القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

740 طفلًا على سفينة موت… والعالم كله قال “لا” إلا رجل واحد قال “نعم”!

 


740 طفلًا على سفينة موت… والعالم كله قال “لا” إلا رجل واحد قال “نعم”!




عندما حكم على 740 طفلا بالاختفاء في البحر خلال الحرب العالمية الثانية قال العالم كله لا.

رجل واحد فقط قال نعم.

كان ذلك عام 1942.

في قلب المحيط الهندي كانت سفينة قديمة تنجرف كأنها تابوت عائم. وعلى متنها 740 طفلا بولنديا أيتاما نجوا من معسكرات العمل السوفيتية حيث مات آباؤهم جوعا ومرضا وإنهاكا.

تمكنوا من الهرب إلى إيران.

لكن المأساة لم تنته هناك.

لم ترغب أي دولة في استقبالهم.

طردت السفينة من ميناء إلى آخر على طول سواحل الهند.

الإمبراطورية البريطانية أعظم قوة في العالم آنذاك رفضت مرارا وتكرارا.

ليست مسؤوليتنا.

بدأ الطعام ينفد.

ونفد الدواء.

وبدأ الأمل الشيء الوحيد الذي أبقى هؤلاء الأطفال على قيد الحياة حتى تلك اللحظة يتلاشى.

كانت ماريا ذات الاثني عشر عاما تمسك بيد أخيها ذي الستة أعوام بقوة.

كانت قد وعدت أمها المحتضرة بأنها ستحميه.

لكن كيف يمكن للمرء أن يحافظ على وعد عندما يقرر العالم بأسره أنك لا تستحق أن تعيش

وأخيرا وصلت الأخبار إلى قصر صغير في ناواناغار بولاية غوجارات.

كان الحاكم هو جام صاحب ديغفيجاي سينغجي مهراجا يخضع للسيطرة البريطانية لا يملك جيشا ولا سلطة حقيقية على الموانئ ولا أي التزام بالتدخل.

أخبره مستشاروه

هناك 740 طفلا بولنديا عالقين في البحر. البريطانيون لا يسمحون لهم بالنزول إلى اليابسة.

سأل بهدوء

كم عدد الأطفال

سبعمئة وأربعون.

ساد


صمت طويل.

ثم قال

البريطانيون يمكنهم السيطرة على موانئنا.

لكنهم لا يستطيعون السيطرة على ضميري.

هؤلاء الأطفال سينزلون في ناواناغار.

حذر

إن تحديت البريطانيين

قال

سأتحمل العواقب.

ثم أرسلت رسالة قصيرة لكنها كانت كافية لإنقاذ 740 روحا

أنتم مرحب بكم هنا.

في أغسطس 1942 دخلت السفينة الميناء تحت شمس حارقة.

نزل الأطفال كأشباح أضعف من أن يبكوا ومعتادين على الألم لدرجة أنهم لم يجرؤوا على الانتظار.

كان المهراجا في استقبالهم.

مرتديا الأبيض ركع ليكون في مستوى أعينهم وقال بلطف لم يتذكر أي منهم أنه سمعه من بالغ من قبل

من اليوم لستم لاجئين.

من اليوم أنتم أطفالي.

في البداية لم يتفاعل أحد. ليس لغياب الشعور بل لأن قلب الطفل قد يتعلم الشك حتى في العزاء. ضغطت ماريا على يد أخيها بقوة أكبر كأن ذلك الرجل قد يتلاشى فجأة مثل وعود كثيرة سبقته. كان الصغار يعبرون الجسر الخشبي دون أن ينظروا يمينا أو يسارا أكتافهم منحنية وعيونهم الكبيرة الجافة مرهقة من كثرة الدموع.

لكن المهراجا لم ينهض فورا.

ظل هناك في مستواهم كأن العالم قرر أخيرا أن يتوقف.

مد يده لا ليأمر بل ليستقبل.

