القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

دفعتها بعربة صدئة… فاكتشفت أنها أخطر امرأة في المكسيك، وما فعلته بعدها قلب حياتي للأبد

 دفعتها بعربة صدئة… فاكتشفت أنها أخطر امرأة في المكسيك، وما فعلته بعدها قلب حياتي للأبد




دفعتها بعربة صدئة… فاكتشفت أنها أخطر امرأة في المكسيك، وما فعلته بعدها قلب حياتي للأبد



قالوا جميعا إن علي أن أتركها هناك

لكنني ارتكبت الخطأ حين قررت مساعدتها.

كانت تجلس منذ ثلاثة أيام على ذلك المقعد الإسمنتي تحت شمس لا ترحم تحرق الأسفلت هنا في المدينة. لم يكن أحد يعرف من أين جاءت. لقد ظهرت ببساطة ذات صباح عجوزا صامتة ملفوفة بوشاح قديم صار يفوح برائحة مطر عتيق وغبار. لم تكن تطلب نقودا ولم تمد يدها ولم تتحرك حتى لتطرد الذباب. كانت موجودة فحسب كقطعة أثاث قديمة أخرجها أحد إلى الرصيف ونسي أن يعيدها إلى الداخل.

عيناها كانت عيناها فارغتين ضائعتين كأنها تشاهد فيلما لا تستطيع عرضه إلا هي. كانت شفتاها متشققتين من العطش وتنتعل حذاءين لا ينتميان إلى الزوج نفسه. كان الناس يمرون بجانبها بعضهم يرسم إشارة الصليب وبعضهم يسرع خطاه ويتمتم بكلمات قاسية.

لا بد أنها ساحرة كانت تقول بائعة الذرة أو أن أبناءها تخلوا عنها لأنهم لم يعودوا يحتملونها.

لكنني لم أستطع أن أتوقف عن النظر إليها. اسمي رامون عمري ستة عشر عاما. أبيع حلوى المازابان والفول السوداني عند إشارات المرور أركض بين السيارات ومعي صندوقي البلاستيكي. أنا من أولئك الذين يعرفون كيف يصرخون تفضلوا فولا سودانيا! وكيف يبتسمون حتى لو لم يفطروا. في اليوم الثالث لم أعد أحتمل. أغضبني أن أرى كيف قبلها العالم كأنها قمامة.

عدت إلى بيتي غرفة صغيرة من صفائح معدنية حيث أصبحت تسريبات المطر جزءا من الديكور. قلت لأمي

يا أماه هناك عجوز عند موقف الحافلة تجلس هناك منذ يوم الاثنين.

لم تلتفت إلي كانت تواصل تقطيع الخضار

وماذا في ذلك اتركها. لا بد أنها مجنونة.

لا تبدو مجنونة يا أمي. تبدو كأنها كانت في يوم ما شخصا مهما. أعطيتها ماء اليوم وقالت إن اسمها مارغريتا.

تركت أمي السكين ونظرت إلي بفزع

رامون! هل تحدثت معها! صاحت بي. ثم قالت

أولئك الناس يحملون لعنات! لا تتدخل في مشاكل الآخرين! إن اقتربت منها قد يصيبونك بسحر أو قد يتهمونك بشيء ما!

ليست ساحرة إنها فقط تائهة. سأعود إليها. أريد أن أوصلها إلى بيتها.

إن ذهبت فلا تبك إلي إن أصابك سوء! صاحت أمي بينما خرجت مسرعا.

عدت إلى الموقف. كانت السيدة مارغريتا ما تزال هناك. وقفت أمامها وقلت

مساء الخير يا أمي.

رفعت نظرها ببطء

مساء الخير يا بني.

هل تتذكرين أين تسكنين

ابتسمت بحزن

لا أتذكر سوى اسمي مارغريتا. وأتذكر بوابتي. هي سوداء كبيرة والشارع معبد.

تنهدت. في هذه المدينة آلاف البوابات السوداء. لكنني لم أكن سأتركها هناك. نظرت نحو ورشة بناء فرأيت رفيقي صاحب الطوب. قلت له

أقرضني عربة اليد عشرين دقيقة من فضلك.

ومن ستحمل


يا فتى

السيدة قلت وأنا أشير إلى مارغريتا.

مسحت العربة بخرقة متسخة ثم اقتربت منها وانحنيت كما لو كنت سائق سيارة فاخرة

وصلت وسيلة نقلك يا سيدتي. إنها فيراري بطراز ريفي. لا حزام أمان فيها لكنني أعدك ألا أقع في الحفر.

نظرت إلي وللمرة الأولى منذ ثلاثة أيام أطلقت ضحكة أضاءت وجهها.

أستقل هذا سألت وهي تضحك.

حتى آخر الدنيا إن لزم الأمر. تفضلي.

لم أكن أدري أن تلك الرحلة على عربة صدئة ستغير مصيري إلى الأبد. ولم أكن أدري أن تلك العجوز ذات الحذاءين المختلفين كانت تملك نصف البلاد

دفع عربة بناء ليس علما نوويا لكن أن تدفعها كيلومترات صعودا وعلى متنها راكبة مهمة فذلك شأن آخر. بدأت المدينة تتبدل من حولنا ونحن نمضي. تركنا وراءنا ضجيج الأبواق ورائحة المقليات والأرصفة المتكسرة التي تنبت الأعشاب بين شقوقها.

شيئا فشيئا تحول المشهد. صارت بيوت البلوك الرمادية غير المطلية خلفنا وحلت محلها منازل ذات أسوار عالية وجهنميات تتدلى على الشارع. والهواء الذي كان هناك بالأسفل يشبه رائحة العادم واليأس صار هنا يشبه رائحة الثراء ياسمين وعشب مقصوص حديثا وذلك الهدوء الذي لا يشتريه إلا المال.

كانت مارغريتا صامتة في فيراريها الصدئة. أما أنا فكنت أتعرق عرقا شديدا ألهث كحصان يصعد مرتفعا لكنني لم أتوقف.

هل نحن على الطريق الصحيح يا رئيسة سألت محاولا إخفاء أن ذراعي بدأت تتشنج.

