امرأة متكبّرة صفعت رجلاً فقيرًا أمام الناس، ثم نزل هو من طائرة خاصة يوم حفل خطبتها
امرأة متكبّرة صفعت رجلاً فقيرًا أمام الناس، ثم نزل هو من طائرة خاصة يوم حفل خطبتها
كيف تجرؤ على الاقتراب مني هنا
قال رجل من بين الحشود يا سيدتي اهدئي ما الذي يحدث هنا
كل يوم يمر الناس بجانب الفقراء دون أن يلتفتوا إليهم ثانية.
يحكمون عليهم من ملابسهم من أحذيتهم من وجوههم المتعبة.
لكن امرأة متكبرة ارتكبت خطأ فادحا حين صفعت رجلا مسنا فقيرا أمام الناس وسخرت منه لأنه في نظرها أقل منها شأنا.
لم تسأله عن قصته.
لم تحاول أن ترى ما وراء ملابسه البالية.
ولكن في إحدى بعد الظهيرات الهادئة حدث شيء صادم.
توقفت طائرة خاصة أمام حفلة خطبتها مباشرة وتغيرت حياتها بالكامل بطريقة لم تتوقعها أبدا.
من كان ذلك الرجل المسن حقا
اجلس بهدوء ودعنا نغوص في تفاصيل هذه القصة المؤثرة.
في قلب مدينة لاغوس حيث يعيش الأغنياء والفقراء جنبا إلى جنب كانت شمس بعد الظهيرة حارة تحرق الإسفلت.
السيارات تطلق أبواقها بصوت عال في الطرق المزدحمة والدراجات النارية تنسج طريقها بين المركبات والناس يصرخون يضحكون ويهرعون من مكان إلى آخر.
خارج مركز التسوق غولدن بلازا كان الزحام شديدا.
نساء يحملن أكياس التسوق رجال يتحدثون في هواتفهم وأطفال يركضون بين الكبار يلعبون ويضحكون.
وفجأة توقف كل شيء.
قطع الضجيج صوت حاد.
صفعة.
تردد صوتها في موقف السيارات كالرعد.
التفت الجميع ليروا ما الذي حدث.
كانت امرأة تقف وسط الحشود يدها ما زالت مرفوعة في الهواء.
كانت جميلة في حوالي الثلاثين من عمرها ذات بشرة داكنة ناعمة وشعر طويل مجدول ينسدل على ظهرها.
ترتدي بدلة كحلية ضيقة تبرز قوامها وتلمع الحلي الذهبية في معصمها وعنقها ومكياجها متقن بلا عيب وحذاؤها ذو كعب عال من ماركة عالمية.
كل شيء فيها كان يصرخ بالمال والقوة.
اسمها كان سابرينا.
أمامها وقف رجل مسن.
يبدو في الخامسة والخمسين تقريبا.
وجهه يحمل آثار سنوات طويلة من العمل الشاق والمعاناة.
قميصه باهت ومهترئ وبنطاله يحمل تمزقات صغيرة عند الركبتين ونعلاه قديمان متشققان وشعره رمادي
غير ممشط.
خده كان أحمر من أثر الصفعة التي تلقاها للتو.
صرخت سابرينا بصوت حاد غاضب
كيف تجرؤ!
كيف تجرؤ على التحديق بي هكذا!
رمش الرجل ببطء وعيناه مليئتان بالحيرة وصوته خرج ناعما هادئا
يا سيدتي لم أحدق بك. كنت فقط أمشي. أعدك أنني لن أفعل شيئا كهذا أبدا
قاطعته
كاذب!
لفظت الكلمة كأنها سم.
رأيتك بعيني قالت. كنت تتبعني. كنت تنظر إلي بتلك العينين القذرتين.
هز الرجل رأسه برفق
لا يا سيدتي أرجوك صدقيني. لا يمكن أن أسيء إليك. أنت في عمر ابنتي. كنت فقط أسير في الاتجاه نفسه هذا كل ما في الأمر.
بدأت مجموعة صغيرة من الناس تتجمع حولهما.
توقف البعض عن أعمالهم.
بعضهم أخرج هواتفه وبدأ يلتقط مقاطع فيديو وآخرون أخذوا يتهامسون.
ضحكت سابرينا لكنها لم تكن ضحكة فيها أي فرح.
كانت ضحكة باردة ساخرة.
قالت بازدراء
ابنتك نعم
جالت بعينيها عليه من رأسه حتى قدميه باشمئزاز
انظر إلى نفسك انظر إلى ثيابك المتسخة إلى نعليك الممزقين لا تستطيع حتى الاعتناء بنفسك ثم تتحدث عن أن لديك ابنة!
اقتربت منه خطوة وأشارت بإصبعها المعتنى به إلى صدره
أمثالك يجعلونني أشعر بالغثيان تابعت.
أنتم الفقراء تظنون أنكم تستطيعون السير كما يحلو لكم وفعل ما تشاؤون.
تظنون أنكم تستطيعون النظر إلى نساء مثلي دون عواقب.
وتظنون أنه لمجرد أنك رجل مسن فأنت بريء.
تقدم شاب من بين crowd كان واقفا قريبا عندما بدأ كل شيء.
قال باحترام
يا مدام من فضلك هذا الرجل لم يفعل شيئا. أنا كنت هنا ورأيت كل شيء. كان فقط يمشي خلفك ولم يضايقك.
التفتت إليه سابرينا وشرر الغضب يتطاير من عينيها
ومن طلب رأيك أنت! هل هو والدك! اهتم بشؤونك ولا تتدخل.
تكلمت امرأة مسنة من الحشود أيضا
الشاب على حق يا ابنتي قالت بهدوء. كنت أراقب الموقف ذلك الرجل العجوز لم يكن يضايقك إطلاقا.
لكن سابرينا لم تكن تسمع أحدا. كبرياؤها كان مجروحا وغضبها يغلي.
قالت بصوت عال
كلكم تدافعون عنه فقط لأنه كبير في السن!
لكنني أعرف ما رأيت ولن أسمح لأي رجل أن يهينني. لا يهمني كم يكون عمره.
ثم التفتت إلى الرجل المسن الذي وقف صامتا برأس منحن قليلا.
أنتم الفقراء جميعكم سواء قالت.
