القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

كان زوج أمي يضربني كل يوم وكأن ذلك نوع من التسلية

 كان زوج أمي يضربني كل يوم وكأن ذلك نوع من التسلية



كان زوج أمي يضربني كل يوم وكأن ذلك نوع من التسلية

 

كان زوج أمي يضربني كل يوم وكأن ذلك نوع من التسلية. لم يكن يصرخ لم يكن يفقد أعصابه لم يكن يشبه الرجال الذين تحذر منهم الأفلام. كان يبتسم. ابتسامة هادئة محسوبة ابتسامة رجل يعرف أن لا أحد سيصدقه لو قيل له ما يفعل. اسمي إيميلي كارتر ومنذ أول ذكرى أملكها كان الألم جزءا من روتين يومي مثل الاستيقاظ أو الذهاب إلى المدرسة. لم أتذكر يوما شعرت فيه بالأمان داخل ذلك البيت. كنت طفلة لكنني تعلمت مبكرا كيف أقرأ خطواته في الممر كيف أميز صوت مفتاحه في الباب وكيف أخفي نفسي داخل جسدي قبل أن يلمسني.

مارك زوج أمي لم يكن يشرب ولم يكن يتورط في مشاكل وكان الجميع يراه رجلا محترما. في الكنيسة كان يضع يده على كتفي بفخر وفي الحي كان يساعد الجيران ويحمل أكياسهم الثقيلة. لكن عندما يغلق الباب خلفنا كان البيت يتحول إلى مسرح وكنت أنا العرض الوحيد. لم يكن يحتاج سببا. أحيانا لأنني تنفست بصوت عال أحيانا لأنني لم أفهم سؤالا بسرعة وأحيانا فقط لأنه كان يشعر بالملل. كان يقول إن الحياة قاسية وإنه يعلمني كيف أتحملها لكن طريقته في التعليم كانت عبر الكدمات والشتائم والنظرات التي تحطم أكثر مما تفعل الضربات.



أمي كانت هناك دائما لكنها لم تكن موجودة حقا. كانت تقف في المطبخ تنظف نفس الطبق عشر مرات أو تحدق في النافذة وكأن العالم في الخارج أكثر احتمالا من الحقيقة خلفها. عندما كنت أبكي لم تكن تقول شيئا. وعندما كنت أرجوها بعيني كانت تخفض نظرها. وإذا تجرأت وسألتها لماذا لا تمنعه كانت تهمس لا تثيريه. لم تقل لي يوما أنا آسفة ولم تقل لي هذا خطأ. صمتها كان مشاركة وإن لم تعترف بذلك.

في المدرسة كنت طفلة هادئة أكثر من اللازم. لا أرفع يدي لا أطلب المساعدة لا أشتكي. كنت أرتدي أكماما طويلة حتى في الصيف وأضحك عندما يسألني أحد عن الكدمات وأخترع قصصا عن السقوط أو اللعب الخشن. تعلمت كيف أبكي بلا صوت وكيف أختفي داخل رأسي عندما يبدأ الألم. كنت في الثالثة عشرة عندما أدركت أن ما أعيشه ليس طبيعيا عندما سمعت صديقة تشتكي لأن والدها صرخ في وجهها مرة ورأيت الدموع في عينيها وأدركت أن هناك عالما لا يضرب فيه الأطفال ليشعر الكبار بالسيطرة.

اليوم الذي كسر فيه ذراعي بدأ عاديا جدا وهذا ما يجعله أكثر رعبا. طلب مني تنظيف المرآب. فعلت ذلك لكنني نسيت زاوية خلف صندوق قديم. لم يصرخ. لم يغضب. فقط اقترب أمسك

ذراعي ولفه بطريقة خاطئة. الصوت كان كخشب ينكسر صوت لا يجب أن يخرج من جسد إنسان. الألم جاء بعده موجة جعلت العالم يضيق. صرخت ورأيت الذهول للحظة على وجهه كأنه لم يقصد أن يذهب الأمر إلى هذا الحد. أمي دخلت وضعت يدها على فمها ثم قالت بهدوء غريب سنأخذها للمستشفى.

