القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل السبعون 70بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات


رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل السبعون 70بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات 





رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل السبعون 70بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات 




٧٠ ~ فجيعة فوق الثري ! ~




عند منتصف الليل ..


توقفت السيارة التي أقلّت فريد ونغم من المطار إلى الڤيلا، وترجلا منها وكلاهما يتأهبان للعديد من الأخبار والأحداث التي فاتتهما خلال فترة تغيبهما _ القصيرة _ عن الڤيلا .


دخلا سويًا، فاستقبلتهما زينب التي كانت في انتظارهما، رحبت بهما بحفاوة شديدة وهي تقول:

ـ حمدالله على السلامه يا حبايبي، طب والله البيت ما كان له طعم من غيركم .


ربت فريد على ظهرها بتقدير وهو يقول بابتسامة دافئة:

ـ الله يسلمك يا زينب.. أومال فين حسن وعمر ؟!


ـ حسن وعمر بيخلصوا إجراءات الافتتاح، زمانهم على وصول.


أومأ بهدوء، ثم نظر إلى نغم وقال:

ـ اطلعي على فوق يا نغم وأنا هشوف الباشا الأول.


أومأت بانصياع، ثم رافقت زينب إلى الطابق العلوي، بينما دلف فريد إلى غرفة مكتب والده بعد أن طرق الباب بهدوء…..


كان يتقلّب في نومه، يهزّ رأسه ببطءٍ مثقل، كأنّه يرفض رؤية من يقترب منه، أو يخشى الاعتراف به.

تسرّب الخوف إلى ملامحه شيئًا فشيئًا، حين لمح في عتمة الحلم طيف والده يدنو نحوه بخطواتٍ ثابتة، وعلى وجهه سحابة غضبٍ قاتم.


كانت عيناه تتّقدان كجمرتين في ليلٍ بلا قمر، وصوته الخشن يشقّ السكون كالسيف:

— قتلت أبوك ليه يا سالم ؟!


اتّسعت عينا سالم بفزعٍ عارم، وتيبّس حلقه. نظر إليه مرتعدًا، وكأنّ الأرض انشقت تحت قدميه، وهتف بصوتٍ متهدّج:

— محصلش.. أنا مقتلتش حد !


غير أنّ والده لم يتوقّف. أعاد الكلمات ذاتها، لكنّها جاءت هذه المرّة أثقل وأقسى وقعًا، وهو يقترب من سالم أكثر، وفي عينيه وعيدٌ يتجاوز الغضب إلى رغبةٍ صريحة في الانتقام.


حاول سالم أن يتراجع، أن يخطو خطوةً واحدة إلى الخلف، أن ينتزع نفسه من تلك المواجهة التي تخنقه وتطبق على أنفاسه… لكنه كان مشلولًا، كأنّ جسده تحوّل إلى حجر، وكأنّ قيودًا خفيّة كبّلت أطرافه وأغلقت عليه كل منفذٍ للفرار.


ارتجف صوته وهو يهمس في يأس:

— أنا معملتش حاجة.. !


لكن صوت والده المدوّي غلب همسه، وردّد ببطءٍ ثقيل، كأنّه حكمٌ لا يُردّ:

— لازم تدفع تمن كل اللي عملته يا سالم.. !


تردّدت العبارة في الفضاء من حوله، تضيق عليه الخناق، وتدفع قلبه إلى الخفقان بعنف، فيما ظلّ هو واقفًا في مكانه، عاجزًا حتى عن أي إنكارٍ يُذكر .


هزّ سالم رأسه بعنفٍ نافٍ، كأنّه يحاول أن يطرح الفكرة عن عقله قبل أن تُدان روحه بها. لم يكن مستعدًا للدفع… لا الآن، ولا أبدًا.

لكن طيف والده لم يرحم ارتباكه، وعاد الصوت يتردّد، أقرب هذه المرّة، أثقل، كأنّه يهبط فوق صدره حجرًا بعد حجر:

— لازم تدفع التمن !



ارتعش جسده، وتراجع قلبه إلى أقصى صدره، بينما ظلّ هو عاجزًا عن التقدّم أو الفرار.

تمتم بصوتٍ مكسور:

— أنا… معملتش حاجة… معملتش حاجة…


ثم أخذ يهزّ رأسه في حركةٍ هستيريّة، يكرّر العبارة كأنّها طوق نجاةٍ يتشبّث به وسط بحرٍ من الاتهامات، وفجأةً، شقّ الحلم ارتجاجٌ عنيف.

يدٌ تهزّه بقوّة، وصوتٌ بعيد يتداخل مع أصداء الكابوس.


انتفض سالم من مكانه دفعةً واحدة، كغريقٍ خرج لتوّه إلى سطح الماء، يتنفّس باضطراب. كانت أنفاسه متلاحقة، ووجهه مبلّلًا بعرقٍ بارد.


وقف فريد إلى جواره، ممسكًا بكتفيه، يهزّه محاولًا إفاقته بعدما رآه أسيرًا لذلك الكابوس، يتقلّب ويتمتم بكلماتٍ مبهمة.


فتح سالم عينيه فجأة، وحدّق حوله برعبٍ لم ينقشع بعد، لا يزال عالقًا بين الحلم واليقظة. احتاج إلى لحظاتٍ ليدرك أنّ الظلال اختفت، وأنّ ذلك الصوت المخيف لم يكن سوى صدى حلمٍ بشع.


ومع ذلك، ظلّ يهمس، بالكلمات ذاتها، كأنّها خرجت من أعماقه ولا سبيل لردّها:

— أنا معملتش حاجة…


أدرك فريد على الفور أنّ ما كان يعتصر والده لم يكن إلا كابوسًا قاسيًا تسلّل إلى نومه، فغمره إحساسٌ طاغٍ بالشفقة. تنفّس بعمق، ونظر إليه بعينين لانت قسوتهما، التقط كأس ماء وناوله إليه ليتجرعه على مهل، ثم التقط منشفةً قريبة وراح يمسح بها العرق البارد الذي بلّل جبينه وصدغيه، كأنّه يمحو آثار الخوف عن ملامحه.


جلس إلى جواره على حافة الفراش، وقد خفَتَ صوته وقال بنبرةٍ يشوبها الأسى:

— واضح إنك كنت بتشوف كابوس!


تنهد سالم وهو يستعيد تماسكه شيئًا فشيئًا، ثم التفت إليه كأنّه لم يلحظ وجوده إلا في تلك اللحظة، وقال بدهشةٍ خافتة:

— فريد! جيت امتى؟


— يادوب وصلنا، وقلت أطمن عليك الأول.


مرّ طيفُ الحلم في عيني سالم مرةً أخرى، فارتجف داخله، لكنه قال محاولًا الثبات:

— حمد لله على السلامة.


أومأ فريد برفق:

— الله يسلمك… هسيبك تكمل نومك.


نهض واقفًا، غير أنّ صوت والده أوقفه قبل أن يخطو نحو الباب:

— الساعة كام دلوقتي ؟


ألقى فريد نظرةً سريعة إلى ساعته، ثم أجاب:

— الساعة 12


عقد سالم ما بين حاجبيه، وقد بدا عليه قلقٌ غير مألوف:

— اخواتك رجعوا من بره ؟


— لا، لسه.


اشتدّ انقباض ملامحه، وقال بنبرةٍ آمرة تخفي توترًا دفينًا:

— اتصل بيهم. شوفهم فين وخليهم يرجعوا .. الوقت اتأخر .


تأمله فريد لحظةً بدهشةٍ لم يُخفها، ثم قال بهدوء:

— تمام… تصبح على خير.


وغادر الغرفة، وأغلق الباب خلفه برفق، لكنه لم يبتعد. ظل واقفًا ممسكًا بالمقبض، وعيناه شاردتان في الفراغ.




تسلّل إلى ذهنه سؤالٌ ملحّ:

منذ متى ووالده يُبدي هذا القدر من الاهتمام؟

ومنذ متى يقلق لغيابهم، أو يسأل عن عودتهم في مثل هذا الوقت؟


فالجميع يعرفه جيدًا… رجلًا صلبًا، قاسيًا، لا يُظهر خوفًا ولا حنانًا إلا نادرًا.

أما الآن، فكان في صوته شيءٌ آخر… قلقٌ حقيقي، أو ربما شعورٌ خفيٌّ بالخطر.


وأدرك فريد حينها، وهو لا يزال واقفًا في مكانه أنّ الكابوس لم يكن وحده ما أيقظ والده من نومه… بل شيءٌ أعمق بكثير.


اتجه صاعدًا نحو الطابق العلوي حيث تقع غرفته، لكن قبل أن يبتعد، انفرج باب غرفة نغم السابقة في الطابق السفلي، وخرجت منه لاتويا. كانت ترتدي سروال جينز قصيرًا يصل إلى منتصف فخذيها، وبلوزة بيضاء ضيقة بالكاد تستر تفاصيل جسدها. وما إن وقعت عيناها عليه حتى ارتسمت في نظرتها لمعة تقييم معتادة، لم تغب عنه لحظة.


التقط فريد تلك النظرة فورًا، فبادلها بنظرة حادة صارمة، كأنه يضع حدًا فاصلًا منذ اللحظة الأولى، دون أن ينطق بكلمة. ثم أدار وجهه عنها في هدوء متعمد، وأكمل طريقه نحو غرفته بخطوات ثابتة.


༺═────────────────═༻


في تلك الأثناء ..


كان حسن يقف بسيارته أمام منزل جيلان، يحدق في شاشة هاتفه للمرة الأخيرة، ثم يعيد المحاولة دون جدوى. ولكن ككل مرة.. هاتفها لا يزال مغلقًا .


لم يكن من طبعه الإلحاح، لكنه هذه المرّة لم يحتمل فكرة أن تعجز المسافة القليلة بينهما عن حمل صوته إليها.


وحين همّ أن يترجّل ليطرق بابها، لمح أضواء سيارة تقترب.

كانت هي.


توقّفت أمام المنزل، أطفأت المحرك، وترجّلت بخطوات واثقة.


ظلّ لحظة يتأملها قبل أن يفتح باب سيارته وينزل، بينما

وقفت بجوار باب سيارتها، تنظر إليه باستغرابٍ هادئ، فيما كان هو يتقدّم نحوها بابتسامة خفيفة تخفي اضطرابه.


نظر إليها مبتسمًا ثم قال بصوتٍ أقرب إلى العتاب:

— كنت بحاول أكلمك… مش عارف أوصلك.


عقدت ذراعيها أمام صدرها، ومالت برأسها قليلًا وقالت:

— كنت قافلة الموبايل.


سألها بهدوءٍ متعمد:

— ليه؟


مطّت شفتيها وهي تُبعد خصلةً شاردة عن جبينها وتقول:

— كان عندي شغل كتير… وكنت عاوزة أركز.


أومأ برأسه متفهمً، لكنها لم تمهله مساحة الصمت.. رفعت حاجبيها وسألته مباشرة:

— جاي ليه؟


ثم تابعت بنبرةٍ لا تخلو من مشاكسة وهي تجول بنظرها في المكان:

— يِظهر إن رجليك خدت على المكان… وهلاقيك كل شوية في وشي!


نظر إليها مبتسمًا وقال بهدوء:

ـ لا أبدا .. كل الحكاية إني جيت أخد تليفوني اللي نسيته عندك .


خَبَتْ في داخلها شرارةُ توقّعٍ صغير، لكنها لم تسمح لملامحها أن تبوح بشيء.

كانت تظنّه سينفي، أو يبتسم ابتسامةً تحمل اعترافًا ضمنيًّا، لكنه عاد إلى مراوغته المعتادة، فشدّت على كبريائها كما يشدّ المرء على جرحٍ لا يريد له أن ينكشف.


أخفت خيبة أملها بمهارةٍ تُحسد عليها، وفتحت حقيبتها ثم استلت من داخلها هاتفه، وأعطته له وهي تقول بنبرةٍ جادّة :

— اتفضل موبايلك .


مدّ يده ليلتقطه، غير أنّ ابتسامةً متلاعبة ارتسمت على شفتيه قبل أن يتكلم، وقال بنبرةٍ تحمل مزيجًا من المزاح والاتهام:

ـ طبعًا فتحتيه وفضلتي تتجولي وتتوغلي جواه… مش كده؟


تسمرت نظراتها فيه بصدمةٍ خاطفة؛ لم تكن تتوقع أن تُكشَف بهذه السهولة، ولا أن يلتقط ارتباكها بتلك البراعة. تلعثمت قليلًا قبل أن تجيب محاولةً التماسك:

ـ أكيد لا يعني… وأنا إيه اللي يخلّيني أفتحه؟


أجابها بخفةٍ مستفزة:

ـ فضول مثلًا…


ضمّت شفتيها في حركةٍ أوحت بعدم الاكتراث، وقالت ببرودٍ متعمد تخفي به اضطرابها:

ـ أبدًا… مين اللي قالك إن عندي فضول ناحيتك أصلًا؟


تأملها لحظةً ثم اقترب خطوةً واحدة، حتى بدا حضوره طاغيًا عليها، وتوغلت عيناه في عينيها بثقةٍ أربكتها وهو يهمس:

ـ عينيكي… هي اللي قالت لي.


تعلّقت عيناها بعينيه، وعلى الرغم من الاضطراب الذي كان يعتمل في داخلها، تسلّحت بثباتٍ يُحسد عليه.


مضت تحدّق في عمق عينيه كأنها تحاول سبر أغوارهما، ثم قالت بنبرةٍ متماسكة لا تخلو من التحدي:

ـ على أساس إنك شاطر وبتفهم لغة العيون وكده؟


اتسعت ابتسامته قليلًا، ابتسامةً متزنة واثقة، انعكست لمعتها في عينيه، ثم أجابها بهدوءٍ مقصود:

ـوالله لو كل العيون حلوة زي عينيكي كده… يبقى لازم أفهم لغتها.


انسابت ابتسامته إلى عينيها دون أن تشعر، وبقيت نظراتها معلّقةً به، لا تزيحها عنه، ثم سألته بنبرةٍ هادئة تخفي خلفها رغبةً في انتزاع اعترافٍ آخر، تسحبه منه رويدًا رويدًا:

ـ وإنت شايف بقى إن عيوني حلوة…؟


أجابها من غير تردد، وكأن السؤال لا يحتمل سوى يقينٍ واحد:

ـ لو عيونك مش حلوة… تبقى عيون مين هي الحلوة؟


جاهدت لتتنفس بصورةٍ طبيعية، خشية أن يفضح اضطرابُ أنفاسها ما يعتمل في صدرها من انصهارٍ أمام تلك النظرات التي تمارس سطوتها على قلبها، فتخضعه لهيمنتها دون مقاومة. ثم تمتمت بنبرةٍ وادعة حاولت أن تبدو عادية:

ـ ميرسي.. على العموم موبايلك معاك.. تصبح على خير .


استدارت لتغادر، بخطواتٍ محسوبة،

غير أنّه لم يحتمل فكرة ابتعادها، ولو خطوتين.


تقدّم بسرعةٍ لم تمنحه فسحة التفكير، وأمسك بذراعها برفقٍ مشوب بلهفةٍ واضحة، وخرج اسمها من شفتيه قبل أن يستأذن عقله:

— جيلان…




توقفت.

التفتت إليه ببطء، ورفعت رأسها نحوه، تهزّه تساؤلًا دون أن تنطق.


كانت عيناها صافيتين، لكن خلف صفائهما بحرٌ مضطرب.

اقترب خطوة، لا أكثر، وراح يتأمل ملامحها كما لو أنّه يراها بعد غيابٍ طويل.


عينان يعرف تضاريسهما، شفتان تتصلّبان كلما قررت أن تتماسك، ووجهٌ يحاول الادّعاء بأنّ الأمر عابر.

لكنّه لم يكن عابرًا.


قال بصوتٍ خرج مثقلًا، صادقًا، خاليًا من كل دفاع:

— سيبي البيت ده وارجعي الڤيلا.. أنا مش مطمن عليكي وانتي لوحدك هنا .


تنهدت وهي تسترجع حديث والدتها والذي كان سببًا رئيسيًا في مغادرتها الڤيلا، اتشحت عينيها بمزيج من الضيق والحيرة، ثم قالت:

ـ مش هينفع يا حسن .


ـ ليه ؟!


ازدردت ريقها في تردد ثم قالت باقتضاب:

ـ كده أفضل ..


ـ بردو ليه ؟! هو أنا ضايقتك في حاجة ؟!


ظلت تنظر إليه بصمت، لا تعرف بما تجيبه، ثم تنهدت وقالت:

ـ لا أبدا ..


ـ أومال بقى ؟! سيبتي البيت ليه ومشيتي؟!


نظرت حولها وهي تفكر، علها تجد إجابة ترحمها من أسئلته التي لا تفقه لها ردًا.. فإذا به يستطرد عندما رآها تتململ في صمت:

ـ حد ضايقك ؟


نظرت إليه من جديد، هل يتسائل حقًا ؟! ألهذه الدرجة وصل به العمى الذي أفقده القدرة على التمييز ؟! أم أنه يتلاعب بها ويحاول أن يستشف منها شيئا لن تفصح عنه مهما حدث !


تنهدت بيأس وإرهاق، ثم قالت :

ـ مفيش حد ضايقني يا حسن .. قلت لك كده أحسن .


