القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

دفعت كل ما تملك مقابل هذا البيت… وفي منتصف الليل ظهرت الحقيقة المرعبة!

 


دفعت كل ما تملك مقابل هذا البيت… وفي منتصف الليل ظهرت الحقيقة المرعبة!




دفعت كل ما تملك مقابل هذا البيت… وفي منتصف الليل ظهرت الحقيقة المرعبة!

 

في الصباح الذي سارت فيه إسبيرانزا مينديز للمرة الأولى نحو المزرعة التي اشترتها للتو، كانت الشمس بالكاد تبدأ في الظهور بين التلال.


كانت تحمل في يدها المتغضنة الورقة التي تثبت ملكيتها. عشرة بيزوات. هذا كل ما دفعته مقابل تلك الأرض مع البيت القائم عليها. عشرة بيزوات مثّلت كل مدخراتها خلال ثلاث سنوات من العمل غسّالةً لثياب أهل البلدة. «إنها مجنونة يا دونيا إسبيرانزا»، هكذا قالت الجارات عندما علمن بالأمر.


لا أحد يبيع مزرعة بعشرة بيزوات إن لم يكن فيها عيب خطير. لكن إسبيرانزا لم تُعرهنّ اهتمامًا. في الثانية والخمسين من عمرها، أرملة منذ أربع سنوات، ولها ولدان يعيشان في العاصمة، لم تكن تريد سوى مكان يخصّها، قطعة أرض صغيرة لا تدفع فيها أجرة لأحد، سقفًا يكون لها وحدها.


كان الطريق الترابي يصرّ تحت نعليها الباليين. وخلفها كانت البلدة تصغر شيئًا فشيئًا، وأمامها، بين الشجيرات والصبّار، ترتسم ملامح ما سيكون بيتها الجديد. بناء بسيط من الطين، بسقف من صفائح معدنية صدئة. الجدران متشققة كوجهٍ عجوز، لكنها ما تزال قائمة. نافذتان بلا زجاج، بإطارات خشبية متآكلة، وباب مائل يتدلّى من مفصلاته.


تمتمت إسبيرانزا تمسح العرق عن جبينها بطرف شالها: «ليست شيئًا عظيمًا… لكنها لي». كانت الأرض المحيطة واسعة، تكفي لزرع الخضار والقرع، وربما لتربية بعض الدجاج. تخيّلت نفسها


تستيقظ مع صياح الديك، تسقي حديقتها الصغيرة، وتعيش مما تمنحه الأرض.

كان دون ماوريسيو، الشيخ الذي باعها المزرعة، يعيش الآن مع ابنته في كويريتارو. عندما ذهبت إليه لإتمام الصفقة، كان بعينين غائرتين ويدين مرتجفتين. سألها ثلاث مرات: «أأنتِ متأكدة يا دونيا؟» فأجابت: «متأكدة تمامًا». تنهد بعمق، كأنه يطرح عن صدره حمل سنوات طويلة.


قال لها بصراحة: «هذه المزرعة مهجورة منذ أكثر من خمسة عشر عامًا. منذ أن توفيت زوجتي لم أستطع العودة. الذكريات، أتعلمين، أحيانًا تكون أثقل من الحجارة». أومأت إسبيرانزا، فهي تعرف ثقل الذكريات، تعرف معنى أن تستيقظ ليلًا باحثة عمن لم يعد موجودًا.


قالت: «لا تخيفني البيوت القديمة ولا ذكريات الآخرين، ما يخيفني هو الاستمرار في دفع الإيجار وأنا لم أعد أطيق». نظر إليها بنظرة أقرب إلى الشفقة، لكنه وقّع الأوراق وسلّمها مفتاحًا صدئًا وقال: «ليكن الله في عونك». وظلّت تلك الكلمات معلّقة في الهواء كأنها نذير.


وقفت أمام باب بيتها الجديد وأدخلت المفتاح في القفل، فاضطرت إلى الضغط عليه قليلًا حتى انفتح الباب بصوت صرير تردّد صداه في الوادي. أول ما واجهها كان الرائحة؛ لم تكن كريهة، بل رطبة ترابية، كرائحة الأرض بعد المطر.


تسللت أشعة الشمس من النوافذ المكسورة فأضاءت الغبار العالق في الهواء. كانت هناك طاولة في الوسط مغطاة بالتراب وأوراق


يابسة، وكرسيان مهترئان، وموقد حطب في الزاوية برماد قديم كالأحافير. وعلى الجدار تقويم لعام 2009 يحمل صورة شاطئ لم تزره إسبيرانزا قط.