في السيارة لم يتكلم أحد. ذراعي كانت تتدلى بزاوية غير إنسانية وكل مطب في الطريق كان يسرق مني نفسا. في المستشفى تكلمت أمي قبل أن يوجه لي أحد أي سؤال. قالت بابتسامة متوترة سقطت من دراجتها. كنت أحدق في الأرض. أردت أن أصرخ أن أقول الحقيقة أن أقول أي شيء لكن يد مارك ضغطت على كتفي ضغطا خفيفا رسالة صامتة مفادها أن ما بعد المستشفى سيكون أسوأ إن تكلمت.

الطبيب كان مختلفا. لم يكن مستعجلا. لم يبتسم ابتسامة مجاملة. نظر إلى ذراعي ثم إلى وجهي ثم إلى عيني مباشرة. سألني كيف سقطت. فتحت فمي ولم يخرج صوت. رأيت في عينيه شيئا لم أره من قبل شك ثم حزن ثم قرار. خرج من الغرفة وبعد دقائق سمعت صوته بوضوح وهو يقول هنا الطوارئ. اشتباه في إساءة معاملة طفل. أحتاج الشرطة فورا.

عندما دخل الضباط تغير كل شيء. مارك حاول أن يبدو هادئا أمي بدأت

بالبكاء لكن لم يكن بكاء خوف علي بل خوف على نفسها. أخذوني إلى غرفة أخرى سألوني أسئلة بلطف لم أعرفه من قبل. للمرة الأولى لم يقاطعني أحد. للمرة الأولى لم يطلب مني أحد الصمت. الكلمات خرجت متعثرة ثم انهارت كالسيل. قلت كل شيء. كل مرة. كل ليلة. كل كدمة.

لم أعد إلى ذلك البيت أبدا. وضعت في رعاية مؤقتة ثم مع عائلة تبنتني لاحقا. مارك لم يعد الرجل المحترم في الكنيسة. أدين وحكم عليه بالسجن. أمي زارتني مرة واحدة فقط. قالت إنها لم تكن تعرف ماذا تفعل. لم أجبها. بعض الأسئلة تأتي متأخرة جدا.

اليوم ذراعي شفي لكن الندوب الأخرى احتاجت سنوات. ما زلت أتوتر عند الأصوات العالية وما زلت أتعلم أن الأمان ليس فخا. لكنني حية. لم أعد الطفلة التي تكسر من أجل تسلية شخص آخر. قصتي ليست عن الألم فقط بل عن تلك اللحظة الصغيرة في غرفة مستشفى عندما قرر شخص واحد أن يرى الحقيقة وأن يتصل وأن ينقذ طفلة لم تستطع إنقاذ نفسها.

وهذا كان كافيا ليغير كل شيء.

بعد أن أغلق باب ذلك البيت خلفي للمرة الأخيرة اكتشفت أن النجاة لا تشبه ما كنت أتخيله. كنت أظن أن الخروج يعني الراحة النوم بلا خوف وأن الألم سيتوقف عند

حد

 

 

معين لكن الحقيقة كانت مختلفة. الجسد خرج نعم لكن روحي بقيت معلقة هناك في ذلك الممر الضيق عند تلك الخطوات التي كنت أسمعها كل ليلة. في أول بيت رعاية دخلته لم أستطع النوم. السرير كان ناعما أكثر من اللازم الصمت كان مرتفعا وأي حركة مفاجئة كانت تجعل قلبي يقفز كأنه ما زال ينتظر الضربة التالية.

العائلة المؤقتة كانت لطيفة أكثر مما كنت أستطيع تحمله. كانوا يسألونني إن كنت جائعة إن كنت مرتاحة إن كنت أحتاج شيئا. أسئلة بسيطة لكنها كانت تربكني. لم أكن معتادة على أن يسأل رأيي. كنت أجيب دائما ب لا أعرف أو لا يهم. في داخلي كنت مقتنعة أن اللطف مؤقت وأن الخطأ الصغير سيعيد كل شيء إلى ما كان عليه. كنت أراقب وجوههم بحثا عن تلك الابتسامة التي تسبق الأذى لكنني لم أجدها وهذا بحد ذاته كان مخيفا.

