القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 تمن العشره سلسله نساء قهرن القهر




تمن العشره سلسله نساء قهرن القهر



لآخر لحظة كنت بترجاه إنه يحافظ على البيت.. لآخر لحظة بقوله اشتريني أنا وأولادك وما ترميش ودنك لأمك وتتوجوز واحدة تانية.. كنت بعيط وبقوله الولاد مالهمش ذنب، بس للأسف هو كأنه مش سامع ولا شايف، ماشي في طريق وعايز يعمله.”

وقفت قدامه ودموعي مغرقة وشي، كنت حاسة إني “قليلة” أوي وأنا بستجدي منه حتة حنية أو لحظة عقل. مسكت في إيده بقلب محروق وقلت له بصوت مرعش:

— “يا خالد، البيوت مش لعبة، والولاد دول ذنبهم إيه يعيشوا وأبوهم عقله مع واحدة تانية عشان يرضي ستك الوالدة؟ أنا صنتك وشلت اسمك وشلت أهلك في عيني، متهونش عليك العشرة كدة!”

بص لي ببرود ، شال إيدي من عليه وكأنه بيبعد “حشرة” مضايقاه، وقام لبس جاكت بدلته وهو بيبص في المراية بيظبط نفسه لعروسته الجديدة، وقال بنبرة ميتة:

— “خلصنا يا ابتسام.. أمي قالت إن الست اللي ما تملي عين جوزها وتعرف تكسب أهله، يبقى لازم يجي فوقيها ست ستها. أنا مش هرمي ولادي، بس حياتي الخاصة ملكي أنا، والشرع حلل لي أربعة.”

رزعة الباب وراه كانت “رصاصة الرحمة” اللي م*وتت كل حاجة حلوة جوايا تجاهه. قعدت على الأرض في الصالة، الضلمة بدأت تنهش في الحيطان، وصوت ولادي وهم نايمين بيحلموا ببكرة كان بيقطع في فروة راسي.

بصيت لإيدي اللي كانت لسه بتترعش مكان ما لمسته، وقلت بحرقة:

— “بعتني يا خالد.. بعت اللي باقيت عليك وعلى عيالك عشان خاطر كلمة اتقالت لك في ساعة لئيمة. يا رب، أنت شايف وعارف إني ما قصرت، اجبر خاطري المنكسر ده.”

الرزعة دي مكنتش مجرد باب اتقفل، دي كانت الحقيقة المرة اللي بتلطشني على وشي عشان أفوق.

​فضلت مكومة مكاني على الأرض، مش حاسة بالوقت، بس حاسة بكل خلية في جسمي بتترعش من القهر. فجأة، سمعت صوت خروشة جاية من طرقة الأوض.. رفعت راسي بلهفة، قولت يمكن رجع! يمكن قلبه حنّ!

​بس اللي ظهرت كانت “حماتي”.


دخلت الصالة وهي بتعدل طرحتها ببرود مستفز، وبصت لي من فوق لتحت وهي بتلوي بوزها:

— “ما كفاية بقى ملوحة ونواح يا ابتسام! الرجالة ما بتجيش بالدموع والتلزيق ده. خالد رايح يشوف حاله، رايح للي تعرف تبسطه وتريح باله، مش اللي منكدة عليه ليل نهار بالطلبات والعيال.”

قمت وقفت، وبصيت لها وعيني فيها شرار من كتر الوجع:

— “بسطته يا طنط؟ ولا قصدك رايح للعروسة اللي إنتي نقتيها له بالشوكة والسكينة عشان تكسري بيا؟ ده أنا شيلتك في تعبي قبل راحتي، ده جزائي؟”

ضحكت ضحكة صفرا وقربت مني، وهمست في ودني بكلام زي السم:

— “الجزاء من جنس العمل يا حبيبتي.. إنتي اللي فكرتي إنك ملكتيه بالعيال والبيت، ونسيتي إن ابني طول عمره “ودني” وبيسمع لي أنا.. وبكرة لما يشوف الدلع الجديد، مش هيفتكر حتى كان مسميكي إيه في تليفونه.”

