القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية الرجل ذو الياقة اللبنية الفصل التاسع عشر 19بقلم اسماعيل موسي حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات

 

رواية الرجل ذو الياقة اللبنية الفصل التاسع عشر 19بقلم اسماعيل موسي حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات





رواية الرجل ذو الياقة اللبنية الفصل التاسع عشر 19بقلم اسماعيل موسي حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات



#الرجل_ذو_الياقة_اللبنية


       18


لم تنتظر سادين تفسيرات ولا أعذارا، لم تصرخ ولم تودع ولم تبحث عن مخرج درامي يليق بالمشهد، كل ما فعلته انها خلعت الخاتم من يدها بهدوء مؤلم وتركته فوق الطاولة القريبة من المنصة ثم تحركت بخطى ثابتة عبر القاعة المزدحمة، كانت الاضواء ما تزال تلمع والموسيقى ترتفع والضحكات تتكاثر، لكن كل ذلك صار خلفها كشيء لا يخصها، خرجت دون ان يلاحظها احد فعلا، كأنها لم تكن العروس قبل دقائق، وكأن وجودها كله كان قابلا للمحو.

لم تكن تعرف الى اين تذهب، لم تخطط، لم تحمل معها سوى فستانها وهاتفها وبعض هواء الليل البارد، سارت في الشارع لفترة طويلة حتى انهكها التعب، ثم استقلت اول سيارة توقفت دون ان تسال عن الاتجاه، كل ما كانت تريده هو الابتعاد، ان تخرج من حياتها السابقة تماما كما تخرج روح من جسد لم يعد صالحا للسكن.

في اليوم نفسه تقريبا كان بدر قد عاد الى بيته في الحقول ومعه لورين وكيمو واكا، العودة لم تكن انتصارا ولا قرارا حاسما بل كانت مجرد استسلام هادئ لا يقاوم، نفذ بدر طلبات كيمو واكا بدقة شبه الية، خصص للورين غرفة بعيدة عن رواق اللوحات، حدد لها مهام واضحة، اوقات عمل لا تتقاطع كثيرا معه، وتعامل معها بتهذيب بارد يخلو من الفضول، لم يسالها عن سادين ولم تجرؤ هي على ذكر اسمها.

كيمو واكا بدا راضيا على نحو مستفز، كان يتجول في البيت كأنه اعاد ترتيب توازن خفي، ينام حيث يريد، يختار اماكنه العالية، ويراقب بدر بصمت يحمل شيئا من الشفقة الساخرة، اما لورين فكانت تؤدي عملها بهدوء، لا تحاول ملء الفراغ ولا استفزازه، كانت تعرف ان بعض البيوت لا تحتمل المحاولات الطيبة.

مرت الايام بطيئة، عاد بدر الى لوحاته لكن دون شغف سابق، يرسم ثم يتوقف، يحدق طويلا ثم يغطي اللوحة بقماش داكن، الوقت عنده لم يعد يقاس بالساعات او الايام بل بشيء اخر لا يسميه، شيء بدأ منذ خروج سادين ولم يتوقف بعد.

بعد شهر كامل جاء الاتصال الذي لم يتوقعه، كان صوت ام سادين مترددا مثقلا بالقلق، سالته ان كان يعلم شيئا عنها، ان كانت عنده او تواصلت معه، للحظة لم يفهم السؤال ثم ادرك فجأة حجم الغياب الذي لم يكن طرفا فيه، قال بهدوء صادق انه لم يرها منذ زمن وانها لم تعد تعمل لديه، ساد صمت ثقيل عبر الهاتف قبل ان تخبره الام بان سادين طلبت الطلاق رسميا بعد الزفاف مباشرة ثم اختفت كليا دون اثر، لا هاتفها يجيب ولا صديقاتها يعرفن شيئا، كأنها قررت ان تخرج من العالم مرة واحدة.

اغلق بدر الهاتف وبقي واقفا في المكان نفسه طويلا، لم يشعر بالدهشة بقدر ما شعر بثقل المعرفة المتاخرة، وللمرة الاولى فهم ان غياب سادين لم يكن انسحابا منه وحده بل من الجميع، من القصص كلها، من الادوار المفروضة، من التوقعات التي لم تسالها يوما ماذا تريد.

الغريب انه لم يحاول البحث عنها، لم يتصل، لم يسال، لم يستخدم نفوذه او معارفه، لم يكن ذلك زهدا ولا قسوة بل ادراكا عميقا ان سادين حين اختفت كانت تحتاج الى ان لا يمسك بها احد، حتى هو.

في تلك الليلة جلس بدر في الرواق امام لوحتها المعلقة، الجسد الذي اكتمل والوجه الذي رسمه اخيرا من الخيال لا من الذاكرة، ظل يتاملها طويلا بينما كيمو واكا جلس الى جواره وقال بصوت هادئ على غير عادته ان بعض الناس لا يضيعون بل يعيدون ترتيب انفسهم في مكان اخر.