بدأت الجلسات مع الأخصائية النفسية بعد أسابيع. في الجلسة الأولى جلست صامتة. لم أبك لم أتكلم فقط حدقت في الأرض. كانت تقول إنني بأمان وإنني أستطيع التوقف متى شئت وإن ما مررت به لم يكن خطئي. تلك الجملة الأخيرة أغضبتني. شعرت أنها كذبة مريحة. كيف لا يكون خطئي وأنا من تلقى الضرب كيف لا أكون السبب وأنا من كان


موجودا استغرق الأمر شهورا قبل أن أسمح لنفسي بالتصديق ولو جزئيا أن الأطفال لا يكسرون لأنهم سيئون بل لأن هناك بالغين مكسورين يرفضون الاعتراف بذلك.

القضية استمرت طويلا. كنت أستدعى للإدلاء بشهادتي وكل مرة أرى مارك من بعيد يعود جسدي إلى تلك الطفلة الصغيرة. ركبتي ترتجفان يداي تتعرقان وصوتي يختفي. لكن في كل مرة كنت أتكلم كنت أشعر أن شيئا صغيرا يتحرر داخلي. لم أعد أتكلم فقط من أجلي بل من أجل تلك النسخة الأصغر مني التي لم يكن لها صوت. عندما صدر الحكم لم أشعر بالانتصار. شعرت بالفراغ. السجن لم يعد لي سنواتي ولم يصلح ما كسر لكنه وضع حدا لقدرته على إيذاء أي شخص آخر وهذا كان كافيا في تلك اللحظة.

أمي لم تحاول كثيرا العودة إلى حياتي. ربما لأنها لم تحتمل رؤية ما فشلت في حمايته أو ربما لأنها اختارت النسيان كوسيلة للبقاء. في البداية كنت ألوم نفسي حتى على هذا. كنت أتساءل إن كنت قد خنتها بقول الحقيقة. احتجت وقتا طويلا لأفهم أن الأمومة لا تقاس بالبقاء بل بالحماية وأن الغياب أحيانا يكون اعترافا صامتا بالذنب.

مرت السنوات. كبرت. انتقلت من بيت رعاية إلى عائلة تبنتني رسميا. لم ينادوني الفتاة المسكينة

أو الناجية. نادوني باسمي فقط. وهذا فرق كبير. تعلمت كيف أضحك دون أن أعتذر وكيف أقول لا دون أن أرتجف وكيف أترك الغرفة إذا شعرت بعدم الارتياح. أشياء بسيطة لكنها كانت ثورية بالنسبة لي.

في الجامعة درست علم النفس. لم يكن قرارا واعيا في البداية لكنه كان كأن شيئا داخلي يقودني. أردت أن أفهم لا لأبرر بل لأفكك. أردت أن أعرف كيف يصنع العنف في البيوت الصامتة وكيف يمكن للصمت أن يكون شريكا كامل الأهلية في الجريمة. في كل محاضرة كنت أرى طفولتي بين السطور لكنني لم أنهر. لأول مرة كنت أملك المسافة الكافية للنظر دون أن أضيع.

اليوم عندما أنظر في المرآة لا أرى فقط الندوب. أرى فتاة نجت امرأة تعلمت أن النجاة ليست خط النهاية بل بدايته. ما زالت هناك ليال صعبة وما زالت بعض الذكريات تظهر بلا استئذان لكنني لم أعد أهرب منها. أواجهها أضعها في مكانها الصحيح في الماضي.

قصتي لم تنته في غرفة طوارئ لكنها بدأت من هناك فعلا. بدأت عندما اختار شخص واحد أن يصدق ما رآه لا ما قيل له. عندما اختار أن يتصل. عندما كسر دائرة كاملة من الصمت. ومنذ ذلك اليوم عرفت أن الشر يعيش في الظل وأن الضوء مهما كان صغيرا قادر على

فضحه.