ارتسمت على شفتيها ابتسامة حزينة، وهي تنظر إليه وتقول :

ـ على الأقل علشان نحد من المشاكل اللي بتحصل بينا كل شوية أنا وأنت !


ـ لو أنا السبب اللي مخليكي تسيبي الڤيلا وتيجي تقعدي هنا لوحدك فانا عندي استعداد أسيب الڤيلا وانتي ترجعي .


قطبت جبينها بتعجب ، اقتربت منه خطوة أخيرة أربكته، ورفعت ناظريها لتقابل عينيه التي امتلأتا بحديث دُفن في أبعد أعماقه، ثم قالت باستفهام :

ـ تسيب الڤيلا وأنا أرجع ؟


أومأ مؤكدًا بثقة، وهو يقول:

ـ لو ضروري حد فينا يمشي يبقا أنا الحد ده يا چيلان !


تجمدت بصدمة، لم يرف جفناها، لم تتنفس، لم تبتلع ريقها، ظلت تنظر إليه في وجومٍ صامت .. ثم سألته :

ـ ليه كل ده يا حسن ؟!


حسنًا هذه فرصة أخيرة عليه أن يستغلها..

ولكنه _ كالعادة _ يراوغ باحتراف ..


ـ لأن ده مكانك ! الڤيلا دي هي بيتك الحقيقي، انتي اتربيتي وكبرتي فيه .. وطالما مش مرتاحة في وجودي يبقا أنا اللي أمشي ، على الأقل انتي تبقي في أمان .




لم تكن تلك هي الإجابة المنتظرة أبدًا..

كانت تتمنى لو أنه ينطق بها صريحةً لا لبس فيها؛ أن يقول لها إنه يفعل ذلك لأنه يحبها. عندها فقط ستجيبه بلا مواربة، وتعترف له بأنها تبادله الشعور ذاته. بعد اعترافٍ واضحٍ كهذا، سيغدو البوح يسيرًا، وستنساب كلماتها من قلبها دون خوف.


أما الآن، وبعد مراوغاته الدائمة والمملة فلا يحق لها أن تنسج أحلامًا واسعة من لاشيء.


أطلقت زفرةً طويلة، ثم قالت بإرهاق واضح، وكأن طاقتها قد استنزفت كليًا :

ـ متقلقش أنا في أمان وقادرة أحمي نفسي كويس .. مالوش داعي إنك تخاف عليا .


ـ مش قادر ماخافش عليكي .


قالها وهو يختصر المسافة بينهما حتى لم يعد يفصل بينهما سوى أنفاس متسارعة تختلط في هواء واحد. رفعت عينيها إليه، وقد بدا فيهما اضطراب يشبه موجًا هادرًا، فتابع وهو يغوص بنظره في عمق عينيها:

ـ وانتي بعيد عني ببقى مش على بعضي .. بحس إني ناقصني حاجة .. زي ما يكون حتة مني تايهة ومش لاقيها .


في تلك اللحظة كانت تجاهد لتتماسك، محافظةً على ما تبقى من ثباتها، بينما هو بدا وكأنه أفلت زمام سيطرته تمامًا. رفع يده ببطء، وأحاط وجنتها بكفّه في حنان مرتجف، وعيناه لا تفارقان عينيها المتلاطمتين، ثم همس بصوت امتزج فيه الرجاء باليقين:

ـ جيلان… أنا بحبك.


استقرت الكلمة في قلبها، فأصابته في موضعه الحساس، وبقيت تحدق فيه غير مصدقة؛ كأنها تنتظر أن يتراجع أو يصحح ما قال. لم تستوعب أنه أخيرًا نطق بها، وأنه أنهى حيرتها الطويلة بكلمة واحدة.


أما هو، فظل يتأمل ملامحها في قلق مترقب، يبحث عن أثر اعترافه في عينيها. وما هي إلا لحظات حتى أخذت ابتسامتها تتسع شيئًا فشيئًا، قبل أن تنفلت ضحكة كاملة أربكته أكثر، وجعلت قلبه يخفق بترقب لا يقل اضطرابًا عن لحظات صمته السابقة.


لم يكن يدري، في تلك اللحظة المرتبكة، أكانت ضحكتها استنكارًا أم قبولًا، سخريةً أم بشارة؟ ظل يحدّق فيها حائرًا، حتى باغتته بنظرة ملؤها شغف جارف، قبل أن تندفع نحوه بكل ما تملك من لهفة، وتطوّق عنقه بذراعيها في عناقٍ أعاد إليه اتزانه وقوته معًا.


استجاب لها بذراعين واثقتين، ضمّها إليه بقوة، ورفعها عن الأرض .

اختلطت ضحكتهما في لحظة صافية، تماهى فيها الفرح بالدهشة ..


وبعد لحظات، خفّ اندفاعهما؛ فأنزلها برفق إلى الأرض، غير أن يديه لم تفارقاها؛ إذ أحاط وجهها بكفّيه، وأخذ يتأمل تفاصيلها كأنما يكتشفها لأول مرة. كانت عيناه تنطقان برغبةٍ في اقتناص لحظةٍ أعمق، وكأن مشاعره قد أحكمت سيطرتها عليه تمامًا.


لكن رنين هاتفه المفاجئ شقّ سكون اللحظة، وأعاده قسرًا إلى واقعه، فقطع ذلك الامتداد الحالم الذي كان على وشك أن يكتمل.

ألقى نظرة سريعة على شاشة الهاتف، ثم أجاب باقتضابٍ واضح:

ـ ها .. وصلتوا لحد فين؟



جاءه الرد عبر الطرف الآخر، فأردف بنبرة عملية مختصرة:

ـ طيب، ابعتلي العنوان.


أنهى الاتصال سريعًا، ثم أعاد الهاتف إلى جيبه، وكأنما كان يطوي صفحة عابرة ليعود إلى الأهم. التفت إليها من جديد، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة يفيض منها الفرح، وقال وهو يتأملها بعينين لامعتين:

ـ إنتِ كمان بتحبيني… مش كده؟


أمسكت بكفَّيه اللتين كانتا تُحيطان بوجنتيها، وقالت بنبرة دافئة صادقة:

ـ بحبك أكتر مما تتخيّل يا حسن.


ذابت ملامحه في تلك اللحظة؛ ذاب وابتعد عن كل ما حوله، وانصهر في وقع كلماتها. كان اعترافها القصير كافيًا ليشعر، للمرة الأولى، بأنه حيٌّ حقًا. لم يجد ما يقوله أبلغ من أن يضمّها إلى صدره بقوة، ويطبع قبلةً حانية على أعلى رأسها وهو يهمس:

ـ وأنا بموت فيكي يا جيجي… بحبك ومش عايز من الدنيا غيرك.


ثم ابتعد قليلًا، ناظرًا إلى عينيها الفاتنتين المتشّحتين بالدموع، وقال بصوتٍ امتزج فيه الشوق بالرجاء:

ـ موافقة تتجوزيني؟


تطلعت إليه بدهشةٍ صادقة؛ لم تكن تتوقّع أن ينتقل إلى تلك الخطوة بهذه السرعة، فقالت متعجّبة:

ـ نتجوز بالسرعة دي؟


أومأ مؤكدًا بثقةٍ راسخة، وقال:

ـ وليه لأ ؟ إحنا بنحب بعض، يبقى إيه اللي يخلينا نستنى؟


أخذت تنظر إليه بتردّد، وقالت بصوتٍ خافت:

ـ بس


قاطعها بحسمٍ ممتزج بحرارة الشوق:

ـ من غير بس.. أنا مش عايز يوم واحد يضيع من عمري بعد كده من غيرك .. أنا عايزك معايا يا جيلان .


كانت جيلان، رغم نظراتها المعلّقة به، غارقة في دوامةٍ من الأفكار؛ تستعيد كلمات أمها، وتتأمّل الظروف المحيطة بهما، وتحاول أن تزن الأمور بعقلها. غير أنّها، وسط كل ذلك الصخب الداخلي، لم تستخلص إلا حقيقةً واحدة: أنها لا تريد سواه، وأنها ترغب في أن تكون إلى جواره، مهما كان الثمن. بعد اعترافه الصريح، شعرت بأنها مستعدة لأن تقف معه في مواجهة العالم إن لزم الأمر. لن تتخلى عن هذا الحب، ولن تفرّط في ذلك الإحساس بالأمان والاحتواء الذي وجدته أخيرًا بين ذراعيه.


رفعت عينيها إليه، وأومأت برأسها مبتسمةً وهي تقول:

ـ وأنا موافقة.


لمعت عيناه بفرحٍ صادق، وكأنّه لا يصدّق أنها وافقت أخيرًا. تنفّس بارتياحٍ عميق وقال:

ـ حيث كده بقى يبقى نفاتحهم في موضوعنا بعد الافتتاح، إيه رأيك ؟


هزّت رأسها مبتسمةً وقالت:

ـ اتفقنا.


ثم أضاف وكأنه تذكر أمرًا مهمًا:

ـ على فكرة… أنا اتكلمت مع عمر، وبصراحة هو اللي شجّعني أتكلم معاكي وأصارحك .


نظرت إليه بدهشةٍ واضحة وقالت:

ـ يعني عمر عارف ؟


أجابها بهدوء:

ـ أيوة، وفريد، وأمك كمان !


اتّسعت عيناها وهي تهتف غير مصدّقة:

ـ معقول؟


ابتسم ابتسامةً خفيفة وقال:

ـ أيوة، وفضلت تقول لي إني طمعان فيكي وفي فلوسك وكلام زي كده.. وإن مهما حصل مش هتسمح لي أخدعك .


سألته بفضولٍ مشوبٍ بالقلق:

ـ وانت قلت لها إيه ؟!


ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ مشاكسة تليق به، ونظر في عينيها نظرةً عميقة قبل أن يقرص وجنتها برفقٍ ويقول:

ـ قلتُ لها إني بحبك وهتجوزك مهما حصل!


في تلك اللحظة شعرت وكأن العالم بأسره لم يعد يتّسع لفرحتها؛ فهي لم تكن بحاجةٍ إلى أكثر من رجلٍ يدافع عنها في غيابها، ويجاهر بحبه لها أمام الجميع دون خوف. اقتربت منه، وطوّقت عنقه بذراعيها وهي تقول بدلال يشوبه ثقةٍ تماثل ثقته:

ـ وأنا بحبك… وهتجوزك مهما حصل!


ـ طب ما نتجوز دلوقتي!

قالها وهو يغمز لها بمشاكسةٍ صريحة.


انفجرت ضاحكةً ضحكةً صافية انعكست في عينيها، ثم عادت إلى شيءٍ من الجدية وهي تقول برفق:

ـ يلا يا حسن .. الوقت اتأخر !


أومأ متفهّمًا، وقد هدأت ملامحه قليلًا، ثم قال بنبرةٍ يغلب عليها الحرص:

ـ خلي بالك من نفسك!


ابتسمت مطمئنةً:

ـ متقلقش عليا .


اقترب منها وترك قبلةً دافئةً عميقةً على جبينها، قبلةً تحمل حبًا وحنانًا معًا، ثم قال بصوتٍ خفيض:

ـ أشوفك بكرة ..


مرّت أناملها برفقٍ على ذراعه، كأنها تطمئنه قبل أن تطمئن نفسها، وقالت:

ـ تصبح على خير.


ابتعد عنها رغمًا عنه؛ فلو كان الأمر بيده لما تركها لحظة، غير أنّ هناك ما ينتظره ولا يحتمل التأجيل. ظل واقفًا مكانه يراقبها وهي تتجه نحو بوابة منزلها، تفتحها ببطء، ثم تلتفت إليه وتلوّح بيدها مودّعة.


ابتسم لها، وبقيت عيناه معلّقتين بها حتى اختفت خلف الباب. عندها فقط تنفّس بعمق، كأنّه أزاح عن صدره حملًا ثقيلًا بعد أن باح لها بما في قلبه أخيرًا.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


انطلق حسن بسيارته على عَجَل، بعدما استطاع—بمساعدة أصدقائه—أن يصل إلى عنوان شركة نائل الأسيوطي. لم يكن الأمر عسيرًا في زمنٍ صار فيه الوصول إلى المعلومات أيسر مما ينبغي. وما إن حصل على العنوان حتى تحرّك فورًا، وقلبه يضطرم بالغضب؛ ذلك الغضب الذي ظنّ أنه أخمده، فإذا به يعود الآن أشدّ احتدامًا وأقسى وطأة.


ظلّ طوال الطريق يقبض على المقود بقوةٍ حتى ابيضّت مفاصله، كأنما يحاول أن يفرغ في قبضته شيئًا من ذلك الاحتقان الذي يعصف بصدره.


وحين بلغ العنوان، أوقف سيارته على مسافةٍ لا تثير الانتباه إليه، في موضعٍ يتيح له رؤية هدفه دون أن يراه أحد..




مكث هناك قرابة الساعة، يراقب في صمتٍ ثقيل، وخلال تلك الدقائق المتثاقلة كان غضبه يتجدّد مرارًا، يتضخم في داخله ككرة نارٍ تتغذى على نفسها.. رن هاتفه مرات عديدة برقم فريد ولكنه تجاهله، وما إن لمح هدفه—نائل الأسيوطي—يغادر مبنى الشركة ويتجه إلى سيارته، حتى انتبهت حواسه كلها دفعةً واحدة.


تابع تحركاته بعينين حادتين، وانتظر حتى ابتعد قليلًا عن محيط الشركة، متعمدًا أن يبتعد عن أنظار الحراسة، حتى لا يشهد أحدٌ منهم ما هو مقدمٌ على فعله.


استمر نائل في سيره حتى بلغ طريقًا شبه مهجور، لا يكاد يُرى فيه عابر. عندها أدرك حسن أن اللحظة قد حانت؛ هنا يستطيع أن ينفّذ ما عزم عليه، دون أن يكرر الخطأ الذي وقع فيه من قبل. هنا سيواجهه مواجهةً صريحة… رجلًا لرجل، وجهًا لوجه.


وفجأة اندفعت سيارة حسن لتقطع الطريق أمام سيارة نائل، فتوقفت الأخيرة على نحوٍ حاد. ترجل حسن ببطءٍ مقصود، منتشٍ بكبرياء في ثقةٍ مشوبة بزهوٍ واضح.


كان يعرف قدر نفسه جيدًا، ويوقن بما هو مقدمٌ عليه. في داخله تشكلت قناعةٌ راسخة بأن من يقف أمامه ليس سوى قشرةٍ صلبة تخفي خلفها فراغًا هشًّا، وأنه قادر على إخضاعه والسيطرة عليه وحده، دون عونٍ من أحد.


أما نائل، فما إن رأى السيارة تعترض طريقه حتى اندفع خارجًا منها بحدة، تتأجج في عينيه شرارة غضبٍ سريع. توقف على بُعد خطوات، وهمّ أن يتكلم، غير أنّ الكلمات جفّت على لسانه حين وقعت عيناه على حسن.


تجمّد للحظةٍ قصيرة؛ فقد كان حسن واقفًا قبالته بثباتٍ مهيب، يرمقه بنظرةٍ قاسية، نظرةٍ مظلمةٍ تنذر بأن القادم ليس خيرًا، وأن هذه المواجهة لن تمرّ كما مرت سواها.


تقدّم حسن نحوه بخطواتٍ واثقة، وعيناه مثبتتان في عيني نائل مباشرةً؛ فرأى فيهما ما كان ينتظره… لمحة الخوف التي حاول الآخر جاهدًا أن يخفيها، لكنها أفلتت رغمًا عنه.


وفي لحظةٍ خاطفة، التقط نائل نية حسن قبل أن تتحول إلى فعل، فأدرك ما هو مُقدم عليه. وبحركةٍ سريعة، انحنى نحو سيارته محاولًا أن يلتقط مسدسًا من الداخل.


غير أنّ حسن كان أسرع. بخطوتين واسعتين اندفع نحوه، وأطبق عليه قبل أن يظفر بسلاحه. جذبه بعنفٍ نحوه وأجبره أن يستدير في مواجهته، ثم هوى بقبضته على وجهه في ضربةً مباغتة.


لم يُمهل نائل فرصةً ليلتقط أنفاسه؛ فما إن ترنّح تحت أثر الضربة الأولى حتى عاجله حسن بأخرى أشدّ قسوة، أربكت توازنه وسلبته القدرة على التركيز.


بعدها انطلقت قبضتا حسن كعاصفةٍ هوجاء، ينهال عليه بلكماتٍ سريعة، متتابعة، مشبعةٍ بغضبٍ مكبوت وعنفٍ ظلّ حبيس صدره سنواتٍ طويلة.


في تلك اللحظة، لم يكن يقاتل فحسب، بل كان يطلق العنان لـ«العقرب» الكامن في داخله، يتركه يتوحّش ويفرغ ما تراكم فيه من سمٍّ دفين.


أما نائل، فقد بدا عاجزًا عن مجاراة ذلك السيل الجارف؛ لم يستطع أن يصدّ الضربات أو حتى يتوقّع مسارها. تهاوى جسده تحت وطأتها، حتى فقد توازنه وسقط أرضًا، يترنّح بين الوعي واللاوعي، بينما ظلّ حسن واقفًا فوقه، أنفاسه تتصاعد وصدره يعلو ويهبط بعنفٍ لم يهدأ بعد.