قالت بصوت عالٍ لتشدّ من أزرها: «حسنًا، لنبدأ». أخرجت من جرابها مكنسة، وخرقة، ودلو ماء، وبعض الشموع، وصورة للعذراء غوادالوبي كانت ترافقها دائمًا. علّقتها على مسمار في الجدار ورسمت إشارة الصليب: «يا عذراء، سأقيم هنا، احفظيني».


بدأت تكنس، فكانت سحب الغبار تخنقها، لكنها واصلت. نظّفت الغرفة، وغرفة صغيرة للنوم، وأخرى تصلح مطبخًا. كل ركن يكشف سنوات من الإهمال: خيوط عنكبوت كثيفة، بقايا فضلات قوارض، قطع طين متساقطة من السقف.


عندما انتهت، كان النهار قد انتصف. جلست تأكل خبز التورتيلا مع الفاصولياء. كان الصمت مطبقًا؛ لا طيور، لا ريح، لا نباح بعيد. غريب، فكّرت، لكنه إرهاقٌ يمنع التفكير.


مع الغروب، بدا البيت أقلّ رهبة. فرشت حصيرتها في أنظف زاوية واستلقت، منهكة، لكن بشعور افتقدته طويلًا: الأمل. همست: «غدًا سيكون أفضل»، وغرقت في النوم.


لم يوقظها صوت، بل إحساسٌ بأن شيئًا ليس على ما يرام. فتحت عينيها على ضوء القمر الفضي، ورأت شيئًا يتحرك على الجدار. خط داكن ينزلق ببطء. أدركت فجأة: أفعى طويلة تزحف على الطين. تجمّدت في مكانها. واصلت الأفعى طريقها حتى اختفت في شقّ في الزاوية.


همست: «يا إلهي». وراحت تكرّر لنفسها: «إنها


مجرد أفعى، هذا أمر طبيعي في الريف». عاد التعب فغلب خوفها.

في الصباح، لم تجد أثرًا لها. خرجت تتفقد الأرض؛ التربة جيدة، حمراء رخوة، وأشجار تنمو عشوائيًا. في الخلف بئر قديم، فيه ماء. قضت يومها تنظف الأرض، ترسم مكان حديقتها. مع الليل، أشعلت شمعة وأكلت، لكن الصمت كان أثقل من ذي قبل.


ثم بدأ صوت خافت، احتكاك يشبه جرّ قماش. رفعت رأسها، فرأت خمس أفاعٍ على الأقل تزحف في الغرفة. قفزت فزعة، وواحدة تمر قرب قدمها. هرعت إلى الباب وخرجت حافية تحت النجوم، وقلبها يكاد يخرج من صدرها.


عند الفجر عادت، فلم تجد شيئًا. ظنت لوهلة أنه وهم، لكنها كانت تعلم أنها رأت ما رأت. ذهبت إلى البلدة وسألت دون تشوي، بقال القرية العجوز، عن تاريخ المزرعة.


تنهد وقال: «لها قصة. بعد وفاة زوجة دون ماوريسيو بدأت تظهر أفاعٍ، واحدة أو اثنتان، ثم عشرات، حتى اضطر إلى الفرار. وقبلهم ثلاث عائلات غادرت للسبب نفسه».


سألته: «ولماذا لم يخبرني أحد؟» قال: «كنتِ متلهفة للملكية، فلم تسألي ما يكفي». شعرت بالمرارة. سألته: «وماذا أفعل؟» قال: «أنصحك بالمغادرة، لكن إن بقيتِ فاحذري».


قررت المواجهة. اشترت جيرًا وكبريتات ومِعولًا جديدًا. رشّت الجير حول البيت، وسكبت المحلول في الشقوق والبئر. مع الليل أشعلت نارًا وجلست تنتظر.


وفي منتصف الليل سمعت الاحتكاك مجددًا. دخلت البيت فوجدت عشرات بل مئات


الأفاعي، أنواعًا مختلفة، تتحرك ككتلة واحدة.

  سقط المعول من يدها. تقدمت أفعى كبيرة إلى العتبة، رفعت رأسها ونظرت إليها مباشرة. وفي تلك اللحظة شعرت إسبيرانزا بفهم عميق. لم تكن الأفاعي تهاجمها؛ كانت في موطنها.


همست: «هذا بيتها». عادت الأفعى إلى الداخل. جلست إسبيرانزا قرب النار تبكي، لا خوفًا بل إدراكًا. لقد اشترت أرضًا لها أصحاب أقدم منها.


مع انبلاج الفجر، وحين بدأت خيوط الضوء الأولى تتسلّل إلى أطراف السماء، جمعت إسبيرانزا أغراضها القليلة بيدين ثابتتين على غير ما كان يتوقّع منها أحد. لم تكن ترتجف كما ارتجفت في الليلة السابقة، ولم يكن في عينيها أثر لذلك الذعر الذي شلّ حركتها وهي ترى الأفاعي تملأ الجدران والأرض. كان في ملامحها شيء مختلف؛ سكينة هادئة، وقرار ناضج، وإحساس عميق بأن ما حدث لم يكن هزيمة، بل كشفٌ لحقيقةٍ كانت غافلةً عنها.