سابتني وخرجت وهي بتدندن بصوت واطي، وكأنها لسه مخلصة مهمة قومية ونجحت فيها.

لقيت نفسي لوحدي في الصالة، البيت اللي كان دافي بقى بارد زي القبر. دخلت أوضة الولاد، بصيت عليهم وهم نايمين، برائتهم كانت هي السكينة اللي .. هقولهم إيه لما يصحوا؟ هقولهم بابا راح يرضي تيتة ويتجوز واحدة تانية؟

فتحت الدولاب وطلعت شنطة هدومي، بس إيدي وقفت.. أنا لو مشيت هبقى حققت لها اللي هي عايزاه، ولو قعدت هبقى بمو*ت في اليوم ألف مرة.

السكوت اللي عمّ البيت بعد خروج حماتي كان أرذل من كلامها.. سحبت نفسي ودخلت المطبخ، مش عشان أعمل حاجة، بس عشان أبعد عن “ريحة” وجودها اللي لسه كاتمة على نَفَس الصالة.

سندت راسي على الرخامة الباردة، وغمضت عيني.. شريط حياتي كله عدى قدامي. افتكرت لما كان خالد بيحلف بيا، لما كان بيقولي “إنتي الأمان يا ابتسام”. إيه اللي غيره؟ هل فعلاً الودن بتعشق قبل العين زي ما بيقولوا؟ ولا هو كان هش من البداية وأنا اللي كنت ساندة على حيطة مايلة؟

فجأة، تليفوني نور.. بصيت فيه بلهفة، كان هو! بعت رسالة قصيرة:

“أنا مش هقصر في مصاريف الولاد، والبيت هيفضل باسمك عشانهم، بس يا ريت ما تحاوليش تتصلي بيا الفترة دي.. أنا محتاج أبدأ صفحة جديدة بعيد عن النكد.”

صفحة جديدة! والولاد؟ والصفحات اللي اتقطعت من عمري وأنا بخدمه وبخدم أمه؟

مسكت التليفون وكنت هكتب له كلام يحرقه، بس مسحت كل حاجة.. الكرامة لما بتتهان، مفيش كلام بيرجعها.

قمت، غسلت وشي بمية تلج عشان أفوق، وبصيت لنفسي في مراية المطبخ.. وشي كان شاحب، وتحت عيني سواد من قلة النوم والهم، بس فيه نظرة “غل” بدأت تلمع في عيني لأول مرة.

قلت لنفسي بصوت واطي:

— “ماشي يا خالد.. ماشي يا طنط.. إنتو اللي اخترتوا البداية دي، بس أنا اللي هرسم النهاية.”

رجعت أوضة الولاد، قعدت جنب “حازم” الصغير، لمست شعره بحنية وقلت له وكأنه سامعني:

— “حقك عليا يا ابني إني اخترت لك أب بالضعف ده.. بس وحياة وجعي ده، لأخلي بكرة يبقى أحسن ليكم بكتير من غيره.”

الصبح طلع، والضوء اللي دخل من الشباك كان كأنه كاشف لكل ركن في البيت، بيفكرني إن “خالد” فعلاً مش هنا.

قمت من جنب الولاد بقلب ميت، مفيش دموع خلاص.. النشاف اللي في عيني ده خوفني من نفسي. دخلت الحمام، لميت شعري “كحكة” لفوق، وبصيت للمراية بجمود. كان لازم آخد خطوة، بس مش الخطوة اللي هما مستنيينها. هما فاكرين إني هلم هدومي وأروح أعيط في حضن أمي وأقول “الحقوني”، أو هفضل هنا أندب حظي وأستنى “النفقة” اللي هيرميها لي كل شهر.

لا.. ابتسام اللي كانت بتترجى امبارح ماتت مع رزة الباب.

سمعت صوت مفتاح في الباب.. قلبي دق، بس المرة دي من الغيظ مش من اللهفة. دخلت “حماتي” ومعاها “عبير” مرات أخو خالد المتوفى. عبير اللي طول عمرها الحرباية اللي بتنفخ في النار، والذراع اليمين لحماتي.