اقترب منه مرة أخري، وقف خلفه مقيدًا يديه بينما راح نائل يتلوّى محاولًا الفكاك من قبضته، يدفع بجسده ويقاوم بعناد، إلا أنّ قبضة حسن كانت أشدّ صلابةً مما توقع. وبرغم تقاربهما في الطول والبنية، بدا التفوق واضحًا؛ فقد تمكّن حسن من إخضاعه بسهولةٍ لافتة، ثم

قال بصوتٍ خافتٍ ينطوي على سخريةٍ باردة:

ـ مكنتش متوقّع تشوفني تاني… مش كده؟


زمجر نائل غاضبًا، وهو يحاول أن يفلت من قبضته، وصاح بلهجةٍ متوعّدة:

ـ صدقني هندّمك.. إنت لسه مش عارف أنا مين وابن مين!


ارتسم تهكّمٌ واضح على وجه حسن، وأجابه بنبرةٍ مستهينة:

ـ إزاي بقى؟ اللي ما يعرفك يجهلك يا ابن سيادة اللوا… بس تفتكر يعني واحد زيي هيفرق معاه إنت مين وابن مين؟


أطلق نائل زفرةً غاضبة بين أسنانه، وقال بحدة:

ـ انت حاولت تلعب معايا بس اللي بيلعب معايا بيخسر كتير.. وهتشوف .


اقترب حسن أكثر، وصوته يزداد صلابةً وتحدّيًا:

ـ ومين قال لك إني جاي ألعب معاك؟ إنت غلطان… أنا مش فاضي ألعب أصلًا.


شدّد قبضته أكثر، مثبتًا ذراعي نائل خلف ظهره بيدٍ واحدةٍ قوية، بينما تحرّكت يده الأخرى إلى جيبه. أخرج سلاحًا أبيض وفتحه بحركةٍ متقنة، توحي بأنه اعتاد استخدامه من قبل. لمع نصله في الهواء القاتم وهو يقرّبه ببطءٍ من عنق نائل.


تسارع نفس نائل، واتسعت عيناه بفزعٍ صريح، وراح يتململ بعنفٍ محاولًا التخلّص من قبضته، لكن إحكام حسن كان كالقيد الحديدي.


انحنى قليلًا نحو أذنه، وصوته ينساب ساخرًا قرب أذن نائل:

ـ مالك يا أَمور؟… خايف من المطوة مش كده؟ مصيبة لا تكون دي أول مرة تشوف فيها مطوة. طبعًا ما إنت ابن سيادة اللوا… متعوّد تمشي بسلاح مترخّص، وثلاث أربع رجالة حواليك تتحامى فيهم.


ثم أطلق ضحكةً قصيرة خالية من المرح، وأردف باستخفافٍ واضح:

ـ على فكرة، أنا مش محتاج أقول لك إني كنت أقدر أجيب رجّالتي وأنا جاي.. وبدل الراجل… كنت أقدر أجيب عشرة، مش واحد ولا اتنين. بس بصراحة، أنا قريتك من أول مرة… لما خلّيت رجالتك يكتفوني علشان تعرف تضربني. ساعتها فهمت إنك—ولا مؤاخذة—على قدّك شويتين… قِلّة يعني، وآخرك فاضي.


ضغط على ذراعيه بقوةٍ أكبر، وصوته يهبط إلى نبرةٍ أشدّ صلابة:

ـ عشان كده قلت أقوم بيك لوحدي..


هتف نائل بوعيدٍ محتدم، وصوته يرتجف بين الغضب والذعر:

ـ صدقني هتندم أشدّ الندم! إنت ما تعرفش نائل الأسيوطي يقدر يعمل إيه!




أجابه حسن ببرودٍ مستفز، وعيناه لا تفارقان ملامحه المرتبكة:

ـ أحب أعرف… بس قبل ما أعرف، عايز أسيب لك تذكار صغير مني.؟. حاجة كده تخليك كل ما تبص في المراية تفتكرني.

ازدادت حركات نائل اضطرابًا وعصبية، يحاول أن يتحرر بأي ثمن، لكن حسن فجأة قرّب النصل من وجهه، ولمح بريقه ينعكس في عينيه المرتعبتين. وفي حركةٍ خاطفة، شقّ خدّه جرحًا سطحيًا حادًّا، وهو يقول بصوتٍ جامد لا يخلو من قسوة:

ـ خد الهدية دي من حسن العقرب… ما تغلاش عليك.

ثم دفعه بعيدًا خطوتين، فترنّح نائل وهو يصرخ بجنون، يده تتحسس الجرح الذي سالت منه قطرات الدم، بينما الأخرى تمتدّ نحوه في محاولةٍ يائسة للإمساك به.

غير أن حسن كان قد سبق بخطوتين سريعتين نحو سيارته، اندفع إليها واستقلّها في لحظةٍ محسوبة. وفي الوقت ذاته، تمكن نائل من التقاط المسدس من داخل سيارته، وراح يطلق النار باتجاه سيارة حسن في نوبةٍ هستيرية.

لكن حسن كان أسرع وأحكم تقديرًا؛ ضغط على دواسة الوقود وانطلقت سيارته مبتعدةً عن مرمى الطلقات، تاركةً خلفها صدى الرصاص وصراخًا يغلي بالانتقام.

༺═────────────────═

في صباح اليوم التالي ..

استفاق كلٌّ من فريد ونغم على وقع طرقاتٍ رتيبة فوق الباب، وهي طرقاتٌ ألفاها كإيذانٍ باستدعاءٍ صباحيٍّ معتاد.

تنهّد فريد وهو يرقب تململ نغم في نومتها، فاستسلم بصره لتأملها، غارقاً في فتنة هيئتها الصباحية التي تفيض عذوبةً وجاذبية. وما إن شرعت عيناها في الانفتاح حتى التقت نظراتهما، فاندفعت تعانقه بشوقٍ جارف، ليتلقفها هو بضمّةٍ أشدّ وثاقاً، قبل أن يميل برأسه ليطبع قُبلاً وئيدة على وجنتها، ثم ارتحل بها نحو عُنقها وصولاً إلى كتفها المرمرية، منساباً بقبلاته على امتداد ذراعيها في تتبعٍ عذبٍ أثار كوامن حواسها.

انفلتت ضحكتها الرقيقة رغماً عنها، وهي تتلوى تحت وطأة قُبلاته المنهمرة بعفويةٍ ساحرة، بينما كانت تتحرك بعشوائيةٍ دلاليةٍ مبهجة وهي تقول :

ـ صباح الخير ..

أمسك بكفيها الرقيقتين، وضمهما إلى ثغره في قبلةٍ حانية وهو يقول:

— صباح النور يا جميل.. واضح إنك نمتي كويس!

تمطأت في فراشها بدلالٍ استرخائيّ، والنعاس لا يزال يداعب نبرة صوتها وهي تقول:

— نمت محستش بنفسي.. السرير ده مريح جداً.

فما كان منه إلا أن رمقها بغمزةٍ مفعمة بالتبسط، وهزّ رأسه بمشاكسةٍ لا تخلو من مكرٍ محبب وهو يقول:

— جداً جداً.

اتسعت أساريرها بابتسامةٍ مشرقة، ثم التقطت رداء "الكيمونو" الذي ابتاعته من أثينا، ولفّت جسدها به برقةٍ بينما اعتدلت في جلستها نصف مستندة، وقالت:

— المفروض دلوقتي إننا نجهز علشان ننزل نفطر مش كده؟


أومأ برأسه موافقاً، بينما شرع في التحرك ليبدأ يومه، مردفاً بلهجةٍ عملية:

— بس أنا هجهز الأول علشان أنزل، لأني لو مانزلتش هيفضلوا يخبطوا كل شوية.. وأنتِ اجهزي براحتك وحصليني.

تنهدت بعمقٍ يمتزج فيه الرضا بالكسل اللذيذ، ثم قالت:

— لا استناني.. أنا هتكسف أنزل لوحدي.

ارتسمت علامات التعجب على وجهه، ورمقها بنظرةٍ مستفهمة وهو يقول:

— تتكسفي ليه؟ إنتِ في بيتك!

زفرت تنهيدةً مطولة، حاولت فيها شرح ذلك الشعور الغريب الذي يراودها، ثم قالت:

— ماشي اختلفناش.. بس لسه مش عارفة آخد على الوضع وأتعامل بأريحية يعني.

ابتسم "فريد" بمكرٍ وهو يقترب منها، قائلاً بنبرةٍ غلبت عليها المشاكسة:

— طيب.. حيث كده بقى، يبقى لازم نفعّل "مود" المشاركة الوجدانية علشان ننجز!

رمقته بنظرةٍ خاطفة وقد فطنت فوراً لما يرمي إليه بتلميحه المتلاعب، بينما ظل هو يطالعها بابتسامةٍ متقدة، تشي بشغفٍ لم تطفئه ساعات اللقاء مهما عظمت.

وبعد أن استعدا للمغادرة وصارا في كامل أناقتهما، تقدمت "نغم" لتفتح الباب وتخطو خارج الغرفة؛ لكن قدميها تسمرتا مكانهما حين اصطدمت رؤيتها بـ "لاتويا" وهي تغادر غرفة "زينب"، محتضنةً الصغير بين ذراعيها في مشهدٍ جمد الكلمات على الشفاه.

كانت "لاتويا" تتبختر برداءٍ قصيرٍ يكشف عن ساقيها بجرأة، وتصميمٍ عاري الظهرِ يفيضُ تبرجاً؛ وما إن وقعت عينا "نغم" على هذا المشهد حتى استدارت في لمح البصر، وأوصدت الباب بقوةٍ قبل أن تحطّ نظرات "فريد" عليها.

وقفت تستند بظهرها إلى رتاج الباب كحائط صدٍّ يمنعه من الخروج، بينما وقف هو يرمقها بذهولٍ واستفهام، قائلاً:

— في إيه؟

زفرت نغم تنهيدةً لاهثة، وقد استعرت في عينيها نيران غضبٍ عارم وهي تجيبه باقتضاب:

— استنى شوية.

هز رأسه في حيرةٍ وقد تضاعف تعجبه، وسألها:

— استنى شوية ليه؟

راقبها وهي تجاهد لكظم غيظها، محاولةً وأد تلك الغيرة المتأججة التي انفضحت في نظراتها؛ ولم يكن "فريد" بحاجةٍ إلى بيانٍ أو تفسير ليدرك كَنه ما أبصرته، ففطن على الفور أنها لمت لمح "لاتويا" بتلك الهيئة.

استشاط "فريد" غضباً حين أدرك سبب ارتباك زوجته، واعتملت في صدره رغبة عارمة في إنهاء هذا العبث؛ فهو يدرك جيداً أن تلك المرأة ليست سوى "امرأةٍ من طرازٍ رخيص، تمتهنُ الغواية كحرفة، وتنصب شباك ابتذالها في كل زاوية، باحثةً عن طريدةٍ جديدة تقتاتُ على سذاجتها".

لم يستطع كبح جماح اشمئزازه، فأردف في سره وهو يشد على قبضته أنه لن يسمح لهذه المُستعرضة مُقتنصة.الغفلات، التي لا تتحركُ إلا بدافعِ الإغواء، وكأنها نذرت جسدها ليكون جسراً تعبرُ عليه إلى مآربها الدنيئة، أن تدنس عتبات هذا البيت أكثر من ذلك.


ثم نظر إلى نغم محاولاً تهدئة روعها، لكن شرارة العزم كانت قد اشتعلت في عينيه لمواجهة والده ووضع حدٍّ لهذا التجاوز.


ــــــ


غادر الغرفة، واندفع إلى غرفة والده بخطوات متوترة، وقد بدا الانفعال واضحًا في ملامحه قبل صوته. لم يمنح نفسه فرصة للهدوء، بل بادره معاتبًا:

ـ ممكن أعرف إيه اللي حضرتك عملته ده ؟


رفع سالم نظره إليه ببرود متحفظ، وسأله بنبرة خالية من التأثر:

ـ عملت إيه ؟!


تنفّس فريد بعمق، وقد أثارته نبرة اللامبالاة أكثر مما أثاره الفعل نفسه، ثم قال بلهجة يغلّفها الأسى:

ـ يعني إيه تخلي لاتويا تقعد معانا هنا ؟!


أجابه سالم بهدوء عملي، كأنه يعرض أمرًا بديهيًا لا يحتمل الجدل:

ـ عندك حل تاني ؟! كل ده علشان مصلحة الولد، الدكتور قال إنه مش هينفع يرضع صناعي وكان لازم أنه تفضل معاه علشان ترضعه.


ارتسمت على شفتي فريد ابتسامة ساخرة خافتة، توحي بعدم اقتناعه، ثم قال بنبرة تحمل شكًا صريحًا:

ـ أنا واثق إن مش ده السبب الحقيقي، لولا إنك ليك هدف تاني مكنتش هتوافق واحدة زي دي تقعد في بيتك .


نظر إليه والده بنفاد صبر ظاهر، وقال بنبرة تحمل قدرًا من الاستنكار:

ـ أنا مش فاهم إنت معترض ليه ؟! دي حاجه ماتخصكش.


ارتفعت حاجبا فريد في دهشة ممزوجة بالاحتجاج، وأجابه بلهجة لا تخلو من حدّة:

ـ حاجة متخصنيش إزاي وأنا عايش معاكم في نفس البيت ومضطر أشوف خلقتها ليل ونهار وهي ماشية شبه عريانة قدامنا !! الوضع ده ميرضيش ربنا ولا يرضي حد.. وأنا شخصيا مش مضطر أقبل بوضع زي ده !


نظر إليه والده بلامبالاه، وقال بهدوء:

ـ طوّل بالك.. لو على لبسها فأنا هحذرها وهخلي زينب تجيبلها لبس تاني يكون محتشم ..


تنهد فريد بيأس، ثم زفر أنفاسه بقوة وقال:

ـ مش دي كل المشكلة .. وجود إنسانة منفلتة زي دي وسطنا بدون صفة في حد ذاته كارثة ! انت مش ملاحظ إن حسن وعمر هيشوفوها في الرايحة والجاية وأكيد أكيد هتعمل تصرفات رخيصة زيها .. يبقا ليه تحط النار جنب البنزين وإحنا في غنى عن كل ده ؟!

ولو حضرتك مش واخد بالك فاسمحلي أقوللك إن لاتويا دي واحدة فلتانة بلا أخلاق، علشان كده توقع منها أي حاجه..


ثم زفر نفسًا محتقنًا ثم قال:

ـ كأنك جبت قنبلة موقوتة وزرعتها في البيت ، وأنا على يقين إنها هتنفجر فينا كلنا .


رمقه سالم بنظرة تجمع بين الاستخفاف والتحدي، ثم قال ببرود متعمّد:

ـ قول بقا إنك خايف تضعف قدامها!


اتسعت عينا فريد بصدمة واضحة، وارتسم الاستنكار جليًا على ملامحه وهو يردّ:

ـ أضعف قدامها؟! هو ده الاستنتاج الوحيد اللي طلعت بيه من كلامي ؟


حرّك سالم شفتيه في لا مبالاة وقال:

ـ وليه لأ ؟ ما هي على حد قولك واحدة لعوب ويتخاف منها.



عندها استقام فريد في وقفته، وأجاب بثقة راسخة:

ـ مش عليا أنا ..


ثم أردف بصوت ثابت لا يخلو من اعتداد:

ـ إذا كنت وأنا عازب عمري ما عملت حاجة تغضب ربنا أو تخالف ضميري، هعمل كده بعد ما اتجوزت ؟!


كان صوته هذه المرة هادئًا، لكنه مشبع بقناعة صلبة، كأنه لا يدافع عن نفسه فحسب، بل عن مبدأ يؤمن به ولا يقبل التشكيك فيه.


بينما تنهد سالم بعمق؛ فقد كان يدرك في قرارة نفسه أن ابنه على حق، ويعلم يقينًا أن فريد ليس من طينة الرجال الذين تزلّ أقدامهم أمام امرأة كـ«لاتويا». كان يفهم تمامًا ما يرمي إليه، غير أن كبرياءه دفعه إلى المكابرة، فآثر الصمت لحظة وهو يستجمع أفكاره.


وفي خضمّ ذلك الصمت المتوتر، بادر فريد بالكلام، وقد بدا عليه الإصرار:

ـ لاتويا شيطانة… ومن رأيي، بدلًا ما توجه تركيزك كله ناحيتي، الأجدر تركز مع عمر وحسن. هما أولى بالحذر مني.. وأكيد انت فاهم قصدي كويس .


ثم أطلق زفرة مثقلة، وأردف بنبرة أكثر هدوءًا، لكنها لا تخلو من الحزم:

ـ على كل حال، أنا مش هينفع أقعد هنا ما دامت موجودة.. مش خوف منها زي ما انت فاهم، لكن مراعاةً لمشاعر نغم ..


لم يرق هذا الحديث لسالم، وبدت على ملامحه أمارات الامتعاض والرفض.. وقال متهكمًا :

ـ ومالها مشاعر نغم هانم؟ هو كان حد داس لها على طرف ؟


ليجيبه فريد بثقة :

ـ وأنا مش هستنى لما حد يدوس لها على طرف أصلا، ومعنديش استعداد أخليها تقعد في مكان هي مش مرتاحة فيه مع واحدة زي دي..


