وباسم الحب وباسم الواجب. لن يستخدم اسمي بعد اليوم لتجميل الطمع بل ليكون جسرا نحو كرامة لم
تمنح لهن.
ساد صمت عميق ثم دوى تصفيق بدأ خافتا مترددا كأن الحاضرين يحتاجون إلى لحظة ليدركوا حجم ما جرى ثم ارتفع تدريجيا حتى ملأ القاعة بكل ما فيها من ثريات وبلورات وأسقف عالية. لم يكن تصفيق مجاملة ولا محاولة بائسة لإنقاذ الحفل من الانهيار بل كان اعترافا صريحا اعترافا بأن الحقيقة حين تقال بقوة كافية تغير موازين الغرفة بأكملها. بعضهم نهض واقفا وبعضهم اكتفى بوضع يده على صدره كأنه يحيي موقفا طال انتظاره وآخرون مسحوا دموعا سالت رغما عنهم دموعا لم تكن لي وحدي بل لكل امرأة صمتت طويلا.
وفي تلك اللحظة لم أكن سيدة أعمال تخوض معركة قانونية ولا زوجة خدعت ولا أما جرحت ثقتها كنت امرأة استعادت نفسها بعد سنوات من التنازلات المؤجلة.
أطرق آرثر رأسه. بدا أصغر من عمره بكثير كأن الزمن قرر أن ينصفني أخيرا فسحب عنه قناع الهيبة التي كان يتزين بها. تجاعيد وجهه بدت أعمق ونظرته خاوية كأنه لم يخسر أموالا أو منصبا فحسب بل خسر الصورة التي رسمها لنفسه. نظرت حوله فلم أجد مساعدته الجديدة كانت قد اختفت بصمت كما يختفي الظل حين ينطفئ الضوء. لم تحتمل أن تبقى بجوار رجل لم يعد يملك ما يبهر.
اقترب ولداي من بعضهما وتعانقا بارتباك لا يخلو من خوف. لم يعودا واثقين من الأرض التي يقفان عليها. كانا يبدوان تائهين كمن استيقظ فجأة من حلم طويل بوعود براقة ليجد الواقع أشد قسوة مما توقع.
لم أفرح بانكسارهما ولم أشمت. كان الألم بيننا أعمق من أن يختصر في انتصار لحظة.
تركتهم جميعا خلفي وسرت نحو النافذة الزجاجية الكبرى في القاعة. كانت مدينة نيويورك تمتد أمامي متلألئة بلا نهاية أبراجها ترتفع كأنها شهادات نجاح محفورة في السماء. أضواء السيارات تنساب في الشوارع كخيوط مضيئة والنهر يعكس اللمعان في هدوء عجيب. لسنوات طويلة عملت من أجل السلطة من أجل السيطرة من أجل أن أكون الرقم الأصعب في أي معادلة. كنت أظن أنني إن توقفت لحظة سأسقط. وإن تخليت سأختفي. كنت أعيش وكأن العالم سيسلبني مكاني إن لم أتمسك به بقوة مضاعفة.
لكنني في تلك الليلة التي كان يفترض أن تكون نهايتي المهنية والاجتماعية شعرت للمرة الأولى أنني أتنفس دون ثقل. كأنني أخلع درعا حديديا لازم كتفي سنوات طويلة حتى التصق بجلدي. أدركت أن القوة ليست في التمسك بكل شيء بل في القدرة على الاختيار. وأن السيطرة الحقيقية ليست في امتلاك الآخرين بل في امتلاك النفس.
تذكرت بداياتي. المكتب الصغير في الطابق الرابع من مبنى قديم حيث كنت أوقع أول عقد بيد ترتجف من الحماس والخوف. تذكرت القروض الأولى التي أخذتها بضمان إرثي والليالي التي لم أنم فيها وأنا أراجع الأرقام مرارا أخشى أن يخذلني حدسي. تذكرت الاجتماعات التي خرجت منها منهكة لأن بعضهم لم يكن يرى في سوى امرأة تجرب حظها في عالم لا يعترف إلا بالصلابة
الخشنة. كنت أقاتل لأثبت أن الذكاء لا جنس له وأن الطموح ليس حكرا على أحد.