نقل مترجم كلماته إلى البولندية بصوت مرتجف.

ثم حدث شيء صغير شبه غير مرئي صبي أشيب الشعر رفع رأسه ولأول مرة منذ أشهر لم يشح بوجهه.

وبإشارة من جام صاحب تقدم خدم القصر ببطانيات نظيفة وماء وأوعية من الحليب الدافئ.

كان

الأطباء بانتظارهم لا بمعاطف بيضاء صارمة بل بصبر.

قادوا الأطفال بهدوء اثنين اثنين إلى عربات مغطاة ستبعدهم عن الميناء وعن رائحة الحديد والملح التي علقت بأجسادهم.

لم يدفعهم أحد.

لم يصرخ أحد.

لم يعدوا كأكياس.

كان البريطانيون بزيهم الرسمي الأنيق يراقبون المشهد بمزيج غير مريح من السلطة والارتباك.

لقد قالوا لا مرات كثيرة بحيث لم يعودوا قادرين على تحمل ثقل نعم قالها غيرهم.

اقترب أحد الضباط بذريعة إجراء شكلي.

قال بجمود

صاحب السمو قد يفسر هذا كعصيان. الأوامر واضحة.

نظر إليه جام صاحب دون أن يرفع صوته.

قال

قد تكون الأوامر واضحة لكن الإنسانية أوضح.

لم يكن ذلك تحديا عسكريا.

كان أسوأ من ذلك بالنسبة لإمبراطورية كان حقيقة بسيطة.

ابتلع الضابط ريقه. أراد الرد لكنه لم يجد كلمات تبرر ترك الأطفال يموتون في البحر.

استدار ورحل بنفس الانضباط الذي جاء به كأن الابتعاد قد يمحو المشهد.

على بعد بضعة كيلومترات من الميناء بين أشجار النخيل والسهول الدافئة كانت تقع بالاتشادي ملكية واسعة قرب الساحل يملكها المهراجا.

لم تكن معسكر لاجئين محاطا بأسلاك شائكة بل مكانا أعد ليكون بيتا.

كانت هناك ثكنات خشبية جديدة نعم لأن المكان كان يحتاج إلى مساحة.

لكن كانت هناك أيضا ساحات وأشجار وقاعة طعام كبيرة بمقاعد طويلة ومكتبة صغيرة مؤقتة وغرفة طبية وأرض مفتوحة تحمل الرياح فيها رائحة التراب لا رائحة

الأسر.

عند وصولهم وقف بعض الأطفال بلا حراك عند المدخل كأن البوابة فخ.

في المعسكرات السوفيتية كان كل باب يقود إلى نوع جديد من الألم.

لكن هنا كان ينتظرهم تفصيل مستحيل علم بولندي مخيط يدويا معلق عند المدخل لا كدعاية بل كترحيب.

وبجواره عبارة مكتوبة بحروف بولندية كبيرة مائلة لكنها صادقة

Nie jesteście sami

لستم وحدكم.

قرأت ماريا الجملة بصمت.

انغلق حلقها.

شعرت بشيء داخلها كان متحجرا كالصخر يتشقق.

لم تبك فورا.

أحيانا تحتاج الدموع إلى طمأنينة كي تولد.

كانت الأيام الأولى سلسلة من العلاجات الهادئة.

عالج الأطباء سوء التغذية بصبر لأن الجسد الجائع لا ينقذ بالوفرة المفاجئة بل بالحصص الصغيرة مع الوقت والمراقبة الدقيقة.

نظفت الجروح القديمة.

وعولجت الالتهابات التي أهملت طويلا.

ووضع الأضعف في أسرة نظيفة وتركوا المصابيح مضاءة ليلا كي لا يستيقظوا في ظلام دامس يشبه الموت كثيرا.

في اليوم الثالث عاد جام صاحب.

لم يأت بموكب صاخب.