ثم غادر فريد المكتب بخطواتٍ حاسمة، تاركًا خلفه صمتًا ثقيلًا يلفّ المكان. وبقي سالم جالسًا على مقعده، غارقًا في دوامةٍ من الأفكار، يُقلّب الأمر من شتّى جوانبه.


كان يعلم في أعماقه أن فريد مُحق، غير أنّ عناده حال دون اعترافٍ صريح. أخذ يستعيد كلماته كلمةً كلمة، وقد تحوّلت في ذهنه إلى ما يشبه جرس إنذارٍ أو إلهامٍ متأخر يوقظه على احتمالاتٍ لم يُرِد مواجهتها.


وبينما كان مستغرقًا في شروده، داهمه شعورٌ مفاجئ بدوارٍ خفيف، ارتبكت رؤيته لوهلة، وشعر بثقلٍ في رأسه، لكنه سارع إلى تجاهل الأمر، مقنعًا نفسه بأنها مجرد وعكة عابرة سببها الإرهاق وكثرة التفكير.


لم تمضِ دقائق حتى طرقت زينب الباب طرقًا خفيفًا، ثم دخلت تحمل فنجان قهوته المعتاد. تقدّمت بخطواتٍ هادئة، فوضعته أمامه. تناول الفنجان من يدها بصمت، وارتشف منه رشفةً طويلة، كأنه يحاول أن يستعيد صفاء ذهنه. ثم رفع رأسه قائلًا بلهجةٍ مقتضبة:

— ناديلي عمر.


أومأت بموافقة ثم غادرت، وتركته يفكر.. كيف سيكون رد فعل عمر إذا ما سمع ما سيقوله له ؟!


ــــــــــــــــ


في تلك الأثناء، وبعد أن غادر حسن إلى المزرعة، كان عمر في غرفته يستعدّ للخروج، يرتّب هندامه على عجل. وما إن وصلته رسالة استدعاء والده حتى نزل مسرعًا.. متجهًا إلى غرفة مكتبه كما طُلب منه.


طرق عمر الباب، ثم دخل والوجوم يرتسم على ملامحه بوضوح، ثم قال :

ـ خير ؟! زينب قالتلي إنك عايزني .


أومأ سالم بهدوء، ثم قال وهو يشير إلى مقعدٍ مقابل له :

ـ اقعد يا عمر ..


نظر عمر إليه، ثم جلس بهدوء، وعيناه لا تزالان معلقتين به حيث تنفس بعمق ثم قال :

ـ أخوك كان عندي دلوقتي وغضبان ومش طايق نفسه..


تنهد عمر وهو يقول متهكمًا بهدوء :

ـ واضح إن ده المزاج العام للعيلة كلها اليومين دول.


بينما تابع سالم متجاهلا سخريته المعتادة، وقال:

ـ وبيستنكر إزاي لاتويا تفضل قاعدة هنا معانا بدون صفة ، وبيقول إنها عاملة زي القنبلة الموقوتة وهتنفجر فينا كلنا ..


ثم نظر إلى عمر وأضاف بشيء من الاستنكار بدوره، ثم تابع:

ـ مش عارف ازاي ، بس هو شايف كده ..


ـ والله كويس إنه قال اللي كلنا عاوزين نقوله ، أهو على الأقل حد مننا يقدر يقنعك بوجهة نظره بدل ما احنا عايشين في البيت ده شبه تنابلة السلطان كده .


للمرة الثانية، تجاهل والده تهكمه وسخريته، واستطرد بنبرة هادئة:

ـ وأنا فضلت أفكر في كلامه والحقيقة اقتنعت بيه، مهما كان هو معاه حق.. مينفعش تفضل عايشه وسطنا كده بدون صفة وفي البيت رجاله داخلين خارجين .


ثم تنهد وقال :

ـ علشان كده ..


قاطعه عمر وقد التمعت عيناه بحماس، وهو يقول:

ـ علشان كده هتمشيها، صح ؟


هز والده رأسه نافيًا، ثم تابع بنبرة هادئة متزنة :

ـ علشان كده لازم تتجوزها !


تسمّر عمر في مكانه، وحدّق في والده بعينين متسعتين من هول ما سمع، ثم قال بصوتٍ اختلطت فيه الصدمة بالاستهجان:

ـ نعم؟… أتجوز مين؟! لاتويا؟!


قابله والده بثباتٍ بارد، كأن الأمر لا يحتمل جدالًا، وأجاب بإيجازٍ حاسم:

ـ أيوه.


ظلّ عمر يحدق فيه لحظةً طويلة، ثم انفجر فجأةً ضاحكًا؛ ضحكاتٍ عاليةً متقطعة، لا تحمل من المرح شيئًا، بل تثير الشفقة والقلق في آنٍ واحد.


ضحكاتٍ جلبت انتباه والدته التي أتت لتتبين ما يحدث، وكذلك زينب التي استرعى انتباهها تلك الفوضى فجاءت لترى ما يحدث، وفريد الذي كان بصدد مغادرة الڤيلا ..


ـ أتجوز لاتويا ؟! أنا أتجوز لاتويا ؟!


ثم نهض من مكانه، ونظر إلى والده، وهتف كالقصف مدويًا بنظرة امتزج فيها العجز بالقهر :

ـ ده انت اتجننت رسمي !!!



ـ عمررررر !!!!!


هدر بها فريد بقوة مستنكرًا ما تشدق به عمر، واقترب منه بخطواتٍ واسعة وهو يقول من بين أسنانه المحتشدة بغضب، وفي عينيه نظرة وعيد لا تخطئها الأعين :

ـ اعتذر عن اللي قلته حالا .. !


لكن عمر، الذي بدا وكأن الغضب قد أخرج الأمور عن سيطرته، صرخ بصوتٍ جهوري عبّر عن أقصى درجات الانفعال والكدر: 

ـ انت مش سامع بيقول إيه ؟! ده عايز يجوزني لاتويا ؟!!!


حاول فريد أن يهدّئ من غضبه بصعوبة بالغة، متنفّسًا بعمق في محاولة لاحتواء انفعالاته. ثم قال بذات اللهجة المقتطعة التي تكشف عن قرب نفاد صبره :

ـ بقوللك اسحب اللي قلته واعتذر أحسن لك !


نظر عمر إلى والده، الذي كان يتأمله في تلك اللحظة بنظرات يملؤها الاستياء الممزوج بالصمت، يحاول أن يستوعب الجرأة التي جعلت ابنه يخاطبه بتلك الفظاظة.


انعكس شعور واضح بالخزي في عينيه، بينما أخفض عمر رأسه نحو الأرض وابتلع ريقه محاولاً السيطرة على النيران المشتعلة في صدره وهو يتمتم بصوت متردد: 

ـ أنا آسف .


ثم تبدّل صوته فجأة، وارتفع هديره محتدًّا بالغضب:

ـ بس اللي إنت بتقوله ده لا يمكن يحصل! ولو السما انطبقت على الأرض مش هيحصل! أنا مش هتجوز واحدة زي دي أبدًا!


وضرب جانب رأسه بكفّه، كأنه يحاول أن يوقظ عقله من كابوسٍ ثقيل، وهو يردف بحدةٍ متصاعدة:

ـ والبنت دي لازم تمشي من هنا… وحالًا!


وفي لحظة اندفاعٍ أعمى، استدار متجهًا نحو باب غرفة لاتويا، غير أنّ خطوته توقفت فجأة حين هتف والده يستوقفه بقوة قائلا :

ـــ استنى عندك ..


توقف عمر في مكانه، وصار الصمت يخيّم على الغرفة، حتى رفع سالم بصره نحو ناديه ثم نحو فريد، قائلاً بهدوء حازم:

— سيبونا لوحدنا .


ضيق فريد عينيه في استغراب، يحاول استشفاف ما يعتزم والده قوله، لكنه لم يستطع قراءة ما في خاطره. ومع ذلك، بدا سالم متماسكًا، هادئًا في حضوره، يحاول طمأنة فريد بعبارة خفيفة:

— سيبني أتكلم معاه شوية يا فريد .


تنهد فريد ببطء، وعقد حاجبيه قليلاً قبل أن يهز رأسه موافقًا، ثم غادر الغرفة بصمت، بينما تلحق به ناديه، وقد تملّكها الغضب والفضول والغيظ معًا، وكأنها تحاول الإمساك بخيوط ما يدور بينهما .


أخذ سالم يحاول أن يبقى متماسكًا، ثم خاطب عمر بصوت هادئ لكنه حازم:

— اقعد يا عمر.


كان عمر لا يزال يوليه ظهره، فالتفت ببطء ونظر إليه قائلاً:

— مش هقعد… ومش مستعد أسمع كلمة زيادة في الموضوع ده.


فاجأه سالم بصوتٍ هادر، صياحٌ مليء بالغضب الذي اهتزّت له أركان الغرفة:

— هتقعد وهتسمع.والجزمة فوق دماغك! هو انت مفكر نفسك كبرت عليا ولا إيه؟ ولا فاكر إن عشان ما اتشليت وقعدت على الكرسي ده، خلاص مش هعرف أخليك تسمع الكلام؟




ابتلع ريقه، وقبض على يده محاولًا كبح تلك الرجفة التي اجتاحت أعصابه، ثم قال بصوت أخفض لكنه أكثر حزمً وهيمنة:

— اقعد… واسمعني.


لم يجد عمر بدًّا من الانصياع لأمر والده، فجلس متكئًا، يشبك يديه معًا، محاولًا السيطرة على الغضب الذي يشتعل داخله كحريقٍ يلتهم أوصاله.


تنهد سالم ببطء بعد أن التقط كأس الماء، وارتشفه حتى آخر قطرة، ثم قال بهدوء يمزج بين الحزم والتحدي:

— أنت أكيد عارف إن أبوك مستحيل يطلب طلب وما يتنفذش… مش كده؟


هز عمر قدمه بعصبية واضحة، وأبى أن يمنح والده أي جواب، مكتفياً بالصمت الذي حمل كل تحديه وغضبه في آن واحد.


واصل سالم حديثه بنفس الهدوء الواثق:

— عشان كده المفروض توفر على نفسك وعليّ الكلام الكتير… لأن اللي بقوله ده هيتنفذ… هيتنفذ.


نظر إليه عمر، عينيه تلمعان بالتهكم والاستهجان، وقال بصوت مملوء بالتحدي:

— هيتنفذ إزاي وأنا رافض؟ هتجلدني 100 جلدة المرة دي كمان عشان أوافق؟ ولا هتربط إيديا ورجليا وتمضيني على عقد الجواز غصب عني؟


تطلع سالم إلى عمر بعينين تملؤهما الأسى، ثم هز رأسه بيأسٍ شديد، وقال بصوت مشحون بالمرارة:

— أنا كل مرة بتكلم معاك فيها بتأكد مليون في المية إن أمك معرفتش تربيك… عشان لو كنت متربي، ماكنتش هتتكلم معايا بالشكل ده.


زفر عمر بتملمّل واضح، ينفد صبره، ثم نظر إلى والده وقال:

— طبعا أنت أكيد عارف عن اللي بين حسن وجيلان… مش كده؟


ارتسم على وجه عمر ملامح الدهشة من تطرق والده إلى موضوع حسن وجيلان فجأة، فأومأ موافقًا وقال:

— أيوه عارف… بس إيه علاقة حسن وجيلان بالموضوع ده دلوقتي؟


تجاهل سالم سؤال ابنه، وتابع بصوت هادئ لكنه حازم:

— وأكيد عارف رأيي بخصوص العلاقة دي… وعارف إنّي رافض تمامًا إن حسن يتجوز بنت ناديه.


تنهد عمر بضيق، ثم انفجر بانفعال مماثل:

— لاحظ إنك بتتكلم عن أختي ووالدتي… يعني يا ريت تراعي مشاعري شويّة!


ابتسم سالم ابتسامة هادئة، خفّفت من حدة صوته لكنها حملت قوة لا تقهر، وقال بلا مبالاة:

— وأكيد حسن قال لك إني قلت له لو السما انطبقت على الأرض، مش هيتجوزها.


نظر إليه عمر بتحدٍ واضح:

— صدقني… أنت لسه متعرفش حسن كويس. حسن، طالما حط حاجة في دماغه… هيعملها مهما مين وقف قدامه.


ابتسم سالم بابتسامة رصينة، ثم قال:

— من الواضح إنك أنت اللي لسه ما تعرفش أبوك كويس… مفيش مخلوق على وجه الأرض قوته تكفي إنه يقف قصادي… ولا حسن ولا غير حسن.


تنهد عمر بانفاد صبر، ثم قال بنبرة متوترة:

— أيوه… يعني حضرتك عايز توصل لفين؟


تحدث "سالم" بهدوءٍ يتدثر بالوقار، مستخدماً نظراته الثاقبة لترسيخ كلماته في وعي ابنه، حيث قال:

— اللي عايزه أوصله… إنك بإيدك تضمن سعادتهم. جوازك من لاتويا مقابل جواز حسن من جيلان.





ارتسمت الدهشة على محيا عمر عاجزةً عن التواري، وقلّب كفيه في حركةٍ تعكس ذهوله مما يتلقفه مسامعه، ثم هتف بنبرةٍ يمتزج فيها الانبهار بمرارة الصدمة:

— أنا بجد مش قادر أصدقك… كل مرة أقول إنك وصلت سقف الجبروت، تفاجئني إني كنت غلطان… و إنك مالكش حدود، ومفيش حد يقدر يتوقعك.

ارتسمت على ثغر سالم ابتسامةٌ هادئة، وكأن ثناء ابنه على قسوته هو صكُّ فخرٍ له، ليردَّ مؤكداً:

— في دي معاك حق… أنا ممكن أعمل أي حاجة….

ثم شدد على حروفه، فخرجت الكلمات كأنها نصلُ تهديدٍ صامت، حين أردف:

— أي حاجة… ممكن تتخيلها أو حتى لا تتخيلها… في سبيل مصلحتكم.

رمقه "عمر" بنظراتٍ استنكارية، يلمع في مآقيها الشكُّ الصريح، متسائلاً بتهكم:

— مصلحتنا؟ عايز تقنعني إن جوازي من لاتويا ده لمصلحتي؟

حرّك "سالم" رأسه بثباتٍ لا يتزعزع، جازماً بصوتٍ لا يعرف التردد:

— مليون في المية لمصلحتك. لو مكانش لمصلحتك… صدقني مكنتش صممت عليه.

ثم زفر تنهيدةً مثقلة بالخفايا، وجال ببصره في أرجاء الغرفة، كأنما يستدعي الجدران لتشهد على ثقل قراره، ثم استطرد بهدوءٍ متزن:

— مش شرط تفهم كلامي ده دلوقتي… لكن تأكد إنك هتفهمه بعدين.

أسقط عمر رأسه بين كفيه، مستسلِمًا تمامًا، قبل أن يرفع نظره إلى والده بنبرة مرهقة وعينين مثقلتين بالضيق، وقال:

— ولو رفضت؟

ابتسم سالم بابتسامة هادئة لكنها مليئة بالقوة، ثم اجاب بحزم:

— تبقى بإيدك وقفت في طريق سعادة إخواتك. لو رفضت تتجوز لاتويا… مستحيل جيلان تكون زوجة حسن مهما حصل. وقتها مش حسن بس اللي هيتأثر… لأنه بالكتير شهر أو اتنين يقدر ينساها ويعرف غيرها.

توقف للحظة، ثم أضاف بنبرة أكثر خشونة تأثير:

— لكن فكر في أختك… هي عايشة وحيدة، لا حيلتها أب ولا أم زي باقي الأمهات… هيكون حالها إيه لما تتحرم من الإنسان اللي بتحبه؟

جلس عمر صامتًا، تغمره الأفكار، متأملًا كلمات والده، محاولًا استيعاب ثقلها وما تحمله من مسؤولية ومصير لا يقدر على تجاهله.

لم يجد سبيلاً للتنصل من ثقل المسؤولية التي ألقت بظلالها على كاهله؛ إذ لم يعد بوسعه إنكار حقيقة استوحاش "جيلان" في دنياها، وإدراكِ أن فقدانها لـ "حسن" ليس مجرد خسارة عابرة، بل هو استسلامٌ أبديّ للتعاسة، وحكمٌ عليها بالوحدة ما بقي لها من عمر.

وما كان له أن يغفل عن لوعة أخيه، وهو العليم بمقدار العشق الذي يكنّه لها؛ لذا أبى عليه ضميره أن يقف حائلاً دون اجتماع شتاتهما، أو أن يكون العثرة في طريق وصالهما.

فقد كان عمر يرى في أخيه امتداداً لروحه، ويوقن تمام اليقين أنه لو وُكل الأمر لـ "حسن"، لآثر مصلحة أخيه على نفسه دون تردد؛ وأمام هذا النبل الصادق، وجد نفسه عاجزاً عن الانصياع لأنانيةٍ قد تكون السبب في تعاستهما .



 غمرة استغراقه في لُجج أفكاره، تراءت لـ "عمر" أصداء كلمات والده، حينما حاول استمالته بصوتٍ يمزج بين السكينة وصرامة الحزم، قائلاً:

— على كل حال، لاتويا مش هتفضل هنا طول العمر… اوعى تكون فاكر إنّي راضي عن وجود واحدة زي دي في بيتي وسط ولادي. لكن الضرورة لها أحكام، وبمجرد ما الولد يتفطم، هقول لك بنفسي طلقها وهمشيها من هنا، ووقتها هتكون حرّ تعمل اللي تحبه..