وتذكرت كيف أقنعت نفسي أن الزواج شراكة حقيقية وأن العائلة حصن لا يخترق. كم من مرة تنازلت عن قرار كنت أعلم أنه صائب فقط لأحافظ على هدوء المنزل. كم من مرة ابتلعت كلمة كان ينبغي أن تقال وابتسمت في وجه إهانة صغيرة ظننتها عابرة. لم أندم يوما على نجاحي لكنني ندمت على اللحظات التي تخليت فيها عن صوتي لأجل سلام زائف سلام كان يتآكل من الداخل ببطء.
همست لنفسي والمدينة أمامي تشهد
أخيرا أنا سيدة نفسي.
لم تكن الجملة انتقاما ولا تحديا بل كانت إعلانا داخليا بالتحرر. تحرر من توقعات فرضها الآخرون ومن صورة صلبة كنت أرتديها حتى حين كنت أحتاج إلى البكاء.
بدأت الثلوج تتساقط خلف الزجاج ناعمة هادئة كأنها صفحة بيضاء تفرش أمام العالم لتدعونا إلى كتابة فصل جديد. وضعت جهاز التحكم على الطاولة ببطء وكأنني أضع نهاية مشهد طال أكثر مما ينبغي. نظرت إلى خاتم الزواج في يدي. كان باردا ثقيلا لا يشبهني. تذكرت اليوم الذي ارتديته فيه يوم ظننت أنني أضيف إلى حياتي شريكا لا عبئا. نزعته ببطء وتأملته للحظة أخيرة لا كرمز للفشل بل كتجربة تعلمت منها. ثم وضعته إلى جوار الجهاز كأنني أضع فصلين من حياتي جنبا إلى جنب.
لم أشعر بالحزن كما توقعت. لم أشعر بمرارة تعصف بي. شعرت بخفة لم أعرفها من قبل كأن الهواء صار أخف وكأن
خطواتي لم تعد مثقلة بانتظار رضا أحد.
استدرت ومشيت عبر القاعة بخطوات ثابتة. لم أعد أحتاج إلى كرسي متحرك ولا إلى صورة امرأة ضعيفة تستدر لها الشفقة. لم أعد أحتاج إلى إثبات شيء لأحد ولا إلى الدفاع عن اسمي أمام من أرادوا مصادرته. كل خطوة كانت إعلانا صامتا بأنني اخترت نفسي.
رأيت في الطريق بعض الموظفين القدامى ينظرون إلي بإعجاب صادق. أحدهم انحنى احتراما وآخر اكتفى بابتسامة ممتنة. شعرت أنني لم أبن فنادق فحسب بل بنيت أثرا أثرا سيبقى حتى بعد أن يتغير اسم الشركة.
عند الباب توقفت لحظة أخيرة دون أن ألتفت. لم أرد أن أرى القاعة مرة أخرى كما كانت قبل دقائق. كان خلفي ماض كامل بكل انتصاراته وانكساراته بكل لياليه الطويلة وقراراته الصعبة وأخطائه المؤلمة. وأمامي طريق لا أعرف تفاصيله لكنني أعرف شيئا واحدا عنه أنه اختياري وأنني سأمشيه بقدمي لا بإملاء أحد.
خرجت إلى ليل نيويورك والثلج يتساقط على كتفي كوشاح أبيض يبارك البداية. رفعت رأسي نحو السماء واستنشقت هواء باردا حرا هواء لا يحمل رائحة القاعة ولا ثقل الذكريات. شعرت بأن المدينة كلها تفتح ذراعيها لي لا كامرأة مهزومة بل كامرأة قررت أن تبدأ من جديد بإرادتها.
لم أكن أغادر إمبراطورية فحسب كنت أعود إلى نفسي وأخطو نحو حياة لا يعرفها لقب ولا يحكمها توقيع ولا تقيدها علاقة لا تشبهني. كنت أخيرا أعيش لا لأثبت ولا لأنافس ولا لأرضي بل لأكون.


تعليقات
إرسال تعليق