وما زال هناك الكثير بعد

بعد أن بدأت حياتي من جديد مع العائلة التي تبنتني شعرت لأول مرة منذ سنوات طويلة أن هناك مسافة بيني وبين الخطر لكن المسافة لم تمنع الصدى. كنت أسمع خطوات في الممر أثناء نومي وأستيقظ لأرى يدا على كتفي في الكوابيس شعور بالقبضة التي لم تعد موجودة إلا في ذكرياتي. أول عام كان الأصعب لم يكن لأن العائلة سيئة بل لأنني لم أعرف كيف أتعامل مع الأمان. كنت أتحرك كأن كل شيء قابل للكسر كأن كل ابتسامة كل كلمة لطف قد تخفي وراءها خنجرا أو قبضة. كنت أراقب الجميع وأنتظر أن يحدث شيء خاطئ أي شيء لأثبت لنفسي أن العالم لم يتغير. كان الأمر إرهاقا يوميا لكنه منحني شيئا لم أعرفه من قبل الحرية المؤقتة. الحرية التي يجب أن أتعلم كيف أحميها بنفسي. في المدرسة الثانوية كنت أدرس وأعمل كنت أكتب في دفتر صغير كل مشاعري التي لم أستطع التعبير عنها كل الكدمات التي لم يرها أحد كل الدموع التي أخفيتها. كنت أكتب كل التفاصيل أسماء الأماكن الأصوات أوقات الضرب كيف شعرت ما الذي أردت قوله ولم أستطع. هذا الدفتر كان ملاذي كان الحائط الذي لم يخذلني أبدا. لاحقا أصبح العلاج النفسي جزءا من حياتي

 

 

اليومية جلسات طويلة مع مختصين تعلموا كيف يسمعوا دون أن يلوموا وكيف يسألوا دون أن يضغطوا وكيف يسمحوا لي بالانفجار في غرفة مغلقة بينما كنت أخرج كل سنوات الألم دفعة واحدة.

مرت السنوات وبدأت أفهم أن الألم لم يختف لكنه أصبح قابلا للإدارة. تعلمت أن الخوف يمكن أن يكون مؤشرا لا حكما نهائيا وأن القوة ليست في الانتقام بل في القدرة على الاستمرار على الرغم من كل ما حدث. درست علم النفس كما قلت لكن ليس فقط لأفهم نفسي بل لأساعد الآخرين الذين لم يعطوا فرصة ليكونوا سادة حياتهم. بدأت التطوع في منظمات حماية الطفل أستمع لقصصهم أراهم في أعينهم نفس الصدى الذي رأيته في عيني الصغيرة عندما كنت أختبئ من مارك. كنت أرى نفسي في كل واحد منهم وأدرك أن ما أعيشه لم يكن مجرد حكاية شخصية بل فصل من فصول حياة الكثير من الأطفال الذين يعيشون تحت ظلال صامتة حيث يبتسم الناس في الخارج ويكسر الأطفال في الداخل.

لم تكن العائلة البيولوجية جزءا من حياتي بعد الآن ولم أر أمي إلا نادرا وكانت كل زيارة لها شعور بالانكسار واللوم. لم أستطع أن أكرهها بالكامل لكنها اختارت البقاء بعيدة وكنت مضطرة لقبول ذلك. كنت أعلم


أن المرة القادمة التي أراها فيها ستجد صعوبة في التعرف على الشخص الذي أصبحته. كنت أتعلم كيف أكون مستقلة كيف أختار أصدقائي بعناية كيف أثق ولكن بحذر وكيف أعيش بلا خوف يوميا خطوة خطوة. وفي كل خطوة كنت أذكر نفسي أن الصمت كان أداة الخطر وأن الكلام هو أسلحتي الجديدة وأن الاعتراف بالجرح ليس ضعفا بل بداية الشفاء.

وفي الجامعة عندما درست علم النفس بدأت أقرأ عن الإساءة النفسية والجسدية عن دور السلطة في تدمير الأطفال عن تأثير الصمت وعن كيف يمكن للتدخل البسيط أن ينقذ حياة. كنت أشاهد الندوب الجسدية على نفسي وأعرف أن الجروح النفسية أعقد وأعمق لكنها ليست مستحيلة العلاج. كل فصل كنت أقرأه كان يشبه التحقق من حياتي كأن كل نظرية كل دراسة كل تجربة سرية للمعالجين كانت تعطي معنى لما مررت به. بدأت أكتب مقالات أشارك قصصي أشارك الصدمات أشارك النجاة حتى أري الآخرين أن النجاة ممكنة وأن الألم ليس نهاية الطريق وأن الطفل الذي يختبئ تحت ظل الخوف يمكنه أن يصبح شخصا قويا بما يكفي ليكتب فصوله بنفسه.