ارتحل بصر "عمر" نحو والده في صمت، محاولاً استجلاء مقاصد كلماته ووزن عواقبها، بينما كان يستشعر وطأتها الثقيلة فوق نياط قلبه؛ في حين استرسل سالم في قوله دون هوادة، مُستكملاً مرافعة الإقناع:

— فكّر فيها كويس… هتلاقي نفسك مش خسران حاجة. كل الحكاية عقد جواز صوري يحفظ كرامتك قدام الناس، وكرامة ابنك فيما بعد. على الأقل لما يكبر، يبقى فاكر إن أبوه وأمه كانوا متجوزين وجابوه من الحلال… بدل ما يتعقد ويعيش موصوم بالعار طول عمره، وهو شايف نفسه ابن حرام.

ثم تنهد وتابع :

ـ ما تبقاش أناني يا عمر، لأنك لو اتصرفت بأنانية دلوقتي، صدقني هتعيش اللي باقي من عمرك ندمان.

وعلى الرغم من أن عمر في تلك اللحظة كان غائباً عن آفاق المستقبل، لا يلقي بالاً لغدٍ لا يراه، إلا أن كلمات حسن السالفة انبعثت في ذهنه كصدىً لا يهدأ،

تُذكره بأن بيده اليوم مِقوَد المصير الذي سيحكم حياة ولده. ومع أنه لم يستشعر في قرارة نفسه أدنى صلةٍ تربطه بذلك الصغير، ولم يتخيل يوماً أن تنبت بينهما بذور العاطفة، إلا أنه استعصم بضميره… أو ببقايا منه.

وبميزانٍ عقليٍّ مجرد، وجد أن منطق والده هو الأرجح كفّةً والأصوب مساراً؛ فزفر تنهيدةً مثقلة بالرضوخ، ثم أردف بنبرةٍ يكسوها الهدوء ويحدوها الحزم:

— أنا موافق.

لم تكد ابتسامة الظفر تشق طريقها إلى شفتي سالم، حتى وأدها عمر في مهدها حين قاطع استبشاره بشرطٍ قاطع:

— بس على شرط.

ارتسمت علامات الاستفهام على وجه والده، ورمقه بنظرةٍ فاحصة قبل أن يتساءل بنبرةٍ مريبة:

— شرط إيه ده؟

أجابه "عمر" بلهجةٍ لا تقبل المواربة:

— زي ما قلت لحسن إن جيلان طمعانة فيه وإنك مش ممكن توافق بيها.. تكلمه وتقول له إنك فكرت ووافقت، ويعملوا الخطوبة في أقرب وقت.

زفر "سالم" زفرةً مطولة، محاولاً امتصاص مباغتة ابنه، ثم قال بمهادنةٍ حذرة:

— ما تقلقش.. تعدي بس طارئة الافتتاح على خير، وبعدين نشوف موضوع الخطوبة ده.

حرك "عمر" رأسه بإيماءةٍ صامتة تحمل في طياتها القبول المشروط، بينما استأنف "سالم" حديثه مُنصرفاً إلى ترتيبات التنفيذ:

— أنا هكلم نادر علشان يجهز الإجراءات، وبالليل تروحوا سوا علشان علشان تمضوا على العقود في مكتب التوثيق وتخلصوا الإجراءات الرسمية، مش عاوزين تأخير أكتر من كده.


أشاح "عمر" بوجهه بعيداً، وقد غامت الرؤية أمام عينيه وكأن الكلمات تخنق أنفاسه، بينما استطرد والده بنبرة تخلو من العاطفة:

— مفيش وقت نضيعه، القسيمة هتكون معاك النهاردة، والولد لازم يتسجل رسمي في أسرع وقت علشان نقفل الباب ده نهائي ونركز في اللي جاي.

غادر عمر المكتب وما إن غادر حتى أسرع كلا من والدته وفريد نحوه لكنه أشار إليهما بيده في علامة منه بعدم رغبته في الحديث.

غادر الفيلا وخطواته تترنح تحت وطأة ضياعٍ ينهش وجدانه؛ كان يشعر كمن يخطو نحو المجهول، تتجاذبه حيرةٌ عاصفة حول صواب تلك الخطوة التي أقدم عليها، أم أنها لم تكن سوى انزلاقٍ جديد نحو الهاوية.

لم يدر بخلده يوماً، ولا حتى في أكثر كوابيسه قتامة، أنه قد يغدو زوجاً لامرأةٍ لا تشبهه في شيء، ولم يتصور قط أن زلةً عابرة اقترفها في غابر الأيام ستتضخم ككرة ثلج، لتتمخض في النهاية عن قيدِ زواجٍ وطفلٍ يُحمل وزر اسمه ومصيره.

كانت تلك حياةً يلفظها بكل جوارحه، ولا تمت بصلةٍ لتلك الأحلام التي رسمها لنفسه؛ غير أنه، وفي لحظة صدقٍ قاسية، لم يستطع أن يشيح ببصره عن الحقيقة المرة: إنه الآن يحصد ما زرعته يداه، ويدفع ضريبة خطيئته نقدًا من مستقبله.

زفر تنهيدةً محترقة، وفي تلك اللحظة تحديداً، لاح طيف "ميرال" أمام عينيه كسرابٍ بعيد؛ فأدرك بيقينٍ يمزق الروح أن حبال الوصل بينهما قد قُطعت، وأنها غدت الآن حكايةً وُئدت تحت ركام قراراته الأخيرة.

༺═────────────────═༻

في المساء ..

تم الزواج في مكتب توثيق هادئ داخل أحد الأبراج الإدارية الحديثة..

لم يكن هناك ثوب أبيض، ولا بدلة رسمية.

فقد ارتدت لاتويا فستانًا بسيطًا بلونٍ فاتح يصل إلى ما بعد الركبة، بلا مبالغة أو بهرجة، وشعرها منسدل على كتفيها بعفوية. بدت مرتبة… هادئة… واثقة.

لم تكن تبتسم طوال الوقت، لكنها كانت متيقظة لكل تفصيلة، تتابع الأوراق، تنصت لشرح البنود، وتوقّع باسمها بخط واضح ثابت.

أما عمر فكان يرتدي قميصًا أبيض بأكمام مطوية وبنطالًا داكنًا. مظهره أنيق كعادته، لكن دون أي مظهر احتفالي. وقف أمام المكتب ويداه في جيبيه أحيانًا، ثم يخرجهما ليوقّع، ثم يعيدهما وكأنه لا يعرف أين يضعهما. لم يكن في وجهه أثر فرح، ولا حتى توتر ظاهر… بل ذلك الجمود الذي يسبق العاصفة أو يعقبها.

عندما طُلب منه مراجعة الصيغة القانونية التي تُثبت زواجًا مدنيًا موثقًا، مرّت عيناه على السطور بسرعة، كأنه لا يريد التعمقوفي تلك النفاصيل وكأنها لا تعنيه. أمسك القلم، وتوقف لحظة قصيرة قبل أن يخط اسمه. لحظة بالكاد تُرى… لكنها كانت ثقيلة بما يكفي..

على الجانب الآخر، كانت لاتويا تراقب المشهد بهدوء.. وحين وقعت، انفرجت ملامحها قليلًا، ليس بابتسامة واسعة، بل بذلك الارتخاء الخفيف الذي يصيب من وصل أخيرًا إلى هدفه .



تبادل الشهود النظرات، وانتهى الأمر بجملة مقتضبة من الموظف تؤكد إتمام التوثيق.

زواج تمّ على الورق.

أما القلوب… فكان لكلٍ منها حسابٌ آخر لم يُغلق بعد.

ما إن غادروا مكتب التوثيق، وكان نادر يسير إلى جوارهما بعد أن أشرف على الإجراءات كاملة من بدايتها حتى نهايتها، حتى توقّف عمر قليلًا عند مدخل المبنى، ثم التفت إلى لاتويا ونظر إليها نظرة مباشرة خالية من التردد.

قال بصوتٍ فصيح حازم، لا يحمل دفئًا:

ـ إيّاكِ أن تظنّي أن هذا الزواج يمكن أن تُبنى عليه حياة حقيقية. إنها خطوة صورية لا أكثر. وبمجرد أن يُفطم الطفل، سأُطلّقك، وستعودين إلى بلدك.

كانت كلماته واضحة، قاطعة، كمن يضع حدودًا منذ اللحظة الأولى.

غير أن لاتويا لم تجبه. لم تعترض، ولم تبدُ عليها صدمة أو انكسار. اكتفت بابتسامة خفيفة مرت على شفتيها سريعًا، ابتسامة لم تكن بريئة تمامًا… بل بدت كأنها تحتفظ لنفسها بورقة أخيرة لم يُكشف عنها بعد.

تبادل نادر نظرة صامتة مع عمر، ثم تقدّم ليفتح باب السيارة. ركبوا جميعًا، وانطلقت بهم نحو البيت.

جلس عمر في المقعد الخلفي، يحدّق من النافذة دون أن يرى شيئًا مما يمر أمامه. كان يشعر في تلك اللحظة أن آخر خيط أمل كان يتمسك به قد انقطع.

وأنه إن كان هناك احتمال — ولو بنسبة ضئيلة — أن تعود ميرال إليه يومًا، أو أن تسامحه على ما مضى… فإن زواجه اليوم من لاتويا قد دفن ذلك الاحتمال تمامًا.

أغمض عينيه لحظة، وكأن ثقل القرار هبط دفعة واحدة على صدره.

لقد تم الزواج.

أما الخسارة… فقد كانت أعمق مما توقع.

ــــــــــ

عند عودتهم إلى المنزل، كان الجميع جالسًا في صالة الاستقبال، يخيّم عليهم صمت ثقيل مترقّب. لم يكن أحد يتحدث أو ينطق بشيء؛ النظرات وحدها كانت تتبادل الأسئلة والقلق.

كان فريد أكثرهم اضطرابًا من الداخل. جلس على طرف المقعد، يضم كفّيه إلى بعضهما في توتر مكتوم. كان يشعر بثقل ما حدث، ويعلم يقينًا أن عمر لم يُقدم على هذه الخطوة عن رضا. يعرف طباع أخيه جيدًا؛ عناده، اندفاعه، وتخبّطه حين يضيق صدره. وكان يؤلمه أن يراه يسير في طريق لا يشبهه، ويتخذ قرارات يعلم مسبقًا أنها لن تمنحه السلام.

ولكنه لا يعرف ما الذي دار بينه وبين والده وجعله يقتنع بإتمام تلك الخطوة بتلك السهولة .

فُتح الباب أخيرًا.

دخل عمر أولًا، وخلفه لاتويا بخطوات متزنة. ارتسم على وجهه شحوب واضح، وتصلّب في الملامح لا يخفى على أحد.

وقف في منتصف الصالة كمن أُجبر على اعتلاء مسرح لا يرغب في الوقوف عليه.

رفع عينيه نحو والده، وقال بنبرة ساخرة تخفي تحتها احتقانًا مريرًا:

ـ اتمنى إنك تكون مبسوط دلوقتي وانت بتجوز ولادك واحد ورا التاني ..


ساد صمت أثقل من سابقه.

ثم حوّل نظره إلى حسن، وفي عينيه بريق تهكّم موجوع، وقال:

ـ عُقبالك يا أبو علي… مش فاضل غيرك علشان تكتمل لوحة الإنجازات بتاعة العيلة .

لم تكن كلماته مزاحًا، ولا حتى سخرية خالصة؛ كانت صرخة مكسورة خرجت في هيئة تهكم. أما لاتويا فبقيت واقفة إلى جواره، صامتة، تراقب المشهد بعينين لا تكشفان الكثير، فيما ظل فريد ينظر إلى أخيه بعجزٍ واضح، مدركًا أن ما انكسر داخله اليوم لن يُصلحه شيء.

كان عمر قد اتجه نحو الدرج صاعدًا إلى غرفته، راغبًا في إنهاء هذا اليوم بأي طريقة، حين استوقفه صوت نادر قائلاً بهدوء:

ـ استنى يا عمر، لو سمحت.

التفت إليه عمر باستغراب واضح، وقد بدت على وجهه علامات الضيق، كأنما يتساءل عمّا تبقّى بعد. عندها تابع نادر بنبرة عملية متزنة:

ـ دلوقتي بعد ما تمت خطوة الجواز، باقي الخطوة الأهم: تسمية الطفل علشان نقدر نستخرج شهادة ميلاده.

نظر إليه عمر نظرة خالية من الاكتراث، ثم حاول تجاوزهم متجهًا نحو السلم وهو يقول ببرود:

ـ مش هتفرق، سموه أي إسم !

لكن سالم استوقفه بصوت حازم لا يقبل الاستخفاف:

ـ إزاي يعني يسمّوه أي اسم؟

التفت إليه عمر بعينين مشتعلتين بالانزعاج، ثم قال بصوت مرتفع منفعل:

ـ يعني مش فارق معايا .. سموه زي ما تحبوا ..

ساد توتر واضح في الأجواء، قبل أن يتدخل فريد محاولًا احتواء الموقف، وقال بهدوء عاقل:

ـ تعالى يا عمر… اقعد وخلينا نتكلم بهدوء .

كان صوته منخفضًا، لكنه حمل رجاءً صادقًا؛ فالأمر لم يكن مجرد اسم يُكتب في شهادة ميلاد، بل فصلًا جديدًا يُفتح رغمًا عن الجميع..

اضطرّ عمر، على مضض، أن يمتثل لطلب فريد. عاد بخطوات ثقيلة وجلس على المقعد، مسندًا وجنته إلى كفّه في هيئة استسلام يائس، وكأن الأمر كله لا يعنيه. كان ينصت، لكن بملامح توحي أنه يتمنى لو كان في مكان آخر.

قال فريد بهدوء متعمد:

ـ من المفترض يا عمر أنك أنت اللي تختار اسم الطفل… لأنك أبوه .. !

رمقه عمر بنظرة ضجر واضحة، غير قادر على استيعاب إصرارهم على ترسيخ هذه الفكرة في ذهنه، ثم قال بحدة مكتومة:

ـ لا مفترض ولا غيره. اختاروا انتم الاسم، وأنا موافق أيًّا كان.

تنهد فريد تنهدًا خافتًا يحمل ضيقًا حاول إخفاءه، ثم أدار بصره في الوجوه من حوله وقال:

ـ طيب.. حد عنده اقتراحات يا جماعة ؟!

ثم التفت إلى نغم وسألها بلطف:

ـ إيه رأيك يا نغم؟ عندك إقتراح ؟

عندها تدخلت نادية بصوت مرتفع، بدا فيه قصد الاستفزاز:

ـ ونغم تقترح بصفتها إيه إن شاء الله؟

لم يمنحها فريد أكثر من نظرة جانبية عابرة، خالية من الاهتمام، ثم أعاد نظره إلى نغم متجاهلًا تعليق نادية تمامًا وقال بنبرة حاسمة:

ـ قولي يا نغومة… إحنا سامعينك .



تنهدت نغم قليلًا، ثم قالت بصوت متزن:

ـ في الحقيقة أنا بحب اسم أحمد جدا.. لكن طبعا الرأي الأول والأخير ليكم.

ساد صمت قصير، قبل أن يتدخل حسن قائلاً بنبرة عملية:

ـ وأنا شايف إن أول حفيد في العيله لازم يشيل إسم عمه الكبير .. يعني نسميه فريد !

ثم التفت إلى أخيه بابتسامة خفيفة تحمل شيئًا من الدعابة، وأضاف:

ـ ولما فريد يخلف ولد إن شاء الله يبقى يسميه عمر بحيث يرد له الجميل يعني وكده !

تسللت ابتسامات خافتة إلى وجه فريد، غير أن عمر بقي على حاله، صامتًا، وكأن الاسم — أيًّا كان — لن يغيّر شيئًا من الفوضى التي تعصف بداخله.

بينما نظر فريد إليهم وقال :

ـ لأ أنا مش مرجح إسم فريد خالص.. طيب إيه رأيك يا زوزو ؟!

نظرت إليه زينب بابتسامة مشرقة، ثم قالت:

ـ والله أنا رأيي من رأيكم .. اسم أحمد جميل جدا ..

ولكن فجأة قطع حديثهما سؤال سالم الهاديء في ظاهره:

ـ خلصتوا ؟!

التفتوا إليه جميعا، فإذا به يهتف وهو ينظر إلى نادر بثقة وثبات، بعد أن أسند كلتا يديه إلى ذراعي المقعد، ثم نفخ صدره بزهو، وقال :

ـ هسميه سالم !

استحالت الدهشةُ قناعاً جمد ملامح الحاضرين؛ إذ لم يدر بخلدِ أحدٍ أن يطرق هذا المقترحُ أسماعهم، وكأنَّ الاسم الذي تفوّه به سالم قد هوى في أرجاء الغرفة كصاعقةٍ مدوّية، بعثرت القلوب أربكت سائر الحسابات.

تلاقت الأنظارُ في صمتٍ مذهول وتيهٍ عاصف، وقد شلَّت الحيرةُ ألسنتهم، فغدوا عاجزين عن صياغةِ ردٍّ يضاهي ثقلَ الموقف أو يفكُّ طلاسمَ هذه المفاجأة.