حماتي دخلت بكل ثقة ورمت مفاتيحها على الترابيزة وقالت بصوت عالي عشان تسمعني:

— “يا عبير يا بنتي، اطلبي بتاع التنضيف ييجي يلمع الشقة دي من فوق لتحت.. مش عايزين العروسة الجديدة تدخل تلاقي ريحة النكد والهم في الحيطان.”

خرجت لهم من المطبخ ببرود، وسندت على الباب وقلت بصوت هادي وواثق:

— “منورين يا جماعة.. بس بتاع التنضيف ده ييجي ينضف شقتك إنتي يا طنط، إنما هنا.. ده بيتي، وبيت ولادي، ومحدش له رجل فيه طول ما أنا عايشة.”

عبير لوت بوزها وقالت بتمثيل:

— “يا حبيبتي يا ابتسام، إحنا مقدرين صدمتك، بس خالد قال إنه هيفتح بيت جديد، وأمه شايفة إن الشقة دي واسعة عليكي إنتي والولاد، وممكن…”

قاطعتها وأنا بقرب منها وببص في عينيها مباشرة:

— “خالد قال؟ وخالد من امتى كان له كلمة وإنتي وحماتك موجودين؟ الشقة دي بتمكين ونفقة وقانون، يعني لو فكرتوا بس تهببوا اللي في دماغكم، هطلعكم من هنا بـ “فضيحة” بجلاجل، وإنتي يا عبير بالذات خليكي في حالك، أحسن ما أتكلم في اللي أعرفه وخالد ما يعرفوش!”

وش عبير اتقلب ألوان، وحماتي اتصدمت من لهجتي الجديدة.. دي مش ابتسام “النعجة” اللي كانوا بيسوقوها.

حماتي زعقت:

— “انتي بتطردينا من بيت ابني يا خطافة الرجالة؟”

ضحكت بمرارة وقلت لها:

— “ابنك هو اللي ساب بيته وراح يرمي نفسه في النار.. وأنا اللي هحمي البيت ده منكم ومنه. ويلا بقى، الباب اللي خالد قفله امبارح، أنا بفتحهولكم دلوقتي.. اتفضلوا من غير مطرود، عشان ورايا مشاوير مهمة بخصوص “مستقبل” ابنك اللي فكر إنه يقدر يرميني ويقعد يتفرج.”

خرجوا وهما بيبرطموا، وحماتي كانت بتبص لي بنظرة كلها غل، كأنها مش مصدقة إن القطة اللي كانت بتخربشها طلعت مخالبها فجأة.

رزعت الباب وراهم، وسندت ضهري عليه.. كنت بتنفس بسرعة، قلبي بيدق زي الطبلة، بس المرة دي مش خوف، ده “أدرينالين” القوة. دخلت الأوضة، فتحت الدرج السري في الكومودينو، وطلعت “الدهب” بتاعي اللي كنت مخبياه للأيام السوداء.. وادي الأيام السوداء جت يا خالد وبقت بـ “كحل”.

لبست أحسن طقم عندي، وحطيت روج أحمر قوي، اللون اللي كان خالد دايماً يقولي بلاش تحطيه عشان “بيخليكي ملفتة”.. أهو النهاردة أنا عايزة أبقى ملفتة، وعايزة الكل يعرف إن ابتسام لسه عايشة.

وديت الولاد عند جارتي وصديقتي الوحيدة “هناء”، اللي أول ما شافتني شهقت:

— “إيه يا بت الحلاوة دي؟ إنتي مش كنتي بتم*وتي امبارح في التليفون؟”

رديت عليها وأنا بلبس النضارة السوداء:

— “اللي ماتت امبارح دفنتها وشبعت م*ت يا هناء.. أنا رايحة “أبارك” للي خدت مكاني.”

هناء برقت عينيها:

— “انتي اتجننتي؟ هتروحي للعروسة؟ دي هتفرح فيكي!”