المكيف ممتاز يا بني أجابت بلمعة مزاح عادت إلى صوتها. ثم قالت

لكن أظننا نحتاج موسيقى.

ابتسمت والعرق ينساب على جبهتي.

على الرحب والسعة.

بدأت أدندن أغنية قديمة من تلك التي تحبها جدتي بوليرو نشازا يرتد صداه عن جدران القصور المسورة

طعمك في غنيت بصوت خافت.

أغمضت مارغريتا عينيها وبدأت تحرك رأسها على الإيقاع. للحظة لم نكن بائعا جوالا وعجوزا تائهة كنا شريكين يهربان من الواقع.

عبرنا شارعا ثم آخر. بدأت أشك.

يا أمي لا تقولي إن بيتك في رمز بريدي آخر لأن عجلات هذه المركبة بدأت تطلب التقاعد قلت مازحا رغم أن ساقي كانتا ترتجفان.

فتحت عينيها ونظرت حولها. تبدلت ملامحها. تلاشت الحيرة للحظة ورأيت ومضة معرفة.

انتظر همست.

هذه الرائحة رائحة الصنوبر. تنفست بعمق

نعم. هنا. شارع واحد فقط يا رامون. واحد فقط.

بذلت جهدا فوق طاقتي. انعطفنا في الشارع الرابع. تجمدت في مكاني. إن كانت الشوارع السابقة للأثرياء فهذا للمليارديرات. الأرصفة مثالية بلا علكة واحدة. الأشجار تصنع نفقا أخضر متقنا. وفي آخر الطريق يهيمن على المشهد بوابة كأنها مدخل السماء أو البنك المركزي.

كانت بوابة سوداء هائلة من


حديد مشغول سميك كأنه يوقف دبابة. وفي الوسط رأسا أسد ذهبيان يلمعان تحت شمس العصر ينظران إلينا بغطرسة. بدت كمدخل حصن أو بيت سياسي ثقيل يظهر في الأخبار بسبب فضيحة اختلاس.

توقفنا أمام ذلك الجدار المعدني المهيب.

هذه هي قالت مارغريتا وهي تشير بإصبع مرتجف.

هذا بيتي.

أطلقت زفيرا لم أدر أنني كنت أحتبسه. انفرج فمي قليلا. نظرت إلى ثيابي المتسخة ثم إلى حذائي الممزق ثم إلى القصر ثم إلى العجوز الجالسة في عربة مليئة بالغبار.

حقا يا رئيسة قلت غير مصدق.

أأنت قريبة كارلوس سليم مثلا

لم تلتفت إلي. كانت تحدق في رأسي الأسدين.

اطرق أمرت.

لم يعد صوتها صوت عجوز تائهة على مقعد عام كان فيه حد سلطة جعل جلدي يقشعر.

اقتربت من البوابة. شعرت كأنني نملة على وشك طرق باب عملاق. أمسكت بالمطرقة المعدنية التي كانت أثقل من صندوق بضاعتي وطرقت مرة واحدة. ارتد الصوت في سكون الشارع

طنق!

لا جواب. انتظرت ثم طرقت ثانية

طنق!

سمعت خطوات ثقيلة من الداخل. فتحت نافذة صغيرة وظهرت عينان متشككتان.

من نبح صوت من الداخل.

أحضرت السيدة المالكة قلت محاولا أن أبدو واثقا رغم أنني كنت أشعر بالسخف وأنا أقف هناك مع عربة يد.

أي سيدة مالكة نحن لا نشتري شيئا هنا ارحل! كان الحارس على وشك إغلاق النافذة.

افتح يا أنسيلمو! قالت مارغريتا من العربة. كان صوتها ضعيفا لكنه واضح بما يكفي.

تجمد الحارس. فتح النافذة بالكامل ونظر إلى الأسفل. ثبتت عيناه على المرأة الجالسة بين الغبار والصدأ. اختفى اللون من وجهه في ثانية. صار شاحبا كالميت.

سيدتي! صرخ وصوته يتكسر.

يا للسماء!

تنحيت جانبا لأنني شعرت أن البوابة ستنفجر. وكادت تفعل. أزت الآلية الكهربائية وانفتحت مصراعا الحديد الأسود على اتساعهما. خرج الحارس جريا بعينين مذهولتين

السيدة! السيدة مارغريتا هنا! لقد ظهرت! كان يصرخ إلى الداخل كمن يعلن انتهاء حرب.

ما حدث بعد ذلك كان كأنه مشهد من مسلسل مكسيكي لكن بسرعة عالية وبدراما مضاعفة. انفجر البيت حركة. من الباب الرئيسي البعيد يبعد نحو خمسين مترا خلف حديقة كملعب الغولف خرج الناس يركضون. خرجت خادمات بمرايل بيضاء وسائقون يزررون ستراتهم وبستانيون يتركون خراطيم الماء. كالنمل حين يضرب عشه.

ثم خرجوا هم أفراد العائلة. كان يمكن تمييزهم من ملابسهم ومن طريقة سيرهم. خرجت امرأة شابة بعباءة حريرية والكحل ملطخ أو ربما لم يسعفها الوقت تصرخ

أمي! أمي أنت حية!

ومن خلفها آخرون رجال ببدلات ونساء بحلي تلمع تحت الشمس. ركضوا نحونا بوجوه تجمع بين الصدمة وارتياح مصطنع وإن دققت ربما لمحت خيبة


مخفية.

يا إلهي يا خالتي! صرخ أحدهم.

ظننا الأسوأ!

أين كنت بحثنا عنك في كل مكان! كانت المرأة ذات العباءة الحريرية تبكي وهي ترتمي على ركبتيها أمام العربة لكنها تحاذر أن تلمس ركبتاها التراب.

لم تقل مارغريتا شيئا. بقيت جالسة جامدة بوجه خاو. كانت تنظر إلى تلك الجموع كمن ينظر إلى طيور كثيرة الصخب في قفص. لا عاطفة في عينيها فقط تعب لا ينتهي ولمعان وعي مفاجئ مخيف. كانت تعرف أن تلك الدموع دموع تمساح. وكانت تعرف أن كثيرين منهم في داخلهم يحسبون الإرث.

