القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سكريبت نصيبي كامله 



نصيبي 

اسمي نجلاء، أبلغ من العمر سبعة وعشرين عامًا، وحين أعود بذاكرتي إلى الوراء أكتشف أن حياتي كلها كانت تسير في اتجاه واحد، طريق طويل يتفرع دائمًا نحو أخي، بينما أبقى أنا على الهامش، أتعلم الصبر قبل أن أتعلم الفرح.

لم يقل لي أحد هذا صراحة، لكنني فهمته مبكرًا. في بيتنا كانت هناك أولويات واضحة، ولم أكن يومًا في مقدمتها.

كنت أرى أمي تركض وتدور وتستدين وتشد على نفسها من أجل سامح، أخي الأكبر، وكان التبرير حاضرًا دائمًا لا يتغير:

«الولد لازم نقف جنبه»،

«البنت تستحمل»،

«ربنا كبير».

كبرت وأنا أسمع هذه الجمل حتى صارت قانونًا داخليًا لا يُناقش. حاولت أن أصدقها، وأن أقتنع بأن التحمل فضيلة، وبأن دوري الطبيعي أن أتنازل.

كنت مجتهدة في دراستي، لا لأنني كنت أحلم بنفسي، بل لأنني أردت أن أفرحهم. أذاكر وأنا متعبة، أستيقظ مبكرًا وأعود متأخرة، وأشعر دائمًا أن المطلوب مني أكثر مما يُطلب من غيري.

عندما وصلت إلى المرحلة الثانوية، جاءت أمي يومًا بحلق ذهبي صغير وخفيف، وقالت لي وهي تضعه في يدي:

«ده علشانك يا نجلاء».

تعلقت الكلمة في ذهني. ظننت للحظة أنني صرت مرئية، أنني مفضلة، أن هناك اعترافًا متأخرًا بتعبي. طلبت مني أن أحافظ عليه «لوقت الزنقة»، ولم يخطر ببالي يومها أن الزنقة قد لا تكون لي.

بعد الثانوية التحقت بالجامعة، ثم تخرجت، وبدأت العمل مبكرًا. كنت أخرج قبل شروق الشمس وأعود بعد غروبها، براتب قليل ومشقة كبيرة، لكنني كنت أوفر.

كل فترة كنت أشتري قطعة ذهب بسيطة، خاتمًا صغيرًا أو سلسلة خفيفة. لم أفعل ذلك للزينة، بل لأقنع نفسي أن تعبي له مقابل، وأن هناك شيئًا ملموسًا يشهد على سنوات الإرهاق.

كانت أمي ترى كل ذلك وتصمت. لم تقل يومًا «هذا حقك»، ولم تقل «احفظي تعبك لنفسك»، حتى جاء اليوم الذي أعلن فيه سامح أنه قرر الزواج.

امتلأ البيت بالفرح، زغاريد، مكالم,,ات، تهاني، وأنا أقف في الركن أحاول أن أشاركهم السعادة، بينما شعور ثقيل يخبرني أن الفاتورة ستُدفع من جيبي.

جلسوا يحسبون مصاريف الشقة والشبكة والفرح، وكان الرقم أكبر من طاقتهم. وفي ليلة هادئة دخلت أمي غرفتي. كنت وقتها مخطوبة، وكان خطيبي قد أهداني شبكة أثقل وأغلى من كل ما جمعته في عمري.

جلست بجانبي، أمسكت يدي، وقالت بصوت هادئ:

«نجلاء، دهبك ممكن يحل أزمة كبيرة».

انق,,بض ص,,دري وسألتها بصوت خافت:

«إزاي؟»

قالت دون تردد:

«أخوك مستقبله على المحك».

قلت وأنا أنظر إليها:

«وأنا؟»

ردت ببساطة موجعة:

«ربنا هيعوضك».

ثم طلبت ذهب خطيبي كما لو كان أمرًا بديهيًا. حاولت الاعتراض، قلت إن هذا تعبي، وإنه أمان لي، لكن الاعتراض تحول إلى إهانة، والإهانة إلى ضغط، وفي النهاية أخذوا كل شيء، ولم أستطع الوقوف في وجههم.

