القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سكريبت معطف الشتاء كاملة 




معطف الشتاء



أعطـيتُ فتـاة تـرتجف معـطفي الشـتوي عـام 1996… وبـعد 30 عاما، طـرق سـاعي تـوصيل بابـي وهو يحـمله.


في ديسمبر عام 1996، كنت في الثانية والعشرين من عمري. مفلسة. أعمل نوبتين في مطعم صغير لأبقي الأنوار مضاءة في شقتي المتواضعة، ولأدفع مصاريف روضة ابنتي.


في إحدى الليالي، وأنا أسير إلى المنزل وسط رياح متجمدة، رأيتها.


فتاة لا يتجاوز عمرها 13 سنة. تجلس وحدها على مقعد محطة الحافلة. بلا معطف. فقط سترة رقيقة مليئة بالثقوب. كانت أسنانها تصطك بقوة حتى إنني سمعتها من الرصيف.


من دون تفكير، خلعتُ معطفي الصوفي معطف جدتي، آخر شيء ثمين أملكه ولففته حول كتفيها.


نظرت إلي كأن أحدًا لم يُحسن إليها من قبل.


عرضتُ أن أشتري لها شايًا ساخنًا. وعندما عدت… كانت قد اختفت.


لم أرها مرة أخرى.



مرت 30 سنة.


لم تكن الحياة رحيمة بي. ابنتي انتقلت إلى ولاية أخرى، ولا تتصل إلا عندما تحتاج إلى المال. الأسبوع الماضي، تم الاستغناء عني من وظيفة المخزن التي عملت بها عشر سنوات.


ثم، بالأمس، طرق أحدهم الباب.


كان رجلًا ببدلة أنيقة يقف على شرفتي. وخلفه سيارة سوداء فاخرة تنتظر.


— هل أنتِ نادية؟


عندما أومأت، سلمني صندوقًا كرتونيًا مهترئًا.


— طُلب مني أن أعيد هذا إليكِ.


فتحتُ الصندوق.


كان بداخله معطف جدتي.


لم أره منذ ثلاثين عامًا!



لكن الرجل لم يغادر.


قال بصوت خافت: قبل أن أذهب، يجب أن أتأكد أنكِ فحصت الجيوب الداخلية….بدأ قلبي يخفق بقوة.


أدخلتُ يدي في بطانة المعطف.


لم تكن الجيوب فارغة.


كانت ….