جاء شبه وحيد مع المترجم ومساعدين يحملون صناديق.

جلس على مقعد في الساحة في الظل كأنه يزور عائلته.

كان الأطفال يراقبون من بعيد بحذر كهررة جريحة.

أخرج من صندوق دفاتر وأقلام رصاص وطباشير وكرة جلدية ودمى قماشية صغيرة وشيئا كان أندر من الذهب بالنسبة لكثيرين صابونا معطرا.

قال وهو يرفع دفترا

هذا لتكتبوا ما تتذكرونه وما تحلمون به.

لن يأخذ أحد كلماتكم منكم.

سأله فتى في الخامسة عشرة تقريبا بوجه قاس من الخسارة بصوت أجش

لماذا يفعل هذا

نقل المترجم

 السؤال.

توقف جام صاحب لحظة لا لأنه لا يعرف الجواب بل لأنه أراد أن يقوله بدقة.

قال

لأنه لو كان لي أطفال لتمنيت أن ينقذهم أحد.

ولأن المعاناة ليست جواز سفر.

والرحمة لا تحتاج إلى تصاريح.

منذ ذلك اليوم بدأ شيء يتغير في بالاتشادي.

بدأ الأطفال ينظمون أنفسهم بشكل غريزي تقريبا كما تفعل أي جماعة تكافح للبقاء لكن هذه المرة بهدف مختلف الحياة.

تكونت مجموعات عمرية.

ساعدت الفتيات الأكبر سنا الصغيرات على الغسل وتمشيط الشعر وإعادة تعلم روتين الصباح بلا خوف.

حفر الفتيان الأكبر خنادق لتصريف المياه خلال موسم الأمطار لا كعقاب بل كعمل مفيد.

بنوا منصة خشبية صغيرة كانوا يقصون عليها القصص بالبولندية ليلا كأن الحديث بلغتهم يعيد إليهم ما حاولت الحرب محوه.

عثرت ماريا على ورقة مجعدة رطبة في جيب تنورتها الشيء الوحيد الذي حافظت عليه طوال الرحلة.

كانت ورقة بخط يد أمها بالكاد تقرأ تحتوي على جملة وسطرين

احمي أخاك. لا تنسي من تكونين.

قرأت ماريا الكلمات مرارا حتى توقفت عن إيذائها كسكين وبدأت تؤلمها كذكرى.

أما أخوها بيوتر فقد قل كلامه فترة.

كان يستيقظ ليلا وهو يصرخ فتركض ماريا إلى سريره تحتضنه وتغني له أغنية كانت أمهم تغنيها لهما في وارسو قبل أن ينهار كل شيء.

في البداية خرج اللحن مكسورا.

ثم مع مرور الأيام عاد تدريجيا.

كانت هناك معلمة بولندية بين البالغين المرافقين امرأة نحيلة تدعى زوفيا وعيناها مثقلتان

بالإرهاق.

استدعاها جام صاحب وقال لها

أنتم بحاجة إلى مدرسة.

ليس الطعام فقط.

الحرب سرقت وقتكم.

سنحاول أن نعيده.

فتحت الصفوف.

درست البولندية والرياضيات والتاريخ وقليل من الإنجليزية كي لا يفاجئهم المستقبل.

لكن الأهم كان الجو التعلم دون ضرب دون إهانة دون ذلك الرعب الذي يمنع العقل من النمو.

ذات يوم بينما كانت ماريا تنسخ قصيدة في دفترها لاحظت شيئا غريبا خطها يشبه خطها القديم في مدرستها بحيها السابق.

نفس الانحناءة نفس الميل.

كأن طفلة صغيرة ما زالت باقية تحت كل ذلك الفقد.

لم تختف التوترات السياسية.

استمرت الرسائل والاجتماعات والتحذيرات.

مارس البريطانيون ضغطهم عبر البيروقراطية تصاريح حصص وتهديدات مبطنة تتعلق بالموارد والسلطة.