أما أنا فبقيت واقفا ممسكا بمقابض العربة أشعر بأنني أكثر كائن غير مرئي في الكوكب. كنت وسط عاصفة من الأغنياء والعطور الباهظة متعرقا ومتسخا أرتدي قميص كرة قدم باهتا. لم ينظر إلي أحد. بالنسبة لهم كنت جزءا من العربة ملحقا.

خذوها إلى الداخل! بسرعة اتصلوا بالطبيب! أمر رجل أصلع بدا أنه الآمر الناهي. حاول سائقان رفع مارغريتا لكنها رفضتهما بإشارة جافة من يدها.

لا.

ثم أدارت رأسها وبحثت عني بعينيها

رامون.

سكت الجميع والتفتوا إلي. شعرت بأربعين عينا تثبت في وجهي.

نعم يا سيدتي قلت بصوت خافت.

أنت قالت بحزم.

أنت سائقي. أنت الذي ستأخذني إلى الداخل.

نظر الرجل الأصلع إلي بازدراء

لكن يا خالة هذا الفتى متسخ. سيوسخ الأرضية. لدينا كراسي متحركة في الداخل.

قلت رامون كررت مارغريتا. ولم يجرؤ أحد على الاعتراض.

عدت ورفعت العربة. صرخت العجلات صريرا نييييك فكسر الصوت تلك اللحظة المهيبة.

اسمحوا افسحوا الطريق هذه الفيراري تمر تمتمت وأنا أشق طريقي بين وجوه الأقارب المتجهمة.

دفعت العربة فوق ممر مرصوف بإتقان. مررنا بجانب نافورة ذات ثلاث طبقات وتماثيل ملائكة تقذف ماء صافيا. مررنا بجانب سيارات تكلف أكثر مما سأكسبه في عشر حيوات مرسيدس بي إم دبليو سيارات دفع رباعي مصفحة. وصلنا إلى المدخل. تمثالان لأسدين من الرخام يحرسان بابا خشبيا منحوتا.

الدخول إلى هناك كان كعبور بوابة إلى عالم آخر. صفعتني رائحة المكيف فامتصت عرقي في لحظة. كان المدخل فاحشا. أرضية من رخام أبيض مصقول إلى حد أنني رأيت انعكاس حذائي الممزق فيه. ثريا كريستالية تتدلى كأنها مطر ألماس. جدران مليئة بلوحات لأشخاص ذوي وجوه صارمة وأثاث يبدو قديما وباهظا.

تركت عجلاتي الموحلة أثرا متسخا على الرخام الناصع. سمعت إحدى الخادمات تطلق شهقة مكتومة حين رأت الأثر.

سيدتي عذرا على الفوضى همست وأنا أشعر بصغري.

هل ما زلنا في المكسيك أم عبرنا إلى أوروبا!

ابتسمت مارغريتا. كانت أول ابتسامة حقيقية أراها منذ وصلنا.

نحن في البيت يا رامون. تابع.

دفعتها حتى وسط الصالة التي تشبه بهو فندق خمس نجوم. أرائك مخملية وسجاد فارسي. توقفت قرب مقعد بيج يبدو أريح من


 

سريري.

هنا محطة النزول يا سيدتي أعلنت.

اقتربت لأساعدها على النزول. اقترب الأقارب كأنهم نسور لكنني كنت أسرع. أمسكت بذراعيها برفق ونفضت بعض الغبار عن وشاحها قبل أن أجلسها على الأريكة الفاخرة. غاصت في الوسادة وتنهدت. كأن السنوات كلها هوت فوقها دفعة واحدة بعدما أصبحت آمنة. ظلت تنظر إلي. ثبتت عيناها المتعبتان الدافئتان في عيني. كان التباين قاسيا هي على عرش مخملي وأنا واقف بيدين متسختين والعربة الصدئة إلى جانبي.

ما اسمك الكامل سألت بنعومة.

رامون رامون لوبيز في خدمة الله وخدمتك.

أومأت ببطء كأنها تنقش الاسم في ذاكرة هشة

رامون دفعتني كما يدفع ملك ملكته. شكرا لك.

حككت رأسي خجلا وشعرت أن وجهي يحترق.

لا شيء يا سيدتي. فعلت فقط ما كان سيفعله أي أحد قلت كذبا لأنني كنت أعلم أن لا أحد فعل ذلك خلال ثلاثة أيام.

خفضت نظرها إلى حجرها إلى يديها الفارغتين المتسختين.

لا أملك شيئا أعطيك إياه الآن قالت بحزن.

خرجت من بيتي بلا شيء لا نقود ولا مجوهرات

كان الأقارب من حولنا يحبسون أنفاسهم يراقبون ألا تعد الفتى الشارعي بلؤلؤ أو كنوز. لكن مارغريتا رفعت نظرها وفي عينيها تصميم من فولاذ

عد غدا في الصباح قالت.

رمشت مرتبكا

عفوا لماذا

أريد أن أعطيك شيئا أفضل من فول سوداني أو إكرامية قالت بحزم.

أريد أن أعطيك عملا.

تجمدت. عمل أنا

عمل حقيقي سألت متلعثما.

مثل بستاني أو شيء كهذا

عمل حقيقي أكدت.

عمل لم تكن تعلم أنه ينتظرك. هل تقبل

لم أعرف ماذا أقول. أومأت كمن تحركه النوابض.

نعم نعم أقبل. سأأتي.

تعال مبكرا أمرت.

لدينا الكثير لنفعله.

استدرت راجعا وأنا مذهول. أمسكت بعربتي وبدأت أمشي نحو الخروج. كان صرير العجلات نييييك نيييك هو الصوت الوحيد في تلك الصالة الممتلئة بالأغنياء الصامتين. كنت أشعر بنظراتهم في ظهري نظرات حقد وازدراء وفضول.

وأنا أخرج من بوابة الأسدين إلى الشارع سمعت إحدى الطباخات تهمس لأخرى قرب مدخل الخدمة

أرأيت بعضهم يدفع عربة فيجد قدره. وأنا هنا أمسح وأكنس منذ 2005 والحظ لا يعرف عنواني!