جاء يوم زفافي وأنا مكسورة. بكيت وتوسلت إليها أن تعيد شبكة زوجي، فقالت ببرود:

«مفيش حاجة عندي».

في تلك اللحظة كان خطيبي واقفًا على باب الغرفة، وقد سمع كل شيء.

دخل وقال بهدوء ثقيل:

«يعني إيه مفيش؟ دهب نجلاء فين؟ شبكتي فين؟»

نظرت إليه أمي وقالت بتحدٍ:

«دي بنتي وأنا حرة فيها».

التفت إليّ خطيبي وسألني:

«الكلام ده حقيقي؟»

لم أستطع الرد، اكتفيت بهز رأسي والدموع تنزل في صمت.

قال لأمي:

«ده حقها وحقّي، الشبكة أمان لها».

ردت:

«جواز سامح أهم».

تلك الكلمة سقطت عليّ كالحكم النهائي.

أهم.

أي أنني أقل، كما كنت دائمًا.

خرج خطيبي من البيت، وسحبني معه. في السيارة قال بعد صمت طويل:

«أنا بحبك، بس اللي حصل ده مش بسيط. أنا هتجوزك إنت ولا العيلة كلها؟»

بعد أيام جاء القرار. الجواز لن يتم. ليس بسببي وحدي، بل بسبب ما يحيط بي.

عدت إلى بيت أمي مكسورة، وكأنني مطلقة قبل أن أتزوج.

لم تعتذر، ولم تسأل عن حالي. قالت فقط:


«نصيبك كده».

نظرت إليها للمرة الأولى وقلت:

«ده مش نصيبي، ده اختيارك».

تزوج سامح، بالذهب الذي كان لي، وبالشبكة التي نزعت من يدي.

كنت في الفرح أساعد، كالعادة، لا كضيفة، بل كظل.

بعد شهور، جلست وحدي أمام المرآة، وسألت نفسي إن كنت سأعيش بقية عمري هكذا، أُستنزف باسم البر، وأُنسى باسم التضحية.

في تلك الليلة اتخذت قراري.

قدمت على عمل خارج المحافظة، وسافرت دون استئذان، دون وداع طويل.

أخذت نفسي بيدي ومشيت.

اليوم، أنا نجلاء، سبعة وعشرون عامًا، بلا ذهب ولا شبكة، لكنني أملك ما هو أثمن: قرار ألا أبيع عمري مرة أخرى، وألا أدفع ثمن غيري من روحي.

انتهت الحكاية التي كانوا يريدونها لي، وبدأت حكايتي أنا.



اسمي مريم، عمري تسعة وعشرون عامًا، ولم أكن أتصور يومًا أن أكثر ما قد يؤلمني في حياتي لن يكون الفقر ولا الخذلان ولا حتى الفقد، بل كلمة واحدة قيلت في وقت خاطئ، ومن فم أقرب الناس إليّ.

نشأت في بيت بسيط، ليس فقيرًا تمامًا ولا مرفهًا، بيت يعرف الحساب جيدًا ويخاف من الغد. كنت الابنة الوسطى، وهذا وحده كان كافيًا لأن أتعلم كيف أكون غير مرئية. أختي الكبرى لها الأولوية دائمًا لأنها «البِكر»، وأخي الأصغر له كل التدليل لأنه «الولد الوحيد»، أما أنا فكنت المنطقة الرمادية بينهما، التي يُطلب منها دائمًا أن تفهم وأن تستوعب وأن تتنازل.

كنت أسمع أمي تقول كثيرًا:

«إنتِ عاقلة، ومريم عقلها كبير».

وكانت هذه الجملة تعني ضمنيًا أنني مطالبة بالصمت كلما اختلفوا، وبالتراجع كلما تشاجروا، وبالتحمل كلما ضاق الحال.