خشي بعض المسؤولين المحليين من العواقب.

وتذمر آخرون قائلين إن هؤلاء الأطفال ليسوا شأن ناواناغار وإنهم يجلبون المشاكل والتكاليف والتعقيد.

كان جام صاحب يستمع ويرد دائما بنفس الهدوء

إذا كان شعبي يستطيع أن يتقاسم الماء في زمن الجفاف

فبوسعه أن يتقاسم الخبز في زمن الحرب.

وفي مناسبة ما أصر ممثل بريطاني ببرود

هل تدرك يا صاحب السمو أن هؤلاء الأطفال مسؤولية منظمات دولية وأن تصرفك قد يخلق سابقة

نظر إليه المهراجا كما لو أن الرجل اعترف بشيء مخز.

وقال

بالضبط.

فلتكن سابقة.

مع مرور الوقت أصبحت بالاتشادي عالما بولنديا صغيرا على أرض هندية.

احتفلوا بعيد الميلاد بخبز حلو

بدائي وشموع وتراتيل.

صنع الأطفال الزينة من الورق والأوراق اليابسة.

جلبت زوفيا بعض الطحين وبمساعدة الطهاة المحليين صنعت شيئا يشبه بيروغي.

لم يكن مثاليا لكنه كان منزليا.

في يناير جاء جام صاحب بهدية غير متوقعة ملابس دافئة للأشهر الأبرد ولكل طفل بطانية مطرزة في زاويتها بتطريز بسيط تاج صغير وكلمة Balachadi.

ليس لتأكيد الملكية بل لتذكيرهم بأنهم انتموا إلى مكان آمن.

احتفظت ماريا ببطانيتها كأنها علم.

حدثت أيضا صدمات ثقافية وهو أمر لا مفر منه لكن جرى التعامل معها بدقة نادرة في زمن الحرب.

تردد بعض الأطفال في تناول الطعام الحار وارتعب آخرون من أصوات الصلوات المحلية ومن الألوان الزاهية للأسواق ومن شمس لا تعرف الرحمة.

اقترب السكان المحليون بدافع الفضول في البداية لرؤية أولئك الأطفال الشاحبين الصامتين.

كانت هناك نظرات غريبة نعم لكن كانت هناك أيضا أياد ممدودة.

جلبت بعض نساء غوجارات الفاكهة والأقمشة وألعابا يدوية.

لم يستطعن نطق الأسماء البولندية لكنهن تعلمن الابتسام دون سؤال.

ذات مساء صيفي نظم الأطفال مباراة كرة قدم.

في البداية ركضوا بلا حماس كأن أجسادهم لم تتصالح بعد مع اللعب.

لكن بعد دقائق اشتعل شيء ما.

صرخوا.

ضحكوا.

دفعوا بعضهم بفرح خشن لمن نسي كيف يكون.

ركض بيوتر خلف الكرة بإصرار.

وحين ركلها أخيرا نحو المرمى لم يسجل هدفا لكنه نظر إلى قدميه كأنهما جديدتان.

رأته ماريا ولأول

مرة سمحت لنفسها بتخيل مستقبل لا يعيش فيه أخوها لمجرد البقاء.

في تلك الليلة كتبت ماريا في دفترها

ضحك بيوتر اليوم.

الضحك مثل الخبز.

حين يعود يبدو كل شيء ممكنا.

مرت الأشهر.

وصلت أخبار متفرقة من الجبهة شائعات عن أوروبا أسماء مدن مدمرة انتصارات وهزائم كانت بالنسبة للأطفال صدى بعيدا لعالم لفظهم سابقا.

لكن في بالاتشادي أصرت الحياة على النمو.

زرعوا حديقة صغيرة.

تعلموا أغان محلية.

وتعلم بعض الأطفال تحيات بسيطة بلغة غوجاراتية.