لا تملكون شيئا. لا تساوون شيئا. ومع ذلك تظنون أنكم تستطيعون لمس حياة أشخاص مثلي
رفع الرجل رأسه قليلا وعيناه حزينتان لكنهما هادئتان
يا سيدتي لم ألمسك كنت فقط أمشي.
كف عن الكذب! صاحت.
كنت قريبا جدا مني. كنت تغزو مساحتي الخاصة. كيف تجرؤ أن تمشي بهذه القرب من امرأة مثلي!
هل تعرفين من أكون هل تعرف ما قيمتي
أمسكت حقيبتها الفاخرة ورفعتها أمامه
هذه الحقيبة ثمنها أكثر مما ستجنيه في عشر سنوات قالت بابتسامة قاسية.
لذلك لا تقف هناك وتظهر نفسك بريئا.
ابق في مكانك واعرف حدودك!
بعض الحاضرين هزوا رؤوسهم استنكارا وآخرون نظروا إلى الرجل بعطف.
تقدم أحد حراس الأمن من المركز التجاري وسأل
يا مدام هل كل شيء على ما يرام
التفتت إليه سابرينا وقالت بثقة
هذا الرجل كان يضايقني لكنني تعاملت مع الأمر. هو الآن يعرف أن عليه ألا يلعب معي.
نظر رجل الأمن إلى الشيخ
يا عم هل تحتاج إلى مساعدة
هز الرجل رأسه ببطء
لا أنا بخير شكرا لك.
نظرت إليه سابرينا نظرة أخيرة مليئة بالاحتقار
في المرة القادمة انتبه أين تمشي وابق تلك العينين القذرتين بعيدتين عني.
ثم قلبت شعرها إلى الخلف ومشت باتجاه موقف السيارات.
كان سائقها واقفا بجانب سيارة رينج روفر سوداء لامعة فسارع إلى فتح الباب الخلفي لها.
صعدت إلى السيارة دون أن تلتفت إلى الخلف وأغلق الباب بقوة.
زأر محرك السيارة وانطلقت الرينج روفر بسرعة تاركة غبارا خلفها.
بدأ الحشد يتفرق ببطء.
بعضهم غادر وهو يهز رأسه وآخرون ظلوا بضع لحظات أخرى يحدقون في الرجل المسن.
اقتربت منه امرأة طيبة وسألته بلطف
يا عم هل أنت بخير
أومأ
نعم يا سيدتي أنا بخير.
قال شخص آخر
تلك المرأة كانت وقحة للغاية. لا ينبغي لها أن تعاملك بهذا الشكل.
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة وقال
لا بأس أنا معتاد على ذلك.
لكن صوته كان يحمل تعبا شديدا وكتفاه كانتا منخفضتين بثقل السنين.
مشى ببطء إلى جانب الطريق وجلس على حافة الرصيف وضع يديه على ركبتيه وأطرق رأسه إلى الأرض.
لم يكن على وجهه أي غضب بل حزن فقط.
الناس يمرون بجانبه بعضهم ينظر إليه بشيء من الشفقة وبعضهم لا يلتفت إليه إطلاقا.
لم يكن أحد يعرف من يكون حقا.
لم يكن أحد يعرف الحقيقة.
لم يكن أحد يدرك أن حياة ذلك الرجل لم تكن كما تبدو ولم يكن أحد يعلم أن المرأة التي صفعته ستتلقى قريبا صدمة لن تنساها ما دامت حية.
بعد ثلاثين دقيقة توقفت الرينج روفر السوداء عند مدخل بيت حديث كبير.
البوابة عالية من حديد أسود والجدران مطلية بالأبيض والبيج ونافورة صغيرة تتوسط الحديقة الأمامية يتدفق منها الماء بهدوء
وأزهار مصطفاة على جانبي الممر.
كل شيء في البيت يصرخ بالثراء.
نزلت سابرينا من السيارة.
تك تك تك كانت خطوات كعبها العالي تسمع على الحجر وهي تسير نحو الباب الأمامي بينما كان سائقها يحمل أكياس التسوق خلفها.
دفعت الباب ودخلت.
الهواء البارد من أجهزة التكييف يملأ المكان.
الأرضيات من الرخام اللامع واللوحات الغالية معلقة على الجدران.
سابرينا هل عدت
جاء صوت ناعم من غرفة المعيشة.
كانت أمها السيدة أدزا في أوائل الخمسينيات من عمرها امرأة جميلة ذات عينين طيبتين وابتسامة رقيقة.
ترتدي لفافة رابر وثوبا أنيقا وشعرها مرفوع في كعكة بسيطة.
كانت مختلفة تماما عن ابنتها.
السيدة أدزا كانت دائما متواضعة تؤمن بالطيبة والاحترام ومساعدة الآخرين.
أما ابنتها فقد كبرت تحب المال والمكانة والسلطة.
قالت سابرينا وهي ترمي حقيبتها على الأريكة الجلدية
نعم يا أمي.
وقفت أمها واقتربت منها
كيف كان يومك يا عزيزتي هل وجدت ما تبحثين عنه في المركز التجاري
تنفست سابرينا بضجر وخلعت حذاءها ذو الكعب العالي
التسوق كان جيدا يا أمي لكن حدث شيء مزعج.
جلست أمها ببطء وملامح القلق تظهر على وجهها
ماذا حدث
لوحت سابرينا بيدها بلا مبالاة
رجل عجوز قذر كان يتبعني. كان يحدق
بي بعينيه القبيحتين. اضطررت أن أعلمه درسا.
تغير وجه الأم واختفت الابتسامة.
سابرينا ماذا تقصدين علمته درسا
قالت سابرينا ببرود وكأنها تحكي أمرا عاديا
صفعته. هناك أمام الجميع.
كان بحاجة إلى أن يفهم أنه لا يمكنه إهانتي.
اتسعت عينا الأم من الصدمة
صفعت رجلا مسنا يا سابرينا!
نعم يا أمي وأستحق ذلك. كان فقيرا قذرا لا يعرف الأدب.
هزت أمها رأسها ببطء والألم يملأ عينيها
يا ابنتي ماذا أصبحت
هذا ليس ما ربيتك عليه.
لا يمكنك أن تعاملي الناس بهذه الطريقة.
