صحبتي و خطيـبي
صحبتي و خطيـبي
رواية فارس احلامي بقلم ملك إبراهيم
البداية
كانت هاجر قاعدة في مدرج الجامعة، بتلعب في موبايلها وبتبص على السقف اللي بقت حافظاه أكتر ما حافظة وشوش الدكاترة. فجأة، دخلت نادين، صاحبتها الانتيم، وشها منور ومبسوطة آخر حاجة. وقفت في نص المدرج وصرخت بصوت عالي: “يا جماعة الخير! يا كل اللي يعرفني وما يعرفنيش! خطوبتي آخر الأسبوع الجاي! وكلكم معزومين!”
هاجر قامت من مكانها زي المجنونة وجريت على نادين حـ,ـضنتها، كانت فرحانة بيها من قلبها، “يا ألف مبروك يا ندوش! أخيراً يا شيخة! مين التعيس اللي هيستحملك؟” وضحكوا هما الاتنين.
بعد المحاضرة، نادين سحبت هاجر وقالتلها: “يلا يا هجور، عايزة أنزل أختار فستان الخطوبة النهاردة، عايزة رأيك!”
هاجر كانت مبسوطة جداً، “يا ستي يلا بينا! بس برضو قوليلي مين العريس؟”
نادين ابتسمت ابتسامة غامضة: “مفاجأة يا روحي! هتعرفي يوم الخطوبة!”
فضلوا يلفوا في المحلات كتير، وهاجر كانت معاها خطوة بخطوة، بتساعدها تختار أحلى فستان. وفي الآخر، هاجر نفسها عجبها فستان لونه أزرق هادي وقررت تشتريه عشان تروح بيه خطوبة صاحبة عمرها. طول الوقت وهاجر بتسأل نادين عن العريس، وكل مرة نادين تتهرب وتقول “قريب هتعرفي!”. هاجر مكنتش بتفهم ليه كل الغموض ده، بس كانت بتقول لنفسها “أكيد هي عايزة تعملها مفاجأة بجد”.
جا يوم الخطوبة، وهاجر كانت في قمة شياكتها بالفستان الأزرق. دخلت القاعة اللي كانت متزينة بطريقة تحفة، والناس حواليها بيضحكوا ويهزروا. قلبها كان بيدق بسرعة، متحمسة تشوف عريس صاحبتها، اللي كانت بتحكيلها كل أسرارها.
وفجأة، لقت نادين طالعة من كواليس القاعة، لابسة فستان أبيض تحفة، وماسكة إيد عريسها.
هاجر بصت ناحيتهم بابتسامة واسعة، بس الابتسامة دي اختفت في ثواني، وقلبها كأنه وقف. العريس… العريس كان أحمد! أحمد خطيبها اللي سابها من أسبوعين بالظبط، بدون سبب واضح، وحتى ما قالش غير كلمة كل شئ قسمة ونصيب.
وقفت هاجر مكانها مصدومة، مش مستوعبة اللي شايفاه. نادين صاحبتها الانتيم؟ وأحمد خطيبها؟ إزاي ده حصل؟ الصورة اللي كانت راسماها في خيالها عن أحمد ونادين وهما أصحابها اتهدت فوق دماغها. شريط ذكرياتها مر قدام عينيها بسرعة. افتكرت كل مرة كانت بتحكي لنادين عن حبها لأحمد، عن خلافاتهم الصغيرة، عن أحلامها معاه، عن كل كلمة حلوة قالها لها. نادين كانت بتسمع باهتمام، وتهز راسها وتديها نصايح. دلوقتي فهمت. فهمت إن نادين كانت بتستخدم كل المعلومات دي ضدها، قربت من أحمد وهي عارفة كل نقطة ضعف فيه، وكل حاجة كانت بتحكيها هاجر لها كانت سـ,ـلاح في إيد نادين.
نظرة نادين المنتصرة وهي بتسلم على المعازيم، ونظرة أحمد اللي متهرب من عينيها، أكدوا لها كل شكوكها. هاجر فضلت واقفة زي الصنم، وسط الفرحة والزغاريط، بس جواها كان كل حاجة بتنهار.
—
هاجر، اللي كانت لسه مصدومة ومش مستوعبة اللي بيحصل، لقت نفسها بتجري ناحية باب القاعة. كل خطوة كانت بتاخدها، كانت بتحس إن قلبها بيتكسر أكتر وأكتر. كانت عايزة تهرب من المكان ده، من الوجوه اللي بتضحك، من الموسيقى اللي بتزعق في ودانها. وهي بتجري ومغمضة عينيها من الدموع اللي مالياها، خبطت في حد جامد.
