سكريبت صدمه العمر كامل
صدمه العمر
رجـعت البيٕت بـدري عن معاد رجوعي علشان افاجيء ءمراتي
كانت في الشهر ال 8 من حملها لكـن اللي شوفـته خلاني أكتشف حقيقة دمرت كل اللي كنت فاكره عن نفسي.
كنت راجع بدري علشان أفاجئ مراتي، وهي في الأسبوع السادس والثلاثين من حملها في أول طفل لينا، وكنت متخيل إن أقصى حاجة ممكن تحصل هي زعل خفيف علشان ما قلتلهاش إني راجع، أو دموع فرح لأني أخيرًا اخترت العيلة بدل الشغل، لكن اللي شوفته أول ما دخلت البيت ما كانش مجرد صدمة…
كان هدم هادي وبطيء لكل صورة كنت رسمها عن نفسي وعن القوة والسكوت والقسوة، حقيقة هتفضل معلمة جوايا طول عمري.
رحلة الطيران من سنغافورة للقاهرة كانت مرهقة، لدرجة إن حتى طاقم الطيارة كان واضح عليهم التعب، لكن كل ده ما كانش حاجة جنب الاضطراب اللي جوا صدري وأنا الطيارة بتنزل، لأن لأول مرة من سنين اخترت الإحساس بدل الحسابات، اخترت الحب بدل السيطرة، والاختيار ده خوّفني أكتر من أي صفقة عدائية دخلتها في حياتي.
اسمي آدم شريف، مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة شريف للطيران والصناعات الهندسية، راجل بنى سمعته على التحكم والدقة والبرود، ومع ذلك كنت قاعد في الكرسي ماسك علبة قطيفة فيها عقد اشتريته فجأة من السوق الحرة، وبعيد في خيالي رد فعل مراتي لما أدخل البيت قبل معادي بكام يوم.
مي، مراتي، كان دايمًا ليها ريحة صابون لوز ومطر خفيف، وحتى صوتها في التليفون اتغير في الشهور الأخيرة، بقى أهدى وأنفاسها أعمق مع الحمل اللي تـقل حركتها، وفضلت أكرر لنفسي إن كل حاجة تمام، إن الفيلا في الشيخ زايد آمنة، وإن الطاقم اللي بدفعله مبالغ خرافية بيعمل شغله، وإن غيابي مبرر ومؤقت ومش مؤذي.
كنت غلطان.
العربية دخلت من البوابة حوالي الساعة اتنين الظهر، الوقت اللي الهدوء فيه بيغطي الثراء، والصمت بيبقى محسوب مش فاضي، دخلت من الباب الجانبي علشان أفاجئها، كنت عايز أسمعها قبل ما تشوفني، لأني وقتها كنت لسه مؤمن إن الحب ينفع يتفاجئ.
أول حاجة استقبلتني كانت ريحة ما ينفعش تكون في بيت مستني مولود جديد: كلور حاد يحرق العين، وأمونيا تقيلة تخنق النفس، وتحتهم ريحة حامضة… إنسانية.
اتبعت الصوت اللي كان بيرن في أرجاء الرخام، صوت كشط متكرر متقطع بأنفاس مجهدة، وكل ما قربت خطواتي بطلت مش علشان الحذر، لكن علشان مش مصدق اللي شايفه.
المدخل فتح قدامي زي مسرح كابوس، الشمس داخلة على رخام إيطالي مبلول بمياه رمادية، وفي النص، راكعة على ركَب ما ينفعش تلمس حجر، كانت مراتي.
بطن مي كان كبير ونازل، مشدود تحت تيشيرت باهت لازق في ضهرها من العرق، شعرها ملموم في كعكة مفكوكة، وكانت بتفرك الأرض بفرشة إيد، جسمها بيتمايل من المجهود، ونفسها طالع متقطع، وهي بتهمس باعتذارات مالهاش صاحب، ولثواني طويلة عقلي رفض يربط المشهد بالواقع، لأن دي مش النهاية اللي قصص زي قصتي بتوصل لها.
وراها، في الصالون الجانبي، كانت قاعدة نادية فؤاد، امي، قاعده حاطه رجل على رجل في كرسيها الجلد المفضل عندي، ماسكة فنجان بورسلين، وابويا بيضحك بهدوء على التلفزيون، قاعدين في راحة تامة، وكأن الست اللي بتنضف الأرض على بعد خمس خطوات مش بني ادمه، لكن حاجة مزعجة لازم تتراقب.