وأحيانا كان جام صاحب يتجول بينهم دون إعلان كأنه يريد أن يتأكد أن عزيمته ما زالت صامدة.

في أحد الأيام استدعيت ماريا إلى مكتب المعسكر.

وصلت وقلبها يخفق تخشى خبرا سيئا.

في الداخل كانت زوفيا والمترجم وجام صاحب.

تجمدت ماريا ويداها مشبوكتان بقوة.

قالت زوفيا

ماريا صاحب السمو يريد أن يتحدث معك.

ابتسم المهراجا بلطف.

قال

سمعت أنك تعتنين بأخيك كما لو كنت بالغة.

هذا عبء ثقيل على طفلة.

نظرت ماريا إلى الأرض. لم تعرف كيف تجيب دون أن تبكي.

قال

أريد أن أخبرك شيئا.

وعدك لأمك لم يكن خطأ.

إنه جميل.

لكن الآن لست وحدك.

هناك من سيساعدك.

يمكنك أن تكوني طفلة أيضا.

شعرت ماريا بأن الهواء يهتز في صدرها.

رفعت عينيها وقالت دون تخطيط

أنا لا أعرف كيف أكون طفلة.

هز جام صاحب رأسه كأن ذلك الاعتراف هو الأكثر إنسانية في العالم.

قال

إذن سنتعلم. خطوة خطوة.

ناولها صندوقا صغيرا.

في داخله دبوس بسيط زهرة معدنية ذات مركز أزرق.

ليس فخما لكنه لامع.

قال

لتتذكري أن حتى الحديد يمكن أن يصبح جميلا عندما

 

يعمل عليه أحد بعناية.

أمسكت ماريا بالدبوس كأنه هش.

لم تتلق هدية منذ بدء الحرب.

ليس شيئا مسروقا بدافع الحاجة ولا كسرة خبز انتزعت من الجوع بل هدية.

عندما خرجت جلست تحت شجرة وبكت لأول مرة دون خوف من أن يسمعها أحد.

بكت لأمها لأبيها للبرد للبحر للسفينة المرفوضة.

لكنها بكت أيضا امتنانا وكان ذلك البكاء مختلفا كان فيه متسع للتنفس.

مرت السنوات.

استمرت الحرب في وحشيتها لكن وضع الأطفال بدأ يستقر.

بدأت المنظمات الدولية تحت ضغط الشهادات وخزي تقاعسها تنسق عمليات نقل.

سيرسل بعض الأطفال إلى شرق إفريقيا وآخرون إلى المكسيك وآخرون إلى نيوزيلندا وآخرون إلى مخيمات في الشرق الأوسط.

كانت الوجهات النهائية غير مؤكدة لكن لأول مرة كانت هناك وجهات لا مجرد غرق.

عندما وصلت أخبار أول مجموعة ستغادر امتلأت بالاتشادي بنوع جديد من الحزن.

لم يكن رعب الفراق القسري بل حزن مغادرة مكان محبوب.

شعر بعض الأطفال بالذنب هل يجوز أن يكون المرء سعيدا وسط كل هذه المأساة

شرحت لهم زوفيا

السعادة لا تخون الموتى.

السعادة تكرمهم لأنها تثبت أن العالم لم ينجح في تدميرنا بالكامل.

في صباح الرحيل الأول جاء جام صاحب إلى المعسكر.

اصطف الأطفال.

كانت هناك حقائب قماشية صغيرة تحوي القليل مما جمعوه دفاتر صور كوب منديل البطانية المطرزة.

تقدم المهراجا وتحدث بصوت ثابت بلا مبالغة

لقد مررتم بما لا ينبغي لأي طفل أن يمر به.

لا أملك القدرة على محو ذلك.

لكن لدي واجب واحد أن تتذكروا أينما ذهبتم أن لحياتكم قيمة.

لا بسبب الحرب ولا بسبب السياسة بل لأنكم أنتم.