“آه!” قال الشاب اللي خبطت فيه، قبل ما يلحق يوازن نفسه. بص عليها لقاها بنت وشها أحمر وعينيها مليانة دموع وبتنهج كأنها كانت في سباق.
كان ده ياسين، ابن عم أحمد. هو لسه راجع من السفر بقى له تلات أيام بس، وجاي مخصوص عشان يحضر خطوبة ابن عمه . ميعرفش خالص إن البنت اللي خبطت فيه دي كانت خطيبة أحمد من أسبوعين.
ياسين، اللي كان بطبعه جدع ومبيشوفش حد زعلان ويسيبه، حاول يوقفها: “يا آنسة! هو في حاجة حصلت؟ إنتي كويسة؟”
بس هاجر مسمعتش أي حاجة. كل اللي كانت عايزاه إنها تخرج وبس. زقته من طريقها وطلعت تجري من القاعة كلها. ياسين فضل واقف مكانه، بيبص عليها وهي بتختفي، وقلبه وجعه عليها بطريقة غريبة. نظرة الحزن والصدمة في عينيها فضلت محفورة في دماغه. مين دي؟ وإيه اللي خلاها تعيط كده في يوم زي ده؟ سابت فيه أثر كبير، رغم إنها لحظات.
—
بعد يومين، الدنيا كانت لسه قلبة موازين هاجر. كانت قاعدة في كافيه هادي، بتشرب قهوتها وبتحاول تلملم شتات نفسها. وشها كان باين عليه الحزن، وكانت سرحانة في اللي حصل معاها.
في نفس الكافيه، دخل ياسين. عيونه كانت بتدور على مكان يقعد فيه، ولمحها. نفس البنت اللي خبط فيها يوم الخطوبة! اتفاجئ لما لقاها هنا، ولسه الحزن مالي عينيها. هي مخدتش بالها منه خالص.
من اليوم ده، ياسين بقى يروح نفس الكافيه كل يوم. مكنش بيتكلم معاها، بس كان بيقعد في مكان يقدر يشوفها فيه، من بعيد. ساعات كانت بتبقى بتقرا كتاب، وساعات باصة من الشباك، وساعات بتحاول تشتغل على اللابتوب بتاعها. كان فيه حاجة فيها بتشده، حزنها الهادي وعينيها اللي لسه فيها وجع. بقى كأن الكافيه ده هو روتينه اليومي الجديد، وبقى مستني يشوفها.
وبعد فترة، حس إن مفيش فايدة من الفرجة من بعيد. لازم يتجرأ ويكلمها. لازم يعرف مين البنت دي، وليه الحزن ده كله في عينيها. جمع شجاعته وقرر إنه في المرة الجاية، هيقوم ويروح ناحيتها.—
في الكافيه، ياسين أخيرًا جمع شجاعته وقام ناحية ترابيزة هاجر. قلبه كان بيدق بسرعة، وميعرفش هيقول إيه بالظبط. “مساء الخير، أنا آسف إني بضايقك بس…”
قبل ما يكمل كلامه، هاجر رفعت راسها وبصتله بصة كلها حزن وشاردة. مكنتش مركزة معاه خالص، كأنها بتشوفه من ورا ضباب. قامت بسرعة، لمّت حاجتها وحطت الشنطة على كتفها، وسابته ومشت. ياسين حاول ينادي عليها تاني، بس كانت خلاص خرجت من باب الكافيه.
هاجر كانت ماشية في الشارع، دماغها لسه مش معاها. سرحانة في اللي فات، ودموعها في عينيها. وهي بتعدي الشارع، فجأة… صوت فرامل قوي وصريخ كوتشات! عربية خبطتها وطرحتها على الأرض.
ياسين كان لسه واقف على باب الكافيه، وشاف كل حاجة بتحصل قدامه. قلبه اتنفض مكانه. جري ناحيتها زي المجنون، ولقاها مرمية على الأرض ومفيش وعي. بسرعة البرق، شالها وحطها في عربيته اللي كانت مركونة قدام الكافيه، وطار بيها على أقرب مستشفى.
