القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

كنتُ أعتني بحماي المشلول… وعندما اكتشفتُ الحقيقة انهار كل شيء

 كنتُ أعتني بحماي المشلول… وعندما اكتشفتُ الحقيقة انهار كل شيء




كنتُ أعتني بحماي المشلول… وعندما اكتشفتُ الحقيقة انهار كل شيء


كانت إلينا زوجةً مخلصة لروﻻن.

وكانا يعيشان في المنزل نفسه مع والد روﻻن، دون فاوستو، وهو رجل مسنّ تعرّض لجلطة دماغية جعلته مشلولًا بالكامل؛ لا يستطيع الحركة ولا الكلام.


حتى قبل زواجهما، وجّه روﻻن تحذيرًا صارمًا لإلينا.


قال لها بجدية:

«إلينا، أنا أحبك كثيرًا، لكن لديّ طلب واحد. لا تدخلي غرفة أبي أبدًا عندما أكون غير موجود، ولا تحاولي إلباسه أو استحمامه. لديه ممرّض خاص يقوم بذلك. أبي لا يريد أن يراه أحد في ضعفه».


شعرت إلينا بالحيرة وقالت:

«لكن لماذا؟ أنا زوجة ابنه، وأريد أن أساعد أنا أيضًا».


أجابها روﻻن بصرامة:

«فقط لا تفعلي. هو يشعر بالخجل. دعينا نحترم رغبته. وإذا خالفتِني، فسينتهي بنا الأمر إلى الشجار».


وبسبب حبّها لزوجها، أطاعت إلينا.

طوال عامين كاملين، لم ترَ جسد حماها مطلقًا.

وكان الممرّض، كويا ماريو، هو الوحيد الذي يتولى رعايته.


لكن في أحد الأيام، اضطر روﻻن إلى السفر في رحلة عمل إلى سنغافورة لمدة ثلاثة أيام.


وفي اليوم الثاني من غيابه، وصل إلى هاتف إلينا إشعار برسالة نصية مفاجئة.


«سيدتي إلينا، أعتذر بشدة. تعرّضتُ لحادث دراجة نارية وأنا الآن في المستشفى. لن أتمكن من الحضور اليوم لإطعام دون فاوستو أو استحمامه».


شعرت إلينا بالذعر.

حاولت العثور على ممرّض بديل فورًا، لكنها لم تنجح.


دخلت غرفة دون فاوستو، فوجدته ممددًا وقد اتّسخ حفاضه.

كانت الرائحة في الغرفة كريهة، وكان واضحًا أنه غير مرتاح.



كان يئنّ أنينًا خافتًا.

همست إلينا بقلق:

«يا إلهي… لا يمكنني أن أترك أبي على هذه الحال حتى يعود روﻻن. حتى لو غضب زوجي، يجب أن أنظّف والده».


أحضرت إلينا حوضًا، وماءً دافئًا، وقطعة قماش.


قالت له بلطف:

«بابا، سأقوم بتنظيفك الآن، حسنًا؟ أنا آسفة».


لم يستطع دون فاوستو الرد، لكنه حدّق في إلينا بعينين امتلأتا بالخوف، وكأنهما تقولان:

«لا تفعلي يا ابنتي… أرجوكِ».


قالت له محاولة طمأنته:

«لا تخف يا بابا، سأكون لطيفة».


بدأت إلينا بتنظيفه.

أزالت الحفاض المتّسخ، ونظّفت ساقيه بعناية.


ثم احتاجت إلى نزع قميص النوم كي تنظّف ظهره وصدره.


وببطء، بدأت تفكّ أزراره.


نزعت القميص.


وعندما انكشف جسد دون فاوستو، سقطت قطعة القماش من يد إلينا.


تجمّد جسدها بالكامل.

شعرت بالبرد يسري في عروقها.

وضعت يدها على فمها من شدّة الصدمة.


كان جسد دون فاوستو — صدره وبطنه وظهره بالكامل — مغطّى بندوب حروق.


لم تكن ندوبًا عادية.

كانت حروقًا من الدرجة الثالثة.

جلد متقلّص، ولحم متضرّر بشدة.

كان واضحًا أن الرجل العجوز نجا من مأساة مروّعة.


لكن هذا لم يكن ما جعل إلينا تبكي.


وسط تلك الندوب، وعلى كتف دون فاوستو الأيمن، كان هناك وشم لم تلتهمه النيران بالكامل.


وشم لنسر يحمل وردة.


وفجأة، تدفّقت الذكريات إلى عقل إلينا…

ذكريات تعود إلى عندما كانت في السابعة من عمرها فقط.