ولما امي اتكلمت، صوتها كان بارد، مدرب، من غير ذرة إحساس بالذنب:
— لسه في حتة عند السلم يا مي، لو نشفتي بشكل مش مظبوط، هتضطري تعيدي الجزء كله بكرة، وإنتي عارفة ده هيعمل إيه في جدولك.
مي هزت راسها، همست باعتذار، وقدمت ركبتها شوية، زحلقت على الرخام المبلول، وفي اللحظة دي حاجة اتكسرت جوايا بعنف حسيته في سناني: إيه اللي بيحصل…
قلت، بس الكلمة طلعت زي الزئير،
— إيه اللي بيحصل في بيتي؟.. صلي على محمد وال محمد وتابع التعليقات 👇🔻👇
الصوت خرج مني أعلى مما كنت متوقع لدرجة إن أبويا وطّى صوت التلفزيون وبصلي باستغراب وأمي رفعت عينيها ببرود كأنها اتفاجئت إني موجود أصلًا مي رفعت راسها ناحيتي وعينيها وسعت للحظة قبل ما تمتلئ بدموع حاولت تحبسها بسرعة وكأنها اتعودت إن البكاء هنا مش مسموح
أمي قالت وهي بتعدل وضعها في الكرسي إنت رجعت بدري ليه من غير ما تبلغ حد الشغل مش لعب يا آدم
ما رديتش عليها عيني كانت مسمّرة في مراتي اللي بتحاول تقوم من على الأرض بإيديها المرتعشة لكن رجليها خانتها وقعت تاني على ركبتها صوت الاحتكاك بالرخام كان أقسى من أي كلمة
قربت منها في خطوتين وشيلتها من تحت إيديها كانت خفيفة بشكل وجعني ريحة الكلور ماسكة في جلدها وصوابعها متشققة وباردة رغم الحر
قلت بصوت واطي بس مش ثابت إنتي بتعملي إيه
حاولت تبتسم ابتسامة صغيرة كدابة وقالت بنبرة معتادة خلاصت فاضلي الحتة دي بس
قبل ما أتكلم أمي قالت بحدة آدم ما تكبرش الموضوع دي شوية حركة تفيدها بدل القعدة والكسل الحمل مش مرض
لفّيت لها ببطء وحسيت لأول مرة في حياتي إن الست اللي قدامي مش أمي دي واحدة غريبة تمامًا
قلت إنتي خلتوها تنضف الأرض وهي في الشهر الثامن
أبويا تدخل وقال بهزار تقيل يا ابني الستات زمان كانوا بيولدوا في الغيط ويقوموا يكملوا شغلهم
ضحك ضحكة قصيرة وهو بيرجع يبص على التلفزيون
في اللحظة دي فهمت إن اللي بيحصل مش غلطة واحدة دي منظومة كاملة وأنا كنت الغايب الوحيد عنها
بصيت لمي كانت بتبص في الأرض وبتعتذر من غير صوت
قلت لها قومي
قالت لا سيبني أخلص علشان ما تزعلش ماما
الكلمة دي قطعتني من جوه ماما
بصيت لأمي تاني وقلت بهدوء يخوّف من النهارده مفيش حد هنا ليه كلمة على مراتي غيري
ضحكت ضحكة مستفزة وقالت إنت نسيت نفسك ولا إيه دي عايشة في بيتي
الجملة نزلت زي المطرقة
قلت بيت مين
سكتت
كملت ده بيتي أنا اللي شاريه وأنا اللي بدفع وأنا اللي سايبكم هنا وانتوا عاملين اللي انتوا عايزينه في غيابي
قربت منها خطوة وقالت بتهديد إوعى صوتك يعلى عليّ
رفعت صوتي لأول مرة في حياتي عليها يعلى
قلت يعلى
الصمت نزل تقيل
أبويا قام من مكانه وقال خلاص بقى يا آدم مش مستاهلة مشاكل
قلت لا مستاهلة ومستاهلة قوي
لفّيت لمي وقلت لها من اللحظة دي إنتي مش هتلمسي حاجة في البيت ده غير اللي إنتي عايزاه وبمزاجك
قالت بصوت مكسور بس أنا ما كنتش عايزة مشاكل
مسكت وشها بين إيديا وقلت إنتي المشكلة الوحيدة إنك سكتّي
أمي قامت وقالت إنت بتقلبها عليّ أنا عملت إيه يعني علمتها النظام
ضحكت ضحكة قصيرة حزينة وقلت النظام مش إذلال
ساعتها مي فجأة قالت بصوت واطي بس واضح أنا كنت بخاف أقولك
بصيت لها قلبي وقع
قالت كانوا بيصحوني بدري يخلوني أعمل كل حاجة لو تعبت يقولوا لي دلع لو قعدت يقولوا لي كسولة ولو اشتكيت يقولوا لي استحملي علشان ابنك
أمي صرخت كفاية دراما
قربت منها وقلت اخرجي
قالت نعم
قلت اخرجي من بيتي
أبويا حاول يتدخل قلت له مع احترامي ليك بس دلوقتي تمشي معاها
اللحظة دي كانت أصعب لحظة في حياتي لأني لأول مرة اخترت