طوت حصيرها بعناية، وكأنها تطوي صفحةً من حياتها. علّقت صورة العذراء في جرابها، وألقت نظرة أخيرة على الجدران الطينية المتشققة، وعلى السقف المعدني الصدئ، وعلى الشقوق التي كانت تعرف الآن أنها ليست مجرد تصدّعات في البناء، بل ممرات حياةٍ لمخلوقات سبقتها إلى المكان بسنين طويلة. أغلقت الباب بهدوء، وأدارت المفتاح في القفل للمرة الأخيرة، ثم وضعت المفتاح فوق عتبة الباب من الداخل، وكأنها تعيد الأمانة إلى أصحابها الحقيقيين.


سارت عائدة إلى البلدة بخطوات بطيئة، لا لأنها كانت مترددة، بل لأنها كانت تستوعب في كل خطوة درسًا جديدًا. لم تكن تشعر بالغضب تجاه دون ماوريسيو، ولم تكن تلوم نفسها على استعجالها. كانت تدرك أن الطمع لم يدفعها، بل الحاجة، وأن الحاجة كثيرًا ما تعمينا عن الأسئلة التي يجب أن نطرحها.


عندما وصلت إلى البلدة، لم تتوجه إلى بيت أحد، بل قصدت متجر دون تشوي مباشرة. طلبت منه ورقة


وقلمًا، وجلست تكتب رسالةً إلى دون ماوريسيو بخطّ متأنٍ، رغم ارتجاف خفيف في أصابعها. لم تكن رسالة عتاب، ولا شكوى، ولا مطالبة باسترداد المال. كتبت له أنها تفهم الآن لماذا كان صوته مكسورًا يوم سلّمها المفتاح، وأنها لا تحمله مسؤولية ما جرى، لكنها تتمنى منه في المرة القادمة أن يقول الحقيقة كاملةً لمن يأتي بعده. ختمت رسالتها بعبارة: «هناك بيوت لا تُباع، لأنها ليست لنا من الأصل».

سلّمت الرسالة لدون تشوي، وشكرته، ثم بدأت تبحث عن غرفة للإيجار. لم يكن الأمر سهلًا، فهي لم تكن تملك سوى القليل. لكن دونيا بيترا، الأرملة التي كانت تعيش وحدها في بيت صغير عند طرف البلدة، عرضت عليها غرفة مقابل مبلغ زهيد ومساعدتها في بعض شؤون البيت.


كانت الغرفة ضيقة، سقفها منخفض، وفيها سرير بسيط وموقد صغير، لكنها كانت دافئة بوجود الناس حولها. لم يكن هناك صمت ثقيل، بل أصوات بشرية، وضحكات أطفال، وخطوات عابرة في الأزقة. وفي الليل، حين كانت تضع رأسها على الوسادة، لم تكن تسمع احتكاك الحراشف على الجدران، بل همسات الحياة اليومية.


لكن القصة لم تنتهِ عند هذا الحد.


بعد أسبوعين فقط، انتشر في البلدة خبرٌ أشعل القلق في قلبها. مجموعة من الرجال قررت الذهاب إلى المزرعة المهجورة لإحراقها وقتل الأفاعي، خوفًا من أن تنتشر وتقترب من البيوت. قيل إن أحدهم رأى أفعى قرب الحقول، فاشتعل الخوف في النفوس كما تشتعل النار في الهشيم.


حين سمعت إسبيرانزا بذلك، شعرت بشيء يعتصر صدرها. لم يكن خوفًا هذه المرة، بل إحساسًا بالمسؤولية. خرجت مسرعة خلف الرجال الذين كانوا يحملون مشاعل وعصيًّا، ووقفت أمامهم، تلهث من الركض.


قالت لهم بصوتٍ حاولت أن تجعله ثابتًا: «لا تفعلوا».


نظروا إليها باستغراب. أحدهم قال: «يا دونيا، ذلك المكان خطر.


قد يلدغ أحد الأطفال».

أجابتهم: «منذ سنوات وهي هناك، ولم تقترب من البلدة. هي لا تخرج من موطنها إلا إذا أُجبرت. أنتم من سيجبرها اليوم».


تبادل الرجال النظرات. لم يكونوا أشرارًا، بل خائفين. والخوف، كما كانت قد تعلّمت، يدفع الإنسان إلى أفعال لم يكن ليقدم عليها لو هدأ قلبه.


قالت لهم: «إن أحرقتم بيتها، فإلى أين ستذهب؟ ستنتشر في الحقول، وربما فعلاً تقترب من بيوتكم. أنتم تظنون أنكم تحلون المشكلة، لكنكم قد تصنعون مشكلة أكبر».