دحرجت سابرينا عينيها وقالت
أمي رجاء لا تبدئي بالمواعظ الآن. ذلك الرجل لا شيء. ربما يكون مشردا أو متسولا. أمثاله يحتاجون إلى أن يتعلموا الاحترام.
قالت أمها بنبرة متألمة
احترام
أنت من تتحدث عن الاحترام يا سابرينا
ذلك الرجل المسن هو أب أحدهم وهو زوج أحدهم وله مشاعر وقصة وحياة. لا تعرفين ماذا مر به.
وقفت سابرينا والانزعاج واضح على وجهها
أمي أعلم أنك تقصدين الخير لكنني لا أحتاج لمحاضرة الآن. فعلت ما كان علي أن أفعله.
قالت الأم بحزم
لا لم يكن عليك أن تصفعيه. أنت اخترت ذلك وكان اختيارا خاطئا.
اقتربت من ابنتها ووضعت يدها على كتفها
اسمعيني يا ابنتي المال لا يجعلك أفضل من الآخرين. ثروتك لا تعطيك حق احتقار الناس.
ذلك الرجل قد يكون فقيرا اليوم لكن الله قادر أن يرفعه غدا وأنت بكل مالك يمكن أن تسقطي.
سحبت سابرينا كتفها بعيدا
أمي أنت تقلقين كثيرا. هذا لن يحدث لي أبدا. أنا ذكية وناجحة وأعرف كيف أحمي نفسي.
تنهدت الأم بعمق وقالت
الكبر يأتي قبل السقوط.
أدعو الله أن تتعلمي هذا الدرس قبل فوات الأوان.
قالت سابرينا وهي تلتقط حقيبتها مرة أخرى
أمي أنا متعبة. سأصعد إلى غرفتي لأرتاح.
استدارت وصعدت السلالم وصوت خطواتها يتردد في البيت الهادئ.
بقيت السيدة أدزا وحدها في غرفة المعيشة رفعت رأسها إلى السقف وهمست دعاء خافتا
يا الله من فضلك لين قلب ابنتي. علمها أن تحب الناس لا المال فقط.
جلست ببطء وقلبها مثقل بالهم.
في الجهة الأخرى من لاغوس بعيدا عن ضوضاء وسط المدينة كان قصر ضخم ينتصب بفخامة.
محاط بأسوار عالية وأشجار طويلة وكاميرات مراقبة والبوابات من فولاذ صلب وحرس عند كل مدخل.
في الداخل كل شيء مرتب بإتقان أرضيات من الرخام المصقول وأثاث مستورد وثريات كريستال معلقة من السقف ولوحات فنية باهظة على الجدران.
في غرفة الجلوس الكبيرة جلس شاب على أريكة جلدية.
يرتدي قميصا أبيض بسيطا وبنطالا أسود وملامحه وسيمة بملامح حادة وعينين هادئتين.
اسمه كاليب وعمره 32 عاما.
كان كاليب مليارديرا يملك شركة تقنية ناجحة تعمل في أنحاء أفريقيا.
لديه المال والقوة والنفوذ لكنه رغم كل هذا كان يبحث عن شيء مهم الحب.
الحب الحقيقي.
ليس ذلك الذي يأتي بسبب المال بل ذاك الذي يأتي من القلب.
كان يتصفح هاتفه يقرأ رسائل البريد والتقارير.
وجهه جاد وتركيزه عال.
فجأة فتح الباب الأمامي.
رفع كاليب رأسه.
دخل رجل مسن.
يبدو متعبا ملابسه قديمة وبالية ونعلاه مشققان ووجهه يحمل إرهاقا شديدا.
لكن ما إن خطا داخل القصر حتى اعتدل ظهره قليلا ولانت نظراته.
كان هذا نفس الرجل الذي صفعته سابرينا في وقت سابق من ذلك اليوم.
اسمه السيد ريتشارد وهو والد كاليب.
نهض كاليب على الفور
بابا خرجت مجددا اليوم
أومأ السيد ريتشارد وهو يجلس على الأريكة
نعم يا بني خرجت.
هز كاليب رأسه بنبرة ضيق
بابا قلت لك مرارا أنك لا تحتاج إلى فعل هذا. لا داعي لأن تخرج وتتعب نفسك هكذا. لدينا كل شيء.
لا تحتاج أن تتجول في الشوارع متنكرا كرجل فقير.
نظر إليه السيد ريتشارد بعينين متعبتين لكنهما مصممتان.
وضع يديه على ركبتيه وقال بهدوء
اجلس يا كاليب. أريد أن أشرح لك شيئا.
جلس كاليب ببطء وهو ينتظر.
سأل الأب
هل تتذكر أمك
تغيرت ملامح كاليب الجادة
نعم يا أبي أتذكرها.
أومأ السيد ريتشارد
كانت أمك امرأة جميلة أحببتها من كل قلبي لكنها لم تحبني حقا. كانت تحب المال.
توقف لحظة وعيناه شاردتان مع ذكريات مؤلمة
حين التقيت بها كنت فقيرا. كنت أكافح لأعيل نفسي. لكنها قالت إنها تحبني وإن المال لا يهم وإننا سنبني حياتنا معا.
استمع كاليب في صمت.
تابع الأب
لكن ما إن بدأت الأمور تزداد صعوبة رحلت.
قالت إنني لن أكون شيئا يذكر وإنها تستحق حياة أفضل.
أخذت كل شيء وغادرت.
تركتك وتركتني ولم تبال.
اشتد فك كاليب وهو يتذكر ألم نشأته دون أم.
قال الأب
بعد ذلك عملت بجد وبنيت هذه الإمبراطورية من أجلك.
تأكدت أنك لن تعاني كما عانيت أنا.
لكنني أيضا تعلمت شيئا مهما يا بني
نظر في عيني ابنه مباشرة
تعلمت أن كثيرين لا يحبون الشخص ذاته بل يحبون المال.
يحبون ما يمكن أن يقدمه لهم لا من يكون.
وأضاف
ولا أريد لك أن تتزوج امرأة تحب ثروتك لا قلبك.
قال كاليب بهدوء
بابا أفهم خوفك لكن ليست كل النساء مثل أمي.
