القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 معجزه حنان الام من حکایات نور محمد



معجزه حنان الام من حکایات نور محمد


في الطرقة الضلمة لمستشفى “الشيخ زايد”، كان فيه صوت مش عادي.. صوت يخلي شعر جسمك يقف، مش صراخ طفل جعان، ده كان أنين وجع عمره مئات السنين طالع من حتة لحمة حمراء لسه شايفة الدنيا من ساعات.


ياسين المنشاوي، الراجل اللي كلمته بتهز السوق والکل بيمشي وراه، كان واقف قدام حضانة بلاستيك شفافة وهو مكسور تماماً.


بدلته اللي تمنها يعدي آلاف كانت متكرمشة ومتبهدلة، ودقنه اللي نبتت في تلات أيام يأس خلته شبه الغريق اللي مش لاقي قشة.


كل فلوسه وحساباته في البنوك كانت واقفة عاجزة قدام “يحيى”، ابنه اللي رافض يسكت ورافض يعيش زي بقية الأطفال.


“عشان خاطري يا يحيى.. اهدا يا حبيبي، اهدا يا ضنايا..”


ياسين همس بالكلم,,ات دي بصوت مبحوح، وإيده كانت بترعش وهي بتطبطب على الحضانة، والطفل الصغير كان قافل ق,,بضته بقوة وكأنه بيحارب العالم كله.


الدكاترة لفوا حوالين الحضانة، فحوصات وإشاعات وتحاليل.. والنتيجة واحدة: “الطفل سليم عضوياً بنسبة 100%”. لكن الحقيقة اللي قلوبهم حساها كانت تانية خالص؛ الطفل ده مش مريض، الطفل ده “حزين”. كان بيبكي بح,,رقة وكأنه شايل همّ فقدان أمه اللي راحت وهي بتولده.. “نادية” اللي فارقت الدنيا ونزيفها ما وقفش إلا لما سلمت الروح.


وهي بتوصي ياسين: “خلي بالك من يحيى يا ياسين.. ده اللي طالع بيه من الدنيا”.


ياسين بص للطفل ودمعة سخنة نزلت غصب عنه:

“أمك كانت عارفة بتعمل إيه.. كانت إيدها فيها سحر يا يحيى.. أنا مش عارف أعمل إيه من غيرها.”


الدكتور “محسن” كان واقف بيتفرج بعجز، وقال بصوت واطي:

“يا ياسين بيه، الأطفال بيحسوا بالتوتر اللي حواليهم.. والطفل ده شارب حزنك وشايل فوق طاقته.” الکاتبه نور محمد


وسط أجواء المستشفى المعقمة وبرود حيطانها، ظهرت الست “مريم”. ست مصرية بسيطة بملامح طيبة، كانت جاية تزور حد من قرايبها ومعاها شنطة قماش فيها “لقمة بيتي” وريحة خير.


مريم كانت ست شقيانة، إيدها خشنة من شغل البيت بس عينيها فيها حنية تطمن الخايف.


وهي ماشية في الطرقة، رجلها وقفت فجأة. سمعت الصرخة.. صرخة “يحيى” اللي كانت بتخترق الحيطان. مريم حطت إيدها على قلبها وتمتمت:

“يا ساتر يا رب.. ده صوت وجع يقطع القلب، ده طفل بينادي على ربه.”


مريم اتسمرت مكانها، وذكريات قديمة هجمت عليها.. من سنين طويلة، كانت واقفة نفس الوقفة قدام سرير ابنها “حسن” وهو بيكافح الالتهاب الرئوي. غريزة الأمومة اللي جواها اتنفضت وكأن بركان من الحنان انفجر في ثانية.


من غير ما تفكر، مريم زقت باب الأوضة بالراحة ودخلت. المنظر كان يقطع القلب: راجل في قمة الأبهة بس منهار، وطفل بيتعذب بصمت وصراخ مكتوم.


ياسين رفع عينه فجأة، شاف ست بسيطة بـ “طرحة” عادية ووش بشوش، استغرب وجودها وقال بحدة ممزوجة بالتعب:

“أيوة يا ست أنتي.. أنتي مين؟ دي أوضة خاصة، مش مسموح بالزيارة هنا!”


مريم ما خافتش، أخدت خطوة لقدام وقالت بصوت هادي زي النسمة:

“حقك عليا يا سعادة الباشا، والله ما قصدي اقتحم خصوصيتك.. بس أنا بقالي ربع ساعة برا وقلبي بيتقطع على صرخة الطفل ده.. أنا.. أنا عارفة إيه اللي هيسكت الوجع ده.”


ياسين كان لسه هيطردها ويطلب الأمن، بس شاف في عينيها نظرة غريبة.. نظرة حد شاف الوجع قبل كده وعرف يغلبه.