وفجأة، انتفض عمر واقفًا، وقد تبدّل جموده إلى رفض صريح، وقال بصوت يحمل اعتراضًا حادًا:

ـ لاااا.. ده على جثتي! أنا أسميه أي إسم الإ سالم!

ساد صمت ثقيل أعقب كلماته.

نظر إليه والده بنظرة معقدة امتزج فيها الخذلان بالتحدي، والصدمة بالاستنكار، ثم قال ببطء مشوب بمرارة:

ـ بقا مش عاجبك إسم أبوك ؟! تمام.. بما إنك اعترفت أخيرًا بالولد، وشايف إن ليك حق تسميه زي ما انت حابب، يبقى تتحمل مسؤوليته كاملة بقا ..

ترددت الكلمات في أذن عمر، فشعر وكأنها تعيده إلى نقطة لم يكن يريد الاقتراب منها. هو نفسه أعلن سابقًا أنه لا علاقة له بالطفل، وأن لا أحد يملك أن يُلزمه بشيء تجاهه… يكفي أنه كُتب باسمه فحسب.

تراجع خطوة إلى الوراء، وقد خفَتَ اندفاعه، وأخذ يفكر في العواقب. لم يكن مستعدًا لتحمّل ما يعنيه اعتراف صريح كهذا.

هبطت كتفاه قليلًا، وامتلأت ملامحه بعجز مكشوف، ثم قال ببرود متعمد يخفي اضطرابه:

ـ اعملوا اللي انتوا عاوزينه !

واستدار دون أن ينتظر ردًا، وصعد إلى غرفته، تاركًا خلفه صمتًا أثقل من ذي قبل… وصراعًا لم يُحسم بعد.


 صباح اليوم التالي..

بعد شهورٍ من العمل الدؤوب والسعي الحثيث، أُزيح الستارُ أخيراً عن حلم حسن الذي تجسد في "مزرعة مرسال"؛ حيث تلاقت الوفودُ اليوم ليكونوا شهوداً على بزوغ هذا المشروع، ومشاركين في لحظةٍ طال انتظارها.

وفي طليعة الحضور، اصطفّ إخوتهُ كالبنيان المرصوص؛ "فريد، ومعه نغم … عمر … ونسيم .. ومعها "عاصم" .

تعلو وجوههم أمارات الفخر بما حققه شقيقهم.

ولم تغب وجوهُ الأصدقاء عن ذلك المحفل، فهم الذين لم يفتأ "حسن" يؤكد على حضورهم، بل وقطع على نفسه وعداً صادقاً بأن يفتح لهم أبواب الرزق في رحاب مشروعه، ليؤمن لهم سبل العيش الكريم في القريب العاجل.

اصطفّ الحضور أمام المدخل الرئيسي للمزرعة في لحظة هادئة يغلب عليها الترقّب. لافتة تحمل اسم «مرسال» ارتفعت فوق البوابة الخشبية المصقولة، وعلى جانبيها تناثرت باقات بسيطة من الزهور البيضاء. لم يكن في المشهد ما يشي بالمبالغة؛ كل شيء بدا منظمًا، أنيقًا، ومدروسًا بعناية تليق ببداية مشروع جاد.

وقف حسن في المقدمة، يرتدي بدلته الداكنة التي أكسبته وقارًا خالصًا. كان يتبادل النظرات مع فريد وعمر، بينما يقترب بعض رجال الأعمال والمهتمين بعالم الخيول في هدوء، استعدادًا للحظة قصّ الشريط.

وفي خضم ذلك، لمح وجهًا لم يكن يتوقع حضوره.

تجمّد لثانية، ثم اتسعت عيناه بدهشة صادقة وهو يرى والده يجلس بثبات وسط الحضور. لم يفكر، لم ينتظر… اندفع نحوه بعفوية، واحتضنه بقوة.

ربّت سالم على ظهره بهدوء، وربما بشيءٍ من الفخر الذي لم يحاول إخفاءه.. ثم قال:

ـ مبروك يا حسن !

قبّل حسن أعلى رأسه ثم قال:

ـ الله يبارك فيك يا حجيجة.. المزرعة نورت .

ربت سالم على يده، ثم قال بهدوء :

ـ منورة بيك انت واخواتك ..

ابتعد حسن قليلًا وهو يمسك بيد والده قائلاً بإصرارٍ ممتن:

— بما إنك موجود يبقى لازم أنت اللي تقص الشريط.

ابتسم سالم ابتسامة قصيرة، ووضع يده على يد ابنه يربّت عليها في دعم واضح، ثم قال بصوت هادئ حاسم: — لا … ده مشروعك أنت.. و أنت اللي لازم تفتتحه بنفسك.

تريّث "حسن" لبرهة، وقد ارتسمت ملامح الامتنان في بريق عينيه، قبل أن يخطو بثباتٍ نحو الشريط القرمزيّ الممتد عند مدخل البوابة؛ وعن يمينه وشماله وقف "فريد" و"عمر" كظهيرين يستند إليهما، بينما اصطفت العائلة والحضور من خلفهم في ترقبٍ بهيج.

قبض على المِقص، واستلهم نَفَساً عميقاً غار في صدره، كأنما يحاول استيعاب أن ذلك الحلم الذي طالما راوده تحت جنح الخيال، قد غدا الآن حقيقةً تلمسها يداه. وبحركةٍ واثقة تنمُّ عن يقينٍ واثق، قصَّ الشريط، مُعلناً ميلاد عهده الجديد.



انطلقت التصفيقاتُ من حوله؛ لم تكن مجرد جلبةٍ صاخبة، بل كانت نتاجَ قلوبٍ صادقةٍ تشاركه الغبطة. ومع توالي ومضات الكاميرات التي خلّدت تلك اللحظة، ارتسمت على الوجوه ابتساماتٌ تفيض بالمودة.

أما "حسن"، فقد تسمّر في مكانه لثوانٍ، يجول ببصره في أرجاء مملكته.. استوقفته الإسطبلاتُ المصطفة بنظام، والميدان الفسيح الذي يمتدُّ كلوحةٍ من الطموح، وصهيل الخيول التي تمايلت في مرابضها وكأنها تؤدي تحية الاحتفاء بصاحبها.

كان يتأمل المكان بعينين تشعان بحماسٍ بكر؛ فأخيراً، ذلك المشروع الذي شيده بقطرات الصبر والذي سكب فيه شغفه وروحه قبل ماله، صار واقعاً شامخاً يطاولُ السماء أمام ناظريه.

لم يكد صدى التصفيق يهدأ، حتى انطلقت نغمةٌ موسيقية رصينة، كانت بمثابة الإشارة لتبدأ مراسم العرض. اصطفّ الحضور من كبار رجال الأعمال والمستثمرين، الذين جاءوا لاستكشاف هذا الصرح الجديد، بجانب المهتمين بتربية الخيول العربية الأصيلة، والجميع يترقب بفضولٍ ممزوج بحماس.

تحرك طاقم الضيافة بزيّهم التقليدي الأنيق بخفةٍ وتناغم، يطوفون بين الحضور بـ "الدِلال" الذهبية، حيث فاحت رائحة القهوة العربية الممزوجة بالهيل، لتضفي على الأجواء عبقاً تراثياً زاد من هيبة الموقف.

وفجأة.. انفتحت البوابات الجانبية، لتبدأ الخيول بالخروج في طابور عرضٍ يخطف الأنفاس. كانت الخيول تتبخترُ في الميدان، رؤوسها مرفوعة بشموخ، وقوائمها تضرب الأرض بإيقاعٍ واثق، وكأنها تدرك قيمتها ومكانتها.

لمعت جلودها تحت قرص الشمس كالحرير المصقول، وتطايرت خصلات أعرافها مع كل وثبة، في مشهدٍ جسد المعنى الحقيقي للجمال الجامح.

تسمّرت الأنظار، وساد صمتٌ عميق لا يقطعه إلا صوت صهيلٍ متقطع أو همسات الإعجاب من المستثمرين الذين أخذوا يتبادلون نظرات التقدير؛ فقد أدرك الجميع أن "مزرعة مرسال" ليست مجرد مشروع تجاري، بل هي معقلٌ للأصالة.

وقف "حسن" في المنتصف، وعيناه تلاحقان حركة الخيول بفخرٍ لا يوصف، بينما كان "فريد" و"عمر" يتبادلان الابتسامات مع بعض الضيوف، وقد لمسا في أعينهم انبهاراً فاق كل التوقعات. لم يكن العرض مجرد استعراضٍ للقوة والجمال، بل كان إعلاناً رسمياً عن ولادة "مرسال" كأهم محطة للخيول العربية في المنطقة.

حضر عدد من رجال الأعمال المهتمين بالاستثمار الرياضي، وبعض ملاك الخيول ومدربيها، إلى جانب شخصيات معروفة في مجال الفروسية. لم يكن الحضور ضخمًا، لكنه مدروس ومناسب لافتتاح مزرعة متخصصة؛ وجوه تعرف قيمة هذا النوع من المشاريع وتفهم تفاصيله.

كان حسن يتحرك بين الضيوف بثقةٍ واضحة، إلى جواره وقف فريد الذي بدا عليه الفخر، وهو يستقبل رجال الأعمال بابتسامةٍ هادئة، وإلى جوارهما وقف عمر الذي بدا منبهرًا بتلك الأجواء .



وبعد قليل..

ربّت فريد على كتف حسن بخفةٍ وهو يقول مبتسمًا:

ـ يلا يا أبو علي… دورك تقول كلمتك .

بادله حسن نظرةً يشوبها شيءٌ من التوتر، ثم أخذ نفسًا عميقًا وصعد إلى المنصّة. وقف لحظةً أمام الميكروفون، يتأمل الوجوه الحاضرة كأنه يبحث عن بدايةٍ مناسبة. لم يكن معتادًا على مثل هذه الأجواء، ولا بارعًا في إلقاء الخطب، فآثر أن يتحدث بعفويةٍ صادقة.

اقترب قليلًا من الميكروفون وقال بهدوء:

ـ في الحقيقة، أنا مش متعود أتكلم في المناسبات اللي زي دي، علشان كده حابب أتكلم معاكم من القلب..

ارتسمت على ثغره ابتسامةٌ خفيفة، ثم بدأ حديثه بنبرةٍ هادئة نفذت مباشرةً إلى قلوب الحاضرين، قائلاً :

— المزرعة دي بالنسبة لي مش مجرد مشروع تجاري وخلاص.. ده حلم كبير وراهنت عليه، يمكن في ناس تانية تختار مشاريع بتكسب أسرع، بس أنا اخترت الحاجة اللي تشبهني وتعبّر عني.

توقف لبرهة، وشرد ببصره نحو الإسطبلات القريبة حيث تعلو رؤوس الخيل بشموخ، ثم تابع بصدق:

— أنا بشوف إن الخيل مش مجرد تجارة.. الخيل دي أرواح زينا بالظبط، بتحس باللي بيحبها وبتفهم اللي بيقدرها. التاجر ممكن يشوف فيها (رأس مال) بيزيد وينقص، لكن أنا بشوف فيها صاحب وفي بيشاركك تعبك وفرحك.

ثم وجّه نظره إلى الحضور مباشرةً، والتمعت عيناه بتحدٍّ نبيل:

— أنا يمكن ماليش في الكلام والخطب، بس ليا في الشغل.. واللي وثق فينا النهاردة، أوعده إنه هيشوف ثمرة المجهود ده قريب جداً بإذن الله.

أخذ "حسن" نفساً عميقاً، ونبرة صوته ازدادت ليونة وهو يوجه نظره نحو الأشخاص الذين شاركوه الرحلة، وقال:

— وقبل ما أنزل من هنا، لازم أشكر كل إيد تعبت معايا عشان المكان ده يقف على رجله. شكر كبير لفريق التدريب والرجالة اللي سهرت في الإسطبلات، والدكاترة اللي كانوا بيقوموا بشغلهم على أكمل وجه.. الناس دي هما العصب الحقيقي للمكان، ومن غير إخلاصهم ماكناش وصلنا للنتيجة دي.

ثم تحولت نظراته نحو عائلته، فارتسمت غصة حنين وفخر في صوته:

— أما أهلي.. فدول السند اللي بجد.. شكر كبير لسالم باشا، وشكراً لإخواتي اللي كانوا في ضهري في كل لحظة.. أنتوا المكسب الحقيقي اللي بتباهى بيه قدام الدنيا كلها.

خيم الصمت لثانيةٍ واحدة، قبل أن يختم حديثه بابتسامةٍ صادقة لمست شغاف القلوب:

— شكرا لحضراتكم.. نورتونا وشرفتونا.. ومزرعة مرسال دي مشروعكم قبل ما يكون مشروعي.

تعالت التصفيقات في أرجاء المكان، ممتدةً بدفءٍ صادق لا مجاملة فيه. كان التصفيق طويلًا بما يكفي ليُشعر حسن أن كلماته وصلت كما أرادها. وقف فريد وعمر إلى جوار بعضهما، يصفقان بفخرٍ واضح، وكذلك نسيم، وقد ارتسم على وجوههم جميعًا ذلك الاعتزاز الصريح الذي لا يحتاج إلى كلمات.



في تلك اللحظة، وبينما كان حسن يهبط درجات المنصّة، ما زالت أصداء التصفيق تحيط به، فوجئ بوجود جيلان أمامه مباشرة. كانت تقف بين الحضور، تصفّق له، وعلى وجهها ابتسامةٌ مختلفة… ابتسامة تحمل فخرًا خالصًا واعتزازًا لا تخطئه العين.

توقّف لثانيةٍ قصيرة. لم يكن معتادًا أن يرى تلك النظرة في عينيها؛ نظرة إعجابٍ صريح لا تحاول إخفاء نفسها. شعر بسعادةٍ هادئة تتسلل إلى داخله..

تقدّم نحوها بخطواتٍ واثقة، ومدّ يده ليصافحها، وقال بابتسامةٍ صادقة لم يحاول هذه المرة أن يخفيها:

ـ ما تتخيّليش فرحت قد إيه إنك جيتي.

نظرت إليه بابتسامةٍ هادئة، وفي عينيها دفءٌ واضح، ثم قالت:

ـ ما كانش ينفع أسيبك لوحدك في يوم زي ده.

اتّسعت ابتسامته أكثر، وأخذ يتأمل هيئتها الهادئة؛ فستانها البسيط الأنيق، الذي جاء على غير عادتها محتشمًا لا يكشف منها شيئًا، فهزّ رأسه برضا وقال بنبرة إعجابٍ صريحة:

ـ إيه الحلاوة دي؟

رفعت حاجبها بخفةٍ وأجابته بمراوغةٍ لطيفة:

ـ بلاش تاخد على كده.

ضحك بخفوت، ثم مدّ يده إليها قائلًا:

ـ تعالي أفرّجك على المزرعة… وأعرّفك على جيجي.

قطّبت جبينها في دهشةٍ متسائلة:

ـ جيجي مين؟

التفت بعينيه نحو فرسٍ تقف غير بعيد، بيضاء كقطعة سحاب، ذات عينين زرقاوين لافتتين، وأشار إليها بإيماءةٍ تحمل معنى خفيًا، وقال بنبرةٍ مشوبة بمراوغةٍ خفيفة:

ـ جيجي… الفرسة.

أخفضت عينيها نحو يده الممدودة إليها لحظةً قصيرة، ثم رفعت نظرها إليه من جديد، ومدّت كفّها بثقةٍ واضحة، فاستقرّت يدها في يده دون تردّد. تحرّكا معًا بخطواتٍ هادئة بين الممرات الممهدة، يتقدّمهما نسيمٌ خفيف، في مشهدٍ بدا بسيطًا… لكنه مكتمل الأركان.

ـــــــــــــ

على بُعد خطواتٍ قليلة، كان فريد يقف يراقب المشهد بانتباهٍ صامت، وابتسامةٌ واسعة تستقر على شفتيه؛

ثم التفت إلى نغم، التي كانت منشغلة بالتقاط الصور لنفسها برفقة الخيول، تنتقل من زاويةٍ إلى أخرى بحماسٍ واضح. تنهد بخفةٍ واقترب منها، ثم أخذ الهاتف من يدها برفق وتولى المهمة بدلا عنها .

تراجعت خطوةً وهي تضحك، وبدأت تتحرك بحريةٍ أكبر بين الخيول، تلمس أعناقها برفق، وتقف إلى جوارها بثقة، بينما كان فريد يتابعها بعدسته، يوثّق اللحظات واحدةً تلو الأخرى .

في تلك الأثناء، لمح عمر كريم يدخل إلى ساحة المزرعة، يتلفّت بعينيه.

اشتدّ وجه عمر على الفور، فتقدّم نحو فريد وقال بغيظٍ واضح:

ـ إيه اللي جاب الزفت ده هنا؟

تتبّع فريد اتجاه نظره، ثم قال بهدوءٍ محذّرا :

ـ عيب يا عمر… اتكلم بأسلوب كويس عن الناس.



ردّ عمر بحدّةٍ مكبوتة:

ـ لا، مش عيب يا فريد. إنت اللي عزمته… مش كده؟

أجابه فريد بثبات:

ـ أيوه أنا اللي عزمته. ده مدير أعمال حسن كمان

. ومن الطبيعي يكون موجود في افتتاح زي ده.