هذا صحيح قال ريتشارد
لكن كيف تميز الصادقة من الكاذبة
كيف تعرف إن كانت تحبك أنت أم تحب مالك
مال بجسده إلى الأمام
لهذا أخرج إلى الشوارع يا بني. أتنكر كرجل فقير.
أمشي بين الناس. أراقب وأختبر
أنظر كيف يعاملون الفقراء.
لأن المرأة التي تحترم الفقير وتحسن إليه رغم أنه لا يملك شيئا هذه تستحق أن تعرف.
أما إن احتقرت الفقراء وعاملتهم كأنهم لا شيء فليست مناسبة لك.
ظل كاليب صامتا لحظات يفهم ألم والده ومخاوفه.
قال بهدوء
بابا أقدر ما تفعله لكنك تعرض نفسك للخطر. ماذا لو حصل لك مكروه وأنت خارج المنزل متنكرا
ابتسم ريتشارد ابتسامة باهتة
أنا حذر يا بني. لدي رجال أمن يراقبونني من بعيد. هم موجودون دائما حتى لو لم يرهم أحد.
ونهض ببطء وقال
يوما ما سأجد المرأة المناسبة لك وحين أفعل سأكون واثقا أن قلبها طاهر.
صعد إلى الطابق العلوي بينما كان كاليب يتابع خطواته بعينين امتلأتا حبا وقلقا لكنه لم يزد شيئا.
مرت أسبوعان بهدوء.
الحياة تسير بشكل طبيعي سابرينا تتابع عملها في مجال مستحضرات التجميل وكاليب يدير شركته التقنية والسيد ريتشارد يواصل مهمته السرية في الشوارع بحثا عن امرأة صاحبة قلب طيب لابنه.
ثم في أحد الأيام وصلتهما دعوة لحضور أكبر حفل في السنة
حفل كبار أثرياء لاغوس السنوي.
كل العائلات الثرية في المدينة ستكون هناك رجال أعمال ساسة مشاهير ووجوه المجتمع.
كان الحدث الأهم في الموسم.
تلقت سابرينا الدعوة وصرخت من شدة الفرح.
أمسكت الهاتف فورا واتصلت بالمصفف وخبيرة المكياج ومصففة الشعر.
أرادت أن تكون الأجمل في الحفل كله.
قضت ساعات في اختيار الفستان المثالي.
وفي النهاية اختارت فستانا أحمر رائعا مطرزا بخيوط ذهبية طويلا وأنيقا وغالي الثمن.
نسقت معه حليا ذهبية وكعبا عاليا فاخرا.
أما والدتها فقد اختارت فستانا أزرق بسيطا وأنيقا لم تكن تهتم بالاستعراض كل ما أرادته أن تبدو محتشمة لائقة.
في ليلة الحفل وصلتا معا إلى الفندق الفخم غولدن هايتس.
مدخل الفندق مضاء بالأضواء وسجادة حمراء تمتد من الموقف حتى الأبواب الأمامية والمصورون على الجانبين والكاميرات
تلتقط الصور.
نزلت سابرينا من السيارة كأنها ملكة بابتسامة عريضة وتتعمد أن يراها الجميع تتوقف لتلتقط الصور وتلوح بيدها.
أمها جاءت خلفها بهدوء وتواضع.
داخل قاعة الاحتفال الكبرى كان المشهد ساحرا
ثريات كريستال تتدلى من السقف العالي وطاولات مستديرة مغطاة بمفارش بيضاء وزينة ذهبية وفرقة موسيقية تعزف ألحانا هادئة وندل يتحركون برشاقة يحملون صواني المشروبات والمقبلات.
كانت سابرينا تمشي في القاعة برأس مرفوع تسلم على من تعرفهم تضحك بصوت عال وتغازل وتحرص أن يراها الجميع.
في الجهة الأخرى من المدينة كان كاليب يقف أمام المرآة يرتب بدلته السوداء الرسمية.
يبدو في قمة الأناقة.
وقف والده إلى جانبه هو أيضا يرتدي بدلة سوداء مفصلة بعناية.
لكن هذه الليلة لم يكن السيد ريتشارد يبدو كرجل فقير بل كملك
بدلة غالية حذاء لامع شعر مصفف بعناية وهيبة واضحة.
هل أنت مستعد يا أبي
نعم يا بني لنذهب.
خرجا إلى سيارة مرسيدس سوداء فاخرة فتح السائق الباب لهما ركبا وانطلقت السيارة نحو الفندق.
عند وصولهما إلى غولدن هايتس فتح
رجال الأمن الأبواب وانطلقت الكاميرات تلتقط الصور.
دخل كاليب ووالده بثقة هادئة واستقبلهم الضيوف بالتحية رجال الأعمال يصافحون كاليب والساسة يبتسمون للسيد ريتشارد.
لكن الأخير لم يكن منشغلا بالتحيات بل بعينيه اللتين تجولان في القاعة بحثا ومراقبة.
هناك رآها سابرينا.
كانت تقف قرب طاولة الحلوى تحمل كأسا في يدها تتحدث مع نادل شاب.
كان صوتها مرتفعا وحادا
قلت إنني أريد ماء فوارا لا عاديا!
هل أنت أصم ألا تفهم الإنجليزية البسيطة!
انحنى النادل معتذرا
عذرا يا سيدتي سأحضره لك حالا.
قالت ببرود
من الأفضل أن تفعل. ليس لدي كل الليل لأنتظرك.
ضيق السيد ريتشارد عينيه وتصلب فكه.
تعرف عليها فورا.
إنها نفس المرأة التي صفعته أمام المركز التجاري.
لم يقل شيئا لكنه ظل يتابعها باهتمام.
في وقت لاحق من تلك الليلة بينما الفرقة تعزف والناس يرقصون لمحت سابرينا كاليب من بعيد.
أضاءت عيناها كالألعاب النارية فهي تعرف أنه غني وأعزب وكانت تريده لها.
عدلت فستانها أصلحت شعرها وسارت نحوه بابتسامة مصطنعة لطيفة
كاليب! مساء الخير.
استدار
مساء الخير يا سابرينا.
مر وقت طويل منذ تحدثنا آخر مرة قالت بنبرة ناعمة.
كيف حالك
أنا بخير وأنت
في أفضل حال أجابت واقتربت منه قليلا.
