احتفلوا برحيلي وسمّوني «عديم الفائدة»… وبعد سنوات اكتشفوا أنني كنتُ من يحمي البيت من الانهيار! 😳🔥
احتفلوا برحيلي وسمّوني «عديم الفائدة»… وبعد سنوات اكتشفوا أنني كنتُ من يحمي البيت من الانهيار! 😳🔥
في اليوم الذي غادرتُ فيه، كان هناك كعك.
لا أقول ذلك طلبًا للشفقة، بل لأن الأمر حدث كما هو. بينما كنت أُغلق الحقيبة القديمة، كنت أسمع الضحكات تتصاعد من المطبخ. أخرجت أمي الأطباق الجيدة. فتح أبي زجاجة لا يفتحها إلا في المناسبات الخاصة. وكان أخي الأصغر يشغّل الموسيقى من هاتفه.
كنتُ أنا المناسبة الخاصة.
اسمي خوليان، أبلغ من العمر ستةً وثلاثين عامًا، ووفقًا لعائلتي كنت دائمًا «الذي لم يصلح لشيء».
لم أكن السيئ.
ولا المتمرّد.
كنت فقط… عديم الفائدة.
نشأت في بيت متواضع في مدينة تولوكا بولاية مكسيكو. منذ طفولتي فهمت أن هناك أبناءً يولدون بنجمة فوق رؤوسهم، وآخرين نولد في الظل. كان أخي متفوقًا في دراسته، واثقًا في حديثه، صاحب أحلام كبيرة. أما أنا فكنت هادئًا، ضعيفًا في الحساب، بطيئًا في الإجابة.
كان أبي يقول:
— هذا الفتى لا يملك شيئًا… لا شخصية ولا طموح.
وكانت أمي تومئ برأسها في صمت.
تعلمت مبكرًا أن أفضل ما أفعله هو ألا أكون عبئًا.
عملت منذ صغري: مساعدًا في ورشة، حمّالًا في السوق، حارسًا ليليًا. لم أكسب مالًا كثيرًا قط، لكن القليل الذي كنت أحصل عليه أضعه في البيت. لم يلحظه أحد. لم يحسبه أحد.
ومع مرور السنوات، صارت الكلمات أقسى.
— في مثل عمرك، ابن عمك يملك منزلًا.
— انظر إلى أخيك، هذا هو الابن الناجح.
— أنت لا تفعل سوى الأكل والنوم.
كنت أستمع. أُخفض رأسي. كان الصمت طريقتي في البقاء.
إلى أن جاء يوم، من دون شجار، من دون دراما، اتخذت قراري.
سأرحل.
لا لأن لدي مكانًا أذهب إليه،
بل لأنني لم أعد أستطيع البقاء في مكان لا يريدني.
في صباح ذلك اليوم، حين أعلنت قراري، لم يحاول أحد إيقافي.
قال أبي:
— حسنًا. على الأقل سنتوقف عن إعالتك.
لم تبكِ أمي. سألت فقط إن كنت سأحمل أغراضي كلها.
ابتسم أخي.
— علينا أن نحتفل. سيكون البيت أكثر هدوءًا.
واحتفلوا.
بينما كنت أعبر الباب بحقيبتي، كانوا يرفعون الأنخاب. سمعت كلمة «أخيرًا» تتردد، وما زال صداها يطن في أذني.
لم أبكِ. سرت من دون أن ألتفت خلفي.
كانت الأشهر الأولى قاسية. نمت في غرف مستأجرة، وفي مخزن مهجور، بل وحتى في محطة حافلات. حصلت على عمل في تنظيف المباني ليلًا في مدينة مكسيكو. لم يسألني أحد من أين جئت. لم يحاكمني أحد.
وكان ذلك بالنسبة لي راحة.
كنت أعيش بالقليل. آكل بقدر الحاجة. أدّخر كل بيزو أستطيع توفيره. لا بدافع الطموح، بل بدافع العادة. لم أتوقف يومًا عن التفكير في عائلتي، رغم أنهم بدوا وكأنهم محوني سريعًا من ذاكرتهم.
ذات يوم وصلني رسالة من أمي:
— هل لديك أي أوراق مهمة هنا؟ سنرمي أغراضك.
لم أجب.
ما لم يعلموه — ولم يكلفوا أنفسهم يومًا عناء معرفته — أنني طوال سنوات كنت أسدد دينًا لم يكن ديني. قرضًا أخذه أبي باسم المنزل. لو توقفت عن الدفع، لفقدوا كل شيء.
لم أخبرهم قط.
لأن «عديم الفائدة» لا يتباهى.
هو فقط يتحمل.
عملت أكثر. مرضت مرة. لم يأتِ أحد. نهضت وحدي.
مع الوقت عُرضت عليّ وظيفة أفضل، ثم أخرى. لا بسبب الحظ، بل لأنني لم أتغيب يومًا. لم أشتكِ يومًا. لم أطلب أكثر مما أستطيع أن أقدم.
بعد خمس سنوات صرت مشرفًا على الوردية الليلية. وبعد عشر سنوات كان لدي شقة صغيرة خاصة بي. ليست فاخرة، لكنها ملكي.
لم أعد إلى تولوكا.
إلى أن جاءت مكالمة غيّرت كل شيء.
كان أخي.
— اسمع… لدينا مشكلة.
