نادلة أطعمَت طفلين يتيمين… وبعد 17 عامًا توقّفت سيارة فاخرة أمام بابها! 😱
قدمت نادلة الطعام لطفلين يتيمين. وبعد سبعة عشر عاما توقفت سيارة فاخرة أمام منزلها.
توقفت سيارة مرسيدسبنز سوداء أمام منزل متواضع في أحد الأحياء الشعبية بمدينة ميديلين. كان طلاء الجدران متقشرا والنوافذ محاطة بقضبان حديدية صدئة فيما كانت الحديقة الأمامية الصغيرة تكافح للبقاء وسط الأعشاب البرية.
ترجل من السيارة الفاخرة رجل أنيق يبلغ نحو الخامسة والعشرين من عمره. كانت بدلته المتقنة تتناقض بحدة مع المكان من حوله. في إحدى يديه ملف جلدي وفي الأخرى ظرف سميك منتفخ. دوت خطواته على الرصيف المتشقق وهو يقترب من باب خشبي مهترئ. كانت يداه ترتجفان ارتجافا خفيفا ثم ضغط جرس الباب.
من الداخل سمعت خطوات بطيئة متعبة. انفتح الباب وظهرت ماريا امرأة في الثانية والخمسين من عمرها شاب شعرها الرمادي ومربوط إلى الخلف. كانت يداها الخشنتان وزيها الملطخ الخاص بعملها كنادلة يرويان حكاية عقود طويلة من العمل الشاق.
قال الرجل بصوت مرتجف
هل أنت السيدة ماريا غونثاليث
أومأت برأسها في حيرة. لم تتعرف على هذا الغريب الذي بدا وكأنه قادم من عالم آخر.
قال وهو يمد الظرف نحوها
جئت لأسدد دينا في عنقي لك منذ سبعة عشر عاما.
تراجعت ماريا خطوة إلى الخلف لا إراديا.
يا بني أظنك أخطأت العنوان. لا أعرف أحدا يقود سيارة كهذه.
رد بثبات
لم أخطئ يا سيدتي. أنت من
أنقذت حياتي حين كنت في الثامنة من عمري.
عقدت حاجبيها محاولة التذكر. مرت في حياتها وجوه كثيرة وتداخلت في ذاكرتها ليالي العمل الطويلة.
قال وهو ينظر إلى الجيران الذين بدأوا يطلون من نوافذهم بفضول
هل يمكننا التحدث في الداخل
كان التباين صارخا حين دخلا غرفة الجلوس المتواضعة. الأثاث قديم لكنه نظيف وصور العائلة تزين الجدران ورائحة القهوة الطازجة تملأ المكان.
قال الشاب وهو يجلس على طرف الأريكة
سيدتي ماريا في ليلة ماطرة من ليالي ديسمبر كنت تعملين في مطعم بوسط المدينة. ظهر طفلان عند النافذة
اتسعت عينا ماريا ببطء. بدأت صورة ضبابية تتشكل في ذهنها. كانا جائعين مبللين بالمطر.
تابع قائلا
كان صاحب المطعم يريد طردهما لكنك
همست ماريا وهي تضع يديها على صدرها
يا إلهي
اغرورقت عيناها بالدموع.
قال الشاب وقد عجز عن كبح مشاعره
أنا أليخاندرو يا سيدتي وجئت لأشكرك لأنك غيرت مسار حياتي وحياة أختي.
تراجعت ماريا مترنحة. عادت صور تلك الليلة كالسيل الجارف المطر يضرب الزجاج العيون المتوسلة والقرار الذي كلفها وظيفتها.
قالت بصوت مرتجف
لكن ماذا حدث بعد تلك الليلة
قال أليخاندرو وهو يفتح الملف
إنها قصة يجب أن تسمعيها كاملة.
قبل سبعة عشر عاما. مطعم إل رينكون دورادو وسط ميديلين. الجمعة الخامس عشر من ديسمبر. موسم الأعياد جلب زبائن كثيرين إلى المطعم
الصغير. كانت الطاولات ممتلئة بالعائلات والأجواء دافئة ومبهجة. ماريا غونثاليث وكانت في الخامسة والثلاثين آنذاك تتحرك بخفة بين الطاولات. أمضت خمس سنوات في العمل هناك تعرف الزبائن الدائمين واحدا واحدا وتعرف كيف يفضل كل منهم قهوته.