توقف ونظر إلى كل واحد كأنه يحفظ وجوههم.

قال

وإن قال لكم العالم يوما لا مرة أخرى

تذكروا

أن أحدا هنا قال نعم.

وتلك النعم تعيش فيكم.

ثم تقدم أحد أصغر الأطفال بالكاد يتكلم وقال شيئا بالبولندية المكسورة بصوت خافت حتى إن المترجم كاد لا يفهمه.

وعندما فهم امتلأت عيناه بالدموع.

قال

إنه يقول إنه يريد أن ينادي صاحب السمو أبي.

ساد صمت ثقيل كأن الهواء توقف ليستمع.

لم يجب جام صاحب فورا.

انحنى ووضع يده على رأس الطفل وقال

نادني بما يحتاجه قلبك.

بكى كثيرون.

حتى الكبار.

كانت ماريا من بين من سيبقون مدة أطول لأن بيوتر كان لا يزال ضعيفا ولأن مجموعتهم لن تغادر إلا بعد أشهر.

لكن مشاهدة أصدقائها وهم يرحلون علمتها شيئا الحياة سلسلة من الوداعات نعم لكنها لم تعد وداعات إلى العدم. كانت هناك طرق.

في الأشهر التالية ساعدت ماريا في كتابة الرسائل للمغادرين رسائل إلى منظمات وإلى عائلات محتملة وإلى السلطات.

من دون أن تشعر أصبحت جسرا.

كانت بولنديتها متقنة وإنجليزيتها تتحسن وتعلمت بعض كلمات غوجاراتية للتعبير عن الشكر.

نظرت إليها زوفيا بفخر.

قالت لها

أنت قوية.

أجابت ماريا بجدية لم تعد مجرد ألم

أتعلم أن أكون قوية دون أن أنكسر.

ذات مساء عاد بيوتر راكضا من الساحة ووجهه متورد

ماريا! ماريا! صاحب السمو قادم!

خرجت ماريا ورأته.

كان جام صاحب يسير في الطريق ومعه شخصان يحمل ملفا.

قال

لدي أخبار.

كانت مستندات.

تصاريح.

ترتيبات.

ستغادر مجموعة ماريا وبيوتر إلى وجهة جديدة لمواصلة تعليمهم وربما البحث عن أقارب أحياء أو بناء حياة جديدة.

لم تكن بولندا بعد لكنها خطوة.

شعرت ماريا بعقدة في معدتها.

جزء منها خاف الرحيل لأن بالاتشادي كانت أول مكان لا يلاحقها فيه الموت.

لكن جزءا آخر عرف أن نعم المهراجا لم تكن قفصا

بل جسرا والجسور وجدت لتعبر.

في الليلة السابقة للمغادرة جلست ماريا عند طرف المعسكر حيث يرى البحر من بعيد.

لم يكن بحر التابوت العائم بل بحرا واسعا صامتا.

جلس بيوتر بجانبها.

سألها

هل أنت خائفة

فكرت ماريا.

قالت

نعم.

لكن لدي شيء لم يكن لدي من قبل.

قال

ما هو

وضعت ذراعها حول كتفيه.

قالت

أتذكر.

أتذكر أن أناسا طيبين موجودون.

وهذا يغير كل شيء.

في اليوم التالي عندما صعدوا إلى المركبة التي ستأخذهم إلى الميناء كان جام صاحب هناك.

لم يلق خطبا طويلة.

اقترب فقط من ماريا وبيوتر.

عدل وشاح بيوتر كما يفعل الأب.

ثم قال لماريا

وعدك لأمك مستمر.

لكن لديك الآن وعد آخر عيشي.

عضت ماريا على شفتيها لتمنع الدموع.

ثم انحنت برأسها احتراما كما رأت الآخرين يفعلون.

قالت له بالبولندية

شكرا.

كرر المترجم لكن جام صاحب أوقفه بابتسامة.