ابتسمت ببرود وقلت لها:

— “تفرك فيا؟ ده أنا رايحة أديلها “الكتالوج” بتاع خالد.. عشان تعرف إنها ما خدتش راجل، دي خدت “خيال مآتة” أمه هي اللي بتمشيه.”

ركبت تاكسي ورحت لعنوان بيت “نورا”.. العروسة اللي حماتي اختارتها. كانت بنت لسه صغيرة، يا دوبك مخلصة جامعة، وشكلها من الصور اللي شفتها “خام” ومسالمة.

وصلت تحت بيتها، ووقفت أظبط نفسي.. وفجأة شفت عربية خالد داخلة الركنة. قلبي وجعني لثانية، بس دوست على الوجع ده بجزمتي. نزل من العربية وهو شايل “بوكيه ورد” كبير، ولابس البدلة اللي أنا كويتها له بإيدي قبل ما يمشي!

استنيت لما طلع، وبعدها بخمس دقائق رنيت الجرس.

فتحت لي نورا، كانت لابسة فستان رقيق وعنيها بتلمع بالفرحة.. أول ما شافتني استغربت:

— “أيوه.. مين حضرتك؟”

دخلت خطوة لجوه من غير ما تستأذن، وقلت لها بابتسامة هادية بس تخوف:

— “أنا “ابتسام”.. صاحبة البيت القديم اللي خالد لسه خارجه منه امبارح، وجاية أسلمك العفش.. قصدي أسلمك الراجل.”

في اللحظة دي، خرج خالد من الصالة وهو بيقول: “مين يا نورا؟”.. أول ما عينه جت في عيني، بوكيه الورد وقع من إيده، وشه بقى أصفر زي الليمونة، ولسانه اتعقد.

بصيت له من فوق لتحت وقلت له:

— “إيه يا عريس؟ نسيت تبارك لي على الشقة؟ ولا نسيت تقول لعروستك إنك “عيل” مبيتحركش غير بإشارة من ماما؟”

نورا بصت له بصدمة: “خالد.. هي مين دي؟ وإيه الكلام اللي بتقوله ده؟”

خالد وقف مكانه، عين بتبص لي بذهول وعين بتبص لـ “نورا” اللي كانت مبرقة ومش فاهمة حاجة. حاول يستجمع شتات نفسه، ووشه قلب أحمر من كتر الإحراج والغل، قرب مني وزقني خفيف لبره وهو بيوشوش بحدّة:

— “انتي اتجننتي يا ابتسام؟ إيه اللي جابك هنا؟ اطلعي بره بدل ما أعمل تصرف مش هيعجبك!”

ضحكت بصوت عالي، ضحكة رنت في مدخل الشقة وخلت نورا تقرب وهي مرعوبة: تابعونى عشان نتابع سلسله حكايات

نساء قهرن القهر على صفحتى قصص وروايات أمانى سيد او جروبى الكاتبه امانى سيد

— “تعمل إيه يا خالد؟ هتمد إيدك؟ طب ما تمدها قدام “ست الحسن” عشان تعرف إنك بطل ومبتسترجلش غير على الغلابة اللي صانوا بيتك.. ولا خايف البرستيج يبوظ؟”

نورا صوتها طلع مهزوز:

— “خالد.. هي دي مراتك؟ مش إنت قلت إنكم انفصلتوا من زمان وإن مفيش بينكم غير العيال وبس؟”

بصيت لنورا وشفقت عليها لثانية، البنت كانت فاكرة إنها واخدة بطل رواية، مكنتش تعرف إنها واخدة “كومبارس” في حياة أمه. قلت لها بنبرة هادية بس سمّ:

— “انفصلنا من زمان يا نورا؟ ده كان لسه بايت في حضني أول امبارح، وكان بياكل من طبيخي امبارح الصبح قبل ما يرمي جثته في حضن أمه وتوزّه عليكي.. خالد لسه مطلعش ورقة واحدة تثبت إننا انفصلنا، يعني إنتي دلوقتي داخلة على ضرة، وداخلة على بيت “موقوف” بقرار تمكين مني ومن ولاده.”