تعلم كنت أفكر فيك كثيرا. أشعر أننا يجب أن نمضي وقتا أطول معا.
رفع كاليب حاجبا
حقا
نعم تابعت ولمست ذراعه بخفة.
أشعر أن بيننا قواسم مشتركة كثيرة.
ابتسم كاليب بأدب دون أن يعد بشيء.
استمرا في الحديث لدقائق وسابرينا تضحك على كل ما يقوله تمدحه تتصنع الرقة واللطف.
من بعيد كان السيد ريتشارد يراقب.
قلبه ثقيل فهو يعرف ما تفعله ويرى التمثيل بوضوح.
مع اقتراب نهاية الحفل بدأ الضيوف بالمغادرة.
خرج كاليب ووالده إلى السيارة.
وفي طريق العودة جلس السيد ريتشارد صامتا ينظر من النافذة.
قال كاليب
بابا أنت هادئ هذه الليلة هل هناك شيء يضايقك
سأل الأب
من تلك المرأة التي كنت تتحدث معها في الحفل
تقصد سابرينا
لقد التقينا عدة مرات في مناسبات مختلفة. هي سيدة أعمال تملك شركة لمستحضرات التجميل ويبدو أنها مهتمة بي.
هز الأب رأسه ببطء
فهمت
قال كاليب
ولماذا تسأل
فقط كن حذرا يا بني. بعض الناس بارعون في التمثيل. يبتسمون في وجهك وقلوبهم مظلمة.
ابتسم كاليب قليلا
بابا أنت تقلق أكثر من اللازم. أستطيع أن أعتني بنفسي.
لكن السيد ريتشارد لم يبادل الابتسامة وظل يحدق في الظلام خارج النافذة.
في الأيام التالية بدأت سابرينا تقضي وقتا أطول مع كاليب
تتصل به كل يوم ترسل له رسائل لطيفة تدعوه إلى الغداء في مطاعم فاخرة.
كان كاليب يستمتع بصحبتها فهي جميلة ذكية وتجعله يضحك.
في أحد الأيام دعاها لزيارة منزله
سابرينا أود أن تلتقي بوالدي قال.
سأكون سعيدة بذلك ردت بحماس.
وصلا إلى القصر حيث كان السيد ريتشارد جالسا في غرفة الجلوس يقرأ صحيفة.
قال كاليب بابتسامة
بابا هذه سابرينا.
تقدمت بخطوات واثقة وعلى وجهها ابتسامة ناعمة وصوتها مملوء بالعسل
مساء الخير يا سيدي إنه لشرف كبير أن ألتقي بك.
رفع ريتشارد رأسه وحدق في وجهها.
تأمل ملامحها جيدا
لم تتعرف عليه.
لم يخطر ببالها أنه نفس الرجل المسن الذي صفعته قرب المركز التجاري.
قال بهدوء
مساء الخير.
جلست وتحدثت بأدب تمدح جمال البيت والأثاث وتضحك على نكات كاليب وتخاطب السيد ريتشارد بكلمة سير في كل جملة.
لكن الرجل العجوز كان يرى ما وراء القناع
يرى الابتسامة الزائفة والكلمات الملطفة بالسكر والأداء المتقن.
بعد ساعة وقفت سابرينا لتغادر
شكرا جزيلا على استقبالي في بيتكم يا سيدي. آمل أن أراك مرة أخرى قريبا.
أومأ ريتشارد دون تعليق.
ما إن غادرت حتى التفت كاليب إلى أبيه بابتسامة متفائلة
ما رأيك يا أبي
اختار الأب كلماته بحذر
هي مؤدبة.
شعر كاليب بالتردد في صوته فسأل
لكن
لكنني لا أثق بها قالها مباشرة.
يا بني كن حذرا من هذه المرأة. لا أظنها كما تدعي.
عبس كاليب
بابا أنت تبالغ في الشك. أنت لا تعرفها جيدا.
أعرف ما يكفي رد الأب.
تنهد كاليب بضيق
بابا أفهم أنك تريد حمايتي لكن لا يمكنك إبعادي عن كل امرأة ألتقي بها. أنا لم أعد طفلا.
قال الأب بهدوء
أعلم أنك لم تعد طفلا لكنني ما زلت أباك وسأحميك سواء أعجبك ذلك أم لا.
هز كاليب رأسه وخرج من الغرفة غاضبا قليلا.
بقي ريتشارد وحده وقلبه مملوء بالقلق وهو يعرف ما عليه أن يفعل.
بعد أيام ارتدى السيد ريتشارد ملابسه القديمة مرة أخرى
القميص الباهت البنطال الممزق النعال المتشققة.
خرج من القصر بهدوء وتوجه إلى مقهى صغير في طرف آخر من المدينة.
جلس عند طاولة في الزاوية قرب النافذة وطلب كوب شاي ثم انتظر.
بعد عشرين دقيقة دخلت سابرينا المقهى لتلتقي بصديقة.
ترتدي نظارات شمسية من ماركة عالمية وتحمل حقيبة غالية.
لم تنتبه للرجل المسن الجالس في الزاوية.
راقبها ريتشارد في صمت.
جلست إلى طاولة طلبت طعامها وتحدثت بصوت مرتفع في الهاتف تضحك وتلتقط صورا لنفسها.
بعد دقائق جاء النادل بطبقها
هذا طلبك يا سيدتي قال بأدب.
نظرت إلى الطبق بامتعاض
لماذا تأخر طلبي كل هذا الوقت
أعتذر يا سيدتي المطبخ كان مزدحما اليوم.
مزدحم! قالت بسخرية.
لا يهمني إن كان مزدحما. جلست هنا قرابة ثلاثين دقيقة! هذا غير مقبول.
انحنى النادل
أنا آسف جدا يا سيدتي.
قالت بحدة
اعتذارك لا يغير شيئا. أنتم بطيئون وعديمو الفائدة.
هل تعرف من أكون أستطيع شراء هذا المقهى بالكامل لو أردت.
لم يقل النادل شيئا وانصرف في هدوء.
تصلب قلب السيد ريتشارد فقد تأكدت أسوأ مخاوفه.
نهض ترك ثمن الشاي على الطاولة وغادر.