خرجت إلى الشارع. كانت الشمس قد غربت. ضربني هواء الليل البارد. نظرت إلى العربة الفارغة. قبل ساعة كانت تحمل عجوزا تائهة. الآن أشعر أنها تحمل ثقل وعد هائل. لم أكن أدري فيما ورطت نفسي. لم أكن أعرف من تكون هذه المرأة حقا ولا لماذا ينظر أهلها إليها بذلك الجوع. كنت أعرف شيئا واحدا غدا علي أن أكوي قميصي.

عدت إلى حيي نازلا من التلال إلى الواقع لكن عقلي بقي هناك بالأعلى خلف البوابة السوداء حيث غيرت عجوز

بحذاءين مختلفين حياتي بجملة واحدة.

تلك الليلة لم يأتني النوم كأنه يهرب مني. ظللت أتقلب على فراشي الإسفنجي أحدق في سقف الصفائح حيث تتسلل الإضاءة البرتقالية لمصباح الشارع. كان رأسي خلاطا من الصور ضحكة السيدة مارغريتا بوابة الأسدين الحارس الذي كاد يموت رعبا وقبل كل شيء وعد العمل الحقيقي.

أي نوع من العمل يمكن أن تعرضه علي مليارديرة وأنا بائع عند الإشارة هل سأنظف المسبح بفرشاة أسنان هل سأكون من يطرد الذباب أو الأسوأ هل كانت تهذي ماذا لو ذهبت غدا ولم تتذكر اسمي أصلا

في الخامسة والنصف صباحا كنت واقفا. لم يصح ديك الجار بعد لكن أعصابي كانت مستيقظة. اغتسلت بدلو ماء بارد لأن الغاز نفد منذ أول أمس. وأنا أرتجف من البرد بحثت عن لباس الشرف قميص أبيض أحتفظ به لعيد الميلاد أو للدوائر الرسمية وبنطال أسود هو بنطال الخروج الوحيد لدي صار القماش يلمع من شدة اهترائه.

المشكلة أن القميص كان مكوما متجعدا. وبالطبع لم تكن هناك كهرباء في الحي منذ عاصفة الليلة الماضية. ذهبت إلى المطبخ أشعلت الموقد بعود ثقاب وسخنت ملعقة معدنية كبيرة من ملاعق تقديم الشوربة. قلت في نفسي

ما دامت لا توجد مكواة فالحيلة تقوم مقامها.

وبظهر الملعقة الساخن بدأت أفرد التجاعيد على الطاولة بحذر كي لا أحرق القماش أو أصابعي. كانت حيلة قديمة علمتني إياها جدتي إن كنت فقيرا فلا يظهر على الأقل أنك مهمل كانت تقول.

حين انتهيت نظرت إلى نفسي في قطعة مرآة مكسورة ملصقة على الحائط. لم أبد كرجل أعمال لكنني بدوت على الأقل شابا محترما ذاهبا إلى الصلاة. رطبت شعري بالماء لأسكن دواماته وأخذت نفسا عميقا

شجاعة يا رامون. اليوم أو لا يكون.

خرجت من البيت قبل طلوع الشمس. اعترضتني أمي عند الباب. كانت عيناها منتفختين من السهر.

إلى أين تذهب وقد سرحت شعرك هكذا يا ولد سألت وهي تشد أذني برفق.

إلى العمل يا أمي. إلى بيت السيدة.

تنهدت وأشارت بعلامة الصليب على جبيني

يا بني فقط احذر. إن رأيت أشياء غريبة إن طلبوا منك توقيع أوراق أو حمل أمور ملوية اركض واخرج. أهل المال لهم حيل مظلمة.

نعم يا أمي لا تقلقي. سأعود بأخبار طيبة.

ركبت حافلة صغيرة ثم حافلة تصعد نحو المرتفعات. نزلت قبل القصر بشارعين لأنني خجلت أن يراني أحد أنزل من النقل العام أمام ذلك المكان. صعدت مشيا وأنا أشعر بالعرق يهدد كي ملعقتي.

وصلت إلى البوابة السوداء في السادسة وخمس وأربعين دقيقة تماما. كان سكون الشارع الراقي خانقا لا تسمع إلا الطيور وكأنها تغرد أجمل لأن طعامها مستورد.

عدلت قميصي للمرة الخامسة وتنحنحت ثم طرقت مرتين.

تأخرت البوابة في الفتح. أخيرا انزلقت النافذة الصغيرة وظهرت العينان نفسهما أنسيلمو الحارس. نظر إلي بمزيج من الشك والضيق

نعم

صباح الخير يا سيدي. جئت لرؤية السيدة. السيدة مارغريتا. قالت لي أن آتي.

رفع حاجبه وهو يفحصني من رأسي حتى قدمي. رأى حذائي الملمع لكن القديم وقميصي الصناعي ووجهي المرتبك.

قالت لك أن تأتي

نعم يا سيدي. أمس عندما أوصلتها. قالت إن لديها عملا لي.

هل أنت قريبها

لا.

هل أنت موظف من شركة ما

ليس بعد لكنها قالت

قاطعني بنفاد صبر

اسمع يا فتى. السيدة تقول أشياء كثيرة. أمس قالت للبستاني إنها رأت زوجها الميت يعزف البيانو. السيدة ليست بخير. لذا ارحل قبل أن تتصل بالشرطة.

لكنها هي من حددت موعدا! أصررت ووضعت قدمي قبل أن يغلق النافذة.

أرجوك اسألها فقط. قل لها إن رامون هنا.

تنهد الحارس بضيق

انتظر في الخارج. ولا تقترب من البوابة ستوسخها.

ثم أغلق النافذة بعنف.

وقفت هناك ككلب أمام محل لحوم. مرت عشر دقائق. خمس عشرة. عشرون. بدأت الشمس تلسع. شعرت أنني كنت أضحوكة. لابد أنها نسيتني قلت لنفسي وقد عقدت في معدتي عقدة. لابد أن أمي كانت على حق وأنا هنا أهين نفسي.