خالد زعق وهو بيفقد أعصابه:

— “كدابة! إنتي طالق يا ابتسام.. طالق بالتلاتة! ارتحتي؟ اطلعي بره بقى!”

الكلمة كانت تقيلة، بس وقعها عليا كان أخف من الريشة. بصيت له بانتصار وقلت له:

— “أشكرك.. دي أحلى كلمة سمعتها منك من يوم ما عرفتك. بس يا ريت نورا وأهلها يعرفوا إنك طرقتني وأنا ماليش ذنب غير إني رفضت أكون جارية عند ستك الوالدة.. ويعرفوا كمان إن الشقة اللي إنت واعدها بيها، “محجوزة” للولاد وليا بالقانون، يعني يا بطل هتبدأ حياتك معاها في “أوضة وصالة” عند ماما، أو تأجر لها شقة من ملاليم النفقة اللي هتبقالك.”

نورا بدأت تعيط، وأمها خرجت من جوه على الصوت وهي بتصوت: “في إيه؟ مين دي؟ وإيه الفضيحة دي يا خالد؟”

خالد كان واقف زي العيل الصغير اللي اتمسك بيلعب في الطينة، مش عارف يرضي مين ولا يداري خيبته قدام مين. بصيت لهم كلهم وقلت ببرود وأنا بعدل نضارتي:

— “أنا كدة أديت الأمانة.. مبروك عليكي يا نورا “بواقي” راجل، ومبروك عليك يا خالد “حضن ماما” اللي مش هيسيبك في حالك أبداً. سلام يا عريس.”




نزلت السلم وأنا حاسة إني طايرة، الوجع لسه موجود، بس الكرامة اللي رجعت غطت عليه. ركبت التاكسي وطلعت تليفوني، واتصلت بالمحامي اللي هناء دلتني عليه وقلت له جملة واحدة:

— “يا متر.. ارفع كل القواضي اللي عندك، نفقة، وتمكين، ومؤخر.. أنا عايزة حقي وحق ولادي تالت ومتلت.”

طلعت من التاكسي وأنا حاسة بنصر مؤقت، بس عارفة إن “عش الدبابير” اللي خبطت فيه هيهيج عليا. أول ما وصلت البيت، لقيت “هناء” مستنياني بلهفة والولاد بيلعبوا حواليها.

— “عملتي إيه يا مجنونة؟ قلبي كان هيقف!”

رديت وأنا بقلع النضارة وبترمى على الكنبة بتعب:

— “فركشت الليلة يا هناء.. خليت العروسة تشوفه على حقيقته، وخليته يطلقني قدامهم كلهم.. أنا دلوقتي حرة، بس حرة ومكسورة الجناح.”

محققتش نص ساعة، ولقيت تليفوني مبيبطلش رن.. “حماتي”. ماردتش، وبعدها “خالد”.. ماردتش. وفجأة، لقيت رسالة منه كلها غل:

“وحياة أمي يا ابتسام، لأخليكي تلفي حولين نفسك.. الشقة اللي فرحانة بيها دي هطلعك منها بالهدوم اللي عليكي، والولاد هاخدهم منك ومش هتشوفيهم تاني.. إنتي اللي بدأتي الحرب واستحملي.”

جسمي قشعر لثانية.. الولاد هما نقطة ضعفي الوحيدة. بصيت لهم وهما بيلعبوا بالليجو على الأرض، “حازم” و”هنا”، براءتهم وجعت قلبي. مسحت دموعي بسرعة وقومت:

— “هناء، أنا لازم أتحرك بسرعة.. خالد لو استقوى بأمه ممكن يعمل أي حاجة.”

نزلت قابلت المحامي، “الأستاذ عصام”، راجل داهية وشعره شايب من كتر القواضي. حكيت له كل حاجة، وهو قاعد بيسمع وبيهز في راسه وسيجارته في إيده:

— “بصي يا مدام ابتسام.. هو طلقك شفوي قدام شهود، ودي في مصلحتنا عشان نثبت الطلاق وناخد حقوقك. أما موضوع الولاد والشقة، فده قانون، ومحدش يقدر يلمس شعرة من عيالك طول ما إنتي “حاضنة”.. بس لازم نأمن نفسنا، خالد هيلعب لعبة “الاستحقاق”، هيحاول يثبت إنك مش أمينة عليهم.”