في تلك الليلة جلس مع كاليب في غرفة الجلوس وقال بجدية
يا بني علي أن أخبرك بأمر مهم جدا.
رفع كاليب عينيه عن الحاسوب
ما الأمر يا أبي
تلك المرأة سابرينا ليست إنسانة جيدة.
أغلق كاليب حاسوبه وتنهد
بابا رجاء ليس هذا مجددا.
اسمعني قال الأب بحزم.
أنا أراقبها. اختبرتها.
هي فظة وقاسية. تعامل الناس بسوء.
لا تحترم أي شخص تظن أنه أدنى منها.
كل ما يهمها هو المال والمكانة.
وقف كاليب غاضبا
بابا لماذا تفعل هذا لماذا لا تريدني أن أكون سعيدا
أريدك أن تكون سعيدا رفع الأب صوته قليلا
لكن ليس مع امرأة مثلها!
ستدمرك يا بني. ستحب مالك لا قلبك.
أنت غير منصف رد كاليب.
أنت لا تعرفها حتى. تحكم عليها دون أن تمنحها فرصة.
أعرف أكثر مما تظن قال الأب.
رفض كاليب الاستماع أكثر التقط مفاتيح سيارته وغادر البيت تاركا والده في غرفة الجلوس وحيدا وقلبه مثقل لكنه عازم على ما سيفعل.
بعد ثلاثة أسابيع صدر الإعلان الرسمي
كاليب وسابرينا مخطوبان.
انتشر الخبر بسرعة على وسائل التواصل والتهاني تتوالى والعائلتان تحتفلان وبدأ الإعداد لحفل خطبة ضخم.
كانت سابرينا في قمة السعادة تنشر صورا على إنستغرام وفيسبوك وتويتر وتخبر صديقاتها بأنها ستتزوج مليارديرا وتفصل أدق تفاصيل الحفل.
أمها السيدة أدزا كانت سعيدة من أجل ابنتها لكن في أعماق قلبها شعرت بقلق غريب شيء ما لم يكن مريحا.
تقرر أن يقام حفل الخطبة في غولدن هايتس نفسه القاعة الفاخرة دون أي توفير في التكاليف
آلاف الورود البيضاء تملأ القاعة الثريات تلمع فرقة موسيقية حية وقائمة ضيوف تضم أكثر من 200 شخص.
في يوم الحفل كان الفندق يعج بالحركة
الضيوف يصلون بسيارات فاخرة النساء يرتدين أثوابا مصممة الرجال ببدلات أنيقة والكاميرات تلتقط الصور والموسيقى تعلو.
بدت سابرينا كالأميرة
فستان بلون باستيل مطرز بالفضي مكياج مثالي شعر مصفف بعناية ومجوهرات من الألماس تتلألأ تحت الأضواء.
وقف كاليب بجانبها في بدلة زرقاء أنيقة يبدو وسيما وفخورا.
أما السيد ريتشارد فكان واقفا قرب المدخل يراقب كل شيء في صمت وجهه هادئ لكن عينيه حادتين.
كل شيء بدا مثاليا
الابتسامات الموسيقى الضحك التهاني
إلى أن حدث ما لم يكن في الحسبان.
دوى صوت خطوات على أرضية الرخام.
التفت الضيوف إلى الداخل.
دخل رجل مسن ببطء إلى القاعة.
يرتدي ملابس باهتة وممزقة ونعاله مشققة ووجهه متعب.
كان يبدو غريبا تماما بين كل تلك الأناقة.
تحرك رجال الأمن نحوه فورا
يا عم هذا حفل خاص. لا يمكنك البقاء هنا.
لكن الرجل استمر في المشي بهدوء متجاوزا إياهم.
كانت سابرينا تقف
قرب المنصة تستقبل الضيوف عندما سمعت الهمهمة فالتفتت لترى ما يحدث.
تجمدت ابتسامتها واتسعت عيناها وتوقف قلبها للحظة.
عرفته فورا.
همست لنفسها
ماذا يفعل هنا!
سارت نحوه بسرعة وصوت كعبها يضرب الأرض بقوة ووجهها ممتلئ بالغضب
كيف تجرؤ على الدخول إلى هذا المكان!
هذا حفل خاص للمدعوين فقط. اخرج فورا!
نظر إليها بهدوء دون أن يتكلم.
ضيقت عينيها وبدا على وجهها فجأة تعبير الدهشة
لحظة أنا أعرفك
أنت ذلك الرجل رجل المركز التجاري الذي صفعته!
بدأ الضيوف بالتجمع والهمسات تنتشر في القاعة.
صرخت
أنت تلاحقني! تبعتني إلى هنا!
تريد إفساد خطبتي!
حرس! أخرجوا هذا الرجل فورا!
أسرع كاليب نحوهما
سابرينا ما الذي يحدث
قالت بصوت مرتفع متعمدة أن يسمع الجميع
هذا الرجل مهووس بي يتبعني منذ أسابيع. انظر إليه قذر فقير لا يليق بهذا المكان!
ظل الرجل واقفا في صمت لا يدافع عن نفسه لا يقول شيئا فقط ينظر إليها.
انفجر غضبها أكثر
أنت مثير للشفقة قالت بازدراء.
تظن أنك يمكنك أن تأتي إلى هنا وتحرجني أمام الجميع
أمثالك يجب أن يعرفوا مكانهم. أنت لا شيء لا تملك شيئا وستظل لا شيء.
اخرج قبل أن أطلب من الشرطة اعتقالك.
حاول كاليب تهدئتها
سابرينا من فضلك دعي الأمن يتعامل مع الأمر.
لكنها لم تكن تسمع. أشارت إليه بأصبعها
أنت عار. اخرج من هنا!
استدار الرجل ببطء وبدأ يمشي باتجاه المخرج.
ابتسمت سابرينا ابتسامة انتصار وعادت لتكمل الحديث مع الضيوف.
لكن فجأة
بدأ صوت المروحية يملأ المكان يهتز زجاج النوافذ.
رفع الجميع رؤوسهم.
كانت مروحية تهبط على سطح الفندق.
تهلل وجه سابرينا حماسا
لا بد أنه حماي والد كاليب!
لقد جاء بالمروحية!
هل رأيتم حماي جاء بالمروحية!
