القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 كانو مليونيرات



كانو مليونيرات

 

كانوا مليونيرات… من كل ناحية باينة. البيت ورا بوابات حديد، مدخل أطول من الشارع اللي اتربيت فيه، والحيطان مليانة صور وجوايز من حفلات خيرية. الفلوس مش بس موجودة… الفلوس كانت لغة البيت.

بنتهم اسمها أوليفيا. عندها ست سنين.

وطول الوقت تعبانة.

حرارة تيجي وتروح من غير سبب واضح. معدتها دايمًا تعبانة. بتنام بصعوبة، تصحى وهي بتترعش، وتعيّط من وجع مش عارفة تشرحه. دكاترة متخصصين داخلين خارجين من البيت كل أسبوع. أدوية جديدة بتيجي في شنط بيضا مرتبة. ولا حاجة نافعة.

اتعيّنت ناني عشان عندي خبرة مع أطفال حالتهم الصحية حساسة. أول يوم شغل، سلّموني جدول أدوية متلوّن، سميك أكتر من كتاب.

الأم قالتلي: «امشي عليه بالحرف… إحنا ما بنخاطرش.»

ما جادلتش. راقبت.

راقبت أوليفيا وهي بتاكل، بتنام، بتلعب، وبعدين بتنسحب لوحدها. سجّلت الأعراض. حسبت المواعيد. بعد تالت يوم،


بدأت ألاحظ نمط… حاجة بسيطة، بس ثابتة كفاية تخلّي قلبي يقبض.

أقوى النوبات ما كانتش بتيجي فجأة.

كانت بتيجي بعد تغيير الأدوية.

مش جرعات زيادة. مش نسيان. تداخلات.

كل دكتور كاتب علاج لوحده. مفيش تنسيق. مفيش حد وقف وبص على الطفلة ككل… مش على عرض واحد وخلاص.

آخر الأسبوع، رجعت بصّيت على الجدول تاني… على مهلي. بدقة.

قلبي وقع.

في دواين ما ينفعوش يتاخدوا مع بعض. ودوا تاني كان مغطّي أعراض جانبية باينة كإن المرض بيزيد. ودا عامل دايرة مقفولة… بتغذّي على نفسها.

طلبت أقعد مع الأب والأم.

كانوا مبتسمين… ابتسامة مجاملة، كأني بهزر. لحد ما اتكلمت.

قلت: «وقّفوا… كل ده.»

الدنيا قامت.

الأب قال بعصبية: «إنتِ ناني! إنتِ عارفة إحنا بندفع كام للدكاترة؟»

وش الأم احمر: «إزاي تتجرّئي وتقولي نوقّف علاج بنتنا؟»

إيدي كانت بتترعش… بس ما حوّلتش عيني.

قلت بهدوء: «لو سكتّ،

بنتكم مش هتعيش.»

البيت كله سكت.

وفي اللحظة دي… كنت عارفة إن مفيش رجوع ورا.السكوت اللي نزل على البيت كان تقيل. تقيل لدرجة إني كنت سامعة دقّات قلبي.

الأب بصّ للأم. الأم بصّت للبنت اللي كانت نايمة على الكنبة، وشها شاحب وأنفاسها متقطعة.

قالت الأم بصوت مكسور: «إنتِ بتقولي نعمل إيه؟»

قلت: «نوقف كل الأدوية غير الأساسية فورًا. وناخدها مستشفى واحدة بس. دكتور واحد يكون مسؤول عن كل حاجة. تحليل دم شامل… دلوقتي.»

الأب كان واضح إنه مش مقتنع، بس الخوف كان باين في عينيه. الخوف اللي الفلوس ما بتعرفش تعالجه.

بعد تردد طويل، قال: «لو حصلها حاجة…»

قاطعته: «هي كده كده بيحصلها.»

خرجنا في نص الليل. أول مرة أوليفيا تطلع من البيت من غير شنطة أدوية.

في المستشفى، لما الدكتور شاف القائمة، وشّه اتغيّر. قعد يقلب فيها سطر سطر. وبعدين رفع راسه وقال جملة عمري ما أنساها:

«الطفلة

دي مش مريضة… الطفلة دي متسمّمة.»

الأم انهارت. الأب ساب الكرسي وقعد على الأرض.

التداخلات الدوائية كانت عاملة فوضى في جسمها. كبدها مجهد. جهازها العصبي ملخبط. وأعراضها كانت استغاثة… مش مرض.

اتحبست أوليفيا في المستشفى أسبوعين. من غير نص الأدوية اللي كانت بتاخدها. بس سوائل، متابعة، وراحة.

وفي اليوم الخامس… ضحكت.

ضحكة صغيرة. بس حقيقية.

أول مرة أشوفها تضحك من غير وجع.

بعد شهر، كانت بتجري. بعد تلات شهور، دخلت مدرسة. بعد سنة، كانت طفلة عادية… عنيدة، ذكية، وصحتها كويسة.

في آخر يوم ليا في البيت، الأم حضنتني وهي بتعيّط. وقالت: «إنتِ أنقذتي بنتي.»

هزّيت راسي وقلت: «لا… إنتوا اللي سمعتوا.»

وأنا ماشية، افتكرت حاجة واحدة: أكتر حاجة كانت مريضة في البيت ده… ما كانتش البنت.

كان النظام. وكان الصمت. وكان الخوف من التشكيك في اللي “غالي” و“مفروض صح”.

وأوليفيا؟ كانت بس محتاجة حد يبصّ لها… مش للفاتورة.


تعليقات

التنقل السريع
    close