في السابعة وعشر دقائق سمعت أزيز الآلية الكهربائية. فتح باب جانبي صغير. لم تخرج مارغريتا. خرجت امرأة شابة قصيرة لكن حضورها يجعلها تبدو بطول مترين. كانت ترتدي فستانا أزرق داكنا ضيقا وحذاء بكعب عال كانت تمشي به على الحصى كبهلوان وشعرا مستعارا متقنا لا يتحرك مع الهواء. تحت ذراعها حقيبة فاخرة وكانت تنظر إلي كما لو كنت كيس قمامة ترك على الرصيف.

صباح الخير قالت بنبرة لا خير فيها.

صباح الخير سيدتي أقصد آنسة.

أنا الأستاذة ليديا قالت وهي تعدل نظارتها.

السكرتيرة الشخصية للسيدة مارغريتا والمسؤولة عن إدارة هذا البيت. أنت الفتى صاحب العربة

نعم أنا رامون.

كنستني بنظرة توقفت عند حذائي وعنق قميصي ثم ظهرت على فمها ملامح اشمئزاز صغيرة

همم أرى أنك تأنقت.

أحاول قدر المستطاع.

تنهدت وكأن وجودي يسبب لها صداعا

نعم أبلغت. اسمع يا طفل سأكون واضحة. السيدة مارغريتا لها لحظات. أحيانا تجمع قططا من الشارع وأحيانا تجمع بشرا. تقول أشياء كثيرة ليست حقيقية.

لكنها أمس كانت واعية حين عرضت علي العمل.

أطلقت ضحكة باردة

أمس قالت أيضا إنها رأت بانشو فيا في المطبخ. لكن حسنا هي تصر على رؤيتك. يمكنك الدخول.

ثم قبل أن أخطو وضعت يدها على صدري لتوقفني. كانت أظافرها طويلة مطلية بالأحمر

أمر واحد

يا رامون. هذا البيت مليء بأشياء تساوي أكثر مما تساويه منطقتك كلها. مزهريات لوحات فضة. إن لمست شيئا أو كسرت شيئا أو اختفى شيء فلن تذهب إلى السجن فقط سأدمر حياتك. مفهوم

ابتلعت ريقي. شعرت ببرودة الخوف في ظهري

نعم سيدتي. أنا لست سارقا. أنا فقير لكنني شريف.

هذا ما يقوله الجميع حتى يروا الفضة تمتمت ثم استدارت

اتبعني. وامسح قدميك ثلاث مرات قبل أن تلمس الرخام.

دخلنا. بدا البيت أشد فخامة في النهار. النوافذ تلمع حتى تخالها بلا زجاج. الحديقة خضراء كأنها مرسومة. سيارة فضية في المرآب عجلاتها تبرق حتى تؤلم العين. كل شيء يصرخ بالمال والسلطة والحصرية. وأنا كنت أمشي منكمشا محاولا ألا أشغل مكانا.

قادتني ليديا عبر الصالة ثم عبر ممر طويل تملؤه صور لأناس مهمين يصافحون بعضهم بعضا ثم خرجنا إلى شرفة خلفية تطل على حديقة واسعة. وهناك كانت هي.

مارغريتا. بالكاد عرفتها. لم تعد تلك العجوز المغبرة على المقعد. كانت جالسة على كرسي هزاز أبيض تشرب الشاي من فنجان خزف فاخر وترفع خنصرها كدوقة إنجليزية. كانت ترتدي فستان دانتيل بلون كريمي نظيف وأنيق. شعرها مرفوع في تسريحة متقنة وتنتعل خفين أبيضين مبطنين. كانت تبدو شخصا تلك السيدات اللواتي يقطعن الأشرطة في المناسبات.

وقفت عند باب الشرفة مرتعبا.

هذا هو الفتى سيدتي أعلنت ليديا بملل ثم انسحبت وهي تلقي علي نظرة تحذير أخيرة.

رفعت مارغريتا نظرها ورأتني فأنار وجهها

رامون! قالت ووضعت الفنجان.

اقتربت بتردد

صباح الخير يا سيدتي جئت مبكرا. لم أرد أن أفوت الفرصة.

ضحكت ضحكتها الصادقة نفسها

لم يكن عليك أن تقلق. أنت معين بالفعل. اجلس من فضلك.

أشارت إلى كرسي من الحديد المشغول أمامها. جلست على حافته خوفا أن أكسره.

شكرا وماذا عن العمل يا سيدتي هل تريدين مني أن أساعد في الحديقة أو أن أغسل السيارة أنا أفعل كل شيء أعرف الطلاء والحمل و

لوحت بيدها مبتسمة

لا يا رامون. لم أجلبك هنا لتحمل الأشياء. لقد حملتني بما يكفي أمس. أريدك هنا لتعمل معي. ستكون مساعدي الشخصي.

رمشت مرات عديدة مرتبكا

مساعدك الشخصي!

نعم.

وكيف يكون ذلك!

يعني أنك ستكون يدي اليمنى شرحت بهدوء.

ستساعدني على تذكر الأشياء. سترافقني إلى مواعيدي. ستذكرني بأدويتي. ستتمشى معي. وستساعدني على ترتيب الفوضى في رأسي.

حككت مؤخر رأسي

سيدتي بصراحة لم أكن يوما مساعدا لأحد. بالكاد أنهيت الثانوية. أنا أبيع الفول السوداني ولا أعرف الحاسوب ولا

أخذت رشفة من الشاي وابتسمت بحنان

وأنا أيضا لم يكن لدي مساعد يقود فيراري ذات عجلة واحدة. سنتعلم معا. ما أحتاجه ليس شهادة جامعية بل شخصا لا يكذب علي ولا يعاملني كأنني ميتة. أنت

 

رأيتني حين لم يرني أحد.

ساد صمت مريح. حرك الهواء أوراق الأشجار.

حسنا يا سيدتي أنا موافق. لكن كم سيكون الأجر قالت مارغريتا بجدية وكأننا نوقع صفقة في وول ستريت

راتبك سيكون خمسة عشر ألف بيزو شهريا مع مزايا وتأمين وطعام.