قبل عشرين عامًا…


اشتعل حريق في دار الأيتام التي كانت تعيش فيها إلينا.



نيران في كل مكان.

صراخ.

بكاء.

كانت إلينا الصغيرة محاصَرة داخل إحدى الغرف.


«النجدة! النجدة!»

صرخت الطفلة باكية.


وفجأة، اقتحم رجل الغرفة.

لم تكن تعرفه.


لفّها ببطانية مبلّلة، ووقف أمامها،

جاعلًا جسده حاجزًا بينها وبين السقف المشتعل الذي كان ينهار فوقهما.


صرخ الرجل:

«لا تتركي يديكِ يا صغيرة!»


شعرت إلينا بحرارة النيران.

سمعت الرجل يئنّ ألمًا بينما كان ظهره يحترق — لقد تحمّل النيران كلّها كي لا تُصاب هي.


وقبل أن تفقد وعيها،

كان آخر ما رأته إلينا هو الوشم على كتف الرجل:

نسر يحمل وردة.


عندما استيقظت في المستشفى، أخبرها رجال الإطفاء أن «فاعل خير» أنقذها ثم غادر فور تسليمها للمسعفين.

لم ترَه مرة أخرى.

لم تعرف اسمه.

اختفى الرجل الذي أنقذ حياتها.


عادت إلينا إلى الحاضر.


لمست بيديها المرتجفتين ندوب دون فاوستو.


قالت وهي تبكي، وصوتها يرتجف كطفلة عادت فجأة إلى خوفٍ قديم:

«بابا… هل كنتَ أنت؟

هل أنت الرجل الذي أنقذني من الحريق؟»


لم يستطع دون فاوستو أن ينطق،

لكن الدموع التي انهمرت من عينيه قالت كل شيء.


كانت دموعًا ثقيلة،

دموع رجل حمل سرًّا عشرين عامًا،

ودفع ثمنه صمتًا،

وخجلًا،

وألمًا لم يسمح لنفسه يومًا أن يشكو منه.


أغمض عينيه ببطء…

إغلاقهما لم يكن هروبًا،

بل إقرارًا،

إشارة صامتة تعني:

«نعم… أنا».


شعرت إلينا بأن الهواء اختفى من حولها.

جلست على الأرض قرب السرير،

وقدماها لم تعودا تحملانها.


كل الصور التي


كانت مبعثرة في ذاكرتها منذ الطفولة،

كل الأسئلة التي لم تجد لها جوابًا،

كل الفراغ الذي تركه الرجل المجهول الذي أنقذها ثم اختفى…

التأمت فجأة في وجه هذا الرجل الصامت.

وفي تلك اللحظة،

رنّ هاتف إلينا.


كان الصوت حادًا في الغرفة الهادئة،

كأنه جاء ليعيدها قسرًا إلى الحاضر.


نظرت إلى الشاشة بعينين دامعتين.

الاسم: روﻻن.


ترددت للحظة،

ثم أجابت.


قال روﻻن بقلق واضح:

«إلينا؟

لقد اتصلتِ بي في وقت سابق ولم تردّي.

هل بابا بخير؟»


لم تستطع إلينا أن تتماسك.

خرج صوتها مكسورًا، مشبعًا بالبكاء:

«روﻻن…

لماذا؟

لماذا لم تخبرني؟

لماذا أخفيتَ هذا عني؟»


ساد الصمت في الطرف الآخر.

صمت طويل،

ثقيل،

كأن روﻻن كان يعرف أن هذه اللحظة ستأتي يومًا ما،

لكنه لم يكن مستعدًا لها.


ثم قال بصوت متجمّد:

«لقد… دخلتِ الغرفة… أليس كذلك؟»


انفجرت إلينا:

«نعم!

رأيتُ الندوب يا روﻻن!

رأيتُ الوشم!

والدك هو من أنقذني عندما كنتُ طفلة!

هو السبب في أنني ما زلت على قيد الحياة!

كيف استطعتَ أن تُخفي عني هذا السر كل هذه السنوات؟»


تنهد روﻻن بعمق.

تنهد رجل حمل سرًّا ليس له وحده.


قال بصوت منخفض، لكنه صادق:

«إلينا، اسمعيني جيدًا…

لهذا السبب تحديدًا لم يُرِد أبي أن تريه.

هو يشعر بالخجل من جسده الآن،

من ضعفه،

من شكله الذي لم يعد يشبه الرجل القوي الذي كانه يومًا».