عند الساعة التاسعة مساء بدأت عاصفة. لم تكن مطرا عاديا بل من تلك الأمطار التي تحول الشوارع إلى أنهار وتجبر الناس على البحث عن مأوى. دوت الرعود بعنف وتبادل الزبائن التعليقات والضحكات امتنانا لوجودهم في مكان دافئ.
حينها ظهرت صورتان صغيرتان ملتصقتان بالنافذة الكبيرة للمطعم. كانا طفلين. يرتدي الأكبر قميصا ممزقا أكبر من جسده النحيل فيما كانت الطفلة الصغيرة تتشبث به يائسة. كانا غارقين بالماء ووجهاهما مضغوطان على الزجاج يحدقان بعيون واسعة في العائلات التي تتناول أطباقا ساخنة في الداخل.
لاحظ بعض الزبائن وجودهما فأداروا وجوههم بحرج. قالت امرأة
مؤلم أن ترى أطفالا في هذه الحالة.
رأتهم ماريا من المطبخ. شيء في عيونهما مس قلبها بعمق.
أشار الطفل الأكبر إلى الداخل وهو يهمس لأخته فأومأت ثم بدأ يستجدي الطعام بإشارات يديه. لم يكونا يعلمان أن دون ريكاردو صاحب المطعم رآهما أيضا وكان على وشك الانفجار غضبا.
صرخ من عند المدخل
ماريا تعالي فورا!
كان رجلا ضخما في الخامسة والخمسين كثيف الشارب سريع الغضب بنى
عمله بقواعد صارمة لا تقبل النقاش.
تركت ماريا الصحون واقتربت وقد توقعت المشكلة.
قال وهو يشير إلى الأطفال
هل ترين هؤلاء المتسولين إنهم يزعجون زبائني.
كان الطفلان ما يزالان يرتجفان تحت المطر ملابسهما ملتصقة بأجسادهما الهشة.
قالت ماريا بهدوء حازم
إنهما طفلان فقط يبحثان عن مأوى من العاصفة.
لا يهمني! هذا مطعم محترم. أخرجيهما فورا قبل أن يدمرا سمعتي.
نظرت ماريا إليهما. كان الطفل الأكبر يرسم قلوبا على الزجاج المليء بالبخار ليضحك أخته وشفاه الطفلة مزرقة من البرد.
قالت
حين يتوقف المطر سيغادران وحدهما.
انفجر دون ريكاردو
لا! أريدهما خارجا الآن. إما أن تفعلي ذلك أو أفعله أنا. هل فهمت
توتر الجو والتفت الزبائن نحوهم. شعرت ماريا بعقدة في معدتها. كانت بحاجة ماسة إلى هذا العمل. ابنتها كارولينا مريضة بالحمى وثمن الدواء استنزف من آخر راتب.
لكن عيون الطفلين كسرت قلبها.
قالت
وماذا لو أعطيتهما شيئا يأكلانه بسرعة ثم يغادران
لا تفكري حتى! إما أن يخرجا أو تخرجين أنت.
في لحظة واحدة اتخذت ماريا أهم قرار في حياتها. تجاهلت أوامر صاحب المطعم وتوجهت مباشرة نحو الباب.
صرخ
ماريا ماذا تفعلين
لكنها كانت قد خرجت بالفعل وانهمر المطر عليها مبللا زيها.
اقتربت من الطفلين وانحنت حتى صارت في مستواهما.
مرحبا يا صغيري ما اسماكما
نظر إليها الطفل الأكبر
بريبة.
همس أخيرا
أليخاندرو وهي صوفيا.
رأت ماريا وجهيهما الشاحبين
وخدودهما الغائرة.
متى كانت آخر مرة أكلتما فيها طعاما ساخنا
خفض أليخاندرو رأسه في صمت ثقيل كأنه يحاول أن يبتلع شيئا أكبر من عمره. كانت قطرات الماء تتساقط من شعره على أرض الرصيف مثل نبضات متقطعة بينما أخفت صوفيا وجهها في كتفه الصغير لا لتقي نفسها من المطر فحسب بل لتختبئ من العالم كله. لم يجب أليخاندرو عن سؤال ماريا ولم تتحرك صوفيا ولم يصدر عنهما سوى أنفاس قصيرة متقطعة كأن كل نفس يحتاج إلى إذن مسبق كي يخرج.
كان الصمت بينهما أبلغ من أي جواب صمت يحمل في داخله قصصا لا تقال وأياما لم تكتب ووجعا تعلم أن يعيش بلا شاهد.