التفت إليه عمر بنظرةٍ مشتعلة وقال بغضبٍ صريح:

ـ لا، مش طبيعي. وبصراحة أنا مش فاهم إنت ليه بتحاول تقحمه في حياتنا بالشكل ده.. في كل مناسبة بلاقيه في وشي، ده أنا ناقص أقوم من النوم ألاقيه نايم جنبي على السرير!

ثم زفر باستياء وعاد يتسائل:

ـ  وبعدين إنت مش شايف نظرته لميرال يوم فرحك كانت عاملة ازاي؟ ولا عامل نفسك مش واخد بالك؟"

زفر فريد بضيقٍ بدا عليه، وقال بنبرةٍ يغلبها الملل:

ـ هو إحنا مش خلصنا من موضوع ميرال ده؟

أجابه عمر بتحدٍّ واضح، وعيناه لا تحيدان عنه:

ـ لا يا فريد… ما خلصناش، ومش هنخلص. قول بقى إنك إنت اللي اقترحت على السيد الوالد موضوع جوازي من لاتويا… علشان تخلّيني أشيل ميرال من دماغي."

نظر إليه فريد وقد نفد صبره أخيرًا، وبدت الحِدّة واضحة في صوته وهو يقول:

ـ هقولها لك للمرة الأخيرة يا عمر… أنا لا اقترحت على أبوك جوازك من لاتويا، ولا ليّ أي علاقة بالموضوع. عايز تقتنع براحتك… مش عايز، اخبط دماغك في أَتخن حيط.

لم ينتظر ردًا، بل استدار في ضيقٍ ممسكًا بيد نغم بشيءٍ من الحدة، متجاوزًا عمر الذي ظل واقفًا مكانه يغلي غيظًا، يكاد الشرر يتطاير من عينيه.

وفي الجهة الأخرى، اتجه فريد نحو كريم ليستقبله بلباقةٍ رسمية، بينما بقي عمر لحظةً جامدًا في موضعه، يحاول ابتلاع غضبه.

وحين التفت بعينيه سريعاً نحو والده، شعر بضيقِ صدره يستعرُ اشتعالاً؛ فقد أبصر "سالم" وهو يحمل الصغير بين ذراعيه، يغدُق عليه بفيضٍ من الابتسامات ويداعبه في حنانٍ بليغ، بينما كان الطفل يبادله الضحكات في انسجامٍ تام، وكأنَّ أواصر الألفة قد عُقدت بينهما منذ أمد.

وعلى مسافةٍ قريبة، كانت "لاتويا" منشغلةً بعالمها الخاص، حيث تفرغت لتوثيق كل شاردة وواردة في المزرعة؛ فكانت تنتقل بعدستها بين الأركان، تقتنصُ صوراً متتابعة للخيول واحداً تلو الآخر

كان المشهد عاديًا في ظاهره… لكنه بالنسبة لعمر كان كافيًا ليضاعف شعوره بالاختناق، كأن الجميع يتحركون في مساراتٍ مستقرة، إلا هو.

ــــــــ

اعتزل "حسن" و"جيلان" صخب الجمع قليلاً، وانتحيا جانباً حيث اصطفت الإسطبلاتُ في نظامٍ بديع ينمُّ عن دقةٍ فائقة. كان يخطو إلى جوارها بوئيدِ خطواته، لكنَّ شيئاً ما في كينونته قد تبدّل؛ فالحصانةُ التي يفرضها على نفسه تلاشت، وحلَّ محلَّ الغموضِ حضورٌ طاغٍ وثقةٌ تتنفسُ من أرجاء المكان، وكأنما استعاد رداءه الحقيقي بمجرد أن وطئت قدماه عتبات مملكته.


توقف أمام الرتاج الأول، وأشار بيده إلى حصانٍ أدهم، جسده يلمعُ كأنه قُدَّ من أبنوس، وقوائمهُ توحي بقوةٍ جبّارة، وقال بهدوء:

— ده (برق).. فحل عربي أصيل، عنده خمس سنين. السلالة دي بالذات معروفة بالتحمل والذكاء، وبتبقى حساسة جداً لصوت صاحبها..

انتقلا إلى الرتاج المجاور، حيث كانت تقف فرسٌ كُميتية اللون (بنية ضاربة للحمرة)، ينسدل عُرفها الكثيف على رقبتها كشلالٍ من الحرير الداكن. توقف "حسن" أمامها، ونظر إليها بنظرةٍ تجمع بين التقدير والحذر، ثم قال لـ جيلان :

— "دي بقى (كهرمانة).. وشكلها الهادي ده وراه شخصية تانية خالص. سريعة لدرجة تخطف العين، بس مزاجها صعب شوية.. اللي يدربها لازم يكون باله طويل وصبره مالوش حدود، لأنها ذكية وبتحب تختبر اللي قدامها الأول."

مال بجسده قليلاً ليراقب رد فعل الفرس، وأردف بنبرةٍ خفيضة وكأنه يكشف سراً من أسرار المهنة:

— لو حست بس لحظة إنك مهزوزة أو متوترة.. هتغلبك.. لأنها مابتسلمش لجامها غير للي واثق في نفسه بجد، وعارف إمتى يشد وإمتى يرخي.

استأنفا المسير حتى توقفا أمام الفرس البيضاء ذات العينين الزرقاوين التي لفتت الأنظار بجمالها الآخاذ؛ كانت تقف في ركنها بهدوءٍ ملائكي، وكأن بياضها قُطعة من غيم. خفتت نبرة "حسن" قليلاً، واكتست بخصوصيةٍ واضحة وهو يقول:

— ودي (جيجي)..

نظرت إليه بانتباه شديد، وأرهفت السمع، فإذا به يقول:

ـ جيجي بقى حالة خاصة جداً.. اللي يشوف هدوءها ده من بعيد يفتكرها مسالمة وسهلة، بس الحقيقة إنها من أصعب الخيول اللي ممكن حد يروّضها.

صمت لثانية، ثم التفت نحو "جيلان" بنظرةٍ عميقة حملت الكثير من المعاني المبطنة، وأكمل بهدوئه المعهود:

— متمردة، وعنادها ده هو اللي محليها، لو حاولت تكسرها هتقف ضدك وهتخسرها، لكن لو فهمت دماغها وعرفتها على أصولها.. هتلاقي فيها أرق وأجدع روح ممكن تقابلها في حياتك.

شعرت جيلان بثقل نظرته أكثر من وقع كلماته، وفهمت المعنى المختبئ بين السطور، لكنها لم تعلّق. فقط ابتسمت ابتسامة خفيفة، فيها شيء من الاعتراف الصامت.

استخرج "حسن" من الحاوية الصغيرة المعلّقة بجانب الإسطبل قبضةً من مكعبات التفاح، وبحركةٍ رقيقة ناول "جيلان" قطعةً منها. نظرت هي إلى الفاكهة في كفّها، ثم جالت ببصرها نحو الفرس التي اقتربت بوئيدِ خُطاها، فلفحت بشرتَها أنفاسُها الدافئة. انتابها ترددٌ مباغت، فسحبت يدها نصف خطوةٍ إلى الوراء، كأنها تخشى ذلك القرب المفاجئ.

ابتسم "حسن" في هدوءٍ آسر، واقترب منها حتى غدا خلفها مباشرةً، يحيط عالمها بجسده الذي صار بمحاذاة جسدها. مدّ يده برفقٍ محكماً قبضته حول كفّها، وبدأ يفتح أصابعها برويةٍ لتستقيم، هامساً بنبرةٍ رخيمة كادت تلامس أذنيها:

— ما تخافيش.. بصّي لها في عينها. وهي هتحس إنك مش خايفة.



كان صوته منخفضاً ودافئاً، ولفحُ أنفاسه يداعبُ خصلات شعرها، مما أضفى على اللحظة توتراً لذيذاً. تداخلت يده مع يدها، فمنحتها يده الثابتة طمأنينةً لم تكن تحتاجها لتواجه الفرس، بل لتواجه بها ارتباك مشاعرها هي.

رفعت عينيها نحوه لبرهة، فوجدت نظراته مُسلطةً عليها هي، لا على الحصان؛ كانت نظرةً هادئة، عميقة، تضجُّ بإعجابٍ صامت .

تسارعت دقات قلبها وتاهت أنفاسها قليلاً، قبل أن تستجمع شتات نفسها وتمدّ يدها المفتوحة نحو "جيجي".

اقتربت الفرس ببطءٍ مهيب، ولمست راحة يدها بشفتيها المخمليتين، ثم التقطت التفاح برفقٍ مدهش، وكأنها هي الأخرى قد استسلمت لسكينة هذه اللحظة.

انطلقت من ثغر "جيلان" ضحكةٌ خفيفة صافية، بدّدت ما تبقى من توترها في لحظات. أما "حسن"، فلم تكن الفرسُ هي ما يشغل بصره في تلك الثانية، بل كانت "جيلان"؛ وكأنه تيقّن للتوّ أن تلك الروح المتمردة يمكنها أن تضع ثقتها الكاملة، إذا ما وجدت فحسب من يحسن القبض على يدها بالطريقة الصحيحة.

اقشعرّ جسدها حين لامست شفتا الفرس كفّها برقةٍ مباغتة، فارتفع كتفاها لاإرادياً وحاولت التراجع، غير أن "حسن" ظل متمسكاً بيدها، يثبتها بيقينٍ هادئ وهو يطالعها بنظرةٍ اخترقت سكونها، ثم همس بصوتٍ خفيض هزّ كيانها:

— على فكرة.. وحشتيني.

نظرت إليه بابتسامةٍ هي أعذب ما يكون، وقالت بمرحٍ خجول:

— بجد؟ لحقت أوحشك من امبارح للنهاردة؟

أومأ مؤكداً، ثم تابع بنبرةٍ مشاكسة لا تخلو من صدق:

— أعمل إيه في قلبي اللي واقع في حبك من الدور العاشر ده

تورّدت وجنتاها بحمرةٍ لم تعهدها، فكلماته البسيطة وغزله الفطري كانا ينسلان إلى أعماقها، ويوقظان شعوراً دافئاً ظل ساكناً في صدرها طويلاً. شعرت برعشةٍ خفيفة تسري في كيانها كلما ناداها، وكلما أبصرت في عينيه تلك النظرة التي لا تخطئها أنثى؛ نظرة الرغبة والتقدير معاً.

تنهدت في صمتٍ مريح، ولم تجب، بل مدت يدها إلى حقيبتها وأخرجت علبةً مخملية صغيرة، وقدمتها له وهي تقول برقة:

— اتفضل يا حسن.. هدية الافتتاح.

— هدية؟! ليا أنا؟

أومأت بابتسامةٍ لطيفة، فهزّ العلبة برفقٍ بين كفّيه وضحك بعفويةٍ صادقة:

— والله مش عارف أوصف لك فرحتيني إزاي !

ازدادت ابتسامتها إشراقًا وهي تراقب ملامحه بترقّب، تنتظر ردّة فعله حين فتح العلبة. وما إن أزاح الغطاء حتى ظهر سوارٌ فضّيٌّ أصيل، يتوسّطه نقشٌ بسيط، وفي منتصفه رسمُ عقربٍ أنيق يناسب شخصيّته.

قطّب جبينه لحظة دهشة، ثم رفع بصره إليها مبتسمًا، وقد لمعت عيناه بفرحٍ طفولي:

— عقرب؟!

أومأت بضحكةٍ هادئة، ثم قالت وهي تقلّد عبارته السابقة:

— بس مش سام على فكرة.

انطلقت ضحكته، وانفرجت أساريره تمامًا وهو ينظر إليها بعينين تبرقان حماسًا:

— حلو أوي يا جيجي… دي أول مرة حد يجيبلي هديه في حياتي 




أعاد النظر إلى الهدية مرةً أخرى، ثم أخرج السوار من علبته المخملية ووضعه حول معصمه بعناية، قبل أن يرفعه قليلًا يتأمله بعينين تلمعان بالفخر والسرور.

— إيه رأيك؟… آخر جمدان مش كده؟

أومأت مؤكِّدة، وابتسامة رضا هادئة ترتسم على شفتيها.

— حلوة جدًا…

بادلها الإيماءة، ثم ثبت نظره في عينيها بنظرة إعجابٍ صريح لا يحاول إخفاءه.

— أي حاجة تيجي منك لازم تكون حلوة…

ساد بينهما صمت قصير مشبع بالدفء، قطعه هو حين عقد حاجبيه قليلًا في فضولٍ جاد.

— بس عملتيها إزاي دي؟!

رفعت يدها تعدّل خصلات شعرها في حركةٍ عفوية وهي تجيبه بهدوء:

— الحقيقة مكنتش عارفة أجيب لك إيه… وفضلت أفكر وقت طويل. لحد ما قررت أطلب من حد أعرفه إنه يصمم لي الديزاين ده مخصوص… علشان يعجبك يعني.

ظل ينظر إليها لحظةً أطول، وقد غمر الامتنان ملامحه وأضفى على عينيه بريقًا صافيًا، ثم قال بصوتٍ انخفضت حدّته وصار أكثر صدقًا:

— كل ده علشاني؟!

أومأت برأسها تأكيدًا، وهي تغوص بنظرها في عينيه بثباتٍ صادق، ثم قالت بنبرةٍ دافئة تحمل قدرًا كبيرًا من التقدير:

— دي حاجة بسيطة… أقل بكتير جدًا من اللي تستحقه يا حسن.

تلاقت أعينهما طويلًا في صمتٍ مشحونٍ بمشاعر لا تحتاج إلى تفسير، وكأن العالم من حولهما تلاشى للحظة، ولم يبقَ سوى ذلك الخيط الخفي الذي يشدّ كليهما إلى الآخر.

غير أن ذلك السكون لم يدم؛ إذ جذب انتباههما صوتُ شدٍّ وجذبٍ على مقربة منهما. تبادلا نظرةً سريعة، ثم تحرّكا معًا في اتجاه مصدر الصوت.

كان والده يقف على بُعد خطوات، يتحدث إلى نسيم، لكن ملامحه المتجهمة ونبرة صوته المرتفعة أوحت بأن الحوار بينهما قد اتخذ منحًى أكثر حدّة وصرامة.

كان يهدر بانفعالٍ واضح، وقد اشتدّ صوته وهو يقول:

— يعني إيه ملوش داعي الكلام؟! في كلام مهم لازم تسمعيه… بمزاجك أو غصب عنك.

تدخّل فريد محاولاً احتواء الموقف بهدوئه المعهود، ووجّه حديثه إلى "نسيم" بنبرةٍ ناصحة:

— اسمعي الكلام وتعالي معانا على البيت شوفي عاوزك في إيه يا نسيم.. طالما قالك إنه موضوع مهم يبقى أكيد فيه حاجة تستاهل.

لكنّ نسيم لم تلِن، بل أظهرت عنادها المعتاد، ورفعت رأسها بحدة وهي تجيبه باعتراض:

— أكيد هيقلب في الماضي، وأنا خلاص مش عايزة أتكلم في اللي فات يا فريد..

عندئذٍ، نفد صبر والدها، فالتفت إليها وعيناه تشتعلان بغضبٍ صامت، ونطق بكلماتٍ حاسمة لم تقبل القسمة على اثنين:

— قلت الموضوع مهم.. ومينفعش يتقال حرف واحد فيه قدام الناس هنا..

ثم أشاح بنظره عنها ليرشق به عاصم، الذي كان يقف على بُعد خطواتٍ يراقب المشهد بوجلٍ واضح؛ حيث كان قلبه يخفق باضطراب، وكأن حدسه يهمس في أذنه بأن هذه العاصفة المفاجئة لا تحمل خلفها إلا خبراً سيقلب الموازين.


ساد صمتٌ مفاجئ في المكان، وكأنَّ الهواء ثقل فجأة فوق الرؤوس؛ فالحفل الذي كان يضجُّ بالمباركات والتهاني، أصبح الآن مسرحاً لتوترٍ عائليٍّ يغلي تحت السطح. رمقت نسيم والدها بنظرةٍ جامدة، ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها في حركةٍ تنضحُ بالعناد، وقالت بلهجةٍ متحدية:

ـ لو في حاجة مهمة بجد، يبقى تتقال هنا.. قدام الكل .

انتفض فريد من مكانه، وكان أول المعترضين على هذا الجنون، حيث اقترب منها وهو يقول باستنكارٍ لم يستطع كبته:

ـ هنا إزاي يا نسيم؟ إنتِ مش شايفه الناس حوالينا؟

لم يرتجف لنسيم جفن، وظلت متمسكة بموقفها وكأنها تستحثُّ العاصفة على الهبوب، مما جعل فريد يفقد هدوءه المعتاد ويهتف بها في غضبٍ مكتوم:

ـ ما تسمعي الكلام بقى وبطلي عِند! إحنا مش ناقصين فضايح قدام الناس.

في تلك اللحظة، تنهّد سالم تنهيدةً عميقةً كأنما يخرج معها بقايا صبره الأخير. نظر إلى ابنته ببرودٍ أرعب الحاضرين، ثم قال بنبرةٍ حاسمة قطعت طريق العودة على الجميع:

ـ خلاص.. طالما مصممة إنتِ حرة، ويستحسن فعلاً إن الكل يسمع.. عشان كلكم تعرفوا الحقيقة .