لم يرد بدر، لكنه للمرة الاولى منذ زمن لم يشعر بالفراغ كاملا، كان هناك شيء يشبه القبول، لا راحة كاملة ولا حزن صارخ، فقط معرفة صامتة ان بعض الغياب لا يعالج بالملاحقة، وان بعض الحب لا يحتاج الى لقاء ليبقى حيا.


مرت الايام ببطء لا يلفت الانتباه، اسابيع تتشابه ثم شهور بلا علامات فارقة، عاد فيها بدر الى عاداته القديمة، يتفقد اخبار الفن احيانا، ويقرأ في الطب والملاكمة اكثر مما ينبغي، يراقب العالم من خلف شاشة وكأن لا شيء فيه يعنيه مباشرة، حتى تلك الليلة التي لم تختلف في ظاهرها عن غيرها، حين كان يتنقل بلا اهتمام بين اخبار الملاكمة الحديثة، يقرأ عن نزالات مكررة واسماء لا تعلق في الذاكرة، وفجأة توقف اصبعه عن الحركة، كأن شيئا خفيا شده من الداخل دون ان يسميه.

كان الخبر بسيطا في شكله، نزال قريب بين فتاتين في مسابقة فريدة تقام لاول مرة في دولة عربية، بطولة شبه احترافية تحظى بمتابعة اعلامية محدودة، صورة صغيرة مرفقة بالخبر، اسماء المتنافسات مكتوبة بخط عادي، لكن اسم سادين كان كافيا ليجعل بدر يحدق طويلا، يعيد قراءة السطر مرة اخرى، يتحقق من الصورة، من التوقيت، من التفاصيل، وكأنه يخشى ان يكون عقله هو من اختلق الاسم بدافع الحنين.

لم يشعر بالصدمة بقدر ما شعر بدهشة هادئة، دهشة تشبه تلك التي ترافقك حين ترى شخصا كنت تظنه غائبا يظهر في مكان لم تتخيله، ابتسم بدر ابتسامة خفيفة لا يعرف مصدرها، اغلق الصفحة ثم عاد اليها مرة اخرى، قرأ عن وزن سادين، عن سجلها القصير، عن كونها تشارك باسمها الحقيقي دون اقنعة، حينها فقط نظر الى الساعة وادرك ان النزال سيبث قبل منتصف الليل بقليل، فاغلق باقي النوافذ وجهز لنفسه قهوته وجلس امام الشاشة كما لو كان يستعد لامتحان لا مباراة.

حين بدأ النزال كان بدر شديد التركيز، لا يضيع حركة ولا يتجاهل خطوة، راقب وقفة سادين، طريقة توزيع وزنها، حذرها الواضح في الجولات الاولى، لاحظ انها لم تعد تلك الفتاة التي تضرب بالغضب فقط، كانت اكثر تماسكا، اكثر وعيا بالمساحة والزمن، لكن خصمتها كانت اقوى جسديا، ذات ذراعين اطول وضربات اثقل، ومع مرور الجولات بدأ الفارق يظهر، لا في النقاط فقط بل في الجهد.

قبل الجولة قبل الاخيرة مال بدر الى الامام، شعر بانقباض خفي في صدره، كان يرى ما لا يراه الجمهور العادي، يرى ان سادين انهكت، ان عليها الان ان تدافع، ان تحافظ على المسافة، ان تسرق الوقت لا المواجهة، لكن الكاميرا التقطت مدربها وهو يهمس لها بشيء، ثم اشارة واضحة، الهجوم.

وقف بدر فجأة دون ان يشعر، صوته خرج منه قبل ان يفكر، قال بصوت عال كأنه تسمعه الدفاع يا سادين، الدفاع، لكن سادين تحركت بعكس ما توقع، تقدمت، رفعت وتيرتها، دخلت في مدى خطير، ضربت ثم ضربت مرة اخرى، وفي لحظة واحدة كانت الضربة القاضية، ضربة نظيفة ثقيلة سقطت بعدها سادين ارضا، جسدها ارتطم بالبساط وصوت الجمهور انقطع لثانية طويلة قبل ان يعود على شكل ضجيج غير مفهوم.

ظل بدر واقفا مكانه، لم يجلس، لم يغلق الشاشة، راقب الحكم وهو يعلن الهزيمة، راقب سادين وهي تحاول النهوض ثم تستسلم، راقب وجهها الذي لم يكن مهزوما بقدر ما كان غاضبا من نفسها، حينها فقط شعر بدر بزفير طويل يخرج منه، لم يكن حزنا خالصا ولا خيبة كاملة، كان ادراكا موجعا ان بعض المعارك لا تخسر لانك ضعيف، بل لانك اخترت ان تهاجم حين كان عليك ان تحمي نفسك.

تكملة الرواية من هناااااااا 

لمتابعة باقى  الرواية  زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كاملة  من هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

 مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا








تعليقات

التنقل السريع
    close