تقدمت ماريا خطوة ثم انحنت حتى صارت في مستواهما وألقت على الطفلين نظرة لم تكن مجرد شفقة كانت نظرة أم ترى في وجهين مبللين صورة لشيء كان يمكن أن يحدث لابنتها لو تغير القدر قليلا.
قالت بصوت منخفض كأنها تخشى أن تجرح الهواء
تعاليا معي.
رفع أليخاندرو عينيه إليها بحذر وفي عينيه حذر يشبه حذر الكبار لا حذر الأطفال. ثم قال بتردد كأنه يستأذن خوفه
الرجل في الداخل سيصرخ علينا.
ابتسمت ماريا ابتسامة صغيرة لا ترى بسهولة ابتسامة من يعرف أن الخوف ليس عذرا لكنه طبيعي. ثم قالت بنبرة ثابتة وفي ثباتها شيء غريب يشبه الوعد
سأتعامل
أنا معه.
تردد أليخاندرو لحظة كأنه يوازن بين احتمالين أن تكون ماريا مثل كثيرين قبله قالوا كلاما جميلا ثم تركوهما أو أن تكون مختلفة. ثم ضغط على يد صوفيا برفق كأنه يطمئنها قبل أن يطمئن نفسه.
خطوا معا نحو باب المطعم.
كان الداخل دافئا والأضواء صفراء ناعمة والموسيقى الخفيفة تخفي قسوة الليل خلفها. كان الناس يضحكون يأكلون يتبادلون الحكايات وكأن المطر في الخارج لا يخصهم. في لحظة واحدة شعر أليخاندرو أن بينه وبين هؤلاء عالما كاملا وأن الزجاج الذي فصلهم عن الطعام لم يكن زجاج نافذة فقط بل زجاج حياة.
دخل الثلاثة المطعم وهم يقطرون ماء. ومع أول خطوة للطفلين على الأرض الجافة سمعت همسات متقطعة من هنا وهناك وبعض النظرات التي تعرفها ماريا جيدا نظرة الضيق نظرة الاستعلاء نظرة لماذا أدخلتيهما.
لكن ماريا لم تمنح شيئا من ذلك وزنا. كانت تعرف أن اللحظات التي يتغير فيها مصير إنسان لا تنتظر رضا الجمهور.
وبينما كان دون ريكاردو عند المدخل يتابع الموقف بعين غضبى تحركت ماريا بسرعة محسوبة لم تتجه إلى الطاولات ولم تشرح ولم تبرر بل قادت الطفلين مباشرة نحو المطبخ كمن يحمي سرا ثمينا من أن يدهس تحت أقدام العيون.
في المطبخ كان البخار يتصاعد من قدور
ساخنة والرائحة كانت تختلط بين الدجاج والتوابل والأرز. توقف الطهاة لحظة عن الحركة حين رأوا ماريا تدخل ومعها طفلان مبللان ثم نظروا إليها ينتظرون تفسيرا لكنها لم تملك وقتا للتفسير.
قالت بسرعة وهي تشير إلى مكان قريب
اجلسا هنا هنا فقط بسرعة.
جلست صوفيا على صندوق خشبي فارغ وقد ضمت ركبتيها إلى صدرها من البرد والخوف وجلس أليخاندرو بجانبها لكنه لم يجلس حقا كان نصف واقف مستعدا للهروب في أي لحظة. كان جسده يعلن أنه لا يثق بالاستقرار.
استدارت ماريا نحو الطعام المتبقي وكأنها في سباق مع الزمن. كانت تعرف أنها لو تأخرت دقيقة واحدة سيصل دون ريكاردو ويحول كل شيء إلى فضيحة.
فتحت وعاء الدجاج المشوي المتبقي وانتزعت منه قطعا بعناية لا تليق ببقايا الطعام كأنها تقدم طبقا لضيف عزيز لا لطفلين قادمين من الشارع. ثم وضعت في طبقين مقدارا من الأرز الأبيض والفاصولياء السوداء الدافئة وألقت بجانبهما شرائح من الموز المقلي.
وضعت الطبقين أمامهما وقالت بنبرة حنونة لكنها حازمة
كلا ببطء لا تلتهموه حتى لا يتعب بطنكما.
كان أليخاندرو ينظر إلى الطعام كأنه لا يصدق أن أحدا يعطيه إياه من غير ثمن أو شرط. ولما اقتربت صوفيا من الطبق كان يمكن سماع صوت معدتها
أكثر من صوت المطر خلف النافذة.