لكن رغم كل ذلك لم يختف أثر مارك تماما. أحلامي كانت تعود إليه أصواته كانت تتسلل إلى ضحكات الآخرين كنت

أختبر العالم من حولي وأقيسه بمعايير الخوف التي زرعها في داخلي. لكن مع الوقت ومع كل جلسة علاجية ومع كل تجربة تطوعية ومع كل شخص كنت أساعده بدأ شيء يتغير داخلي. لم أعد أرى نفسي كضحية فقط بل كناجية كمن استطاع أن يخرج من نفق مظلم ويعيد بناء ذاته بنفسه. تعلمت أن القوة ليست في نسيان الماضي بل في مواجهته في استخدامه كوقود في تحويل الألم إلى فهم في تحويل الضعف إلى إرادة في تحويل الدموع إلى كلمات والكلمات إلى أفعال.

مرت السنوات وبدأت أعمل مع الأطفال الذين يعانون من العنف الأسري أستمع لهم أؤمن بهم أساعدهم على سرد قصصهم على رفض الصمت على طلب المساعدة. وأدركت أن لكل طفل هناك دكتور الطوارئ الذي سيصدقهم الذي سيهتم بهم الذي سيقف في وجه الظلام مهما كان صغيرا. هذا الوعي أعاد لي شيئا لم أعرف أنني أفتقدته إحساسا بالقدرة على التغيير على ترك أثر على التأكد من أن صرخات الأطفال لن تمر بلا استجابة. كنت أرى في كل عين صغيرة أمل وفي كل ابتسامة بعد الألم انتصارا على كل ما مررت به.

ومع مرور الوقت بدأت أشعر بأن ذراعي لم تعد مجرد عضو تذكرني بالضرب بل كانت رمزا للنجاة للشفاء وللقوة التي لم أكن أعلم

أنني أملكها. كل ندبة كل ألم سابق أصبح جزءا من قصة أكبر قصة لم تكن عن الخوف فقط بل عن كيفية إعادة الحياة إلى نصابها عن كيفية إعادة الأمان إلى طفلة فقدته عن كيفية تحويل كل كسر إلى بداية جديدة وكل صمت إلى صوت يصدح في النهاية عاليا بما يكفي ليصل إلى كل من يحتاج لسماع الحقيقة مهما كانت مؤلمة ومهما استغرق الأمر من وقت.

مرت السنوات وكبرت إيميلي وأصبحت امرأة لكن الماضي ظل جزءا مني لا يمكن فصله ولا أريد أن يمحى. كل خطوة كنت أخطوها كانت تذكيرا أن النجاة ليست صدفة بل اختيار وأن القوة الحقيقية تظهر حين تواجه الألم بدل الهروب منه. مع عملي في منظمة حماية الطفل أصبحت أسمع قصصا أكثر رعبا مما تصورت قصصا من أطفال يختبئون خلف أبواب مغلقة يصرخون بصمت يشعرون بالوحدة التي عرفتها عن قرب. كل مرة كنت أساعد فيها طفلا على التحدث كنت أرى في عينيه انعكاس ما كنت عليه كانت مرآة صغيرة لألمي ولشجاعتي ولطفلتي التي لم تمت رغم كل ما حدث. شعرت بأن ما فقدته يوما أصبحت قادرة على إرجاعه للآخرين شعرت أن الألم الذي كنت أتحمله لم يكن عبثا بل كان تدريبا على التعاطف على الفهم على القوة.