ياسين سكت ومريم قربت من الحضانة ببطء.. مدت إيدها الخشنة اللي ريحتها “خبيز وحنية”، وقبل ما تلمس جسم الطفل، الصرخة اللي كانت بتهز جدران المستشفى انقطعت فجأة!


السكوت اللي ساد المكان كان مرعب أكتر من الصراخ نفسه، وياسين كتم أنفاسه وهو شايف مريم بتهمس في ودن الطفل بكلام مش مفهوم.. وفجأة، لون الطفل بدأ يتغير، وعينيه اللي كانت مقفولة بوجع اتفتحت وبصت لمريم وكأنه عارفها من سنين!

#الکاتبه_نور_محمد

السكوت اللي ساد الأوضة كان يخلي السامع يسمع دقات قلبه. ياسين كان واقف مبرق، مش مصدق إن “يحيى” اللي دوّخ أكبر دكاترة مصر سكت بلمسة من إيد الست دي.

مريم بصت لياسين وابتسمت ابتسامة صافية وقالتله بصوت واطي:

— “ممكن تفتحهولي يا بيه؟ الملاك ده مش محتاج دوا، ده محتاج ‘سندة’.”

ياسين، من غير ما يتردد ولا ثانية، فتح باب الحضانة. مريم مَدت إيدها وشالت يحيى بحرفية “الأمهات الشقيانة”، ضمته لص,,درها وبدأت تطبطب عليه بطريقة منتظمة، وبتهمس في ودنه بآيات من القرآن وبترنيمة مصرية قديمة كانت بتغنيها لابنها: “يا نني عين أمه.. يا حتة من كبدي.. نام وارتاح يا حبيبي.. ربنا حارسك وحارسني.”

وفجأة، حصلت المعجزة. يحيى مش بس سكت، ده بدأ يرتخي في حض,,نها، وق,,بضة إيده اللي كانت محبوسة من الغض,,ب اتفتحت، ومسك صباع مريم الصغير وشبّط فيه، وراح في نوم عميق لأول مرة من يوم ولادته.

الدكتور محسن همس بذهول: “ده نزل ض,,ربات قلبه للمعدل الطبيعي في ثواني! دي مش طب.. دي طاقة حب.”


ياسين قعد على الكرسي كأن ركبه مش شايلة جسمه، غطى وشه بإيده وبدأ يعيط بصمت. مريم فضلت واقفة مكانها، شايلة الطفل وهيه بتهزه بالراحة، ولما حست إن ياسين هدي شوية، قالتله:

— “يا ياسين بيه، ابنك مش مريض. ابنك كان بيدور على ‘ريحة’ أمه فيك، وأنت كنت بتديله ‘خوفك’. الطفل عامل زي المراية، لو شاف في عينك اليأس هيتعب، ولو شاف الرضا هيطمن.”

ياسين رفع عينه وقال بصوت مكسور:

— “أنا كنت فاكر إن فلوسي هتحميه.. كنت فاكر إني هجيبله أحسن رعاية في العالم. بس اكتشفت إني ولا حاجة من غيرها.. ونادية راحت يا مريم.. راحت وسابتني تايه.”

مريم قربت منه وحطت يحيى في حض,,ن أبوه بالراحة:

— “الست نادية ماراحتش يا بيه، هي سابتلك حتة منها عشان تقويك. اللي يسكت يحيى مش لبن الصناعي ولا الحضانة اللي بآلافات.. اللي يسكت يحيى هو إنك تصالحه على الدنيا، وتعرفه إنك معاه.”الکاتبه نور محمد


ياسين المنشاوي اتغير من اليوم ده تماماً. ما بقاش “الغول” اللي بيفكر في الصفقات وبس. مريم ما وافقتش تاخد مليم واحد مقابل اللي عملته، وقالت جملتها الشهيرة اللي فضلت رنة في ودن ياسين: “يا بيه، الحنية لو اتباعت بفلوس.. تبقاش حنية.”

بس ياسين، بذكاء ابن البلد، ما سابهاش. عين مريم “مشرفة تربوية” في دار الأيتام الكبيرة اللي بناها وسمّاها “دار نادية”، وبقت هي الأم الروحية لكل طفل هناك، وبقت زي “جدة” ليحيى، اللي كبر وبقى طفل مالي الدنيا ضحك وحيوية.

يحيى اتعلم من مريم إن القوة مش في البدلة الغالية ولا في الحسابات البنكية، القوة في “القلب” اللي بيعرف يطمن اللي حواليه بكلمة طيبة. وياسين عرف إن أحياناً، ربنا بيبعتلك “ملاك” في صورة ست بسيطة بطرحة، عشان يرجعك للطريق الصح.

تمت.


تعليقات

التنقل السريع
    close