صفقت بيديها وابتسمت بفخر كأنها تستعرض أمام الحضور.
الهمسات تعالت والكاميرات اتجهت نحو السقف.
بعد دقائق سمعت خطوات قادمة من السلم.
التفت الجميع ناحية الدرج.
ظهر رجل أعلى السلم يرتدي بدلة سوداء غالية حذاؤه لامع ووقفته تحمل هيبة قوية.
كان السيد ريتشارد لكن هذه المرة لم يكن يبدو كرجل فقير.
كان يبدو كرمز من رموز الثراء والنفوذ.
بدأت ابتسامة سابرينا تبهت وحل محلها الارتباك.
نزل ريتشارد ببطء وكل العيون معلقة به حتى وصل إلى المنصة.
أمسك بالميكروفون وطرق عليه برفق فتردد الصوت في القاعة الصامتة.
قال بهدوء وقوة
مساء الخير جميعا
اسمي ريتشارد أوكافور وأنا والد كاليب.
ترددت شهقات الدهشة في القاعة واسود وجه سابرينا من الصدمة.
تابع
جئت الليلة لأخبركم بشيء مهم.
كثيرون منكم يعرفونني كرجل أعمال ناجح.
لكن ما لا تعرفونه هو أنني في الأشهر الماضية كنت أخرج إلى شوارع لاغوس متنكرا كرجل فقير.
تعالت الهمسات.
قال
فعلت هذا لأنني أردت أن أجد امرأة صالحة لابني امرأة تحبه هو لا ماله.
امرأة ذات قلب طيب تحترم الجميع الغني والفقير.
توقف لحظة ثم وجه نظره مباشرة نحو سابرينا وكانت القاعة كلها في صمت تام.
قال
قبل ثلاثة أسابيع أمام مركز غولدن بلازا كنت أمشي بهدوء لا أؤذي أحدا وهذه المرأة
وأشار إلى سابرينا.
صفعتني أمام الناس.
فتحت فمها ولم تجد كلاما ووجنتاها قد احمرتا من الخجل.
تابع
أهانتني.
نادتني بالقذر.
قالت إنني لا شيء.
سخرت من ملابسي ومظهري لم تظهر أي رحمة ولا احترام ولا إنسانية.
التفت الضيوف إليها وهم يهزون رؤوسهم باستنكار وبعضهم يهمس.
قال
في ذلك اليوم لم أقل شيئا.
انسحبت بهدوء وقلت في نفسي ربما كانت تمر بيوم سيء.
أردت أن أعطيها فرصة.
فراقبتها واختبرتها مرة أخرى.
أخذ يصف
ذهبت إلى مقهى كانت تجلس فيه.
راقبت كيف تعامل النادل الذي تأخر قليلا في إحضار طعامها.
أهانته وقللت من شأنه وجعلته يشعر أنه بلا قيمة فقط لأنه فقير ويعمل خادما.
خيم الصمت على القاعة.
ثم جاءت إلى بيتنا تابع ريتشارد.
أحضرها ابني لمقابلتي.
ابتسمت في وجهي وتكلمت بلطف ونادتني سير في كل جملة وتصرفت كأنها مثالية
لكنني كنت أعرف الحقيقة.
ثم رفع صوته قليلا
وقبل دقائق فقط حين رأتني أدخل القاعة بملابسي القديمة لم ترني كحماها بل كرجل فقير حقير.
أهانتني أمامكم وطلبت طردي من هنا وقالت إنني لا شيء.
كانت يدا سابرينا ترتجفان والدموع بدأت تمتلئ في عينيها.
قال ريتشارد بحزم
لم آت اليوم لأعلن إلغاء هذه الخطبة.
فهذا قرار يعود إلى ابني.
أنا هنا فقط لأكشف الحقيقة لأريكم الوجه الحقيقي لهذه المرأة.
لأن المرأة التي لا تحترم الفقير ولا تظهر رحمة لمن هم أقل منها حظا لا تستحق حب رجل صالح.
ابتعد عن الميكروفون ونظر إلى ابنه.
كان كاليب واقفا كأنه صدم بصدمة كهربائية وجهه مزيج بين الغضب والخذلان.
التفت إلى سابرينا وسأل بصوت بارد
هل هذا صحيح
فتحت فمها والدموع تسيل
كاليب أرجوك دعني أشرح
كرر سؤاله بصوت أعلى
هل ما قاله والدي صحيح
خفضت رأسها.
لم تستطع الكذب أكثر
نعم همست.
ابتعد كاليب خطوة عنها كأن أحدا ضربه.
قال
رأيت كيف كلمت والدي حين دخل.
ظننت أنك فقط خفت أو تفاجأت لكن الآن فهمت.
هذه حقيقتك.
مدت يدها إليه باكية
كاليب أرجوك أنا آسفة. أخطأت. سأغير نفسي. أعدك أنني سأصبح أفضل.
سحب يده بعيدا وقال
ستتغيرين
كيف يتغير القلب الذي يحتقر الناس
كيف يتغير من يرى قيمة الإنسان في ملابسه لا في روحه
هز رأسه ببطء
لا أستطيع أن أتزوج امرأة تحكم على الناس بأموالهم وتذل الضعفاء لا يمكن.
صرخت وهي تنهار
كاليب أرجوك! أنا أحبك!
هز رأسه بحزم
لا أنت لا تحبينني.
أنت تحبين مالي ومكانتي وما أستطيع أن أقدمه لك لا من أكون.
ثم التفت إلى الحضور وقال
الخطبة ملغاة.
ترددت شهقات الدهشة وتعالت الأصوات والكاميرات تلتقط كل شيء.
سقطت سابرينا أرضا وهي تبكي بلا سيطرة تستجديه ألا يتركها لكنه كان قد استدار بالفعل ومشى نحو الباب مع والده.
بدأ الضيوف بالمغادرة بعضهم ينظر إليها بعطف وآخرون بازدراء وبعضهم يهمس
كيف أمكنها أن تهين رجلا مسنا بهذا الشكل
تستحق ما حدث لها.
لم يبق في القاعة في النهاية إلا سابرينا ووالدتها.
كانت سابرينا راكعة على الأرض فستانها الأبيض مبسوط حولها كغمامة مكسورة مكياجها مدمر من كثرة البكاء.