كنت أعود أحيانا إلى غرفة

 

 

طفولتي السابقة في ذهني أستعيد صوت خطوات مارك صمت أمي الألم الذي لا يوصف وأقف أمام ذلك الظل الذي طالما أحاط بي. لكن بدل أن أرتجف كنت أبتسم. لم أعد الطفلة التي تهرب بل المرأة التي تواجه التي تقول لنفسها لقد نجوت. وأنا قوية بما يكفي لأعيش. كنت أكتب قصصي أنشرها أشاركها مع الآخرين لأظهر أن الصمت ليس الحل وأن الصراخ والكلمات والاعتراف يمكن أن ينقذ حياة. أكتب كل الألم كل الخوف كل الدموع لأتحول من ضحية إلى صوت من صمت إلى صرخة تنقذ من كسر إلى بداية جديدة.

وفي إحدى الليالي كنت أراجع ملفات الأطفال الذين أعمل معهم رأيت طفلة بعينين كبيرة ومرتجفتين تذكرني بنفسي عندما كنت في الثالثة عشرة خائفة من كل صوت منتظرة الضربة التالية.


أمسكت يدها بهدوء قلت لها بصوت ثابت لا شيء من هذا خطأك أنت بخير هنا وأنا سأساعدك. شعرت بانفجار داخلي من المشاعر الغضب الحزن التعاطف والأمل كلها معا. في تلك اللحظة أدركت أن حياتي الجديدة لم تكن مجرد نجاة شخصية بل كانت رسالة لكل طفل لم يستطع الكلام بعد لكل روح محطمة تبحث عن ضوء لكل قلب صغير يئن خلف أبواب مغلقة.

مرت السنوات وبدأت أكتب كتابي عن تجربتي عن العنف عن النجاة عن القوة التي يمكن أن تولد من الصدمات. لم أعد أخشى أن يرى العالم ما كنت عليه بل كنت أريدهم أن يعرفوا الألم الحقيقي موجود لكنه لا يدوم إذا كان هناك شخص واحد على الأقل يختار أن يرى الحقيقة أن يتدخل أن يرفع الصوت. وفي النهاية لم يعد مارك سوى ذكرى صورة

مشوهة في ماضي بعيد لم تعد تتحكم بي لم تعد قادرة على تعطيل حياتي لم تعد تحدد قيمتي. أمي اختارت البقاء بعيدة لكنني تعلمت أن الغياب أحيانا ليس عائقا وأن من يختار عدم الحماية لا يمكن أن يسرق الحق في النجاة لمن يستحقه.

اليوم أعيش حياة مليئة بالقوة أساعد أكتب أؤثر وأتذكر دائما أن الشجاعة لا تعني غياب الخوف بل القدرة على المضي قدما رغم الخوف. تعلمت أن الألم يمكن أن يتحول إلى حكمة وأن كل دمعة يمكن أن تصبح بذرة أمل وأن كل صمت يمكن أن يتحول إلى صوت ينقذ. لم أعد طفلة صغيرة تهرب في البيت من رجل يعتقد أن الألم لعبة بل أصبحت امرأة تعرف قيمتها تعرف قوتها تعرف أن الماضي لا يحدد المستقبل وأن أي شخص مهما كان محطما قادر على إعادة

بناء ذاته من جديد خطوة بخطوة نفس بعد نفس ضحكة بعد ضحكة حتى يصبح العالم مكانا يمكن العيش فيه بأمان حتى وإن كان الظل يلوح في الخلفية لأن الضوء الذي نحمله داخلنا دائما أقوى من أي ظلام.

وفي النهاية لم تعد حياتي مجرد قصة عن الألم بل قصة عن النجاة عن القوة عن الصوت الذي يمكنه تغيير مسار حياة عن الطفلة التي كسرت يوما لكنها لم تقتل وعن المرأة التي خرجت من كل هذا أقوى وأشجع وأكثر قدرة على العيش والحب ومساعدة الآخرين. قصة لا تنتهي بل تستمر في كل طفل أساعده في كل شخص يستمع في كل قلب يجد في كلماتها الأمل للبدء من جديد في كل نفس يعرف أن النجاة ممكنة وأن الضوء مهما كان ضعيفا في البداية قادر على فضح الظلام في النهاية.

 

تمت 

 

تعليقات

التنقل السريع
    close