التفتت الأنظارُ جميعاً نحوه، بينما كان عاصم يشعرُ بأنَّ الأرض تميدُ من تحت قدميه؛ فالحقيقة التي لوّح بها سالم، بدت وكأنها نصلٌ حادٌّ يوشك أن يمزق ستار العائلة أمام الملأ.

ساد وجومٌ ثقيل، وتوقفت الأنفاس في الصدور؛ فللمرة الأولى في حياته، كان "سالم" عاجزاً عن ترتيب كلماته، يصارع حيرةً لم يعهدها وخوفاً ينهش روحه. كان يدرك جيداً أن ما يوشك على قذفه في وجهها سيجرح كرامتها ويطعن قلبها في مقتل، لكنَّ الحقيقة المرّة كانت بالنسبة له أهون من العيش في خداعٍ مُنمق.

كان يرى في هذا الألم "قُبلة حياة" سينقذ بها ابنته مهما كان الثمن، ومهما بلغت مرارة الحقيقة .

في تلك اللحظات الحرجة، كان "فريد" و"عمر" يتحركان بذكاءٍ وسرعة بين الضيوف، يختلقان أي فعاليات في مخاولة منهما لإلهاء الحضور.وفي لمح البصر، فُتحت البوابات الجانبية وانطلقت مجموعة من الخيول الأصيلة في الساحة الترابية، تثير الغبار والذهول بحركاتها الرشيقة وصهيلها الذي ملأ المكان.

ركض المدربون خلفها بحرفية، وبدأ العرض الذي خطف أبصار الحضور وقلوبهم، وانتقل الجميع بتلقائية نحو الأسوار لمتابعة المشهد المهيب، تاركين خلفهم تلك البقعة المعزولة التي يقف فيها "سالم" و"نسيم" و"عاصم" تحت وطأة الحقيقة.

نقل سالم نظره إلى عاصم في نظرةٍ مقتضبة، استعاد فيها شريط ذكرياته المؤلمة في المشفى؛ تذكر وجه عاصم البارد، وكيف كانت عيناه تتشفيان في ضعفه وهو طريح الفراش. انقبض قلبه بخوفٍ قديم سرعان ما استحال إلى قوةٍ كاسحة، ثم هتف وهو يغرس نظراته في عيني "عاصم" بثباتٍ مرعب:

— طلقها!


اتسعت الأعينُ واشرأبت الأعناق، وعلت في الأفق صيحات استنكارٍ مكتومة، بينما تجمدت "نسيم" في مكانها كمن أصابتها صاعقة. وقفت إلى جوار "عاصم"، تنظر بذهولٍ تارةً إليه وتارةً إلى والدها، وصرخت بصوتٍ مهزوز يملؤه الإنكار:

— إيه؟! إيه اللي أنت بتقوله ده ؟

لم يمنحها والدها جواباً، ولم يحِد ببصره عن "عاصم" قيد أنملة. فالتفتت "نسيم" إلى زوجها، كانت تنتظر منه ثورةً، أو حتى سؤالاً يستنكر به هذا الطلب الغريب.. ولكنها عوضاً عن ذلك، رأت في عينيه نظرةً خائفةً مرتعدة، نظرة انكسارٍ وفضيحة أخبرتها في لحظةٍ واحدة أنه ليس مظلوماً، بل غارقاً في ذنبٍ لا يعرفه أحدٌ سواهما.

ساد ذهولٌ شلَّ الأطراف، وكأنَّ الكلمات التي نطق بها "سالم" كانت صواعقُ نزلت من السماء لتمزق سكون المزرعة.

ـ طلقها!ز

كررها "سالم" بنبرةٍ أكثر حدة، مصوباً بصره نحو "عاصم" الذي ابتلع ريقه بصعوبة، وقد غلفت وجهه غلالةٌ من الوجوم المُميت؛ فقد أدرك في تلك اللحظة أنَّ أقنعته قد سقطت، وأنَّ سره الذي ظنه دُفن طويلا قد خرج للنور.

انفجرت "نسيم" بالبكاء، والدموع تحرق وجنتيها وهي تصرخ في وجه زوجها:

— أنت ساكت ليه؟! اتكلم! رد عليه! بيقوللك تطلقني !

لكنَّ عاصم ظل متمسكاً بسكوته المرعب، صمتٌ لم يكن وقاراً بل كان اعترافاً صريحاً بالخزي. لم تحتمل "نسيم" هذا الصمت، فاندفعت نحوه تهزه بقوةٍ وكأنها تحاول إيقاظه من كابوس:

— عاصم اتكلم.. ساكت ليه؟

في تلك اللحظة، رشق "سالم" صهره بنظرةٍ مُحتقرة، وقال بصوتٍ يقطرُ مرارة:

— لأنه مش لاقي حاجة يقولها.. هيقولك إيه؟! هيقولك أنا حاولت أقتل أبوكي بالبطيء؟ هيقولك إنه اتفق مع الممرضة تبدل لي دواء الضغط بدواء تاني يتسبب لي في زهايمر وخرف عشان يخلص مني ؟

دوت صرخات الاستنكار في المحيط الضيق، وسرى الهمسُ كالنار في الهشيم بين الحضور، متسائلين في ذهولٍ عن مدى بشاعة هذا المخطط.

أما "حسن"، فلم يستطع كبح جماح غضبه؛ فاندفع كالإعصار نحو "عاصم"، وقبض على تلابيبه بقوةٍ كادت تقتلع أنفاسه وهو يهدر فيه:

— أنت عملت كده فعلاً؟! انطق..

ورغم هجوم "حسن" الكاسح، لم ينطق "عاصم" بحرف، بل ظل شاخصاً ببصره في فراغِ فضيحته. وهنا، وبشكلٍ مفاجئ، اندفعت "نسيم" لتقف حائلاً بين شقيقها وزوجها، تدفع "حسن" بعيداً بيديها المرتجفتين، ليس دفاعاً عن "عاصم" بل رغبةً في سماع الحقيقة منه هو.

التفتت إليه، وغرست نظراتها المنكسرة في عينيه الهاربتين، وقالت بصوتٍ مخنوق بالرجاء:

— اتكلم يا عاصم.. ساكت ليه؟

أخذت ترجوه بعينيها، تتوسل إليه أن ينفي، أن يفعل أي شيء يرمم صورته المحطمة أمام عائلتها، لكنه ظل صامتاً..

ساد صمتٌ واجم لم يكسره سوى صرخة "نسيم" التي خرجت من أعماقِ روحها الجريحة، وهي تندفع نحوه بانهيارٍ تام، تطلب منه كلمةً واحدة تنفي هذا الكابوس:

— عاصم اتكلم لو سمحت.. انطق!



شخصت أبصار الجميع نحو "عاصم"، الذي رفع رأسه ببطء، ونظر إليها نظرةً مطولة خلت من أي تعبير، ثم قال بهدوءٍ غريب ينافي الضجيج المستعر في صدره:

— صح.. ده حصل فعلاً.

اتسعت عيناها وصُبغت ملامحها بلون الشحوب، وأخذت تهز رأسها يميناً ويساراً برفضٍ قاطع، وهي تتمتم بكلماتٍ غير مترابطة من أثر الصدمة:

— لأ.. مش ممكن.. أنت مش ممكن تكون عملت حاجة زي كده أبداً.. أنت مش كده!

ابتلع "عاصم" غصةً في حلقه، ونظر إليها بجمودٍ كأنه يلقي بآخر أوراقه في وجه الجميع:

— "ليه؟! ما أنتِ عارفة من البداية إني اتجوزتك وأنا مقرر إني هنتقم منه، وكنت مكمل في انتقامي لحد ما عرفت إنك حامل.. وقتها بس قررت أتراجع ووقفت كل حاجة.

في تلك اللحظة، تبادلت العيون نظرات الدهشة الممزوجة بالرعب، وتعالت همهمات خافتة بدأت تتحول إلى ضجيجٍ تساؤليّ؛ لم يفهم أحدٌ ما الذي يقصده بكلمة "انتقام"، لكن حدّة نبرته والسمّ الكامن في كلماته كانا كافيين ليدفعا الجميع إلى الاقتراب أكثر.

بدأ الحضور يتجمعون في دائرةٍ غير مكتملة حولهم، تتداخل فيها نظرات الاستغراب مع ترقبٍ ثقيل، وكأنهم يشهدون انهيار أسطورة عائلةٍ طالما تظاهرت بالتماسك.

أما "نادية"، فكانت تقف على أطراف تلك الدائرة، تشعر وكأن الأرض تميدُ بها، وجسدها ينصهر ويختفي بالبطيء تحت وطأة الرعب. كانت أنفاسها تتلاحق وهي تراقب "سالم"، تخشى أن يحين دورها في تلك المحاكمة العلنية، وأن يلتفت إليها ليقذف في وجهها سرها .

تنهد سالم تنهيدةً مثقلة بالمرارة، وصوته يخرج بنبرةٍ قميئة تعكس مدى الاشمئزاز الذي يشعر به، وهو يوجه حديثه نحو عاصم:

— جيت لي المستشفى.. وقلت لي إنك السبب في اللي أنا فيه، وعينيك كانت كلها تشفي وغل.. كنت مستمتع بعجزي.

أومأ عاصم برأسه في ثباتٍ جليديّ أدهش كل من حوله، وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة طويلاً، وقال:

— وكنت في منتهى السعادة وأنا شايفك بتدفع تمن اللي عملته في أخويا.. التمن اللي كان لازم تدفعه من زمان.

ثم ساد صمتٌ قصير قبل أن يسأله بنبرة تقطر سماً:

— حازم.. فاكر حازم يا سالم باشا؟! ولا الذاكرة خانتك ؟

أغمضت نسيم عينيها بقوة، وشعرت وكأن الأرض تدور بها في إعصارٍ لا يرحم، تمنت لو تنشق الأرض وتبتلعها قبل أن تسمع المزيد. نظرت إلى عاصم بعينين دامعتين، ترجوه بصمتٍ أن يتوقف، أن يصمت، أن يحفظ ما تبقى من أشلاء قلبها.. لكنه لم يبالِ، بل ظل يسترسل وقهر السنين ينفجر من كلماته:

— كنت فاكر إني هكتفي بالشركتين اللي خدتهم منك؟ ولا بالفضيحة اللي عملتها لابنك؟ ولا حتى موتك كان هيكفيني يا سالم يا مرسال!

سقطت الكلمات كالصاعقة على رؤوس الجميع؛ فجأة، تجمدت الدماء في عروق حسن وفريد وعمر. لم يكن "عاصم" مجرد زوجٍ خائن أو صهرٍ طامع، بل كان المهندس الخفي خلف كل نكباتهم. أدركوا في تلك اللحظة المؤلمة أن "الفضيحة" التي كادت تكسر ظهر العائلة لم تكن محض صدفة أو سقطة عابرة، بل كانت خنجراً مسموماً غرسه هذا الرجل في ظهورهم بدمٍ بارد وتخطيطٍ شيطاني.




كانت نظرات عاصم في تلك اللحظة لا ترى سوى سالم، وكأن الحفل والحضور ونسيم نفسها قد تلاشوا، ولم يبقَ في العالم سوى ثأر قديم أكل الأخضر واليابس.

في تلك اللحظة همَّ حسن أن يندفع نحوه، وقد احتقن وجهه بالغضب، وكادت الشتائم تنفلت من بين شفتيه بلا حساب، غير أنّ فريد سبقَه بخطوةٍ حاسمة، فوقف حاجزًا أمامه ليمنعه. لم يكن فريد أقلَّ اضطرابًا، لكنّه كان أقدر على كبح اندفاعه، فالتفت إلى عاصم وقال بصوتٍ صارم:

ـ امشي من هنا حالًا.

أما عاصم، فكان واقفًا في مكانه كأن قدميه قد غُرستا في الأرض. شعر في تلك اللحظة وكأن الزمن تحوّل إلى حفنة رملٍ بين قبضته؛ يحاول أن يشدّ عليها بقوة، لكن الحبيبات تتسرّب رغمًا عنه من بين أصابعه، وهو عاجزٌ عن إيقافها. كان يدرك أن شيئًا ما يفلت من سيطرته… وأن اللحظة التي طالما خشِيها توشك أن تقع.

استدار حسن إليه هاتفًا بجنونٍ ظاهر:

ـ يمشي فين؟ مش هيمشي قبل ما أخلص عليه !

وفي اللحظة ذاتها، وبينما العيون شاخصةٌ إليهما، اخترق السكون صوتُ سارينة سيارةِ الشرطة. توقّفت السيارة أمامهم، ونزل منها رجلٌ أنيق المظهر، تبدو على هيئته ملامح الوقار والانضباط. ألقى نظرةً سريعةً على الوجوه المتجمّعة، ثم سأل بنبرةٍ رسمية:

ـ فين حسن مرسال؟

اتجهت الأنظار جميعها نحو حسن. أما هو، فقد أدرك في تلك اللحظة أنّ ما أقدم عليه لم يكن ليعبر دون تبعات. كان يعلم في قرارة نفسه أنّ ما فعله في نائل لن يمرّ مرور الكرام.

تقدّم بخطواتٍ ثابتة، وقد استعاد شيئًا من هدوئه، وقال بصوت رجلٍ لا يتهيب المواجهة:

ـ أنا حسن مرسال.

أشار الضابط إلى حسن بيده في إيماءةٍ حازمة، ثم قال بلهجةٍ لا تحتمل جدالًا:

ـ اتفضل معانا.

عندئذٍ اندفع فريد خطوةً إلى الأمام، وقد بان القلق في صوته وهو يقول:

ـ يتفضل معاكم فين يا حضرة الضابط؟ ممكن نفهم إيه اللي حصل بالظبط ؟!

غير أنّ حسن كان هو من تولّى الإجابة، فالتفت إلى فريد وقال بنبرةٍ حاول أن يجعلها مطمئنة:

ـ متقلقش يا فريد .. الموضوع بسيط.

لكن سالم لم يستطع أن يشاركهما هذا الاطمئنان المزعوم؛ فقد امتلأت عيناه بذعرٍ واضح، وسأل باضطراب:

ـ بسيط  ازاي؟ إيه الحكاية يا حضرة الضابط؟

أجابه الضابط بثباتٍ مهني، وهو يشير إلى حسن:

ـ ابنكم تعدى بالضرب على نائل الأسيوطي، نجل سيادة اللواء حمدان الأَسيوطي، واتسبّب له في عاهة مستديمة.

أغمض فريد عينيه في أسىً بالغ، ثم ضرب جبينه بكفّه في انفعالٍ ممزوجٍ بالغضب، والتفت إلى حسن هاتفًا بحزنٍ عميق:

ـ ليه يا حسن؟ ليه !

غير أنّ حسن في تلك اللحظة لم يكن يصغي إلى شيءٍ حوله. كان كلّ اهتمامه منصبًّا على تلك النظرة المرتسمة في عيني جيلان؛ نظرة خذلانٍ صريح، تجردت من كلّ بريقٍ إلا بريق الانكسار.



تعلّقت عيناه بعينيها لحظةً طويلة، كأنّه يبعث إليها باعتذارٍ صامت، اعتذارٍ لم تسعفه الكلمات لينطقه.


حاول الضابط اقتياده بجفاء، إلا أن "حسن" نفض يده عن قبضة القانون بعزةٍ مكلومة، وقال بنبرةٍ غلبت عليها رصانةُ استسلام :

— ايدك يا باشا ، أنا مش ههرب يعني.. أنا جاي معاكم بنفسي .

وفي تلك اللحظة الخاطفة، امتدّ بصرُه عبر المدى ليصطدم بمرأى شخصٍ لم يدر بخلده قط أن يراه في هذا الموضع؛ فتجمدت نظراته وتشبثت بذلك الطيف، وكأن العالم من حوله قد كفّ عن الدوران.

ارتحلت عينا "فريد" آلياً نحو النقطة التي شخَصت إليها حواس أخيه، وهناك.. اتسعت حدقتاه بذهولٍ لجم لسانَه، وشعورٍ بالرعب تسلل إلى عروقه؛ فقد أبصر فوهة مسدسٍ تطلُّ ببرود ، تترقب في خبثٍ تلك اللحظة الحاسمة لاقتناص هدفها المنشود.

وبغتةً.. انكسر حاجز الصمت؛ انطلق "فريد" كالريح نحو "نغم" القابعة على بعد خطوات، وقد انشق حنجرته بصرخةٍ لاهثة باسمها، فزعاً وذعراً جمد الدماء في أوصاله.

لكنَّه فجأة، توقف في مكانه؛ إذ انعتقت الرصاصة من عِقالها، وشقت عباب الهواء في دويٍّ مزق السكون، لتستقر في جسد ضحيتها بيقينٍ غادر.

تهاوى ذلك الجسدُ فوراً، مرتطماً بالأرض كبنيانٍ تقوضت أركانه، بينما بدأت الدماء القانية ترسمُ مسار الفجيعة فوق الثرى، تاركةً الجميع في ذهولٍ لا يقطعه سوى صدى الطلقة الغادرة.

༺═────────────────═༻

#يتبع

#إلى_اللقاء_مع_الجزء_الثالث


جاري كتابة الفصل الجديد  للروايه حصريا لقصر الروايات اترك تعليق ليصلك كل جديد أو عاود زيارتنا الليله

لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله الجزء الاول من هناااااااااا

الرواية كامله الجزء الثاني من هنااااااااا 

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات

التنقل السريع
    close