فتاه فقيره
فتاه فقيره
اتـهم بنـت يتيـمة بالـسرقة… لكـن اللـي كـان جوا شنطـتها القديـمة خـلاه ينهـار مـن الخـاتهم بنت يتيمة بالسرقة… لكن اللي كان جوّه شنطتها القديمة خلّاه ينهار من الخجل!
ريحة الكلور كانت خانقة، بتكحت في زورها كأنها صنفرة. إيدين ليلى منصور كانت مولعة من كتر الدعك، بس في مطعم القبة واحد من أفخم مطاعم القاهرة الجديدة، النظافة مش شغل… دي عبادة.
ليلى عندها 19 سنة، ووشها لسه فيه ملامح طفولة، لكن عينيها لأ… عينيها شافت أبواب مقفولة كتير بدري قوي.
اتربت في دار أيتام حكومي، واتعلمت من صغرها إن الحنان رفاهية، وإن الأكل ممكن يكون مكافأة أو عقاب. من كام شهر بس أخدوا لها أوضة صغيرة جدًا في سكن البنات اللي خرجوا من الدار. حيطة رفيعة، شباك ما يقفلش كويس، وسرير بيصرّ مع النفس.
لكن بالنسبة لها… الأوضة دي كانت حرية.
حرية بإيجار.
علشان كده قبلت شغل النظافة. علشان كده كانت بتستحمل الشيفتات الطويلة، واليونيفورم الرمادي، ونظرات الاستعلاء من الجرسونات اللي لابسين بدل، وريحة المطهر اللي بتفضل في شعرها حتى بعد ما تغسله 3 مرات.
الليلة دي المطعم كان تقيل زيادة. وفد مهم — حسب كلام المدير — حجز قاعة الـVIP. ضحك عالي، كاسات غالية، وأطباق راجعة المطبخ فيها أكل متلمسش. ولما مشيوا، سابوا المكان كأن فيه ناس مخلوقة مخصوص تنظف وراهم.
دخلت ليلى القاعة بعربية التنضيف.
مناديل مكورة… فتافيت على السجاد… بقع عصير على المفرش الأبيض شكلها زي الدم الناشف.
وهي شايلة صينية، شافت حاجة ما كانش المفروض تشوفها: باب مكتب صاحب المطعم… مفتوح سنة بسيطة.
صاحب المطعم كان أدهم سليم.
راجل الكل بيهمس باسمه. شاب، وسيم، غني جدًا. صاحب مطاعم وماركات ونص البلد. ليلى عمرها ما شافته غير من بعيد، وسط بدل فخمة، كأنه ماشي في جو خاص بيه.
ما كانش عندها أي سبب تدخل.
لكن الهدوء… والباب المفتوح… والفضول… إحساس طفولي إنها تبص على عالم عمره ما كان ليها… خلاها تاخد خطوة واحدة بس.
المكتب كان ريحته خشب غالي وعطر هادي. مكتب ضخم، كراسي جلد، رفوف زجاج كأنها متحف. قلبها كان بيدق بسرعة وهي بتبص حواليها كأنها بتسرق بنظرتها.
سمعت خطوات… خافت. خرجت بسرعة وقفلت الباب زي ما كان.
— يا غبية… يا فقيرة.
ما كانتش تعرف إن اللحظة دي هتغير حياتها.
تاني يوم، وهي بتخلص شيفت وبتلم حاجتها، جه لها فرد الأمن بوش جدي:
— ليلى… أستاذ أدهم عايزك في مكتبه.
معدتها وقعت في رجليها.
مشيت في الممر وهي حض*نة شنطتها الزرقا القديمة. الشنطة دي كانت كل حياتها… مش علشان فلوس… علشان خوف من إنها تخسر آخر حاجة عندها.
دخلت المكتب. أدهم قاعد أنيق كأنه عمره ما لمس تراب.
— اقعدي…قعدت على طرف الكرسي كأنه هيحرقها.
بصلها ببرود: قالولي إنك دخلتي مكتبي امبارح.
وشها اصفر….آه… الباب كان مفتوح وأنا كنت بنضف… بصيت بس ثانية. ما عملتش حاجة.
ضحك ضحكة قصيرة: فضول؟ ما تفتكريش إن الفضول رفاهية لواحدة في مكانك؟
نزلت عينيها للأرض.
— بعد فضولك… أوراق مهمة اختفت من الخزنة.
رفعت راسها مرعوبة: والله ما أخدت حاجة!
ما تحلفيش… وريني شنطتك.