رجعت البيت بليل، الدنيا كانت هسس. دخلت المطبخ أعمل كوباية شاي، وفجأة سمعت خبط رزين على الباب.. خبطة مش غريبة عليا.

فتحت الباب ببطء، لقيت “خالد” واقف.. بس مش خالد العريس بتاع الصبح. قميصه مكرمش، وشه مطفي، وعينه فيها نظرة كسر وندم.. أو ده اللي كان عايز يبينهولي.

سند إيده على الباب وقال بصوت واطي ومبحوح:

— “ارتحتي يا ابتسام؟ نورا وأهلها طردوني وفسخوا الخطوبة، والمنطقة كلها اتفرجت عليا.. ضيعتي مني كل حاجة في لحظة غل.”

بصيت له ببرود وقلت له:

— “إنت اللي ضيعت نفسك يا خالد يوم ما فكرت إن العشرة بتهون، ويوم ما صدقت إن أهلك هما اللي هيعيشولك.. أنا مكنتش غلاوية، أنا كنت بدافع عن حقي.”

قرب خطوة وقال بنبرة فيها رجاء كداب:

— “أنا لسه بحبك.. والشيطان شاطر.. وأمي هي اللي ضغطت عليا. تعالي ننسى اللي حصل، وأنا هرجعلك، ونربي ولادنا بعيد عن المشاكل.”

لسه كنت هرد، لقيت “حماتي” طالعة من وراه على السلم زي القضاء المستعجل، وشها كان أزرق من كتر الغضب وصوتها عالي وهي بتزعق:

— “ترجع لمين يا خالد؟ دي اللي فضحتك في البيوت! دي اللي لازم تتربى هي وأهلها! إنت هتضعف قدامها ولا إيه؟”

بصيت لهم هما الاتنين، وبصيت لخالد اللي أول ما أمه اتكلمت، كشّ ورجع ورا خطوة.. وفي اللحظة دي عرفت إن مفيش فايدة، وإن اللي انكسر عمره ما يتصلح.

قلت له وأنا ببتسم بوجع:

— “شوفت؟ لسه بتترعش منها.. روح يا خالد مع ماما، أنا مبرجعش لورا، والشرع اللي حللك أربعة، حللي أنا كمان إني أعيش بكرامتي بعيد عنك وعنها.”

ورحت رزاغة الباب في وشهم هما الاتنين.. بس المرة دي الرزعة كانت مريحة، وكأنها سدت خرم كان بينزف في قلبي.

دخلت أوضتي، قلعت الطقم اللي كنت لابساه ورميته في الغسالة، وكأني بغسل آثار اليوم ده كله من عليا. قعدت على السرير، وفتحت كشكول قديم كنت بكتب فيه “أحلامي” المؤجلة من أيام الخطوبة، أحلام كانت بتتدفن يوم ورا يوم تحت تراب خدمة خالد وأمه.

قلت لنفسي: “مفيش وقت للندم يا ابتسام، العركة الحقيقية لسه بتبدأ.”

تاني يوم الصبح، نزلت السوق.. بس مش عشان أجيب خضار للبيت، المرة دي كنت نازلة عشان “أشتغل”. أنا طول عمري شاطرة في الحلويات، والكل كان بيحلف بـ “تورتة” ابتسام وبسبوستها. رحت لمحل حلواني كبير في منطقتنا، صاحب المحل “الحاج مرسي” راجل طيب وعارفني وعارف أهلي.

دخلت له وبكل ثبات قلت له:

— “يا حاج مرسي، أنا عايزة أورد للمحل عندك حلويات بيتي.. شغل نضيف، سمنة بلدي، وطعم مش هتلاقيه في أي حتة تانية.”