بدأت صوفيا تأكل أول لقمة ثم الثانية ثم الثالثة كأنها تعيد الحياة إلى جسدها لقمة لقمة. لكنها ما إن رفعت عينها لتلتقي بعين أخيها حتى توقفت وكأنها تذكرت أنه موجود وأن العالم لا يعطي شيئا بلا مقابل.
عندها حدث ما حطم قلب ماريا من الداخل أليخاندرو لم يمد يده إلى طبقه أصلا بل أخذ الملعقة وبدأ يطعم أخته.
كان يقدم لها اللقمة الصغيرة وينتظر حتى تبتلعها ثم يقدم ثانية وثالثة وبعينين ثابتتين كأنهما تقولان إن أكلت أنا أولا قد يحدث شيء قد يأتي من يمنعنا قد يضيع الطعام هي يجب أن تأكل قبل أي خطر.
ابتلعت ماريا ريقها بصعوبة ثم قالت له بصوت خفيض
يجب أن تأكل أنت أيضا.
رفع نظره إليها وفي النظر نضج لا يليق بطفل في الثامنة ثم قال بعبارة موجعة
هي أولا دائما هي أولا.
لم يكن يقولها ليتجمل كان يقولها كقانون حياة. كأن العالم كله علمه أن الأخ الأكبر لا يملك رفاهية الأنانية وأن الجوع يمكن تحمله لكن رؤية الصغيرة تتألم لا تحتمل.
جلست ماريا قربهما قليلا محاولة أن تبدو هادئة رغم العاصفة التي تولد في صدرها. ثم سألت السؤال الذي لا بد منه السؤال الذي يخيف الأطفال عادة
أين والداكما
تجمد أليخاندرو كما يتجمد من يسمع اسما يوجع. توقفت يده في الهواء
الملعقة معلقة بين الطبق وفم صوفيا ثم قال بصوت خرج متكسرا
ذهبا إلى السماء منذ ثلاثة أشهر.
كانت العبارة بسيطة لكنها أثقل من أن تحمل. صوفيا توقفت عن المضغ ثم التصقت بأخيها كأنها تخشى أن يذهب هو أيضا إلى السماء فجأة.
سألت ماريا محاولة أن تجد منفذا
وهل لديكما أقارب جد أو جدة عم أو خال
أجاب أليخاندرو دون أن يرفع رأسه
لا نحن فقط معا.
وفي تلك الكلمات القليلة كانت حياة كاملة ليل في الشارع خوف من الناس جوع من غير موعد برد بلا غطاء وطفل يصبح رجلا قبل أن يتعلم اللعب.
قبل أن تنبس ماريا بأي كلمة أخرى سمعت خطوات ثقيلة تقترب. خطوات لا تشبه خطوات الطهاة بل تشبه خطوات من يعتقد أن المكان ملكه والناس ملكه أيضا.
دخل دون ريكاردو المطبخ صارخا وصوته كالرعد
ماريا غونثاليث! ما هذا!
كان وجهه أحمر كأنه يغلي وعروقه بارزة وشاربه يهتز غضبا. التفت بعينه إلى الطبقين ثم إلى الطفلين ثم إلى ماريا كأنه يراها تخونه.
انكمش الطفلان في لحظة. بكت صوفيا بصمت ليس بصوت بل ببكاء مكتوم يشبه الاختناق. أما أليخاندرو فوقف فورا أمامها بجسد صغير لا يستطيع صد رجل بالغ لكنه فعلها غريزة كما يفعل من تعلم أن الحماية لا تحتاج قوة بل تحتاج قرارا.
قال أليخاندرو بسرعة وكأنه يقطع الطريق على الإهانة
لا تغضب من السيدة سنغادر سنغادر فورا.
حدق دون ريكاردو فيه بقسوة ثم صرخ
بالضبط! اخرجوا جميعا! وأنت أنت مطرودة!
ساد صمت ثقيل كأن المطبخ كله توقف عن التنفس. نظر الطهاة من بعيد وتبادل بعض الموظفين نظرات خائفة كانوا يعرفون أن من يعترض على دون ريكاردو يدفع الثمن.
لكن ماريا لم تفعل ما توقعه.
لم تبك ولم تتوسل ولم ترفع صوتها بل قالت بهدوء غريب
فهمت.