توقّف قليلًا، كأن الكلمات أثقل من أن تُقال دفعة واحدة، ثم تابع بصوت خافت لكنه حاسم:

«لكن الأهم


من ذلك…

لم يُرِدك أن تتزوجيني بدافع الامتنان».

سقطت الجملة على قلب إلينا كحجرٍ ثقيل.

لم يكن الألم في الكلمات نفسها،

بل في صدقها.


انهارت إلينا.

لم تصرخ،

لم تعترض،

لم تحاول حتى أن تبرر لنفسها ما تشعر به.


 وضعت الهاتف على الأرض بيد مرتعشة،

كأنها تخشى أن يسقط منها فينكسر،

كما انكسر شيء عميق في داخلها.


أسندت ظهرها إلى السرير،

إلى الجسد الذي يرقد عليه رجل صامت،

رجل حمل سرّها،

وحملها،

وحمل ذاكرتها،

ثم اختار أن يختفي من حياتها دون أن يطالب بشيء.


شعرت بثقل الحقيقة يسقط على قلبها دفعة واحدة،

لا تدري كيف تحتمله،

ولا كيف تتنفس تحته.


عاد صوت روﻻن عبر الهاتف،

أهدأ هذه المرة،

كأنه هو أيضًا استسلم للحقيقة:


«عندما قدّمتكِ لأبي لأول مرة،

تعرّف عليكِ فورًا.

لم يحتج إلى وشم،

ولا إلى ذكرى،

ولا إلى قصة…

عرفكِ من عينيك».


أغمضت إلينا عينيها.

عيناها…

هما نفس العينين اللتين نظرتا إليه وسط الدخان،

وسط النار،

وسط الخوف.


تابع روﻻن:

«بعد خروجك من الغرفة،

أمسكني من يدي.

كانت يده ضعيفة،

لكن قبضته كانت حازمة».


وتابع بصوت متهدّج:

«قال لي:

(روﻻن، لا تخبرها.

أريدها أن تحبك لأنك أنت،

لا لأنك ابن الرجل الذي أنقذها.

ولا أريدها أن تشعر يومًا بأنها مدينة لعائلتنا).»


ساد صمت قصير،

ثم أكمل:

«قال لي أيضًا:

(إذا كان لي من أجرٍ على ما فعلت،

فليكن أن تعيش تلك الطفلة حرة…

لا مقيدة بالامتنان،

ولا مثقلة بالذاكرة).»


ابتلعت إلينا ريقها بصعوبة.

كانت تسمع الكلمات،

لكنها كانت تشعر بها أكثر مما تسمعها.


قال روﻻن:

«لهذا أخفى ندوبه.

ولهذا لم يُرِدك أن تنظّفيه أو تستحمّيه.

كان يخشى أن تري جسده قبل أن تري روحه.

كان يريدك حرة من الماضي…

حتى لو كان الثمن أن يبقى صامتًا إلى الأبد».


انتهت المكالمة.


لم تعد إلينا بحاجة إلى سماع المزيد.

لم يعد هناك سؤال بلا جواب.

كل شيء صار واضحًا…

واضحًا إلى حد الألم.


جثت ببطء بجانب سرير دون فاوستو.

لم تعد ترى فيه الرجل العاجز،

ولا الحما الصامت،

ولا الجسد المثقل بالندوب.


كانت ترى فيه ذاك الرجل الذي انحنى وسط النار،

واحتضن طفلة لا يعرف اسمها،

واختار أن يحترق ليمنحها فرصة للحياة.


مدّت يديها المرتجفتين،

ووضعتْهما على حافة السرير قربه، بحذر.

كأنها تخشى أن تؤلمه أكثر،

أو أن توقظه من صمته العميق.


كان جسده ضعيفًا،

باردًا قليلًا عند اللمس،

لكن حضوره كان عظيمًا على نحوٍ لا يُفسَّر.


لم يكن حضور قوة،

ولا سلطة،

ولا هيبة جسدٍ قادر…


بل حضور رجلٍ دفع من عمره،

ومن جسده،

ومن صمته،

ما يكفي ليملأ الغرفة،

وليملأ قلبها دفعة واحدة.


شعرت إلينا، وهي قريبة منه،


كأن الزمن كله اجتمع في تلك اللحظة،

طفولتها، ونجاتها التي لم تفهم ثمنها إلا الآن.


همست بصوتٍ مرتجف، وعيناها معلّقتان بالندبة على كتفه:

الندبة التي لم تعد جرحًا،

بل شهادة حياة:


«بابا…

أنا


أحب روﻻن كثيرًا.

وأحبك كثيرًا أيضًا».

خرج صوتها مبحوحًا،

محمّلًا بما لم تقله الكلمات،

وبما لم تستطع السنوات أن تمحوه.


توقفت لحظة،

أغمضت عينيها،

كأنها تفتّش في قلبها عن أصدق صيغة ممكنة،

صيغة لا يشوبها واجب،

ولا يشدّها دين،

ولا يلوّنها ماضٍ مفروض.


ثم أضافت بصوت ثابت،

ناضج،

صادق حتى الوجع:


«ليس بدافع الامتنان،

ولا لأنك أنقذت حياتي،

ولا لأن الماضي فرض عليّ حبك…

بل لأنك أطيب إنسان عرفته في حياتي.

لأنك اخترت أن تنقذني دون أن تنتظر شكرًا،

واخترت أن تصمت كي أعيش حرة».


تحرّكت شفتا دون فاوستو قليلًا.

حركة بالكاد تُرى،

لكنها كانت كافية لتُربك قلب إلينا،

كافية لتجعل دموعها تنهمر دون مقاومة.


فتح عينيه ببطء.

عينان أنهكهما الزمن،

لكن داخلهما شيء لم يُطفئه المرض.


وللمرة الأولى منذ إصابته بالجلطة،

ارتسمت على وجهه ابتسامة خافتة…

ابتسامة رجل اطمأن أخيرًا

أن تضحيته لم تُساء فهمها،

وأن صمته لم يكن فراغًا،

بل اختيارًا نبيلاً.


مرت الأيام بعد ذلك مختلفة.

لم تتغير الجدران،

ولا الغرف،

ولا ترتيب البيت…


لكن الهواء نفسه بدا أخفّ.

الصمت لم يعد ثقيلًا.

والغرفة التي كانت تُغلق دائمًا،

صارت تُفتح كل صباح.


لم تعد إلينا تخشى غرفة دون فاوستو،

ولا جسده الواهن،

ولا ضعفه،

ولا صمته الطويل.


كانت تدخلها كما يدخل المرء مكانًا مألوفًا،

مكانًا لا يحتاج فيه إلى تبرير وجوده.


كانت تجلس بجانبه كل صباح،

تفتح النافذة،

تدع الضوء يتسلل ببطء،

وتدع معه دفئًا بسيطًا،

يشبه الطمأنينة.


تبدأ في قراءة الصحيفة بصوت هادئ،

تختار الأخبار التي يمكن أن تُقال،

وتتجاوز ما يثقل القلب.


تحكي له عن يومها،

عن أشياء صغيرة

لم تكن تعيرها انتباهًا من قبل:

طريق ازدحم أكثر من المعتاد،

طفل ضحك في الشارع،

شجرة أزهرت فجأة.


كانت تضحك أحيانًا،

وتبكي أحيانًا أخرى دون خجل،

دون خوف من أن تُفهم خطأ،

لأنها تعلم الآن

أن هناك من يسمعها…

حتى لو لم يستطع الرد.


وعندما عاد روﻻن إلى المنزل بعد أيام،

وجد مشهدًا لم يره من قبل،

مشهدًا لم يكن يعلم أنه يحتاج لرؤيته.


إلينا جالسة بجانب والده،

تمسك بيده بثبات،

تقرأ له الأخبار،

وتتوقف أحيانًا لتشرح،

كأنها تعلم، في أعماقها،

أنه يسمع…

وأنه يشعر.


كان دون فاوستو نظيفًا،

تفوح منه رائحة طيبة،

ملامحه هادئة،

وعيناه أكثر سلامًا من أي وقت مضى.


لم يعد التحذير حاجزًا.

لم يعد الماضي عبئًا.

لم تعد الحقيقة خطرًا.


الحقيقة…

لم تدمّر العائلة كما كان يُخشى،

بل قوّتها،

وربطت بينهم برباطٍ أعمق من الدم،

رباط الصدق،

والاختيار،

والحب الذي لا يُفرض ولا يُشترى.


وبقيت إلينا


تعتني بدون فاوستو حتى آخر أنفاسه،

لا كواجب،

ولا كدين،

ولا كذكرى حريق قديم…

بل كتكريمٍ صادق

لرجلٍ أعطاها حياة ثانية،

ثم علّمها — بصمته،

وبألمه،

وبحبه الخفي —

كيف تُعاش هذه الحياة بكرامة،

وكيف يُحَبّ الإنسان

دون مقابل…

ودون شروط.


 

تعليقات

التنقل السريع
    close