الحاج مرسي بص لي باستغراب:

— “بس يا بنتي المحل شغال والحمد لله، وإنتي ست بيت…”

قاطعته بثقة:

— “جرب يا حاج، مش هتخسر حاجة. أنا هجيب لك بكرة “عينة” من غير فلوس، لو عجبك الشغل نتوكل على الله، ولو ما عجبكش يبقى كأن شيئاً لم يكن.”

وافق الحاج مرسي، ورجعت البيت شعلة نشاط. طول الليل وأنا في المطبخ، ريحة الفانيليا والزبذة ملت البيت، والولاد قاعدين حواليا فرحانين بالدوشة اللي حصلت فجأة دي.

وف وسط ما أنا بطلع الصواني من الفرن، الجرس رن. فتحت، لقيت “خالد” باعت لي “محضر” من المحكمة!

فتحت الورقة بإيد بتترعش، لقيتها دعوى “طاعة” وإنذار بإن لو مارجعتش بيت الزوجية (اللي هو أصلاً طردني منه بفعله) هبقى “ناشز” وهتحرم من كل حقوقي!

ضحكت بمرارة ورميت الورقة على الرخامة جنب الدقيق.

— “طاعة يا خالد؟ بعد ما طلقتني قدام الناس؟ عايز تذلني عشان ترضي الست الوالدة وتحفظ ماء وجهك؟”

اتصلت بالمحامي وحكيت له، قالي بضحكة ثقة:

— “ده بيض*رب حلاوة روح يا مدام ابتسام.. هو لسه ما وثقش الطلاق في السجل المدني عشان يزنقك، بس إحنا معانا “شهادة” نورا وأهلها إنه طلقك، وده لوحده يقلب الترابيزة عليه. كملي في طريقك ولا كأنك شفتي الورقة دي.”

مر شهر..

شغلي مع الحاج مرسي بقى حديث المنطقة. الستات بقوا يسألوا بالاسم على “حلويات ابتسام”. بدأت الفلوس تجري في إيدي، وبدأت ملامحي ترجع تنور تاني. خالد كان بيراقبني من بعيد، بشوف عربيته مركونة تحت البيت بليل، بس عمري ما نزلت له ولا عبرته.

وفي يوم، وأنا نازلة أودي الطلبية للمحل، شفته واقف قدام مدخل العمارة.. كان شكله “يصعب على الكافر”. دقنه طويلة، وهدومه مش مكوية، وعينه فيها كسرة مشوفتهاش قبل كدة.

قرب مني بصوت واطي:

— “ابتسام.. أنا بجد تعبان. نورا رفعت عليا قضية تعويض، وأمي كل يوم تعايرني إني خسرت البيتين، والبيت من غيرك بقى جحيم. ارجعي يا ابتسام، وعملي فيا اللي إنتي عايزاه.”

بصيت له وأنا شايلة صينية الحلويات، وقلت له بكلمتين يخلصوا الحكاية كلها:

— “عارف يا خالد إيه الفرق بيني وبينك دلوقتي؟”

بص لي باستفهام، فكملت بابتسامة نصر:

— “إني عرفت أقف على رجلي من غيرك.. إنما إنت، لسه محتاج “ست” تسندك، مرة أمك، ومرة نورا، ودلوقتي عايزني أنا. أنا مش “عكاز” يا خالد، أنا “بني آدمة” إنت كسرتها، والكسر ده طلع منه ست أقوى بكتير من اللي كنت بتدوس عليها.”

سبته ومشيت بخطوات ثابتة، وركبت التاكسي وأنا سامعة صوته وهو بينادي عليا.. بس المرة دي، قلبي متهزش.

مرت سنة كاملة.. سنة كانت “ابتسام” بتسابق فيها الزمن. الشغل مع الحاج مرسي كبر، وبقت عندها ورشة صغيرة في البيت وشغلت معاها اتنين ستات من المنطقة ظروفهم صعبة. اسم “حلويات ابتسام” بقى “براند” في الحي كله، وبدأت تورد لمحلات في مناطق تانية.