قال

لا حاجة للترجمة.

الامتنان مفهوم بكل اللغات.

أخرجت ماريا دبوس الزهرة من جيبها وأرته له.

قالت

سأرتديه دائما.

هز رأسه وقال

إذن أينما ذهبت ستحملين معك جزءا من هذا المكان.

تحركت المركبة.

ظل الأطفال ينظرون من النافذة حتى صارت بالاتشادي ضبابا بين الأشجار والغبار.

شعرت ماريا كأنها تودع جزءا من نفسها لا بيأس بل بحزن كريم.

بعد سنوات عندما انتهت الحرب وحاولت أوروبا إعادة بناء نفسها من الركام تفرق أطفال بالاتشادي في أنحاء العالم.

عاد بعضهم إلى بولندا ليجدوا بيوتهم مفقودة.

وبنى آخرون حياتهم في أماكن غريبة إفريقيا أوقيانوسيا الأمريكتين.

تزوج كثيرون وأنجبوا وعملوا وشاخوا.

لكن حتى في أهدأ الليالي عندما بدا أن العالم يعود إلى طبيعته كانت ذكرى واحدة تلمع كمصباح رجل يرتدي الأبيض راكعا في

ميناء يقول أنتم مرحب بكم هنا.

احتفظت ماريا وقد أصبحت امرأة بثلاثة أشياء في صندوق

رسالة أمها والدفتر الذي كتبت فيه عن أيام السلام الأولى ودبوس الزهرة الزرقاء.

وفي غرفة جلوسها علقت صورة باهتة مجموعة من الأطفال البولنديين في ساحة تحت أشجار النخيل ابتساماتهم خجولة.

وفي الوسط رجل بملامح هادئة.

أصبح بيوتر طبيبا.

قال إنه اختار هذه المهنة لأنه تذكر الأيدي التي شفته دون أن تطلب شيئا.

وكلما عالج طفلا مريضا تذكر تلك النعم التي أنقذت حياتهم وحاول بصمت أن يكررها بأفعاله.

في لقاء جمع لاجئين سابقين بعد سنوات طويلة روت ماريا القصة لشباب لم يتخيلوا المجاعة السوفيتية ولا الرفض عند الموانئ.

سألوها

كيف كان

ابتسمت ماريا وفي

ابتسامتها كان من الألم بقدر ما كان من النور.

قالت

كان شخصا فهم أن القوة الحقيقية لا تكمن في الأمر بل في الحماية عندما لا يريد أحد أن يفعل ذلك.

في أواخر حياتها عادت ماريا إلى الهند مرة أخرى.

لا كلاجئة بل كضيفة.

سارت في الأماكن التي كانت فيها طفلة.

في بالاتشادي كان الهواء لا يزال يحمل رائحة الملح والتراب.

وقفت تحت شجرة ما زالت هناك وأغمضت عينيها.

وفي ذهنها سمعت الضحك والغناء وخطوات صغيرة.

وضعت زهرة على الأرض وهمست

وفيت بوعدي يا أمي.

وساعدني أحد على الوفاء به.

ثم أضافت كأنها تخاطب الماضي

شكرا.

لأن ما فعله جام صاحب في النهاية لم يكن إنقاذ أرواح فحسب بل إعادة 740 طفلا إلى الإيمان من جديد.

في عالم أنكر عليهم حق الوجود منحهم شيئا أعظم من ميناء منحهم الكرامة.

وهكذا حين يروي التاريخ أهوال الحرب ينبغي أن يروي أيضا هذه اللحظة الصغيرة والعملاقة في آن واحد اللحظة التي انتصرت فيها نعم على البحر والبيروقراطية والخوف.

لأن ضميرا واحدا أحيانا يكفي لإشعال منارة في أحلك السنوات.

وقد تبع 740 طفلا ذلك النور إلى الشاطئ.

 

تعليقات

التنقل السريع
    close