اختارت مي
خرجوا
والبيت سكت
قعدت مي على الكنبة وأنا قعدت على الأرض قدامها ماسك إيديها وقلت سامحيني
عيطت لأول مرة بجد
قالت كنت فاكرة إن السكوت أمان
قلت لا السكوت مو.ت بطيء
بعدها بأيام بدأت المعركة الحقيقية قطع مصروفات حسابات منفصلة حدود واضحة أمي حاولت ترجع بالدموع وبالدعاء وباللعب على الذنب لكن المرة دي ما نجحتش
مي بدأت ترجع واحدة واحدة تضحك تاكل تنام من غير خوف
ولما ابننا اتولد كنت واقف جنبها ماسك إيديها وهي بتقولي الحمد لله إنك رجعت بدري
وقتها فهمت إن الرجوع الحقيقي مش من السفر
الرجوع الحقيقي إنك تشوف وتواجه وتختار
قصه ٢
رجعت من الشغل بدري عن معادي بساعتين، مش علشان مناسبة ولا عيد ولا سبب مهم، بس علشان وحشتني، كنت فاكر إن المفاجأة هتبقى ضحكة أو زعل خفيف أو حتى كلمة “خوّضتني”، لكن أول ما فتحت باب الشقة حسيت إن في حاجة غلط، ريحة صابون نفاذة مالية المكان، مية على الأرض، وصوت عصر تقيل جاي من الصالة. دخلت بهدوء ولقيتها واقفة، ضهرها محني، شعرها مربوط على عجل، إيديها حمرا من البرد والمجهود، وبتغسل سجادة كبيرة تقيلة لوحدها وهي في السابع من الحمل. وقفت مكاني مش فاهم ولا مصدق، قلت بهدوء وأنا بحاول أستوعب المشهد إنتي بتعملي إيه، رفعت عينيها وابتسمت ابتسامة سريعة وقالت خلصانة أهو فاضلي شوية. قربت منها وشفت بطنها باينة من التيشيرت وشفت رجليها بتترعش والتعب اللي بتحاول تخبيه، قلت مين قالك تعملي كده، سكتت ثانية وبعدين قالت ماما قالت السجاد اتوسخ وما ينفعش يتساب وقالت الحركة تفيدني. في اللحظة دي سمعت صوت ضحك جاي من أوضة السفرة، دخلت ولقيت أمي قاعدة حاطة رجل على رجل بتشرب قهوتها وأختي ماسكة الموبايل، أمي قالت ببرود آه رجعت بدري ليه لسه الشغل ما خلصش، ما رديتش ورجعت بصيت لمراتي وقلت سيبي اللي في إيدك، قالت بسرعة لا لا هخلص بس علشان ما تزعلش، الكلمة دي “تزعلش” دخلت في صدري زي السكينة، قلت بصوت أوضح سيبيها دلوقتي، سابت السجادة بس كانت واقفة متوترة كأنها مستنية حد يشدها من دراعها. لفّيت لأمي وقلت هي ليه بتغسل سجاد وهي في السابع من الحمل، ردت ببرود يعني الحمل خلاها عاجزة إحنا كنا بنعمل أكتر من كده، أختي ضحكت وقالت إنت مكبر الموضوع قوي، ساعتها فهمت إن اللي حاصل مش موقف ده نظام وأنا كنت الغايب عنه. مسكت إيد مراتي كانت ساقعة، قلت لها اقعدي، قعدت وبصت في الأرض، قلت لأمي من إمتى وإنتي بتقرري تعمل إيه في بيتي، قالت بيتك دي قاعدة هنا وتاكل من خيرنا، الجملة نزلت تقيلة بس خلت كل حاجة واضحة، قلت هي مش قاعدة دي شريكة وأم ابني، أمي قامت وقالت إنت اتغيرت دي ملوّعاك، بصيت لها بهدوء وقلت لا أنا بس ابتديت أشوف. قربت من مراتي وقلت إنتي ليه ما قولتيليش، قالت بصوت مكسور كنت خايفة كنت فاكرة إن السكوت أضمن، ح.ضنتها وقلت السكوت عمره ما كان أمان. لفّيت لأمي وأختي وقلت من النهارده مفيش أوامر مفيش تدخل ومفيش حد يقعد هنا إلا وهو محترم، أمي قالت يعني هتطردنا، قلت يعني يا احترام يا مفيش وجود، الصمت نزل تقيل بس حاسم، خرجوا والشقة سكتت. قعدت جنب مراتي مسكت إيديها وقلت سامحيني، عيطت عياط ارتياح مش خوف وقالت كنت مستنية اللحظة دي. بعد كده حياتنا ما بقتش مثالية بس بقت صادقة، حدود واضحة، وقفة، وكلمة لا في وقتها، ولما ابننا اتولد مسكت إيده وبصيت لمراتي وقلت وعد إن البيت ده ما يتبنيش على خوف، لأن أقسى حاجة مش التعب ولا الحمل، أقسى حاجة إن واحدة تسكت علشان تحافظ على السلام وتنسى نفسها.