كانت ممتلئة بشيء صلب ملفوف بعناية داخل قماش قطني قديم سحبت القطعة بيدين ترتجفان وكأنني أستخرج جزءا من زمن دفـ,ـنته بيدي منذ ثلاثين عاما كان القماش مطرزا بخيط أزرق باهت أعرفه جيدا كانت جدتي تخيط به أطراف الوسائد في بيتها الريفي فتحت اللفافة ببطء فوجدت ظرفا بنيا ثقيلا مختوما بالشمع الأحمر وخاتم صغير فضي عليه حرف ميم متشابك مع حرف ن لم أفهم في البداية لماذا شعرت بأن الهواء انقطع عن صدري وكأن الذكريات قررت أن تهجم دفعة واحدة جلست على أقرب كرسي والرجل الأنيق ما زال يقف عند الباب يراقب بصمت كأنه حارس على لحظة مقدسة كسـ,ـرت الختم بأصابع باردة وفتحت الظرف فوجدت داخله رسالة قديمة مكتوبة بخط متعرج وحروف غير متقنة وكأن كاتبتها كانت صغيرة أو كانت تبكي أثناء الكتابة ومعها صورة قديمة باهتة لفتاة مراهقة ترتدي نفس المعطف وتقف أمام مبنى مدرسة لم أتعرف عليها في البداية لكن عينيها عينيها كانتا نفس العينين اللتين رأيتهما تلك الليلة في محطة الحافلة بدأت أقرأ الرسالة نادية إن كنت تقرئين هذه الكلمات الآن فهذا يعني أنني استطعت أخيرا أن أعيد إليك ما منحته لي في ليلة ظننت فيها أنني غير مرئية كنت فتاة هاربة من بيت لا يعرف معنى الرحمة كان البرد أهون من الرجوع إليه وعندما وضعت معطفك حول كتفي شعرت لأول مرة أن العالم قد يحتوي قلبا مثلي لم يكن المعطف مجرد صوف دافئ بل كان وعدا بأنني أستحق الحياة اختفيت تلك الليلة لأن من كنت أهرب منهم وجدوني لكنهم لم يستطيعوا أن ينتزعوا من داخلي ما زرعته في قلبي بعدها بأيام هربت من المدينة كلها وعملت في أي شيء وجدته أمامي درست ليلا ونمت في ملاجئ ومكتبات عامة ثم حصلت على منحة درست الحقوق لأنني أردت أن أدافع عن الفتيات اللواتي كن مثلي أرتجفن في صمت بعد سنوات أسست مؤسسة لحماية الأطفال الهاربين من العنـ,ـف وكل خطوة خطوتها كانت تبدأ بذكرى معطفك لم أنس اسمك أبدا كنت قد أخبرتني به عندما سألتك لماذا تفعلين هذا لفتاة غريبة قلت لي لأنني أم وأتمنى أن يفعل أحد هذا لابنتي إن احتاجت كنت أبحث عنك منذ زمن طويل لكنني لم أجد أثرا إلى أن صادفت رجلا مسنا كان يعمل في المطعم الذي كنت فيه عاملة أخبرني أنك انتقلت وأنك تعيشين وحدك الآن لم أرد أن أقتحم حياتك دون أن أكون قادرة على رد الجميل اليوم أستطيع أن أقول إنني أصبحت ما حلمت به تلك الليلة لذلك أعيد إليك المعطف ومعه ما يليق بقلبك توقفت الكلمات عند هذا الحد لكن في أسفل الرسالة كانت هناك إشارة إلى مستندات أخرى داخل الصندوق فتشت أكثر فوجدت ملفا أنيقا مغلقا بإحكام فتحته فوجدت داخله وثائق رسمية تفيد بتحويل ملكية منزل صغير على البحر باسمي إضافة إلى حساب مصرفي باسمي أيضا يحتوي على مبلغ لم أستطع استيعابه في البداية كانت الأرقام طويلة جدا حتى شعرت بأن بصري يخـ,ـونني رفعت رأسي نحو الرجل الأنيق فوجدته يبتسم للمرة الأولى وقال السيدة التي أرسلتني طلبت مني أن أبلغك أنها في السيارة إن رغبت في لقائها شعرت بقدمي لا تلامسان الأرض ارتديت المعطف دون وعي وكأنني أعود شابة في الثانية والعشرين ونزلت الدرج ببطء كل خطوة كانت تمحو ثلاثين عاما من التعب وصلت إلى السيارة السوداء ففتح السائق الباب الخلفي وجلست هناك امرأة في أوائل الأربعينات أنيقة المظهر لكن في عينيها ظل الطفلة التي عرفتها نظرت إلي ثم نهضت فجأة وعانقتني بقوة حتى شعرت أن قلبي عاد ينبض بطبيعته قالت بصوت متهدج لم أعرف كيف أشكرك طوال عمري كنت أقول إن امرأة غريبة أنقذتني ذات ليلة لكنني كنت أعرف أنك لست غريبة كنت بداية الطريق جلست إلى جوارها في السيارة وأخذنا نتحدث لساعات حكت لي عن ليال نامت فيها جائعة وعن رجل طيب في ملجأ علمنيها القراءة وعن أول قضية كسبتها دفاعا عن فتاة تعرضت لما تعرضت له هي وعن أول مرة وقفت أمام جمهور لتتحدث عن الشجاعة وعن كل مرة كانت تشعر فيها بالضعف فتتذكر معطفا صوفيا دافئا على كتفيها سألتها لماذا لم تحتفظي به قالت احتفظت به في خزانة زجاجية في مكتبي ثلاثين عاما كان يذكرني بمن أريد أن أكون لكن الآن أريده أن يعود إليك لأنك أنت من صنعت المعنى ثم سكتت لحظة وأضافت هل تقبلين أن تكوني جزءا من مؤسستي نحتاج إلى قلب يعرف كيف يرى في الظلام رأيت في عينيها رجاء صادقا لا يشبه رجاء المحتاج بل رجاء الشريك شعرت أن حياتي التي ظننتها انطفأت قبل أيام فقط بدأت تشتعل من جديد وافقت دون تردد ومنذ ذلك اليوم تغير كل شيء لم أعد المرأة التي تنتظر اتصالا عابرا من ابنتها صرت امرأة تقف أمام فتيات صغيرات تحكي لهن كيف أن عملا بسيطا قد يغير قدرا كاملا بدأت أزور المدارس والملاجئ أحكي قصتي دون أن أذكر اسميها كنت أقول فقط إن الخير لا يضيع وأن البرد لا يدوم إن وجدنا معطفا واحدا نتقاسمه بعد أشهر انتقلت إلى المنزل المطل على البحر كان صغيرا كما قيل لي لكنه كان مليئا بالنور كل صباح كنت أفتح النوافذ وأشعر أن الهواء يحمل رائحة بداية جديدة ابنتي زارتني هناك لأول مرة منذ سنوات جلست على الشرفة وبكت وهي تسمع القصة كاملة قالت لي لم أكن أعرف أنك عشت كل هذا وحدك سامحيني ربما لو أخبرتني لاقتربت أكثر أدركت حينها أن الصمت أحيانا يسـ,ـرق منا ما نظنه نحميه ومنذ ذلك اللقاء عادت علاقتنا تنمو ببطء لكن بثبات كأنها شجرة نجت من عاصفة طويلة أما المعطف فعلقته قرب الباب لم أعد أراه مجرد قطعة صوف بل شهادة حياة في كل مرة ألمسه أتذكر أن الخير يشبه البذرة قد تبقى تحت التراب سنوات لكن حين يحين وقتها تنبت شجرة لا يتوقعها أحد بعد عام دعتني تلك الفتاة التي صارت امرأة ناجحة إلى حفل كبير لتكريم المتطوعين في مؤسستها وقفت على المنصة وأشارت إلي أمام الحضور وقالت هذه المرأة لم تعطيني مالا ولا اسما ولا سلطة لكنها أعطتني شيئا لا يقدر بثمن أعطتني إحساسا بأنني أستحق أن أعيش وقف الجميع يصفقون لكنني كنت أنظر فقط إلى عينيها وأرى تلك الليلة الباردة بكل تفاصيلها أدركت أنني حين خلعت معطفي لم أكن أنقذها وحدها كنت أنقذ نفسي أيضا من قسوة عالم كان يحاول أن يقنعني بأنني لا أملك شيئا لأمنحه اليوم وأنا أكتب هذه الكلمات أدرك أن أعظم الثروات لا تورث ولا تشترى بل تمنح في لحظة صدق قد يظنها صاحبها عابرة لو عدت إلى تلك الليلة لفعلت الأمر نفسه بلا تردد لأنني تعلمت أن المعروف يعود ولو بعد حين وأن معطفا قديما قد يصبح جناحين لروح على وشك السقوط صلوا على محمد وتذكروا أن لطفا صغيرا قد يغير قصة كاملة

تمت 

تعليقات

التنقل السريع
    close