ثم نزعت مئزرها ببطء لا كمن يطرد بل كمن يخلع شيئا لم يعد يليق به. وضعت المئزر على الطاولة ثم رفعت عينيها وقالت بنبرة واضحة
خمسة عشر عاما عملت هنا خمسة عشر عاما لم أتأخر يوما ولم أتغيب
يوما ولم أطلب أكثر من حقي ولن أندم. لو خيرت ألف مرة لاخترت الأطفال ألف مرة.
كان كلامها كأنه صفعة للهواء لا للرجل وحده.
لم يتوقع دون ريكاردو هذا الثبات. كان ينتظر أن ترتجف أن تتراجع أن تخاف على لقمة عيشها. لكن ماريا كانت قد اختارت والاختيار حين يكون صادقا يمنح صاحبه قوة لا يفهمها الآخرون.
وبينما كانت تمسك بطبق صوفيا لتبعده حتى لا يسقط حدث شيء لم يكن في حساب أحد.
خلعت كارمن الطاهية الكبيرة مئزرها أولا وتقدمت خطوة وقالت
إن كانت ماريا مطرودة لأنها أطعمت طفلين فأنا كذلك.
تبعها روبرتو النادل الشاب ثم آنا أمينة الصندوق ثم آخرون. واحدا تلو الآخر. كل واحد خلع مئزره وكأنه يخلع خوفه.
وفي دقائق صار دون ريكاردو وحيدا في مطبخه يحدق في الفراغ وقد اكتشف أن القسوة لا تصنع ولاء بل تصنع صمتا مؤقتا ثم انهيارا.
خرجت ماريا مع الطفلين. كان المطر قد هدأ إلى رذاذ بارد والشارع يلمع تحت أضواء باهتة. حملت صوفيا التي غفت من التعب والجوع والدموع وسار أليخاندرو بجانبها ممسكا بيدها كأنه يمسك بحبل نجاة.
بعد خطوات طويلة قال أليخاندرو بصوت مكسور
أنا آسف آسف لأنك خسرت عملك بسببنا.
توقفت ماريا تحت مصباح صغير وانحنت نحوه وهي تحاول أن تجعل صوتها دافئا
لا تشعر بالذنب أبدا. الرحمة أهم من أي وظيفة. والإنسان قد يخسر عملا لكنه لا ينبغي أن يخسر قلبه.
تابعت السير وأخذتهما إلى مقهى صغير يعمل طوال الليل. كان المكان بسيطا لكنه دافئ. نظر صاحب المقهى إليها متعجبا حين رآها ومعها طفلان.
حكت له القصة في سطور سريعة فهز رأسه بأسى ثم قال دون تردد
اجلسوا هنا قرب الدفء وخذي هذا سأعد لك شيئا ساخنا.
وبينما كان يحضر لهم ما يسند أجسادهم قال لها فجأة
ماريا إن كنت بحاجة إلى عمل زوجتي وأنا نحتاج من يساعدنا في وردية الفجر.
لم تكن ماريا تتوقع ذلك. لكنها لم تملك وقتا للفرح أو التفكير كان همها الآن الطفلان وخصوصا صوفيا التي
كانت تتنفس بصعوبة أحيانا من شدة الإرهاق.
سألت أليخاندرو
أين تنامان عادة
خفض عينيه وقال
في حديقة سان أنطونيو هناك نفق لا يدخل إليه المطر.
ارتجف قلب ماريا لا من البرد بل من الفكرة نفسها.
قال أليخاندرو بصوت أخفض
وفي النهار نبحث عن طعام في الأسواق أحيانا يعطينا الناس نقودا لكن صوفيا صوفيا مريضة تسعل كثيرا في الليل.
في تلك اللحظة خرج القرار من فم ماريا قبل أن يمر على الخوف
ستأتيان معي إلى البيت.
رفع أليخاندرو رأسه كأنه لم يسمع جيدا.
حقا
أسرعت ماريا لتوضح كأنها تخشى أن تتراجع إن تركت للقلق مجالا
هذه الليلة فقط لا يمكنني ترككما في الشارع بهذا الطقس.
وصلوا إلى شقتها الصغيرة. كانت شقة متواضعة لكنها نظيفة ودافئة تفوح منها رائحة القرفة والقهوة. استيقظت ابنتها كارولينا على الأصوات وفركت عينيها وهي تسأل
أمي ما الذي يحدث
شرحت لها ماريا الأمر بسرعة وما إن فهمت كارولينا حتى أسرعت تجلب الأغطية وقالت بعفوية صادقة
صوفيا يمكنها أن تنام معي سأعطيها دميتي أيضا.