رجعت من السفر قبل معادي بيوم كامل علشان أفاجئ مراتي، كنت متخيل إن أقصى حاجة هتحصل هي زعل خفيف علشان ما بلغتهاش، أو دموع فرح لأني أخيرًا اخترت البيت بدل الشغل، لكن أول ما فتحت باب الشقة حسيت إن في حاجة غلط، هدوء تقيل مش طبيعي، ولا صوت تلفزيون ولا حركة، دخلت خطوة خطوة وناديت اسمها وما ردتش. دخلت أوضة النوم ولقيتها قاعدة على طرف السرير، ضهرها ليّ، وإيديها بتلف في طرف الملاية، أول ما سمعت صوتي قامت بسرعة كأنها اتقفشت في حاجة غلط، ابتسمت وقالت رجعت بدري، بس الابتسامة كانت مكسورة. قربت منها ولاحظت إن عنيها منفوخة وصوتها مبحوح، قلت مالك، قالت مفيش، بس الإحساس اللي جوايا قال العكس. قعدت جنبها ومسكت إيديها كانت ساقعة رغم الحر، قلت قولي، سكتت شوية وبعدين قالت أنا تعبانة. في اللحظة دي سمعت صوت أمي جاي من المطبخ بتنادي عليها، قومت دخلت المطبخ ولقيت أمي واقفة، شايلة شنطة خضار، وبتقول بحدة الست لازم تقوم بدري وتتحرك، الكسل وحش. بصيت لها وما رديتش، رجعت لمراتي لقيتها واقفة وبتحاول تلبس بسرعة، سألتها إنتي رايحة فين، قالت ماما قالت نعدي على خالتك. هنا حاجة شدّتني، قلت لها استني، قفلت الباب وقعدتها تاني، قلت لها بصي في عيني وقولي الحقيقة. دموعها نزلت فجأة وقالت كانوا بييجوا وأنا مش موجود، يقولوا لي إنتي مدللة زيادة، يفتشوا في الشقة، ينتقدوا أكلي ولبسي وطريقتي في الكلام، وكل مرة أسكت علشان ما أعملش مشكلة. حسيت الأرض بتتحرك تحت رجلي، سألتها ليه ما قولتيليش، قالت كنت خايفة أبان ضعيفة. خرجت من الأوضة ودخلت المطبخ، قلت لأمي من إمتى وإنتي داخلة خارجة في بيتي من غير ما أعرف، قالت ببرود ده بيت ابني. الجملة دي كانت كفاية، قلت لا، ده بيتي أنا ومراتي، وأي حد يدخل هنا لازم يحترم اللي فيه. أمي اتفاجئت وقالت إنت اتغيرت، قلت آه، اتغيرت لما فهمت إن السكوت كان غلط. لمّت حاجتها ومشيت وهي زعلانة، بس أول مرة ما حسّتش بالذنب. رجعت لمراتي لقيتها قاعدة بتعيط، ح.ضنتها وقلت لها من النهارده مفيش حاجة هتتحصل من ورا ضهري، البيت ده أمان مش ساحة اختبار. بعد الأيام عدّت بهدوء، مراتي بدأت تضحك تاني، تتكلم من غير خوف، وأنا فهمت إن الرجولة مش في إنك تسكت علشان ترضي حد، الرجولة إنك توقف في الوقت الصح وتحمي اللي اختارتك. ومن اليوم ده، كل ما أفتح باب البيت وألاقي الهدوء الحقيقي، أعرف إن القرار كان صح.


تعليقات
إرسال تعليق