ساد صمت ثقيل. ثم بدأ التردد يتسلل إلى عزيمتهم. أنزل أحدهم مشعله، ثم تبعه آخر، حتى خمد الحماس الذي جمعهم.


عادوا أدراجهم، وبقيت إسبيرانزا واقفةً، تنظر نحو الأفق حيث تقع المزرعة، وكأنها تحرسها من بعيد.


مرت الشهور، وتغيرت أشياء كثيرة. لم تعد المزرعة حديث الناس، ولم تعد مصدر رعب. صارت مجرد بقعة أرض مهجورة، استعادت الطبيعة سيادتها عليها. الأعشاب نمت حول الجدران، والسقف الصدئ ازداد اسودادًا، لكن الحياة استمرت هناك كما كانت.


أما إسبيرانزا، فقد استمرت في العمل. كانت تغسل الثياب في الساحة الخلفية، تضحك أحيانًا مع دونيا بيترا، وتدخر القليل من المال. وعندما زارها ابناها من العاصمة، أخبرتهما بما حدث. لم يسخرا منها، ولم يوبخاها، بل نظرا إليها بإعجاب لم تستشعره منهما من قبل.


بمساعدتهما، اشترت قطعة أرض صغيرة داخل البلدة، وبنت غرفة متواضعة. لم تكن كبيرة، لكنها كانت آمنة. لم يكن فيها شقوق عميقة، ولا أسرار مدفونة تحت الأرض.


وفي أحد الأيام، بينما كانت تعد الطعام، وجدت أفعى صغيرة تتلوى قرب الموقد. تجمّدت للحظة، ثم ابتسمت. لم تصرخ، ولم تطلب المساعدة. أحضرت عصًا طويلة، ووضعت الأفعى داخل وعاء، ثم حملتها إلى خارج البلدة وأطلقتها بين الأعشاب.


قالت لها بهدوء: «مكانك


هناك، لا هنا».

وربما كان ذلك مجرد وهم، لكنها شعرت كأن الأفعى توقفت لحظة قبل أن تنزلق بعيدًا، وكأن بينهما اعترافًا صامتًا.


كبر أحفادها، وكانوا يجلسون حولها في المساء يسألونها عن «بيت الأفاعي». كانت تحكي لهم القصة لا لتخيفهم، بل لتعلّمهم. كانت تقول: «الخوف شعور طبيعي، لكن ما نفعله بدافع الخوف هو ما يحدد من نكون».


كانت تشرح لهم أن الأرض ليست سلعةً فقط، بل مسؤولية. وأن امتلاك شيء لا يعني السيطرة عليه. وأن أحيانًا، حين نخسر حلمًا، نكسب بصيرةً لا تُشترى.


وفي كل مرة كانت تغرب فيها الشمس، وتجلس على عتبة بيتها الصغير، كانت تشعر بسلام عميق. لم تكن تملك مزرعة واسعة، ولا أرضًا خصبة، لكنها كانت تملك قلبًا مطمئنًا.


كانت قد تعلّمت أن البيت الحقيقي ليس جدرانًا وسقفًا، بل مساحة أمان داخل النفس. وأن السلام لا يأتي من الانتصار على الآخرين، بل من التصالح مع حدودنا ومع قوانين الحياة.


وكلما تذكرت تلك الليلة، ليلة الأفاعي الكثيرة تحت ضوء القمر، لم تعد ترتجف. بل كانت ترى فيها لحظة تحوّل، لحظة ولادة جديدة. ففي تلك الليلة، لم تخسر مزرعة، بل تخلّت عن وهم السيطرة، وتعلّمت معنى التعايش.


وهكذا، حين يسألها أحدهم اليوم: «هل ندمتِ على شراء ذلك المكان؟» تبتسم وتجيب: «لو عاد بي الزمن، لفعلت الأمر نفسه. لأن بعض الدروس لا نتعلمها إلا حين نخطو نحو المجهول».


ثم تضيف بهدوء: «الحياة ستضعك يومًا أمام خيارٍ صعب. قد يكون بين الخوف والرحمة، بين التمسك والتخلّي، بين أن تثبت أنك على حق، أو أن تفعل ما هو صواب. وعندها، تذكّر أن الشجاعة ليست دائمًا في القتال، بل أحيانًا في الانسحاب الكريم».


وهكذا عاشت إسبيرانزا بقية عمرها، لا باعتبارها المرأة التي هربت من بيت الأفاعي، بل المرأة التي فهمت أن لكل كائنٍ


مكانه، وأن الحكمة ليست في امتلاك الأرض، بل في احترامها.

 تمت 

تعليقات

التنقل السريع
    close