كدت أسقط عن الكرسي. شعرت بدوار

خمسة خمسة عشر ألفا شهريا مقابل المشي وتذكيرك بالدواء

ضحكت وهي ترى وجهي

هذا قليل مقارنة بما ستديره مستقبلا. لكن في الوقت الحالي استحقه. اتفقنا

اتفقنا تماما! حتى أرقص إن أردت!

في التاسعة صباحا بدأت التدريب. أخذتني إلى مكتبها المنزلي. غرفة تشبه رائحة الخشب القديم والكتب. شهادات على الجدران جوائز كريستالية صور مع رؤساء. مكتب ضخم بمقابض ذهبية. خلفه لوحة بيضاء كبيرة فارغة.

همست

هل تريدين أن أساعد في ملئها

نعم. خذ القلم. اكتب أول بند لليوم.

ارتجفت يدي

ماذا أكتب

اكتب تم توظيف رامون. مساعد شخصي. سائق العربة السابق.

كتبت بخطي المعوج. حين انتهيت انفجرت مارغريتا ضاحكة بصوت عال حتى إن خادمة مرت في الممر أطلت خائفة.

أنت فتى طيب يا رامون. لهذا وظفتك.

وعند الغداء كانت قد عرفتني على نصف البيت باعتباري شخصها الموثوق. كانت ردود الفعل متفاوتة. الطباخات ابتسمن بخجل لأنهن رأين في واحدا منهن. أما أهل القمة رئيس الخدم والممرضات وخاصة ليديا فقد نظروا إلي كأنني فيروس. سمعت همسا في المطبخ حين مررت لآخذ كوب ماء

أرأيت لعبة السيدة الجديدة قال صوت.

أولاد الشارع أذكياء. يتسللون كالتراب حتى يستولوا على كل شيء.

أعطيه أسبوعا قال آخر.

ما إن يسرق أول ملعقة فضة حتى تطرده ليديا ركلا.

سمعت كل شيء. قبضت يدي. آلمني ذلك أن يظنوا أنني لص لأنني فقير. لكنني تذكرت وجه أمي حين أخبرها بالراتب. تذكرت تسربات سقف بيتنا. وتذكرت كيف دافعت عني مارغريتا. استقمت أخذت الماء وخرجت برأسي مرفوعا.

ذلك المساء خصصت لي مارغريتا غرفة صغيرة في منطقة الخدمة لأغير ملابسي وأرتاح إن تأخر الوقت. كانت غرفة بسيطة لكن فيها سرير نظيف وحمام بماء ساخن. بالنسبة لي كانت جناحا رئاسيا.

عندما عدت إلى بيتي تلك الليلة بدا حيي أكثر ضجيجا وظلمة من أي وقت. دخلت راكضا. كانت أمي جالسة على الطاولة المسبحة في يدها تنتظرني كأني عدت من حرب. كان إخوتي الصغار يلعبون على الأرض.

لقد عاد! صرخ أخي الصغير.

رامون! قفزت أمي واقفة.

أين كنت ظننت أنهم خطفوك أو ضعت! كنت سأتصل بالقس!

وضعت حقيبتي وابتسمت من الأذن إلى الأذن

قلت لك إن السيدة أعطتني عملا يا أمي.

أي عمل قالت وهي تفحصني بقلق.

تنظيف حمامات حمل أكياس

لا يا أمي. أنا

مساعدها الشخصي.

مساعد ماذا نظرت باستغراب.

هل يعني كلبا مرافقا

مساعد شخصي قلت بفخر.

واجلسي لأنك ستندهشين.

جلست تشد وشاحها

كم

خمسة عشر ألف بيزو في الشهر.

ساد صمت تام. سمع تقطير صنبور المطبخ. اتسعت عينا أمي حتى ظننت أنهما ستخرجان

خمسة عشر ألفا همست.

رامون هل أنت متأكد أنها ليست تجارة مخدرات

لا يا أمي. إنها سيدة أعمال. كل شيء قانوني.

سكتت أمي طويلا ثم ارتسمت على وجهها المتعب ابتسامة بطيئة. قامت وعانقتني بقوة كانت رائحتها رائحة صابون الغسيل والحنان.

الحمد لله تمتمت عند كتفي.

أخبرني كل شيء. هل أطعموك ماذا أكلت ومن كوى قميصك هناك يبدو أملس جدا.

ضحكت متذكرا صباحي

كويته بالملعقة يا أمي.

ضحكت هي وقبلت خدي

يا بني لينر الله طريقك.

وهكذا مر الشهر الأول. شهر تعلمت فيه الفرق بين شوكة السمك وشوكة السلطة. شهر تعلمت فيه قراءة خط مارغريتا المرتجف. شهر صرت فيه ظلها وذاكرتها ودون أن أدري صرت درعها الوحيد ضد الذئاب التي كانت تشحذ أنيابها داخل بيتها نفسه.

لأن السلام في قصر البوابة السوداء كان سلاما مزيفا. وكانت الحرب على وشك أن تبدأ. وأول طلقة لن تأتي من الخارج بل من مكتب ليديا برائحة الفانيلا والخيانة.

مر نحو شهر منذ تغيرت حياتي بسبب عربة صدئة. شهر كامل منذ توقفت عن أن أكون فتى الفول السوداني وصرت ظل مارغريتا. بدأت أفهم روتين القصر. في البداية كنت ككلب في طريق سريع خائفا لا يعرف أين يركض. لكن رغبة النجاة معلم عظيم. تعلمت تمييز دواء الضغط من الفيتامينات دون تلعثم. تعلمت حمل حقيبتها التي تساوي أكثر من بيت أمي دون أن ترتجف يدي. بل تعلمت حتى توقيع اسمها على إيصالات الطرود بثقة كمن يحفظ اهتزاز يدها.

صارت صباحاتنا طقسا مقدسا. في الثامنة تماما كانت تخرج إلى شرفة غرفتها تتنفس الهواء أو ما يشبه الهواء وتصرخ إلى الحديقة

رامون! ماذا يخبئ لي القدر اليوم

وأنا أكون أسفل الشرفة أسقي الأزهار أو ألمع حذائي فأرفع رأسي وأجيب كأنني قائد

اليوم لديك مكالمة مع البنك وحبتان زرقاوان وحبة بيضاء وجولة حول الحديقة لتأخذين فيتامين الشمس يا سيدتي.