في يوم، كانت ابتسام واقفة قدام محلها الجديد.. أيوه، قدرت تفتح محل صغير وشيك، وكاتبة عليه بيفط بـ “نور” (حلويات ابتسام.. طعم البيوت). كانت بتظبط العرض في الفترينة، وفجأة شافت خيال ورا القزاز.

التفتت، لقت “حماتها”.. بس المرة دي مكنتش “طنط” اللي بتبرق وبتهدد. كانت لابسة أسود في أسود، ووشها دبلان، وباين عليها العجز والهم. دخلت المحل بخطوات مهزوزة، وبصت حولين نفسها بذهول وكأنها مش مصدقة إن دي ابتسام “الغلبانة”.

ابتسام ببرود وثبات:

— “أهلاً يا طنط.. نورتي المحل. تحبي تشوفي حاجة معينة؟”

حماتها بصت للأرض وقالت بصوت واطي ومكسور:

— “أنا جاية أبارك لك يا بنتي.. مكنتش أعرف إنك شاطرة كدة.”

ابتسام ابتسمت ابتسامة خفيفة:

— “الشطارة بتطلع وقت الشدة يا طنط.. والحمد لله ربنا جبر بخاطري. خير، في حاجة تانية؟”

حماتها عينيها دمعت وقالت بمرارة:

— “خالد يا ابتسام.. خالد ضاع. من ساعة ما نورا وأهلها خدوا منه التعويض، وهو قعد من الشغل، والديون كترت عليه. ودلوقتي.. دلوقتي هو محبوس عشان وصلات أمانة كان ماضيها عشان يفرش شقة نورا.. ومحدش راضي يقف جنبه، ولا حتى إخواته.”

سكتت شوية وبعدين كملت وهي بتترجاها:

— “أنا عارفة إني ظلمتك، وعارفة إن ابني غلط في حقك وحق عياله.. بس إنتي كريمة، والولاد محتاجين أبوهم يخرج.. أبوس إيدك يا بنتي ساعدينا نطلعه.”

ابتسام حست بوجعة خفيفة في قلبها، بس مش وجع حب، ده وجع “عشرة” قديمة. بصت لحماتها وقالت بكلمات مرصوصة زي الدهب:

— “يا طنط، اليوم اللي خالد رزع فيه الباب وراه وهو رايح يتجوز، ساب لي حمل يهد جبال.. مكنتش لاقية حد يسندني ولا يطبطب عليا، بل بالعكس، إنتي كنتي بتزيدي النار حطب. خالد مكنش محبوس ورا قضبان، خالد كان محبوس جوه “ودنك” وجوه ضعفه.. والنهاردة هو بيدفع ثمن اللي عمله فيا وفي ولاده.”

حماتها عيطت:

— “يعني هتسيبيه يضيع؟”

ابتسام اتنهدت وقالت:

— “أنا مش هسيبه يضيع عشان خاطر “حازم وهنا” وبس.. مش عشانه هو. أنا هسدد ديونه اللي حبسته، بس بشرط واحد يا طنط.. يتمضي تنازل رسمي عن أي حق في حضانة الولاد، ويمضي إنه يبعد عن طريقي تماماً. أنا مش عايزة أنتقم، أنا عايزة “أرتاح” وأربي ولادي في هدوء.”

خرجت حماتها وهي بتجر أذيال الخيبة، وابتسام وقفت قدام مراية محلها، شافت ست قوية، ناجحة، مش محتاجة حد يسندها.

بعد أسبوع، خالد خرج.. راح لها المحل، وقف بعيد، بص لها وهي بتضحك مع الزباين وبتوزع الطلبات.. حاول يقرب، بس لقى رجله مش طاوعاه. عرف إن “ابتسام” بقت في مكان عالي قوي، مكان هو ملوش فيه مطرح.

رجعت ابتسام بيتها بليل، بوست ولادها وهم نايمين، وبصت للسما وقالت:

— “شكراً يا رب.. لولا الخذلان، مكنتش عرفت قوتي.. ولولا “آخر لحظة” كنت بترجاه فيها، مكنتش عرفت إنك شايل لي حياة تانية أجمل بكتير.”

تمت القصة.





تعليقات

التنقل السريع
    close