في المستشفى، هاجر كانت محتاجة دم بسرعة. ياسين متأخرش لحظة، واتبرع ليها بالدم بتاعه. فضل قاعد في المستشفى لحد ما الدكتور طمنه إنها عدت مرحلة الخطر.
—
بعد يومين، هاجر فتحت عينيها لقت كل وشوش عيلتها حواليها. كلهم كانوا بيبصولها بقلق وفرحة إنها فاقت. وبدأوا يتكلموا ويحكوا عن اللي حصل. “الحمد لله على سلامتك يا حبيبتي، ربنا نجاكي!”، “ده شاب ابن حلال بجد، وقف معاكي وقفة جدعة”، “لولا الأستاذ ياسين ده، هو إللي انقذك ربنا يستره.
هاجر كانت سامعة ومش مستوعبة. “ياسين؟ مين ياسين ده؟” كانت عايزة تعرف مين الملاك اللي أنقذها ده. بصت حواليها، لقت بوكيه ورد أحمر كبير محطوط جنب سريرها. باباها قالها: “ده ياسين اللي جابه، وكان بيطمن عليكي كل شوية.”
قلب هاجر دق بسرعة. عايزة تشوفه، تشكره. سألت باباها: “هو فين دلوقتي؟ عايزة أشوفه.”
باباها رد: “قال إنه لازم يمشي، بس هيجي يطمن عليكي تاني.”
بقلمي ملك إبراهيم
لكن ياسين مختفاش وبس. ياسين بعدها مظهرش تاني في المستشفى ولا حتى في بيتهم، بس كل يوم، من غير استثناء، كان بيوصلها بوكيه ورد جديد ومعاه كارت صغير مكتوب عليه إهداء بخط إيد ياسين. شهر كامل على الوضع ده. هاجر كانت هتتجنن! مين ياسين ده؟ شكله إيه؟ ليه بيوصل ورد ومبيظهرش؟
كل ما تسأل باباها، يرد ويقولها: “ياسين بيكلمني كل يوم على التليفون عشان يطمن عليكي. هو بس مشغول شوية، .” هاجر حست إنها بتتعلق بالشخص الغامض ده،، اللي أنقذ حياتها ومبطلش يبعتلها ورد. كانت عايزة تعرف أكتر عن ياسين، اللي بقى جزء من يومها من غير ما تشوفه.
—
هاجر فضلت تفكر وتفكر في ياسين الغامض ده اللي كل يوم بيبعتلها ورد. إزاي متشكرش الشخص اللي أنقذ حياتها؟ وفي يوم، طلبت من باباها رقم ياسين عشان تتصل بيه وتشكر. باباها ابتسم وقالها: “طبعًا يا بنتي، ده أقل حاجة”.
اتصلت هاجر، وقلبها كان بيدق بسرعة. لما سمعت صوته لأول مرة بجد، حست براحة غريبة. شكرته برقه، وهو كان بيتكلم بهدوء وذوق. الكلام بينهم مخلصش بسرعة، فضلت تتكلم معاه عن حاجات كتير، عن حالتها، وعن تفكيرها، وحست إنها مرتاحة جداً ليه، كأنها تعرفه من زمان. مكالمة ورا مكالمة، وبدأوا يتكلموا أكتر وأكتر، وحست إنها بتتعلق بالصوت ده، وبالشخص اللي وراه.
بعد فترة، ياسين كلم والد هاجر. بس المرة دي، الكلام كان جاد ومختلف. ياسين قال لباباها إنه معجب بهاجر وعايز يتقدم لخطوبتها.
أهل هاجر كلهم فرحوا جداً بيه. شاب جدع، أنقذ بنتهم، ومحترم، وباين عليه ابن ناس. كانوا شايفينه أحسن فرصة ليها بعد اللي مرت بيه. لكن هاجر، هي اللي كانت خايفة. تجربتها الفاشلة مع أحمد وكسرة قلبها كانت لسه وجعها. كانت خايفة تعيد التجربة، خايفة تثق في حد تاني وتتوجع تاني.
ياسين حس بخوفها، وطلب من أهلها إنه يقعد معاها، لوحدها، عشان يتكلموا ويفهموا بعض. أهلها، بعد شوية تردد، وافقوا، خصوصاً إنهم واثقين في ياسين.
في اليوم المحدد، هاجر كانت قاعدة متوترة في الصالون. لما دخل ياسين، أول ما عينيها جت عليه، قلبها دق بعنف. لحظة واحدة، وفهمت. عرفت إنه هو نفس الشاب اللي خبطت فيه يوم خطوبة أحمد، هو نفس الشاب اللي شافت ملامحه في عينيها وهي بتجري مصدومة. مكنتش فاكراه كويس من الصدمة، بس دلوقتي، ملامحه اللي كانت محفورة جواها ظهرت قدام عينيها بوضوح. كأن الصورة اللي اترسمت في بالها من شهور، اكتملت أخيراً قدامها. هي دي نظراته القلقة اللي شافتها وهي بتجري، وهو ده الصوت اللي ارتاحتله في التليفون. ياسين هو هو… نفس اللي أنقذها، ونفس اللي حبته من غير ما تشوفه بوضوح.—
ياسين قعد قصاد هاجر، اللي كانت لسه ملامح الصدمة باينة على وشها من إنها افتكرته. ابتسامة هادية رسمت على شـ,ـفايفه، وحاول يطمنها: “أنا عارف إنك مريتي بحاجة صعبة يا هاجر، ومش عايز أضغط عليكي. بس صدقيني، أنا مش زي خطيبك القديم . ومستعد أعمل أي حاجة عشان أثبتلك ده.”
صمت شوية، وبعدين كمل: “أنا مش طالب منك غير إننا ندي لنفسنا فرصة. ممكن تكون خطوبة بسيطة، نلبس فيها دبل بس. ولو في أي وقت حسيتي إنك مش مرتاحة، أو إن الموضوع ده مش هينفع، ساعتها الموضوع ينتهي على طول. مش عايزك تحسي إنك مجبرة على أي حاجة.”
هاجر، اللي حست بصدقه في كلامه، وبصت في عينيه اللي كانت مليانة حنية وطمأنينة، وافقت. قلبها كان لسه بيخاف، بس فيه حاجة في ياسين خلتها تحس بالأمان.
راحوا اشتروا الدبل، وكانت بسيطة وجميلة. والخطوبة اتعملت فعلاً في البيت، بسيطة جداً زي ما ياسين طلب. حضرها والد ياسين ووالدته، وأهل هاجر بس. الأجواء كانت دافية ومليانة حب، وياسين طول الوقت كان بيحاول يخلي هاجر تضحك وتنسى أي خوف جواها.
—
بعد كام يوم، رجعت هاجر الجامعة. ياسين أصر يوصلها بعربيته الفخمة. أول ما العربية دخلت قدام باب الجامعة، كل اللي كانوا واقفين اتفاجئوا. عربية آخر موديل، وشاب وسيم جداً بينزل يفتح لهاجر الباب وبيودعها بابتسامة. زمايلها كلهم كانوا واقفين مبهورين، وبيتساءلوا مين الشاب ده.
نادين كانت واحدة من اللي شافوا المنظر. كانت مكسورة من جواها. ازاي هاجر تتخطب بالسرعة دي، وكمان لشاب أحلى وأغنى من أحمد بكتير! الغيرة سيطرت عليها. مكنتش مصدقة إن اللي خطفته منها، دلوقتي فيه واحد أحسن منه بكتير جاي لهاجر.
في اللحظة دي، نادين قررت إنها تعيد نفس اللي عملته في المرة الأولى بالظبط. هتقرب من هاجر تاني، هتعرف عنها كل حاجة، كل كلمة عن ياسين، عن شغله، عن شخصيته. هتعرف كل نقطة ضعف فيه، وهتستخدم كل المعلومات دي عشان توقعه، زي ما وقعت أحمد من هاجر بالظبط. الشيطان بدأ يلعب في دماغ نادين، وهي كانت مصممة إنها تنتقم من هاجر وتخطف منها فرحتها للمرة التانية.—
بقلمي ملك إبراهيم
بعد فترة، نادين قررت تتصرف. راحت لهاجر، ودموع التماسيح كانت مالية عينيها. حـ,ـضنتها وفضلت تعيط بحرقة: “أنا آسفة يا هاجر، آسفة على كل حاجة عملتها. أحمد هو اللي قرب مني واعترف لي بحبه. أنا ندمت ارجوكي سامحيني!”
هاجر، اللي كانت خلاص تخطت موضوع أحمد وعرفت إنها في الأساس مكنتش بتحبه الحب الحقيقي، وإن ياسين بحبه واهتمامه قدر يملى عليها حياتها، كانت هادية وهي بتسمع نادين. بصتلها بابتسامة خفيفة، وقالت: “مسامحاكي يا نادين. اللي فات مات.”
لكن هاجر مكنتش غبية. التجربة الأولى علمتها درس مستحيل تنساه. وافقت تسامح نادين، بس كانت حذرة منها جداً. خلاص، هاجر الجديدة اتعلمت إنها متفتحش قلبها بكل تفاصيل حياتها لأي حد تاني. قلبها بقى ملك لياسين، وأسرارها هتفضل أسرارها.
نادين حاولت بكل الطرق ترجع العلاقة زي الأول عشان تعرف تفاصيل أكتر عن ياسين. كانت بتسأل وتلمح وتضغط، بس هاجر كانت كل مرة بترد عليها بردود عامة، ومبتدخلش في تفاصيل حياتها مع ياسين. نادين لاحظت إن هاجر مبقتش تحكيلها زي الأول، وإنها خلاص اتعلمت من غلطتها.
مفيش يأس، نادين مكنتش من النوع اللي بيستسلم بسهولة. قدرت بطريقة ما إنها تجيب رقم تليفون ياسين. بدأت تبعتله رسايل وتتصل بيه، وتشاغله بأي طريقة، تحاول تفتح معاه أي كلام، أو ترمي شباكها يمكن يصطاد. بس ياسين مكنش زي أحمد خالص. أول ما حس باللعب ده، قفل في وشها أي باب. كان رده حاسم ومفيهوش أي مجال. ياسين كان راجل جدع، ومبيفكرش غير في هاجر وبس، وكل محاولات نادين باءت بالفشل الذريع.—
ياسين كان مستغرب جداً من مكالمات ورسايل نادين المتكررة. بنت غريبة بتطارده ومبتزهقش، حتى بعد ما صدها كذا مرة. لقى نفسه بيقول: “أكيد دي مجنونة! عايزة مني إيه دي؟” ورغم إنه قفل في وشها كل الأبواب، بس الموضوع كان مخوفه شوية.
في يوم، قعد ياسين مع هاجر زي عادتهم، كان بيحكي لها عن يومه. هو راجل صريح ومبيحبش يخبّي أي حاجة عليها. فحكى لها عن الموضوع ده: ” فيه بنت غريبة كده كل شوية تكلمني وتحاول تفتح كلام. مش عارف هي عايزة إيه مني بالظبط. والأغرب ان لما بحثت عن رقمها عشان اعرف هي مين طلع اسمها نادين وخطيبة ابن عمي أحمد!”
هاجر كانت بتسمع باهتمام، بس لما سمعت اسم “أحمد” و”خطيبته” و”نادين” (لأنها كانت متأكدة إن دي نادين اللي بتطارده)، حست بصدمة. “أحمد؟ نادين؟” الأسماء دي كانت بتضـ,ـرب في دماغها زي الصواعق. “معقولة يكون أحمد خطيبها السابق؟!”
ركزت أكتر في اسم عيلة ياسين، اللي كان هو هو نفس اسم عيلة أحمد. بدأت الشكوك تنهش فيها. عينيها وسعت وهي بتسأله بتوتر: “أحمد… ابن عمك؟ قصدك مين أحمد؟”
ياسين استغرب من لهجتها، ورد: “أه أحمد، ابن عمي اللي خطوبته كانت في نفس اليوم اللي شوفتك فيه. مالك يا هاجر؟ في حاجة حصلت؟”
في اللحظة دي، هاجر حست إن الدنيا بتلف بيها. أحمد ده هو خطيبها السابق! ونادين دي صاحبتها اللي خطفت أحمد منها! وهي دلوقتي بتحاول تخطف ياسين كمان! الصدمة كانت أقوى من أي حاجة حست بيها قبل كده. كل حاجة كانت بتبنيها من أول وجديد، كل الثقة اللي كانت بدأت ترجع لها في الحياة، اتهدت في لحظة. نادين مش بس صاحبتها اللي خانتها، دي كمان بقت بتلاحق حب حياتها الجديد!—
بقلمي ملك إبراهيم
هاجر كانت باصة لياسين وعينيها مليانة خليط من الصدمة والوجع القديم اللي رجع يصحى، بس كمان بنوع من الشجاعة اللي عمرها ما حست بيها قبل كده. أخدت نفس طويل، وبدأت تحكيله كل حاجة. حكتله عن أحمد خطيبها اللي سابها فجأة، وعن نادين صاحبتها الانتيم اللي اتخطبتله بعد أسبوعين بالظبط. حكتله عن إزاي نادين كانت بتسمع كل أسرارها وتفاصيل علاقتها بأحمد، وإزاي كانت بتستخدم كل ده ضدها.
ياسين كان بيسمعها بانتباه، وكل كلمة كانت بتتقال كانت بتزود غضبه من ابن عمه ومن نادين. مكنش مصدق إنهم ممكن يعملوا كده.
وبعد ما خلصت هاجر كلامها، بصت لياسين بابتسامة حزينة بس كلها رضا: “مكنتش متخيلة أبداً إن ابن عمك ده يبقى هو نفسه أحمد خطيبي القديم يا ياسين. بس عارف؟ أنا مش ندمانة لحظة إن أحمد راح لنادين. دلوقتي بس، وبعد ما دخلت حياتي، عرفت الفرق. عرفت الفرق بين الحب الصادق والاهتمام الحقيقي وبين أي حاجة تانية. ربنا عوضني بيك، وبقيت مطمنة إن جنبي راجل بجد، صادق وواضح.”
كلام هاجر لمس قلب ياسين. حس بمدى الألم اللي مرت بيه، وقد إيه هي قوية. قام قعد جنبها ومسك إيديها بحنية، وقالها: “أنا آسف على اللي عملوه معاكي يا هاجر، مكنتش أعرف إن ابن عمي بالشكل ده. بس متخافيش، طول ما أنا جنبك مفيش حد هيقدر يأذيكي.”
وبص في عينيها بنظرة تحدي: “بس كده مينفعش نسكت. لازم نعلم نادين دي درس عمرها. لازم تعرف إن اللي بتعمله ده مش هيعدي بالساهل. مش بس عشان تبعد عننا، لا، ده عشان تبعد الأذى عن أي شخص تاني ممكن تفكر تأذيه.”
هاجر ابتسمت ابتسامة واثقة، فيها شرارة لم تظهر عليها من قبل. كانت مستعدة لأي حاجة عشان تحمي حبها الجديد، وعشان تنتقم من اللي خانوها. قالت لياسين: “أنا معاك في أي حاجة، وإيه هي خطتك؟”
ياسين فكر شوية، وبعدين قال: “خطتنا بسيطة، وهتخليها تندم على اليوم اللي فكرت فيه تقرب من أي حد فينا.”—
ياسين كان ماسك إيد هاجر وابتسامته مرسومة على وشه. “بسيطة جداً يا روحي. نادين دي مش هتعرف طعم النوم تاني بعد اللي هنعمله فيها.”
بدأ ياسين في تنفيذ خطته. رد على رسايل نادين، وبدأ يبين لها إنه متأثر بيها وإن كلامها عجبه. نادين طبعاً كانت طايرة من الفرحة، كانت مستنية اللحظة دي بفارغ الصبر. بدأت تحس إن شباكها اللي كانت رمياها بدأت تلقط. فضلت تبعتله كلام معسول وتتغزل فيه، وهو كان بيرد عليها بنفس اللهجة لحد ما يضمن إنها اتعلقت بيه.
وبعد كام يوم، ياسين حدد معاها ميعاد عشان يقابلها فيه في كافيه معروف. ياسين كان مرتب كل حاجة مع هاجر، ومفهمها كل خطوة. نادين طبعاً كانت في قمة سعادتها، لبست أشيك فستان عندها، وحطت أحسن مكياج، وراحت الكافيه وهي متخيلة إنها هتخطف قلب ياسين زي ما خطفت أحمد.
بقلمي ملك إبراهيم
قعدت نادين قدام ياسين، وحاولت تبين إنها بريئة وضحية. بصت في عينيه بكل جرأة وقالتله: “أنا آسفة يا ياسين، بس مقدرتش أقاوم إحساسي ناحيتك. أنا بحبك، ومستعدة أسيب خطيبي عشانك وعشان أكون معاك.”
ياسين كان بيسجل كل كلمة بتقولها نادين على موبايله، وكانت ابتسامة خفيفة مرسومة على وشه. فجأة، أحمد دخل الكافيه. كان ياسين مفهمه إنه هيعرفه على خطيبته الجديدة، وإنها هتكون مفاجأة.
أحمد اتفاجئ لما لقى ياسين قاعد مع نادين خطيبته. مكنش فاهم إيه اللي بيحصل. أول ما قرب منهم، نادين وشها اتغير ومصدقتش عينيها. ياسين، بكل برود، قال لأحمد: “أهلاً يا أحمد! كويس إنك جيت. أحب أعرفك على نادين… البنت اللي مخطوبة لواحد مغفل، وهتسيبه عشان تتخطب ليا أنا.”
نادين وقفت مصدومة، مش عارفة تقول إيه. كل خططها باظت في لحظة. بصت لياسين و لأحمد، وفكرت بسرعة. أحمد خلاص انكشفت قدامه، وياسين هو الأغنى والأحلى. القرار كان سهل. بصت لأحمد ببرود وقالتله: “أه أنا بفسخ خطوبتي منك يا أحمد! وهتخطب لياسين.”
أحمد كان مصدوم ومش مصدق اللي بيسمعه. ياسين ابتسم ابتسامة انتصار، وهاجر اللي كانت واقفة بعيد وبتشوف كل حاجة، حست براحة غريبة. الخطة نجحت، ونادين خدت أكبر درس في حياتها.—
في اللحظة اللي نادين نطقت فيها بكلماتها الصادمة، هاجر كانت بتقرب منهم، وعلى وشها ابتسامة انتصار هادية، لكن قوية. أول ما قربت، ياسين قام وقف جنبها، مسك إيديها بحنان.
وبص لنادين ببرود وقالها: “بس أنا للأسف خاطب يا نادين. وخطيبتي دي عندي بالدنيا كلها. بحبها ومقدرش أبص لأي بنت تانية غيرها.”
وبعدين بص على هاجر اللي كانت ظهرت قدامهم تماماً، وسحبها جنبه، وقال لأحمد، بصوت عالي وواضح سمعه كل اللي في الكافيه: “وأحب أعرفك يا أحمد، دي هاجر. خطيبتي.”
هاجر، وقفت جنب ياسين، وهو ماسك إيديها بحزم وثقة. وبص في عينيها وقالها بحب: “هاجر حبيبتي وخطيبتي… وإن شاء الله مراتي وأم أولادي.”
وبعدين رجع بص لنادين، اللي كانت واقفة مصدومة، مش مستوعبة اللي بيحصل. نظرة ياسين كانت مليانة احتقار: “مفيش راجل محترم ينفع يبص لوحدة زيك يا نادين. لأنك رخيصة وبتبيعي نفسك للي يدفع أكتر.”
ودار وشه لأحمد، اللي كان لسه واقف زي الصنم: “وهي دي اللي هتبقى مراتك وتشيل اسمك وتحافظ على شرفك؟ دي خانت صاحبة عمرها، اللي كانت بتحكيلها كل أسرارها… تفتكر مش هتخونك أنت يا غبي؟”
كلمات ياسين كانت كالصاعقة على رأس أحمد. بص لنادين بصدمة ممزوجة باشمئزاز. مكنش مصدق إن دي نادين اللي حبها وخطفها. للحظة، شريط كل الأحداث مر قدام عينيه. نظرات هاجر المصدومة يوم خطوبته، كلامها اللي سمعها بتقوله لياسين. كل حاجة وضحت.
من غير كلام كتير، أحمد مد إيده وخلع الدبلة من صباعه، ورماها في وش نادين بقوة. وبعدين، لف وبص لهاجر، وعينيه مليانة أسف وندم حقيقي. قال بصوت مكسور: “أنا آسف يا هاجر… آسف على كل حاجة.”
نادين فضلت واقفة مكانها، مفيش كلمة طلعت منها. خسرت كل حاجة في لحظة واحدة. أحمد بص لياسين وهز راسه كأنه بيشكره، وخرج من الكافيه وهو ماشي من غير هدف. وياسين مسك إيد هاجر، اللي كانت بتنظر له بامتنان وحب، وخرجوا من الكافيه.
—
وبعد فترة قليلة من الأحداث دي، ياسين وهاجر، اللي حبهم كبر وقوي مع كل اختبار، اتجوزوا. كان الفرح بسيط ودافي، على قد حبهم الصادق. عاشوا مع بعض حياة كلها حب وصدق وأمان، وياسين كان دايماً سندها وضهرها، وهي كانت سكنه وراحته. عرفت هاجر إن ربنا لما بياخد حاجة، بيعوض بأحسن منها بكتير، وإن القوة مش إنك متقعش، لكن إنك تقوم تاني وتقف على رجلك أقوى من الأول… بقلمي ملك إبراهيم.
النهاية.


تعليقات
إرسال تعليق