فتهز رأسها

جميل. قدم لي الشاي.

وهكذا يبدأ اليوم.

مع الوقت بدأ العاملون يخففون حذرهم. الطباخات صرن يخفين لي قطعة تاكو إضافية. والبستاني نفسه صار يحييني بإيماءة. لكن ليس الجميع كان سعيدا. كانت هناك نظرات حادة. بعضهم يراني كلبا ضالا تبنته السيدة بسبب نزوة. وقائدة ذلك الحقد لم تكن سوى ليديا.

ليديا المرأة التي تفوح بالفانيلا المستوردة والخيانة. كانت جميلة على طريقة المسلسلات

ملابس ضيقة كعوب تصفع الرخام وابتسامة لا تصل إلى عينيها. كانت تعمل من مكتب الشركة في سانتا في لكنها تأتي مرتين أسبوعيا للمراقبة. وكلما جاءت ثقل الهواء.

ذات خميس بعد الظهر انكسرت الطمأنينة. كانت مارغريتا في قيلولتها. وكنت في المكتب أرتب أوراقا وملاحظات حين سمعت طرق الكعبين المألوف طق طق طق. فتح الباب ودخلت ليديا. كانت ترتدي تنورة ضيقة وبلوزة حرير

مرحبا يا رامون قالت وهي تغلق الباب خلفها.

كان صوتها حلوا متفسخا.

وقفت سريعا

مساء الخير سيدتي. هل تبحثين عن السيدة إنها تستريح.

لا لا قالت واقتربت.

في الحقيقة أردت التحدث إليك على انفراد.

تجمد الدم في عروقي. غرائزي غرائز الحي الفقير اشتغلت

معي

بالعكس ابتسمت.

لقد صرت لا غنى عنه للسيدة. هي تثق بك كثيرا.

أنا أفعل عملي فقط.

ضحكت ليديا وبدأت تلعب بثقالة ورق كريستالية

اسمع يا رامون سأكون مباشرة. أنت تعلم أن السيدة مارغريتا لم تعد بكاملها. تنسى. يضيع خيطها.

أنا أراها بخير دافعت.

لا نتذاكى على بعض. أحيانا تترك ملفات وأوراقا تفاصيل حسابات وأسهم أشياء تساوي الكثير من المال.

اقتربت أكثر. كان عطرها باهظا وتحت العطر طمع خالص

إن وجدت يوما أوراقا كهذه أو مالا نقديا تنساه أحضره إلي.

سكت. كنت أستوعب كلامها.

هناك من يهتم بمستقبلها تابعت وهي تخفض صوتها.

وأنت يمكن أن تكافأ مكافأة كبيرة.

نظرت إلى فقر ملابسي وإلى يدي الخشنتين وظنت أن الفقر ضعف

لا تكن ساذجا يا رامون. أنت فتى ذكي. ملف هنا توقيع هناك ومستقبلك مضمون. تستطيع أن تخرج أمك من ذلك الحي الذي تعيش فيه.

ذكر أمي جعل فكي ينغلق. أردت أن أصرخ أن بيتي ليس حفرة لكنه بيت شريف. لكنني تمالكت نفسي. كانت قوية وأنا مجرد خادم. نظرت إليها وابتسمت بابتسامة بريئة مزيفة

حسنا سيدتي سأفكر. شكرا على النصيحة.

غمزت لي بعينها راضية ظنت أنها أمسكت بي

فتى جيد. كنت أعلم أننا سنتفاهم.

خرجت وتركت رائحتها وسمها في الهواء.

لم أخبر مارغريتا. من سيصدق فتى الشارع أمام الأستاذة قررت الصمت والمراقبة.

لكن الاختبار الحقيقي بدأ. في الأسبوع نفسه بدأت أجد أشياء غريبة هفوات. في يوم ثلاثاء كنت أمر في الممر فرأيت على الطاولة رزمة نقود. اقتربت. كانت أوراقا من فئة 500 و. ربما خمسون ألفا بلا رباط كأنها مناديل.

كان الممر خاليا. لا كاميرات واضحة. خفق قلبي. بخمسين ألفا يمكنني إصلاح سقف بيتنا. يمكنني شراء نظارات جديدة لأمي. يمكنني

مددت يدي. لامست أصابعي الورق النقدي. وفي لحظة رأيت مارغريتا في العربة تضحك ورأيت كيف دافعت عني. سحبت يدي كأن

المال يحرق

لا قلت.

أنا فقير لكنني لست لصا.

أخذت المال وذهبت مباشرة إلى غرفة مارغريتا

سيدتي تركت هذا على طاولة المدخل قلت.

انتبهي قد يظنه أحد إكرامية.

رفعت كتابها ونظرت إلى المال ثم إلي. لم تبد متفاجئة ولا خائفة

آه شكرا يا رامون. يا لغبائي. ضعه هناك.

ولا كلمة مديح. فقط ضعه هناك.

بعد يومين حدث الأمر ثانية. وجدت ملفا مفتوحا فيه سندات ملكية وأوراق حساسة وشيكات موقعة على بياض. أغلقت الملف وأقفلته في درج المكتب وسلمت المفتاح

سيدتي أقفلت الدرج. كانت أوراق مهمة في الخارج. هذا المفتاح.

قالت

شكرا يا بني.

خلال أسبوعين وجدت ساعات في الحمام وأظرفا نقدية في المطبخ ووثائق سرية على الشرفة. كل مرة أعيدها. وكل مرة تقول شكرا وتواصل حياتها. كنت أظن ذاكرتها تسوء. لم أكن أعلم أنني كنت تحت امتحان.

بعد ثلاثة أيام استدعتني إلى المكتب. كانت مختلفة عيناها حادتان ووجهها قوي.

اجلس يا رامون.

جلست خائفا.

أريد أن أعرف ماذا كنت تريد أن تصبح في حياتك قبل أن تعبر العربة والحاجة طريقك

فاجأتني. لا أحد يسأل الفقراء عن أحلامهم. نظرت إلى يدي

كنت أريد أن أصبح محاميا.