درست واجتهدت، لا بدافع الطموح وحده، بل بدافع الخوف من أن أحتاج أحدًا يومًا. عملت مبكرًا، وكنت أعود إلى البيت منهكة، لكنني أشعر بشيء من الفخر لأنني أشارك في المصروف، وأخفف العبء عن أبي.

حين تقدم أحمد لخطبتي، كنت أظنه بداية حياة مختلفة. رجل هادئ، يبدو مسؤولًا، يعرف كيف يتحدث بثقة. في البداية كان كل شيء طبيعيًا، ثم بدأت الجمل الصغيرة تظهر، جمل لا تجرح مباشرة لكنها تترك أثرًا خفيًا.

قال مرة وهو يبتسم:

«إنتِ قوية زيادة عن اللزوم».

وقال مرة أخرى:

«ستات كتير كانت تتمنى تكون مكانك».

كنت أفسر كلامه على أنه مزاح ثقيل، أو اختلاف طباع، ولم أرد أن أكون حساسة أكثر مما يجب.

بعد الزواج، تغير الإيقاع. لم يعد يسألني عن يومي، ولا عن تعبي، لكنه صار يسأل عن تفاصيل دقيقة، أين كنت، ولماذا تأخرت، ومع من تحدثت.

وحين اعترضت مرة قال ببرود:

«أنا بس بحمي بيتي».

في إحدى الليالي عدت متأخرة من العمل بسبب ضغط شديد، فاستقبلني بصمت ثقيل. جلست أمامه أشرح، لكنه قاطع,,ني قائلًا:

«إنتِ دايمًا بتحطي شغلك قبلي».

نظرت إليه وقلت بهدوء:

«شغلي جزء مني».

رد دون تردد:

«وأنا أولى».

في تلك اللحظة شعرت أنني أفقد شيئًا ما، ليس حبًا، بل مساحة.

مرت الشهور، وبدأت أشعر أنني أختفي تدريجيًا. لم أعد أخرج كما كنت، ولا أضحك كما اعتدت، ولا أتحدث بثقة. كنت أراجع كل كلمة قبل أن أنطق بها، وكل خطوة قبل أن أخطوها.

وذات يوم، خلال شجار بسيط، قال جملة لم أكن مستعدة لها:

«إنتِ من غيري ولا حاجة».

سكتُّ.

لم أبكِ.

لكن شيئًا ما انكسر داخلي بصوت لم يسمعه غيري.

تلك الليلة جلست وحدي أفكر، لا في الطلاق، ولا في الهروب، بل في السؤال الأهم:

متى صدّقتُ هذا الكلام؟

في الصباح ارتديت ملابسي وذهبت إلى عملي كالمعتاد، لكنني قدمت استقالتي. لم أكن أهرب، بل أستعيد نفسي.

بدأت مشروعًا صغيرًا كنت أحلم به منذ سنوات، دون أن أخبر أحدًا، حتى نفسي لم أخبرها بصوت عالٍ خوفًا من الفشل.

تدريجيًا، عدت أتنفس. عدت أضحك، أتكلم، أخطط.

وحين لاحظ التغيير، سألني أحمد باستغراب:

«إنتِ متغيرة ليه؟»

نظرت إليه وقلت بهدوء لم أعرفه من قبل:

«علشان افتكرت نفسي».

لم يحتمل ذلك طويلًا. بدأ يشعر بالتهديد، لا لأنني أخطأت، بل لأنني لم أعد أحتاج إلى إذنه لأكون.

انتهى الزواج بعد محاولات قصيرة، دون صراخ، ودون دموع كبيرة.

اليوم، حين أنظر إلى المرآة، لا أرى امرأة خسرت زواجًا، بل امرأة كسبت نفسها في اللحظة الأخيرة.

تعلمت أن الحب لا يعني أن تصغر، وأن الشراكة لا تعني أن تختفي، وأن أقسى الخسارات هي تلك التي لا ننتبه لها إلا بعد فوات الأوان.

وهذه حكايتي، ليست قصة انتصار صاخب، بل قصة نجاة هادئة، لكنها صادقة.

تمت


تعليقات

التنقل السريع
    close