ذلك الليل لم تنم ماريا. جلست تراقب الطفلين. أليخاندرو كان نائما لكنه يضع ذراعه حول أخته وكأن الخوف لا ينام حتى وهو
نائم. وصوفيا كانت تبتسم أحيانا في نومها ابتسامة صغيرة تقول إن الأمان قد يزور الإنسان فجأة ثم يختفي لكنها تلك الليلة لم يختف.
في الصباح أعدت ماريا فطورا بسيطا خبزا ساخنا وجبنا ومشروبا دافئا. قالت
بعد الفطور سأذهب بكما إلى الجهة التي يمكنها مساعدتكما.
لكن أليخاندرو تجمد. ثم قال برجاء يقطع القلب
لا لا تفعلي سيفرقون بيننا سيأخذون صوفيا مني.
اقترب منها وأمسك يديها بقوة
إن كانوا سيفصلوننا سأعود إلى الشارع معها حتى لو متنا لكن معا.
لم تجد ماريا جوابا جاهزا. وجدت فقط دمعة تلمع في عينها ثم مسحتها سريعا حتى لا يراها.
وفي تلك اللحظة سمعت طرقات على الباب.
فتحت كارولينا وصرخت بفرح
أمي! إنها السيدة إلينا!
دخلت إلينا رودريغيث
مديرة مؤسسة صغيرة تعنى بالأطفال الضعفاء. كانت تعرف ماريا منذ زمن. جلست واستمعت ثم قالت بجملة بدت كأنها جاءت من السماء
لدي اقتراح يمكن أن يبقي الطفلين معا بلا فصل.
ثم شرحت فكرة الأسرة المؤقتة التي ترعى الطفلين حتى تحل أمورهما قانونيا مع دعم من المؤسسة ومع ضمان واضح الأخوة لا يفصلون.
ترددت ماريا كيف ستفعل ذلك وهي بلا عمل
ابتسمت إلينا وقالت
العمل موجود. هناك مشروع مطعم اجتماعي يحتاج إلى امرأة خبيرة ولكن قبل الخبرة يحتاج إلى قلب.
نظر أليخاندرو إلى ماريا كأنه يمسك بأمل لأول مرة.
قال بصوت خافت
لن نكون عبئا سأساعد سأفعل كل شيء فقط لا تتركينا.
مدت صوفيا ذراعيها نحو ماريا وهي تسأل ببراءة
هل ستكونين أمنا
كانت الكلمة كالصاعقة. أمنا كلمة كبيرة على امرأة تحمل همومها لكنها في الوقت نفسه كلمة تشفي شيئا عميقا في روحها.
وقفت ماريا قرب النافذة تنظر إلى الشارع إلى المطر الذي كان بالأمس سيفا وصار اليوم ذكرى. ثم التفتت ونظرت إلى وجهي الطفلين ورأت في عيني أليخاندرو رجاء لا يليق بطفل وفي عين صوفيا انتظارا لا يليق بطفلة.
قالت أخيرا بصوت يشبه العهد
سنحاول سنحاول أن نكون عائلة.
لم يعرف أليخاندرو ماذا يفعل من شدة الفرح. لم يقفز لم يصرخ لم يضحك بصوت عال فقط ابتسم. ابتسامة عميقة هادئة كأنها ترمم جدارا مكسورا في قلبه.
ومضت السنوات.
كبر أليخاندرو ودرس وعمل ونجح. كبرت صوفيا ودرست الطب لتداوي الأطفال الضعفاء الذين يشبهونها يوما ما. وذات يوم بعد سبعة عشر عاما عاد أليخاندرو إلى بيت ماريا بسيارة فاخرة ليس ليقول شكرا فقط بل ليقول أنا وعدت وجئت لأوفي.
لم يكتف بالامتنان. بل حول الامتنان إلى مشروع. أسس مع أخته مركزا يحمل اسم ماريا غونثاليث يضم مطعما اجتماعيا يوفر فرص عمل للنساء وحضانة مجانية لأطفال العاملات وبيتا مؤقتا يحمي أطفال الشوارع من العودة إلى الظلام.
وفي مدخل المركز علقا لوحة ذهبية
كتب عليها
عمل خير واحد لا يضيع أبدا بل يتكاثر عبر الزمن ليصنع أملا لأجيال كاملة.


تعليقات
إرسال تعليق