رفعت حاجبيها

محاميا

نعم. أحب العدالة والحقيقة. في حينا كثير ظلم. أردت أن أدافع عن الناس. ثم يقولون إنني جيد في الجدال.

لم تضحك. كتبت شيئا ثم قالت

فهمت. يمكنك الانصراف.

بعد أسبوع جاء رجل ببدلة يحمل كتبا كثيرة

أبحث عن الشاب رامون.

أنا.

أنا الأستاذ ساندوفال. تم التعاقد معي لأكون معلمك الخاص. سنبدأ تجهيزك للجامعة اليوم.

سقطت المكنسة من يدي.

ماذا جامعة!

دخلت راكضا إلى مارغريتا

سيدتي هناك رجل يقول إنه معلمي يقول إنني سأدرس القانون!

قالت بهدوء

نعم. أتوقع أن تدرس كثيرا.

امتلأت عيناي بالدموع

لماذا تفعلين هذا من أجلي أنا مجرد موظف أنا لا أحد.

طوت الصحيفة ونزعت نظارتها ووضعت يدها على كتفي

اسمعني يا رامون. أنت لم تطلب مالا. لم تسرق. لقد تركت لك فخاخا شهرا كاملا نقودا شيكات مجوهرات. رأيت كل شيء.

تجمدت

كنت تعرفين

نعم. وليديا حاولت إفسادك. ولم تفسد. اجتزت الاختبارات كلها دون أن تعلم.

ابتسمت بعينين تلمعان بحنان

دفعتني بعربتك كما يدفع ملك ملكته. جعلتني أضحك حين أردت أن أموت. أعطيتني كرامة حين رآني الجميع قطعة أثاث. ساعدتني دون أن تعرف من أنا. لم يهمك المال. رأيت عجوزا تائهة وقررت أن تكون إنسانا.

كنت أبكي

شكرا شكرا يا أمي مارغريتا

مسحت دمعة بإبهامها

انهض يا محامي المستقبل. لا وقت للبكاء. لديك درس. وأنا علي أن أستعد لأني أشعر أننا سنحتاج مهاراتك قريبا.

ولم أكن أعلم كم كانت على حق. لأن العاصفة كانت تتكون خلف الأسوار. أرنستو أخو زوجها الراحل وليديا كانا يتحدان. لم يعجبهما أن فتى الشارع بقي في البيت.

 وكانا قادمين بكل ما لديهما لطردي أو لتحطيم مارغريتا.

لكن ما لم يعرفاه شيئين أن مارغريتا استعادت نارها وأنني لم أعد مجرد بائع فول سوداني. صار لدي كتب صار لدي هدف وكانت أقوى امرأة في المكسيك في صفي. فليأت النسور نحن بانتظارهم.

فليأت النسور نحن بانتظارهم.

لم تمض سوى أيام قليلة حتى بدأت الأقنعة تتساقط واحدا تلو الآخر. تغير جو البيت وصار الهدوء الفاخر مشحونا بتوتر خفي كأنه يسبق عاصفة. ليديا لم تعد تخفي ضيقها وأرنستو شقيق زوج مارغريتا الراحل صار يزور القصر أكثر من اللازم يطرح الأسئلة ذاتها بلهجة مريبة

ويتفحص كل شيء وكأنه يعد ما سيأخذه.

أما مارغريتا فلم تعد تلك العجوز الصامتة التي جلست ثلاثة أيام على مقعد إسمنتي. عادت نبرتها حادة ونظرتها ثابتة وكأن النار التي خمدت طويلا اشتعلت من جديد.

في إحدى الليالي استدعتني إلى مكتبها. أغلقت الباب بهدوء وجلست خلف مكتبها الكبير.

رامون قالت هناك أشياء يجب أن تتعلمها الآن ليس لأنك موظف بل لأنك أصبحت موضع ثقة.

فتحت درجا جانبيا وأخرجت ملفات سميكة.

هؤلاء لا يخافون من ضعف الجسد بل من وضوح العقل. وهم يظنونني ضعيفة.

رفعت رأسها ونظرت إلي بثبات.

سنريهم أنهم مخطئون.

بدأت

أقرأ أدون أتعلم. أسماء شركات تواريخ تحويلات توقيعات فجوات صغيرة لا يلاحظها إلا من يبحث عنها بصدق. كنت أعود إلى غرفتي ليلا ورأسي يضج لكنني لم أشعر يوما بهذا المعنى من قبل. لم أعد أبيع الفول السوداني عند الإشارات بل صرت أتعلم كيف تدار المعارك الحقيقية.

وذات صباح دخل أرنستو القصر غاضبا ومعه محاميان.

يجب أن نناقش أهلية مارغريتا لإدارة ثروتها قال ببرود مصطنع.

خرجت مارغريتا إليهم بهدوء أربكهم.

بالطبع قالت.

لكن قبل ذلك دعونا نناقش هذه المستندات.

أشارت إلي. تقدمت وضعت الملفات على الطاولة وبدأت أشرح. كنت أرتجف

في داخلي لكن صوتي خرج ثابتا. رأيت الذهول يتسلل إلى وجوههم ورأيت ليديا تشحب.

كل شيء موثق قلت.

وكل محاولة تلاعب مسجلة.

ساد الصمت. لم يكن صمت احترام بل صمت هزيمة مؤقتة.

بعد أن غادروا جلست مارغريتا قرب النافذة تتأمل الحديقة.

أتدري ما الفرق بينك وبينهم يا رامون سألت.

أنهم رأوا في ثروة وأنت رأيت إنسانة.

في تلك اللحظة فهمت أن حياتي القديمة انتهت فعلا لا لأن المال دخلها بل لأن الهدف ولد فيها. لم أعد مجرد فتى يركض بين السيارات ولا مجرد مساعد مؤقت. كنت شاهدا وشريكا وجزءا من معركة أكبر.

وكان النسور قد بدأوا يدركون أنهم أخطؤوا الحساب.

 

تعليقات

التنقل السريع
    close