اتلخبطت: ليه؟!
ضغط زر على المكتب: الأمن.
دخل اتنين حراسة.
ح*ضنت الشنطة بقوة: ما تلمسوش شنطتي! أنا مش حرامية!
اقترب أدهم: لو مش مذنبة… ما عندكش حاجة تخبيها.
لكن الشنطة كانت فيها حياتها كلها… صور دار الأيتام… خطابات صحابها… تقارير طبية… وأهم ورقة في حياتها:
وثيقة تنازل عن حضانة.
الورقة اللي بتقول إن أهلها اختاروا يسيبوها.
أومأ للحراس.
مسكوا إيديها وخطفوا الشنطة.
صرخت: لأ! دي حياتي!
سلموها لأدهم. فتح السوستة.
مناديل… محفظة فاضية… رسايل قديمة…
ثم ورقة مطوية.
فتحها.
سكت المكان كله.
بص على الأسماء.
اسم الأب: سليم.
اسم الأم: هالة سليم.
نفس لقبه.
إيده ارتعشت لأول مرة.
رفع عينه ليلى… كانت واقفة شاحبة، شفايفها بتترعش.
لأول مرة في حياته…
أدهم سليم حس الأرض بتتهز تحت وو
في اللحظة اللي أدهم سليم حس فيها إن الأرض بتتهز تحت رجليه وهو شايف الاسم مكتوب قدامه حس كأن الزمن وقف فجأة كل الأصوات اللي في المكتب اختفت حتى صوت أنفاسه بقى تقيل وكأن حد حاطط إيده على صدره حاول يقرأ الورقة تاني يمكن يكون غلطان يمكن تكون مجرد صدفة يمكن يكون فيه تشابه أسماء لكن كل حرف كان واضح زي الشمس اسم الأب سليم واسم الأم هالة سليم وتاريخ الميلاد قبل تسعتاشر سنة نفس السنة اللي حاول يدفنها في ذاكرته للأبد رفع عينه ببطء ناحية ليلى كانت واقفة قدامه شبه تمثال ملامحها متجمدة وشفايفها بتترعش وعيونها مليانة خوف مش خوف من الاتهام بالسرقة خوف من الإهانة اللي عاشتها طول حياتها قال بصوت مبحوح الورقة دي جتلك منين قالت وهي بتبلع ريقها من دار الأيتام دي الورقة اللي بتثبت إن أهلي تنازلوا عني سكت لحظة وهو بيحاول يستوعب الكلمة تنازلوا عني الكلمة اللي كان فاكر إنه وقع عليها وخلاص انتهت من حياته لكنها كانت بداية حياة كاملة لطفلة اتولدت واترمت من غير حتى ما يعرف شكلها سألها اسمك الكامل إيه قالت ليلى منصور قال منصور ليه مش سليم قالت بابتسامة مكسورة لأن دار الأيتام بيدوا الأطفال ألقاب جديدة لما بيتسابوا حس إن حد بيسحب روحه من جسمه في اللحظة دي رجع بذاكرته سنين طويلة لورا شاف نفسه شاب عنده اتنين وعشرين سنة مستهتر غني شايف الدنيا لعبة مفتوحة قدامه شاف نفسه وهو واقف قدام أبوه في المكتب الكبير وأبوه بيقول له الجملة اللي غيرت حياته لو البنت دي كملت في حياتك هتنتهي حياتك كلها شاف نفسه وهو بيمسك القلم ويرجف وهو بيوقع على الورقة اللي بتتنازل عن الطفل قبل حتى ما يتولد ساعتها كان مقتنع إنه بيحمي مستقبله وإن ده قرار عقلاني وإن الطفل هيتبني ويعيش حياة أحسن من الفضيحة اللي ممكن تدمر اسمه لكن الحقيقة اللي ظهرت قدامه دلوقتي إن القرار ده كان مجرد هروب جبان من مسؤولية عمرها ما انتهت رجع للواقع على صوت ليلى وهي بتقول ممكن أمشي لو سمحت رفع عينه لها وقال استني كانت الكلمة طالعة من مكان جواه هو نفسه ما يعرفوش قالت بنفاد صبر حضرتك خلصت تفتيش الشنطة ممكن أرجع شغلي حاول يتكلم لكن الكلمات خنقته حس إنه لأول مرة في حياته كل فلوسه وكل سلطته ما ليهمش أي قيمة قدام البنت اللي واقفة قدامه واللي شايفة فيه مجرد راجل غني اتهمها بالسرقة قال بصعوبة ليلى أنا لازم أقولك حاجة ضحكت بسخرية وقالت لو عن الاتهام فأنا خلاص فهمت مكاني كويس قال لا مش كده أنا أقصد الورقة دي توقيعي أنا اتجمدت ملامحها وكأن عقلها رفض يستوعب قالت يعني إيه قال أنا أبوكي سكتت ثواني طويلة قوي لدرجة إنه حس إن قلبه هيقف وبعدين ضحكت ضحكة قصيرة مكسورة وقالت حضرتك بتقول إيه قال أنا اللي وقعت على الورق ده زمان وأنا اللي سيبتك في الدار حس إن الجملة دي خنجر خرج من قلبه قبل ما يخرج من بقه عينيها وسعت والدموع بدأت تتجمع فيها وقالت يعني أنا كنت طول عمري لوحدي وأنت عايش حياتك عادي قال ما كنتش عادي قالت بحدة بس كنت عايش سكت لأنه ما عندوش رد قالت كنت فين لما كنت بعيط في الليل كنت فين لما كنت بخاف لما كنت بجوع لما كنت بتمنى حد يقوللي يا بنتي سكتت لحظة وبعدين قالت كنت فين لما كنت بتض*رب في الدار حس إن كل كلمة بتض*ربه أقوى من أي إهانة اتعرض لها في حياته حاول يقرب خطوة لكنها رجعت خطوة لورا وقالت لا ما تقربش أنا عمري ما كان عندي أب وما ينفعش يظهر فجأة دلوقتي وتفتكر إن كل حاجة ممكن تتصلح بكلمة أنا أبوكي قال أنا مش متوقع تسامحيني قالت كويس علشان مش هسامحك دلوقتي على الأقل وسابت المكتب وخرجت وسابته واقف مكانه لأول مرة في حياته حاسس إنه صغير ضعيف مكسور مش عارف يعمل إيه ولا يروح فين ولا يصلح إزاي 19 سنة من الغياب في اللحظة دي بس فهم معنى كلمة متأخر قوي قعد على الكرسي وحط إيده على وشه لأول مرة في حياته ما كانش خايف على فلوس ولا على سمعة ولا على صفقة كان خايف على حاجة واحدة بس إنه يكون خسر الفرصة الوحيدة اللي ممكن تخليه إنسان حقيقي مش مجرد اسم كبير في المدينة كلها وفي اللحظة دي قرر إن حياته اللي فاتت كلها لازم تتغير حتى لو متأخر وحتى لو الطريق طويل وحتى لو هي عمرها ما سامحته كان عارف إنه لازم يحاول لأنه لو ما حاولش هيعيش باقي عمره عارف إنه فعلاً كان حرامي بس مش حرامي فلوس حرامي عمر سرقه من بنت عمرها ما كان ليها حد ولو
في الليلة دي أدهم ما رجعش البيت بدري زي كل يوم فضل قاعد في المكتب بعد ما المطعم قفل والأنوار خفتت والهدوء بقى تقيل حوالينه قعد قدام المكتب اللي طول عمره كان شايفه رمز نجاحه وحس لأول مرة إنه مجرد خشب كبير مش قادر يخبي فراغ حياته حاول يفتكر أي لحظة حس فيها بندم حقيقي قبل كده ملقاش اللحظة الوحيدة اللي كانت بتتكرر قدامه دلوقتي كانت صورة بنت واقفة قدامه بعينين مليانين وجع وبتقوله كنت فين لما كنت بجوع فضل قاعد لحد الفجر وبعدين خرج من المكتب من غير ما ياخد عربيته ومشي في الشوارع الفاضية كأنه بيدور على حاجة ضايعة منه من سنين طويلة رجع البيت أخيرًا بس البيت اللي كان دايمًا شايفه قصر حس بيه فجأة فاضي وبارد وواسع زيادة عن اللزوم كل حاجة فيه فخمة وكل حاجة فيه ساكتة بشكل يخوف دخل أوضته وفتح درج قديم عمره ما كان بيقرب منه وطلع منه صورة قديمة ليه وهو شاب صغير كان ضاحك فيها ضحكة واسعة فيها براءة اختفت من سنين فضل يبص للصورة ويفكر إمتى اتحول للشخص اللي يقدر يسيب طفلة تولد من غير ما يسأل عنها مرة واحدة بس حط الصورة على الترابيزة وقال بصوت واطي أنا لازم أصلح اللي ينفع يتصلح تاني يوم وصل المطعم بدري جدًا قبل الموظفين كلهم استنى عند الباب وهو مستنيها تدخل ولما شافها داخلة شايلة الشنطة الزرقا على ضهرها قلبه دق بسرعة غريبة عليه قرب منها وقال صباح الخير يا ليلى ردت ببرود صباح النور يا فندم حاول يتكلم لكن الكلمات خانته فسألها سؤال بسيط أكلتي ردت بسرعة وأنا مالي بحضرتك قال بهدوء أنا بس بسأل لأنها أول مرة حد يسألها السؤال ده بجد حس إنها اتلخبطت لحظة لكنها استجمعت نفسها وقالت أنا كويسة دخلت المطعم وسابته واقف وراها حس إن الطريق هيبقى أطول مما كان متخيل لكن قرر إنه ما يستسلمش الأيام اللي بعدها كانت محاولات صغيرة جدًا مكالمات يسألها لو محتاجة حاجة يبعث لها أكل في الشيفت الطويل يسيب لها كتب تعرف إنها بتحب القراءة ما كانش بيضغط عليها ولا بيطلب منها تسامحه كان بس بيحاول يثبت إنه موجود فعلاً في الأول كانت بترفض كل حاجة كانت شايفة اهتمامه مجرد محاولة تعويض متأخرة لكن مع الوقت بدأت تلاحظ إنه ثابت مش بيزهق مش بيغضب لما ترده مش بيختفي بعد أول رفض وبعد شهور طويلة بقت ترد على الرسائل بكلمة أو اتنين وبعدين بجملة وبعدين بمكالمة قصيرة لحد ما جه اليوم اللي اتأخرت فيه عن الشغل ولما وصلت لقيته واقف مستنيها على الباب ووشه باين عليه القلق قالت بحدة هو في حاجة قال كنت قلقان قالت ليه قال علشانك سكتت لحظة وبعدين قالت أنا اتأخرت بس قال أنا عارف بس كنت عايز أتأكد إنك بخير لأول مرة حسيت إن الجدار اللي بينهم بدأ يتشقّق ببطء شديد الوقت مر والعلاقة بينهم بدأت تتغير ببطء شديد جدًا خطوات صغيرة لكن ثابتة لحد ما في يوم طلب منها يخرجوا يتمشوا على الكورنيش رفضت في الأول لكن رجعت اتصلت بيه بعدها بيوم وقالت ممكن نص ساعة بس خرجوا يتمشوا في صمت طويل كان البحر هادي والهوا بارد قالها بصوت متردد أنا عارف إن كلمة آسف قليلة قوي بس أنا ندمان بجد قالت من غير ما تبص له أنا مش محتاجة اعتذار أنا محتاجة أعرف إنت ليه سيبتني قال كنت جبان كنت خايف على نفسي وعلى اسمي قالت وأنا كنت طفلة قال عارف وسكتوا بعدها وقت طويل قبل ما تقول جملة خفيفة كسرت الصمت أنا طول عمري كنت بتمنى حد يجي يقولي إنه اختارني حتى لو متأخر قال أنا باختارك كل يوم من دلوقتي وبعد سنة كاملة من المحاولات الصغيرة كانوا واقفين قدام مبنى جديد كبير مكتوب عليه مؤسسة ليلى للأيتام بصت له بدهشة وقالت إيه ده قال ده أقل حاجة أقدر أعملها علشان أصلح اللي فات مسكت إيده لأول مرة من نفسها وقالت مش كل حاجة ينفع تتصلح بس ممكن نبدأ من هنا ابتسم لأول مرة من قلبه وبعد شهور في افتتاح المؤسسة وقف قدام الناس وقال أكبر غلطة عملتها في حياتي إني سيبت بنتي وأكبر نعمة حصلت لي إنها سمحت لي أحاول أصلح وقفت ليلى جنبه وبصت له وقالت العيلة مش اللي بتسيبك العيلة اللي بترجعلك ومع غروب الشمس كانوا واقفين جنب بعض بيبصوا على الأطفال اللي بيلعبوا في الحديقة الجديدة اللي اتبنت علشانهم وكان أدهم عارف إن الماضي عمره ما هيختفي لكن المستقبل أخيرًا بقى فيه مكان لابنة رجعت متأخر لكنها رجعت والنهاية كانت بداية جديدة مش مثالية لكنها حقيقية والمره دي ما كانش لوحده كان عنده بنت بتقوله أخيرًا بابا
تمت


تعليقات
إرسال تعليق