وقفت السيدة أدزا إلى جانب ابنتها والدموع في عينيها وقالت بحزن عميق
قلت لك يا ابنتي قلت لك احترمي الناس حذرتك أن الكبر سيهدمك لكنك لم تسمعي.
رفعت سابرينا رأسها بصعوبة وسألت بصوت مكسور
أمي ماذا أفعل الآن كيف أصلح ما حدث
جلست أمها إلى جوارها وأمسكت بيدها
لا يمكنك إصلاح كل شيء ما حدث قد حدث.
لكن يمكنك أن تتغيري يمكنك أن تصبحي إنسانة أفضل.
قالت سابرينا وهي تبكي بحرقة
فقدت كل شيء الجميع رأى ما حدث كيف سأواجه الناس
قالت الأم بهدوء
ستواجهينهم بالتواضع.
تعترفين بخطئك تعتذرين لمن آذيتهم وتقضين ما تبقى من حياتك في معاملة الناس باحترام.
زاد بكاؤها وارتجف جسدها وقالت
هيا يا ابنتي لنعد إلى البيت.
خرجتا من القاعة الفارغة تاركتين خلفهما الزينة الباهظة والأحلام المحطمة.
في الخارج كان هواء الليل عليلا وأضواء المدينة تلمع في البعيد.
الحياة مستمرة للناس جميعا
لكن بالنسبة لسابرينا لم يعد شيء كما كان.
في طريق العودة إلى قصرهم جلس كاليب ووالده في المقعد الخلفي للمرسيدس في صمت طويل.
قطع كاليب الصمت أخيرا وقال بصوت خافت
شكرا لك يا أبي لأنك حميتني.
التفت إليه والده وقال
فعلت ما يفعله كل أب.
لم أستطع أن أتركك تتزوج امرأة ستؤذيك.
قال كاليب
الآن أفهم لماذا خرجت إلى الشوارع ولماذا اختبرت الناس.
كنت غاضبا منك لكنني الآن أرى أنك كنت على حق.
وضع ريتشارد يده على كتف ابنه وقال
يا بني الحب الحقيقي نادر لكنك حين تجده ستعلم لأن الحب الحقيقي يرى ما وراء المال والمكانة يرى القلب.
ابتسم كاليب ابتسامة خفيفة
يوما ما يا أبي سأجد هذا الحب.
وستجده قال الأب بثقة.
وحين يحدث ذلك سأكون أول من يحتفل بك.
في تلك الأثناء في بيت سابرينا كانت في غرفتها ووالدتها معها تحاول مواساتها.
بقيت تبكي لليال طويلة وتشعر بأن حياتها انتهت.
مرت ثلاثة أشهر ببطء.
ابتعدت عن الأضواء أغلقت حساباتها على مواقع التواصل توقفت عن حضور الحفلات.
قضت معظم وقتها في التفكير في حياتها وتصرفاتها.
شجعتها أمها على التطوع في جمعية خيرية.
في البداية ترددت ثم بدأت شيئا فشيئا.
أخذت تقدم الطعام للمشردين تتبرع بالملابس وتجلس تسمع قصص الناس.
ولأول مرة
في حياتها رأت الفقراء كأناس لهم قلوب وأحلام وكرامة.
في أحد الأيام وهي تقدم الطعام في ملجأ رأت رجلا مسنا يجلس وحيدا في الزاوية ذكرها بالسيد ريتشارد فانقبض قلبها.
اقتربت منه وانحنت قليلا
مساء الخير يا عم هل تحب أن أحضر لك طعاما
نظر إليها بعينين متعبتين
نعم يا ابنتي جزاك الله خيرا.
قدمت له الطعام بعناية ملأت طبقه أعطته ماء وسألته إن كان يحتاج شيئا آخر.
ابتسم لها وقال
شكرا لك يا ابنتي ربنا يبارك فيك.
اغرورقت عيناها بالدموع
لا يا عم شكرا لك لأنك سمحت لي بخدمتك.
ابتعدت بخطوات هادئة وقلبها أكثر خفة من ذي قبل.
أما كاليب فتابع حياته انشغل بعمله وقضى وقتا مع والده وسافر وقرأ وصلى وانتظر بصبر أن تأتي المرأة المناسبة.
ذات مساء قال له والده
أنا فخور بك يا بني لأنك اخترت القيم على الجمال والأخلاق على المظاهر.
ابتسم كاليب وقال
أنت من علمني ذلك يا أبي.
في مكان آخر من المدينة كانت سابرينا جالسة في غرفتها تكتب في دفتر مذكراتها
كنت مخطئة
حكمت على الناس من مظهرهم.
قست قيمة الإنسان بماله.
ظننت أنني أفضل من الآخرين لأنني غنية كنت عمياء.
كتبت
القيمة الحقيقية ليست فيما نملك بل فيما نحن عليه.
الجمال الحقيقي ليس في الثياب الغالية بل في القلب الرحيم.
والقوة الحقيقية ليست في طريقة تعاملنا مع الأغنياء بل في كيف نعامل من هم أضعف منا.
أغلقت دفترها ونظرت من النافذة إلى السماء المظلمة والنجوم المتلألئة كأنها نقاط أمل صغيرة.
ربما فقدت كاليب وربما خسرت سمعتها وربما فقدت كل ما ظنت أنه مهم.
لكنها ربحت شيئا أثمن بكثير
الحكمة والتواضع وفرصة لتصبح إنسانة أفضل.
انتشرت قصة الصفعة في أرجاء لاغوس يتناقلها الناس لأشهر.
أصبحت درسا يرويه الآباء لأبنائهم وتحذيرا يتبادله الشباب
عاملوا الناس باحترام لأنكم لا تعرفون من يكونون حقا.
ربما يكون من تهينونه اليوم والد الشخص الذي تحلمون أن تتزوجوه غدا.
وفي بيوت كثيرة كان الآباء والأمهات يجلسون مع أبنائهم ويقولون لهم
المال يستطيع أن يشتري أشياء كثيرة لكنه لا يشتري الأخلاق ولا الاحترام ولا القلب الطيب.
فكونوا طيبين متواضعين محترمين
لأن ما يبقى في النهاية ليس ما تملكونه بل من تكونون.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق