حبسونا في القبو… لكنهم لم يعرفوا ما كان مخبّأ خلف الجدار
حبسونا في القبو… لكنهم لم يعرفوا ما كان مخبّأ خلف الجدار
لم أتخيل يوما أن تأتي الخيانة بهذا الهدوء بلا صراخ ولا أبواب تغلق بعنف مستخدمة الصوت المألوف للطفل الذي كنت أهدهده يوما حتى يغفو. ومع ذلك هكذا جاءت.
قادنا ابننا إلى القبو بحجة وجود مشكلة في أساسات المنزل ثم أغلق الباب بعنف وهبط صوت زوجة ابني من الأعلى هادئا عائما في الهواء
ابقيا هنا قليلا.
لكن ما أخرجه زوجي من خلف الجدار غير كل شيء.
في تلك الأمسية الماطرة من يوم خميس في مدينة موريليا بولاية ميتشواكان حين كانت الغيوم معلقة منخفضة فوق منزلنا ذي القرميد الأحمر وكانت رائحة التراب المبتل تلتصق بالجلد اخترق صدري صوت انغلاق القفل في باب القبو بيقين لن أنساه ما حييت.
اسمي إيلينا روبليس. كنت في الخامسة والستين من عمري آنذاك. زوجي ريكاردو روبليس كان قد بلغ الثامنة والستين. عشنا في ذلك المنزل أكثر من أربعة عقود مدة كافية لأن تمتص الجدران ضحكاتنا وخلافاتنا وتلك السنوات الصامتة التي تحل فيها العادة محل الشغف لكنها لا تمحو الوفاء.
في تلك الليلة تبعنا ابننا ماتيو عبر درج القبو لأنه قال إن هناك رطوبة قرب الأساسات. كان صوته هادئا محترما أشبه بصوت متدرب. كان ينبغي لذلك أن ينبهني. لم يكن ماتيو يتحدث بهذا الحذر منذ أيام مراهقته حين كان يخفي
أمرا ما.
ما إن وطئت أنا وريكاردو أرضية الإسمنت بالكامل والمصباح العلوي يطن بضعف حتى أغلق الباب خلفنا بعنف. لم يكن حادثا. كان في ذلك الصوت قصد واضح. ثم جاء الصوت الذي لا يخطئه السمع احتكاك المعدن بالمعدن القفل وهو يغلق.
ماتيو ناديته وقد بدأ صوتي يرتجف ماذا تفعل
لم تأت إجابة. فقط صوت خطوات تبتعد صعودا على الدرج. زوجان من الخطوات. إحداهما مترددة والأخرى ثابتة.
خطواتها.
زوجة ابني ليديا.
اندفعت نحو الباب وبدأت أطرقه بكلتا يدي.
هذا ليس مضحكا صرخت افتحي الباب. الآن.
ومن الأعلى هبط صوت ليديا ناعما متحكما بنفس النبرة التي كانت تستخدمها في الاجتماعات والعزائم العائلية حين تريد أن تبدو عقلانية.
اهدئي يا إيلينا. ستكونان بخير. فقط ابقيا هناك قليلا.
قليلا اختنق صوتي بالذعر ريكاردو يحتاج إلى دوائه. لا يمكنكم أن
لقد تكفلنا بكل شيء قاطعتني بهدوء لم يعد هناك ما يقلقكما.
كانت تلك الكلمات نفسها التي ظلت تكررها منذ أشهر تسقط علي هذه المرة كتهديد. شعرت بأن ساقي تضعفان وبأن الهواء لم يعد كافيا.
إلى جانبي فعل ريكاردو شيئا لم أتوقعه. أبعد يدي عن الباب بلطف ثم أمسكهما بقوة كأنه يثبتني في مكاني.
لا تصرخي همس. كان صوته هادئا هادئا أكثر مما ينبغي إنهم
لا يعلمون.
لا يعلمون ماذا سألته بصوت خافت.
انحنى نحوي وكان نفسه الدافئ قرب أذني.
لا يعلمون ما الذي يوجد خلف الجدار
لم يصرخ زوجي. لم يطرق الباب.
اكتفى بأن نظر إلي وهمس بجملة لا تزال تقشعر لها أوصالي
إنهم لا يعلمون ما الذي يوجد خلف الجدار.
وما اكتشفناه بعد دقائق قليلة غير مصير عائلتنا إلى الأبد.
نظرت إليه تحت الضوء الخافت للقبو. لم يكن خائفا. لم يكن مرتبكا. كان في تعبيره شيء أعمق تصميم ممزوج بحذر ادخره لسنوات.
كان ذلك أكثر إخافة لي من القفل نفسه.
ومع تمدد الصمت هجمت علي الذكريات بلا رحمة. ماتيو في السادسة يصر على ربط حذائه بنفسه رغم عجزه. ماتيو في الرابعة عشرة يعترف باكيا بأنه غش في امتحان لأنه كان يشعر بأنه غير مرئي. ماتيو في الخامسة والعشرين يقدم لنا ليديا بابتسامة واسعة أكثر من اللازم كأنه يتحدانا أن نشك فيها.
في مرحلة ما اختفى الطفل الذي كان يطلب النصيحة وحل مكانه رجل يتجنب النظر في العيون ويترك لزوجته مهمة الكلام عنه.
كانت الإشارات كلها موجودة. أراها الآن بوضوح. مكالمات تنهى فجأة حين أدخل الغرفة. مستندات تختفي من مكتب ريكاردو. البريد يعاد توجيهه. أحاديث عن المال تقابل بابتسامة وجملة مألوفة الأمر محسوم.
قبل أسابيع عثرت
على ظرف مخبأ تحت كومة من المجلات القديمة. بداخله وثيقة توكيل قانوني. كان اسم ريكاردو مكتوبا في الأعلى ثم مشطوبا. وأسفله اسم ماتيو وخط التوقيع ينتظر.
حين واجهت ريكاردو في تلك الليلة كان صوتي يرتجف غضبا لا خوفا. كنت أشعر بأن شيئا يتفكك داخلي كأن سنوات كاملة من الطمأنينة الزائفة تتهاوى دفعة واحدة. ومع ذلك لم يبد زوجي أي دهشة. لم تتغير ملامحه لم يرفع حاجبيه لم يتظاهر بالاستغراب كما يفعل الأبرياء حين يفاجأون بحقيقة صادمة.
نظر إلي طويلا ثم قال بهدوء أزعجني أكثر من أي اعتراف صريح
كنت أعلم أن هذا سيحدث.
ترددت قبل أن أجيبه كأن الكلمات علقت في حلقي.
كنت تعلم همست كيف يمكن لإنسان أن يعلم أن ابنه سيفعل به هذا
تنفس ريكاردو بعمق ثم قال بصوت خافت كمن يشرح أمرا فكر فيه ألف مرة
لأن الصبر ينفد حين ينمو الشعور بالحق الموهوم خصوصا حين يكون المال في الخلفية. بعض الناس لا يرون في تعب السنين إلا إرثا مؤجلا ولا يرون في والديهم إلا عائقا زمنيا.
لم أفهم حينها عمق كلماته كما أفهمه الآن. لكنها عادت إلي بقسوة ونحن محبوسان في القبو تتردد في رأسي كصدى حارق. كانت الذكرى تحترق داخلي لا كفكرة بل كجرح مفتوح.
ساد الصمت بيننا. لم يكن صمت خوف بل صمت ترقب. كنت أسمع صوت تنفسنا وطنين المصباح القديم وقطرات
ماء تسقط من أنبوب في زاوية القبو كأن الزمن نفسه يسخر من عجزنا.
ثم تحرك ريكاردو.
تقدم نحو الجدار الخلفي ذلك الجدار الذي طالما اعتبرته مجرد نهاية المكان. كان نصفه مخفيا خلف علب طلاء صدئة وصناديق كرتونية قديمة تحمل بقايا أعوام مضت أدوات لم نعد نستخدمها أشياء احتفظنا بها بلا سبب واضح كما نفعل مع الذكريات.
جثا على ركبتيه بخفة أدهشتني. في تلك اللحظة بدا لي أصغر سنا أقرب إلى الرجل الذي عرفته في بدايات زواجنا حين كان يتحرك بثقة هادئة وكأنه يعرف دائما أين يضع قدمه التالية.
مد يده ومرر أصابعه على الطوب ببطء بحنان غريب كما لو كان يلمس وجوه أصدقاء قدامى أو يحيي جدارا يحمل سرا بينهما وحدهما.
ماذا تفعل سألته وصوتي بالكاد خرج.
أفعل ما استعددت لفعله منذ زمن قال بهدوء لا يخلو من حزم.
راقبت أصابعه وهي تتوقف عند طوبة أغمق قليلا من غيرها غير مصطفة تماما. لم أكن لألاحظ الفرق لو لم أره يتأملها بتلك الدقة. ضغط عليها.
تحركت الطوبة.
في تلك اللحظة شعرت بأن قلبي سيتوقف. لم يكن الأمر مجازيا. أحسست بانقباض حاد وبأن العالم ضاق فجأة.
خلف الطوبة ظهر تجويف ضيق مظلم في بدايته ثم لمع داخله شيء معدني حين انعكس عليه الضوء الخافت.
مد ريكاردو يده وسحب صندوقا حديديا ثقيلا. كان مخدوشا متآكل الحواف يحمل آثار زمن طويل من الإخفاء والصمت.
ريكاردو ما هذا تمتمت وأنا أحدق فيه كأنني أراه للمرة الأولى رغم أنه كان موجودا طوال هذه السنوات على بعد خطوات مني.
لم يجبني فورا. أخرج مفتاحا رفيعا من خلف خاتم زواجه. لم أكن أعلم بوجوده. لم أشك يوما في أن ذلك الخاتم الذي لبسه منذ يوم زفافنا يخفي خلفه شيئا آخر غير الرمزية.
أدار المفتاح ببطء. صدر صوت خافت حين فتح الصندوق كأنه زفرة طويلة محبوسة.
في داخله كانت هناك مستندات مرتبة بعناية صكوك ملكية المنزل كشوف حسابات بنكية وصيتنا الحقيقية موثقة محدثة ومحمية من أي عبث. وتحت كل ذلك جهاز تسجيل رقمي قديم.
على مدى أربعين عاما قال ريكاردو بصوت منخفض كنت أستعد لاحتمال أن يحاول أحدهم سلب ما بنيناه. لم أتخيل يوما أن يكون ذلك ابننا.
كانت كلماته ثقيلة لا لأنها صادمة فحسب بل لأنها أكدت شيئا كنت أخشى الاعتراف به منذ زمن. لم أبك. لم أصرخ. لم أشعر حتى بالغضب في تلك اللحظة. كان ما غمرني أعمق من كل ذلك فراغ واسع بارد كأن جزءا مني انطفأ فجأة دون سابق إنذار. كأن شيئا كنت أستند إليه طوال حياتي اختفى تاركا داخلي مساحة لا
أعرف كيف أملؤها.
ظللت واقفة أحدق في الصندوق المفتوح وفي الأوراق التي تحمل أسماءنا تواريخنا وتوقيعاتنا وكأنها حياة كاملة محبوسة داخل معدن صامت. لم أكن أفكر في المال ولا في البيت ولا حتى في الخيانة ذاتها كنت أفكر في السنوات. في العمر الذي مضى وفي كم الثقة التي منحتها دون حساب.
ثم مد ريكاردو يده وضغط زر التشغيل.
في البداية لم يحدث شيء. لحظة صمت قصيرة كأن الجهاز يتردد هو الآخر في كشف ما يحمله. ثم فجأة انسكب صوت ليديا في القبو واضحا باردا بلا أي تردد
ما إن يخرجا من المنزل ستنقل الملكية كلها. ماتيو فقط كف عن التردد.
شعرت بقشعريرة تسري في ظهري. كان صوتها مألوفا ذلك الصوت الذي اعتدت سماعه على مائدة العشاء في الأعياد في المكالمات القصيرة. لكنه هنا بدا مختلفا منزوع العاطفة كأنه صوت شخص آخر تماما.
ثم جاء صوت ماتيو.
خافتا. مشدودا. مترددا.
صوت رجل أعرفه منذ ولادته ولا أعرفه الآن.
إنهما والداي.
توقفت أنفاسي عند هذه الجملة. تمنيت للحظة يائسة أن تكون الأخيرة. أن يتراجع بعدها. أن ينكسر صوته. أن يقول شيئا يعيد لي ابني.
لكن ذلك لم يحدث.
وهذا مستقبلك ردت ليديا ببرود قاس هل تريد أن تنتظر طوال حياتك
لم يكن في نبرتها
أي غضب ولا انفعال. كانت تتحدث كما يتحدث شخص يشرح صفقة أو خطة عمل أو ترتيبا منطقيا لا يقبل النقاش.
توالت التسجيلات بعدها.
أصوات مختلفة لكنها تحمل النبرة نفسها. أحاديث طويلة تفصيلات دقيقة كلمات محسوبة بعناية. خطط تناقش وكأنها إجراءات روتينية. حديث عن تزوير توقيعاتنا دون أن نلاحظ. عن تقارير طبية يمكن تعديلها. عن أدوية تخفف مقاومتنا. عن فكرة أننا لن نقاوم إن تم كل شيء بهدوء.
كانوا يتحدثون عنا
كما لو كنا غائبين بالفعل.
كما لو كنا عبئا ينبغي إزالته بلطف.
لم أعد أحتمل سماع المزيد. شعرت بأن صدري يضيق وأن قلبي يخفق بعنف ليس خوفا بل ألما. ألم خيانة لا يقاس بالجسد بل يضرب في مكان أعمق مكان لا تصل إليه الكلمات.
انهرت جالسة على أحد الصناديق لم أعد أقوى على الوقوف. وضعت يدي على فمي كي لا أصرخ كي لا يخرج مني صوت قد لا أستطيع إيقافه. لم تكن دموعي كثيرة لكنها كانت ثقيلة بطيئة كأنها تحمل معها سنوات كاملة من الذكريات.
عندها قال ريكاردو بصوت حاسم أعادني إلى اللحظة
لن نبقى هنا.
كان في صوته شيء لم أسمعه منذ زمن طويل. قوة هادئة. قرار لا رجعة فيه.
أمسك بيدي وكان لمسه ثابتا مطمئنا كأنه يقول لي دون كلمات ما زلنا هنا. ما
زلنا معا.
قادني إلى لوحة ضيقة خلف سخان المياه.
لم أكن أعلم بوجودها رغم كل تلك السنوات في هذا البيت. فتحها بسهولة بحركة مدروسة كأنها محفورة في ذاكرته. أدركت حينها أن هذا لم يكن تصرفا ارتجاليا بل نتيجة تفكير طويل واستعداد صامت.
خلف اللوحة كان هناك ممر ضيق بالكاد يتسع لجسد واحد. هواءه بارد ورائحته رطبة لكنه كان طريقا للخلاص.
هل خططت لمسارات هروب همست وأنا أتبعه بحذر وكل خطوة أشعر أنها تبعدني عن حياة كنت أظنها آمنة.
لم أخطط للهروب قال بهدوء خططت للحماية.
خرجنا إلى الهواء الطلق قبل الفجر بقليل. كان الليل يتراجع ببطء والسماء لا تزال رمادية. العالم نائم غير مدرك لما كدنا نفقده ولا لما انكشف في تلك الساعات القليلة.
مع أول خيوط الضوء كان محامينا قد اطلع على كل شيء. جلس معنا استمع راجع التسجيلات قرأ الوثائق. لم يرفع صوته. لم يظهر دهشة. فقط قال في النهاية تصرفتما في الوقت المناسب.
وبحلول الظهيرة كانت السلطات على علم بكل التفاصيل.
وفي تلك الأمسية نفسها عاد ماتيو وليديا إلى البيت. كانا يضحكان يحملان أكياس التسوق يتحدثان عن أشياء عادية ويتصرفان كما لو أن الأمور سارت تماما كما خططا لها.
تجمدا في مكانهما
حين رأيانا جالسين بهدوء في غرفة الجلوس.
لم أقل شيئا في البداية. تركت الصمت يتكلم.
انهارت ابتسامة ليديا كأن أحدهم سحبها من وجهها فجأة. وشحب وجه ماتيو حتى فقد لونه وبدا أصغر مما رأيته في حياتي.
كيف بدأ يقول ثم عجز عن إكمال الجملة.
أشرت بهدوء إلى جهاز التسجيل الموضوع على الطاولة والذي كان لا يزال يعمل صوته منخفض لكنه واضح.
من خلف الجدار الذي حبسونا وراءه.
لم أحتج إلى رفع صوتي. الحقيقة كانت كافية.
وصلت صفارات الشرطة بعد قليل. صوتها حاد قاطع لا يقبل التأويل.
فرت ليديا دون أن تنظر خلفها كأن كل ما كانت تريده هو النجاة بنفسها.
أما ماتيو فبقي.
لم يحاول الهرب.
لم يحتج.
لم يرفع صوته ولم يبحث عن عذر.
وقف هناك في منتصف الغرفة منكسرا على نحو لم أره فيه من قبل. لم يكن الانكسار في كتفيه المنحنيتين فقط ولا في ارتجاف يديه بل في عينيه تحديدا. عينان بدتا كأنهما تريان صاحبهما للمرة الأولى دون أقنعة دون قصص جاهزة دون مبررات مريحة.
نظرت إليه طويلا.
لم أر ابني كما عرفته يوما ولم أر الرجل الذي حاول أن يكونه. رأيت إنسانا عالقا بين الاثنين تائها وقد سقطت عنه فجأة كل
الأدوار التي احتمى بها.
لم أقل شيئا.
أدركت أن الكلمات في تلك اللحظة ستكون إما قاسية بلا جدوى أو رحيمة أكثر مما يحتمل الواقع.
كانت الأسابيع التي تلت ذلك ثقيلة.
لم تكن ثقيلة بالأحداث الصاخبة بل بثقل التفاصيل الصغيرة المتكررة. جلسات قانونية طويلة مكاتب باردة أوراق تقرأ وتوقع قرارات تتخذ دون انفعال. كل شيء كان يجري ببطء محسوب وكأن الزمن نفسه قرر أن يمهلنا كي نفهم لا كي ننسى.
واجه ماتيو العواقب.
علاج إلزامي جلسات تقييم متابعة دقيقة وتعويض عما حاول أن يسلبه. لم يكن الأمر عقابا بالمعنى التقليدي ولم نشأ له أن يكون كذلك. لم يكن انتقاما ولا تصفية حساب. كان محاولة أخيرة للفهم
ولإيقاف الانحدار قبل أن يصبح سقوطا لا رجعة منه.
كنت أراه أحيانا يعود إلى البيت القديم ليجمع بعض أغراضه تحت إشراف القانون. لم يكن ينظر طويلا في الوجوه. كانت خطواته بطيئة محسوبة وكأن كل حركة تحتاج إلى شجاعة إضافية. لم أعد أبحث في ملامحه عن ندم صريح ولا عن اعتذار كامل. تعلمت أن بعض الخسارات لا ترمم بالكلمات.
ثم عاد البيت إلى صمته.
ذلك الصمت لم يكن كصمت الخوف الذي عرفناه سابقا ولا كصمت
الترقب. كان صمتا مختلفا. صمت ما بعد الحقيقة. صمت مكان لم يعد يخفي أسرارا لكنه يحمل آثارها.
في إحدى الأمسيات جلسنا أنا وريكاردو في الشرفة. لم نتحدث في البداية. اكتفينا بمراقبة الشمس وهي تميل ببطء خلف الأشجار كما كانت تفعل دائما غير عابئة بما يمر به البشر من خيبات وانكسارات.
كان الضوء يتغير تدريجيا والألوان تذوب في بعضها وكأن السماء نفسها تتعلم كيف تغلق يوما طويلا بهدوء.
قال ريكاردو بعد صمت طويل بصوت خافت لكنه ثابت
لقد نجونا.
لم يكن في صوته انتصار ولا فخر. كان مجرد اعتراف بسيط بالحقيقة.
نظرت إليه ثم إلى الأفق وأجبت
نعم والآن نعيش.
لم أقصد أننا عدنا كما كنا.
لم نعد.
لكننا بقينا.
لأن النجاة كما أدركت أخيرا لا تعني دائما الهروب من الخطر ولا النجاة من الأذى بأقل الخسائر. أحيانا تعني أن تواجه الحقيقة كاملة بلا تجميل ولا إنكار.
تعني أن تتألم
وأن تسمح للألم بأن يمر دون أن يحولك إلى شخص قاس.
تعني أن تفقد شيئا عزيزا
ليس لأنك أردت ذلك
بل لأن الحياة فرضت عليك ثمن الوضوح.
ومع ذلك كله
تختار السلام.
ليس سلام النسيان
ولا سلام الإنكار
بل سلام من رأى كل شيء
وفهم
كل شيء
وقرر أن يعيش دون كراهية
حتى وإن بقيت الندوب.


تعليقات
إرسال تعليق