كان المنزل مهددًا. الدين الذي «ظهر» يخنقهم. البنك يهدد بالحجز. أبي لا يفهم شيئًا. أمي تبكي كل يوم.
— لا نعرف ماذا نفعل — قال — أبي يقول إنك كنت دائمًا جيدًا في دفع الأمور… ربما تستطيع مساعدتنا.
استمعت في صمت.
— هل تعرف كم تبقى؟ — سألت.
ذكر الرقم. كنت أعرفه مسبقًا.
— تم سداده — قلت — منذ سنوات.
ساد الصمت.
— كيف… تم سداده؟
— أنا من دفعه — قلت — كاملًا.
لم تكن هناك كلمات شكر. فقط دهشة.
بعد أيام اتصلت أمي، تبكي:
— لماذا لم تخبرنا؟
تنفست بعمق.
— لأنكم لم تسألوا.
عدت إلى تولوكا بعد شهر. البيت كان كما هو. الوجوه لم تكن كذلك.
أبي بدا وكأنه شاخ فجأة. أمي لا تعرف أين تضع عينيها. أخي يتجنب نظري.
لم تكن هناك حفلة هذه المرة.
قال أبي بصوت خافت:
— ظننا أنك لا تنفع لشيء.
لم أرد بغضب. قلت فقط الحقيقة:
— ربما لم أكن أنفع لما أردتموه أنتم… لكنني كنت أنفع لما كان ضروريًا.
غادرت مرة أخرى.
من دون عتاب.
من دون خطب طويلة.
في تلك الليلة، تناولت العشاء وحدي. بصمت. بسلام.
لأنني فهمت شيئًا استغرق مني عمرًا لأتعلمه:
ليس كل من يرحل يخسر.
بعضهم فقط يتوقف عن حمل ما لم يكن من نصيبه.
بعد تلك الزيارة لم أعد أتصل. ولم يتصلوا هم أيضًا. لم يكن ذلك عقابًا، بل حاجة. فهناك جراح لا تُشفى إذا استمررنا في لمسها.
عدت إلى روتيني في المدينة. عمل، بيت، صمت. لسنوات ظننت أن الوحدة عقوبة، حتى أدركت أنها قد تكون ملجأ. لم يعد أحد يقارنني بأحد. لم يعد أحد يطالبني بأن أكون شخصًا آخر. للمرة الأولى كنت أتنفس بلا إذن.
في تولوكا، تغيّر كل شيء.
أمي بدأت تمرض كثيرًا. لم يكن مرضًا خطيرًا، قال الأطباء، لكن الجسد يحتفظ بما لا تقوله الكلمات. أبي توقف عن التفاخر بـ«الأبناء الناجحين» أمام الجيران. وأخي بدأ ينظر إلى البيت بنظرة مختلفة.
كان هو من عثر على الإيصالات. كانت محفوظة في صندوق قديم في خزانتي السابقة. إثباتات دفع، تواريخ، توقيعات. سنوات من التحويلات المنتظمة.
قال بصوت مرتجف:
— هذا… هذا دفعه خوليان.
جلست أمي. لم تقل شيئًا. احتضنت الأوراق إلى صدرها.
للمرة الأولى فهموا أن «عديم الفائدة» كان من يحمل السقف بينما هم نائمون.
لم تكن هناك موسيقى تلك الليلة.
ولا كعك.
فقط صمت ثقيل.
بعد عام، رأيت رجلًا مسنًا ينتظرني أمام المبنى.
أبي.
كان يبدو أصغر مما عرفته. أبطأ.
— لم آتِ لأطلب شيئًا — قال — فقط… لأراك.
جلسنا قليلًا.
— أخطأت في حقك — قال — وعرفت ذلك حين لم تعد موجودًا.
أومأت.
— لم أعرف كيف أكون أبًا لك.
قلت:
— شكرًا لأنك قلت ذلك. هذا يكفي.
قبل أن يغادر، نظر إليّ:
— لم تكن عديم الفائدة يومًا. كنا نحن العميان.
أغلقت الباب بهدوء.
لم أشعر بالنصر.
شعرت بالسكينة.
تحدثت لاحقًا مع أمي، ومع أخي. لا كما في الماضي. بلا توقعات. من مكان جديد.
هم تغيّروا. لا لأنني عدت، بل لأن غيابي علّمهم ما لم تستطع حضوري أن يعلّمه.
أما أنا، فواصلت حياتي. ساعدت شبابًا جددًا في العمل. استمعت إلى قصص تشبه قصتي. اكتشفت أنني لست الوحيد الذي سُمّي «عديم الفائدة» فقط لأنه لم يُمنح فرصة.
وفي إحدى الليالي، بينما كنت أتناول عشاءي وحدي، تذكرت يوم الكعك. الضحكات. الموسيقى. الباب الذي أُغلق خلفي.
وابتسمت.
لأنه لو لم أغادر…
لما تعلّموا.
ولو لم أغادر…
لما اكتشفت قيمتي.
اليوم، حين أسمع أحدهم يصف شخصًا بأنه «عديم الفائدة»، لا يؤلمني الأمر كما في السابق. أفكر فقط:
أحيانًا، من يبدو غير نافع… هو الوحيد الذي يحمل كل شيء.
وعندما يرحل، عندها فقط يلاحظون.
لم أعد لأستعيد مكاني.
عدت فقط لأغلق جرحًا.
ثم واصلت السير.
أخفّ حملًا.
أكثر حرية.
وأخيرًا… كاملًا.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق