القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

تركتني أمي ومعي ورقة نقدية مجعدة من فئة العشرين دولارًا، وكلمة واحدة كان طعمها كالرماد

 تركتني أمي ومعي ورقة نقدية مجعدة من فئة العشرين دولارًا، وكلمة واحدة كان طعمها كالرماد



تركتني أمي ومعي ورقة نقدية مجعدة من فئة العشرين دولارًا، وكلمة واحدة كان طعمها كالرماد


اسمي سيدني. عمري أحد عشر عاما وفي الصيف الماضي تركتني أمي ومعي ورقة نقدية مجعدة من فئة العشرين دولارا وكلمة واحدة كان طعمها كالرماد في فمي مستقلة.

أترين أنت مستقلة الآن قالت بابتسامة مشرقة لكنها هشة وهي تجر حقيبة سفرها من نوع سامسونيت نحو الباب الأمامي. لم تعودي طفلة يا سيدني. اطلبي طعاما إن احتجت. سأعود قبل أن تشعري بمرور الوقت.

مستقلة.

كانت تلك كلمتها هي لا كلمتي. وقفت في بهو المنزل أحدق في الورقة النقدية في كفي. عشرون دولارا. لا خطة. لا قائمة بأرقام الطوارئ. ولا حتى وداع حقيقي. مجرد قبلة سريعة شاردة على جبيني وصوت كعبي حذائها يطرق أرضية الخشب وصوت حقيبة السفر تتدحرج في الممر كالرعد.

ثم أغلق الباب الأمامي في وجهي.

قلت بصوت مسموع للممر الفارغ سأكون بخير وأنا أختبر ثقل الكذبة.

لكن يدي كانتا ترتجفان. لم يكن هناك أحد غيري في البيت. كان أبي قد رحل قبل ثلاث سنوات من أجل بداية جديدة في Arizona وكانت طريقة أمي في التربية دائما متباعدة. لكن هذا كان مختلفا. هذا كان أوروبا. لشهر كامل.

حاولت أن أتظاهر بأن الأمر تحد يمكنني الفوز به. برنامج بقاء واقعي تكون جائزته رضا أمي.

اليوم الأول قلت لنفسي وأنا أدخل المطبخ بخطوات ثابتة سأثبت أنني قادرة على تحمل هذا.

صففت ما تبقى من علب قليلة في الخزانة ذرة كريمية فاصوليا سوداء وعلبة تونة منبعجة. فتحت الثلاجة وكانت شبه فارغة بالفعل عبوة حليب تفوح منها رائحة مريبة مرطبان مخللات وعلبة طعام صيني متبق تحجر حتى صار كقطعة حجر.

دفعت خۏفي إلى أسفل ما استطعت وضغطته في قاع معدتي بإحكام. إن كانت أمي تظنني مستقلة فربما كان عليها أن ترى كيف يبدو ذلك حقا.

فمع


تقدم ذلك الشهر كانت العشرون دولارا في يدي ستتبخر. سينفد الطعام. وسيتحول الصمت في بيتنا إلى شيء أشد قتامة من الوحدة.

وعندما عادت أخيرا ما رأته داخل بيتنا جعلها تهمس لا لا هذا لا يمكن أن يكون يحدث.

لكنني أسبق الأحداث. هل تريد أن تعرف كيف تحول تركي بعشرين دولارا في سن الحادية عشرة إلى القرار الوحيد الذي جعل أمي ټندم على كل ما فعلته بي

ابق معي. فالاڼتقام ليس دائما صاخبا. أحيانا لا يكون سوى صوت قلم يخدش الورق.

ظهرت المشكلة الأولى بعد نحو عشر دقائق من ابتعاد سيارة الأجرة.

كانت أمي قد ألقت بطاقة ائتمان طوارئ لامعة على الطاولة كأن ذلك سيصلح كل شيء. للاحتياط قالت. لكن كان هناك قيد واحد.

لم تكن مفعلة. ولم أكن أعرف الرقم السري.

اكتشفت ذلك بالطريقة الصعبة وأنا أقف عند الباب والهاتف في يدي أحاول طلب بيتزا. شاهدت تطبيق التوصيل يرفض البطاقة مرارا وتكرارا. تم رفض العملية. رقم سري غير صالح.

وهكذا لم يبق سوى أنا وبطاقة مېتة وعشرون دولارا.

في اليومين الأولين حولت الأمر إلى لعبة. كنت أقطع الخبز إلى شرائح رقيقة جدا حتى يمكن رؤية الضوء من خلالها. وأفرد زبدة الفول السوداني بدقة جراح متأكدة أنها بالكاد تغطي السطح. قلت لنفسي إن الناجين الحقيقيين يجعلون الأشياء تدوم. بل مزحت في رأسي بأن هذه ستكون قصة جيدة يوما ما في سيرتي الذاتية.

بحلول اليوم الثالث لم يعد الأمر مضحكا.

بدت الخزانة كصورة قبل في إعلان عن الجوع. علبة حبوب فيها هواء أكثر من رقائق. ومرطبان المخللات الذي كنت أكرهه. قرقرت معدتي بصوت عال كفاية ليحرجني رغم أنه لم يكن هناك أحد ليسمعه.

حاولت تشتيت نفسي. شغلت التلفاز وتركت برامج عشوائية تعمل

يملأ ضجيجها

الغرفة حتى لا أسمع صرير البيت. فتحت حاسوب أمي المحمول وحدقت في رسائل عملها الإلكترونية متراكمة كأنها أهم من أي شيء آخر في العالم.

في لحظة ما أمسكت بدفتري الحلزوني ذاك الذي على غلافه وحيد قرن وكتبت بأحرف كبيرة في أعلى الصفحة أدلة.

وتحتها كتبت بخربشات سريعة تركت وحدي في سن 11. 20 دولارا. لا خطة طعام. لا تواصل.

لم أكن أعرف بالضبط ماذا سأفعل بذلك لكن تدوينه حرك شيئا في داخلي. إن كانوا يظنونني كبيرة بما يكفي لأكون وحدي فأنا كبيرة بما يكفي لأتذكر كل شيء. ولأسجل كل شيء. ولأري أحدا يوما ما كيف اختاروا عطلة على حسابي.

أمسكت هاتفي وفتحت تطبيق الفيديو. ضغطت على تسجيل.

اليوم الثالث قلت للكاميرا بهدوء. بدا وجهي أصغر مما توقعت شاحبا ومنقبضا. ما زلت وحدي. البطاقة لا تعمل. أكلت آخر شيء صالح في الثلاجة أمس.

توقفت لحظة أبتلع الغصة في حلقي.

إذا كنت تشاهد هذا فهذا يعني أن أحدا سأل أخيرا عما حدث لي.

حفظت المقطع وأغلقت هاتفي وقلبي يخفق پعنف. جزء مني تمنى ألا يراه أحد أبدا. وجزء آخر أراد أن ينفجر ذلك الفيديو في وجه أمي حين تعود.

فكرت في أعز صديقاتي Emma وترددت فوق اسمها في جهات الاتصال. لو أرسلت لها رسالة لكان علي أن أعترف بأن أمي تركتني. وبأنني جائعة. وبأنني لست بخير.

بدلا من ذلك أرسلت رسالة عادية كيف كانت رحلتك

لا رد. ربما كانت قرب بحيرة تأكل البرغر مع عائلتها ولا تتحقق حتى من هاتفها. التوى معدتي حسدا.

بحلول اليوم الخامس صار الجوع كضباب حول عقلي. بدأت أشعر بالدوار إذا وقفت بسرعة. وجدت علبة حبوب شبه فارغة في مؤخرة الخزانة رقائق فاكهة يابسة فأكلتها جافة من الكيس محاولة أن أجعل كل

قبضة تدوم.

فتحت دفتري مجددا وأضفت سطرا آخر

اليوم الخامس لا اتصال من أمي بعد. ولا حتى رسالة.

ثم سطرا آخر

إذا اختفيت فسيثبت هذا أن الأمر لم يكن خطئي.

في تلك اللحظة تغير تفكيري. لم يعد الأمر مجرد البقاء حتى عودتها. صار يتعلق بما سيحدث لها عندما يدرك الناس أخيرا ما فعلته.

في اليوم السابع كان جسدي ضعيفا لكن ڠضبي كان أقوى. كان ېحترق في صدري كجمرة حارة تبقيني متحركة.

تقدمت إلى النافذة الأمامية وتطلعت إلى الشارع. أطفال يركبون الدراجات. كلب ينبح على شاحنة توصيل. زوجان يمران حاملين أكواب القهوة ويضحكان. حيوات طبيعية. آباء طبيعيون.

نظرت إلى مدخل سيارتنا الفارغ وهمست اخترت أوروبا بدلا مني. هل تعرفين كم سيكلفك ذلك

وكأن الكون كان يصغي رن جرس الباب.

تجمدت. كانت فتات الحبوب لا تزال على أصابعي. لم يكن أحد يرن جرس بابنا عادة. الأطفال الجيران يطرقون. والطرود تترك وتذهب.

رن الجرس مرة أخرى ثم تلاه ثلاث طرقات حادة.

خفق قلبي وأنا أتحرك نحو الباب. لوهلة فكرت في التظاهر بأنني لست في البيت. إن كان بائعا فسيرحل. لكن فكرة أخرى اخترقت خۏفي.

ماذا لو كان هذا هو الحدث ماذا لو كانت هذه اللحظة التي يراني فيها أحد أخيرا

بيد مرتجفة أمسكت بالمقبض. لو كنت في الحادية عشرة جائعا ووحيدا تماما هل كنت ستفتح الباب أم تواصل التظاهر بأن كل شيء بخير

فتحت الباب قليلا لأرى من هناك.

كان يقف على الشرفة رجل يرتدي سترة ريحية خضراء وعلى صدرها شعار مدرستي مطرزا. احتجت ثانية لأتعرف إليه من دون الصف خلفه.

مرحبا يا سيدني قال بلطف.

كان السيد Hughes المرشد المدرسي.

كنت أحاول التواصل مع والديك قال وهو يقطب جبينه. لم يجيبا. هل يمكنني الدخول قليلا

كان رد فعلي الأول أن

أكذب. أن

 

 

أقول إن كل شيء بخير وإن والدي خرجا لقضاء بعض الحاجيات وإنني لا أحتاج شيئا. لكن يدي تراخت على الباب. وتراجعت خطوة.

بالطبع تمتمت. أظن ذلك.

دخل ونظر حوله. صار الصمت في البيت أثقل فجأة خانقا. الأطباق المتراكمة في المغسلة الطاولة الخالية ووعاء الفاكهة الذي لم يبق فيه سوى برتقالة ذابلة كلها صارت أدلة لم أقصد عرضها لكنها انكشفت صدفة.

هل والداك في العمل سأل وهو يمسح الغرفة بنظره متوقعا بوضوح أن يظهر أحد من المطبخ أو الدرج.

هما في أوروبا قلت مفاجئة نفسي بمدى تسطح صوتي.

لشهر ارتفعت حاجباه دهشة. شهر ومن يقيم معك

ابتلعت ريقي. كان هذا هو الخط. اللحظة التي أختار فيها حمايتهم أو قول الحقيقة. تشبثت بحافة قميصي.

أنا فقط اعترفت. قالوا إنني كبيرة بما يكفي.

تغير شيء في وجهه كتحول مفتاح. القلق المهذب صار أمرا أشد حدة وجدية. سحب كرسيا من المطبخ وجلس إلى الطاولة مشيرا إلي أن أجلس قبالته.

سيدني منذ متى وأنت وحدك

أسبوع همست. تقريبا.

هل لديك طعام كاف مال

أفلت ضحكة صغيرة مرة لم أعرفها من قبل. تركوا لي بطاقة لا تعمل. وعشرين دولارا.

حدق إلي طويلا. لم تكن نظرة المعلمين حين تنسين واجبك. كانت أثقل كأنه يحاول عد كل الطرق التي كان هذا خطأ فيها.

هذا غير مقبول قال أخيرا بصوت منخفض. تعلمين ذلك أليس كذلك

هززت كتفي رغم ألم صدري. قالوا إنهم يحتاجون إلى استراحة. وإنني ناضجة. وإنه ينبغي أن أقدر على التحمل.

وكيف تحملت الأمر

أردت أن أقول بخير. أردت مواصلة التظاهر. لكن الدفتر على الطاولة لفت انتباهي. كانت كلمة أدلة تحدق بي بخطي أنا.

كنت جائعة قلت بدلا من ذلك. وخائڤة. وكنت أكتب الأشياء. احتياطا.

احتياطا لأي شيء سأل.

احتياطا إن حدث لي شيء أجبت بهدوء.


حتى لا يستطيع أحد أن يقول إنه لم يكن يعلم ملأ متوفره على صفحه روايات واقتباسات الصمت المسافة بيننا. لوهلة کرهت الصمت ثم أدركت أنه لا يتجاهله. كان يشعر به. حقا يشعر به.

انحنى إلى الأمام. سيدني ترك طفلة في الحادية عشرة وحدها لأسبوع فضلا عن شهر مع شبه انعدام للطعام ومن دون إشراف ليس مجرد تصرف غير مسؤول. إنه خطېر. إنه إهمال. وهناك قوانين بشأن هذا.

دق قلبي في أذني. إهمال. قوانين. كلمات بدت كأنها تخص مسلسلات التلفاز لا مطبخي.

ماذا يحدث إن عرف أحد سألت وصوتي يصغر فجأة.

تتدخل الجهات المختصة قال بحذر. حماية الطفل. قد يكون هناك تحقيق. وقد يواجه والداك عواقب خطېرة.

ها هو الشيء الذي لم أجرؤ على قوله بصوت عال. الشيء الذي جعل ڠضبي يلتوي إلى ما هو أشد حدة.

عواقب كررت ببطء. على ما فعلوه بي.

لم يسارع إلى مواساتي أو القول إنني أبالغ. بل أومأ برأسه.

على ما فعلوه بك.

تسارع ذهني. تخيلت وجه أمي حين تعود لتجد غرباء في غرفة المعيشة. أناسا متوفره على صفحه روايات واقتباسات يطرحون أسئلة لا تستطيع المراوغة فيها بابتسامة زائفة ونكتة عن الاستقلال. تخيلتها ترى دفتري ومقاطع الفيديو وخزانتي الفارغة

هل تريدين المساعدة يا سيدني سأل السيد Hughes بهدوء. مساعدة حقيقية. لا مجرد بقالة. المساعدة التي تضمن ألا يتكرر هذا أبدا.

ترددت. جزء مني أراد أن يقول لا. أن أغلق الباب في وجه كل هذا وأنتظر عودة والدي وأتظاهر بأن هذا الشهر لم يحدث قط.

لكن جزءا آخر مني الجزء الذي كان يكتب كلمة أدلة كان قد تعب من التظاهر.

نعم قلت أخيرا. لكن إن قلت نعم فماذا يعني ذلك بالنسبة لهما

قال يعني أنهما سيحاسبان على اختياراتهما. ويعني

أن الكبار سيرون أخيرا ما كنت تمرين به.

نظرت

إلى يدي ثم رفعت بصري إليه.

إذا ساعدني قلت. أريدهم أن يروا بالضبط ما فعلوه. أريدهم أن يشعروا كيف يكون فقدان السيطرة.

أومأ مرة واحدة بحزم. أولا نضمن سلامتك. ثم نضمن أن يسمع الأشخاص المناسبون قصتك.

وحين مد يده إلى هاتفه حل علي هدوء غريب. كان الخۏف لا يزال موجودا لكن تحته ولد شيء جديد عزيمة هادئة وثابتة.

لم أعد مجرد طفلة تنتظر من ينقذها. صرت الشاهدة.

خرج السيد هيوز إلى الردهة ليجري اتصالا وتركني على الطاولة ودفتري مفتوح أمامي. كنت أسمع شذرات من صوته منخفضة ومنضبطة لكن الكلمات التي وصلتني كانت كافية لتسارع نبضي

وحيدة. إحدى عشرة سنة. بلا وصي. لا طعام في البيت.

مررت طرف إصبعي على الحبر فوق الصفحة. أدلة. فجأة لم يعد الدفتر يبدو كمذكرات سرية. صار يبدو كملف قضية.

بعد دقائق عاد.

اتصلت بجارتك السيدة Johnson قال. وتحدثت أيضا مع أحدهم في خط حماية الطفل. سيرسلون شخصا للاطمئنان عليك. لكن أولا علينا أن نوفر لك شيئا تأكلينه.

احمر وجهي عند فكرة أن يتفقدني الناس كأنني آلة معطلة. لكنني شعرت أيضا بشيء آخر شرارة رضا صغيرة. إن كانوا يتفقدونني فهذا يعني أنهم يتفقدون والدي أيضا.

هل هل السيدة جونسون غاضبة سألت.

هز رأسه. لا. إنها قلقة. هكذا يفعل الجيران الصالحون.

طرق الباب طرقا خفيفا أهدأ من طرقه السابق. دخلت السيدة جونسون تجول عيناها علي من رأسي حتى قدمي ثم تستقران على الدفتر وعلبة الحبوب الفارغة على الطاولة وشحوب وجهي.

أوه يا سيدني قالت بأنفاس متقطعة. لماذا لم تأت إلي في وقت أبكر

لأنني لم أرد أن أبدو ضعيفة اندفعت أقول. هم دائما يقولون إنني ناضجة. وإنني أستطيع التحمل. ظننت أن طلب المساعدة يعني أنني أثبت خطأهم.

لان تعبيرها. طلب المساعدة

ليس ضعفا. إنه بقاء. وأحيانا هو الطريقة الوحيدة لإجبار الكبار على مواجهة ما يفعلونه.

ضړبتني الجملة الأخيرة كجرس. إجبار الكبار على مواجهة ما يفعلونه.

جلسنا جميعا معا وللمرة الأولى لم أشعر بأنني طفلة يتحدث فوق رأسها. طلبوا مني أن أحكي كل شيء ففعلت. أخبرتهم عن الحقيبة التي تدحرجت خارج الباب الأمامي. وعن العشرين دولارا. وعن البطاقة التي لم تعمل. وعن ضحك أمي حين سألت من سيبقى معي. ستكونين بخير. أنت صغيرتي البالغة قالت كأنها مجاملة.

وأنا أتحدث شدت السيدة جونسون فكيها. وكان السيد هيوز يدون الملاحظات على مفكرة صفراء أخرجها من حقيبته.

هل يمكننا أن نريهم هذا سألت مشيرة إلى دفتري. عندما يأتون الأشخاص من الخط الساخن

نعم قال. في الواقع أريدك أن تواصلي الكتابة. ما شعرت به. ماذا أكلت. متى حاولت الاتصال بهم. كل ما تتذكرينه.

حتى لا يستطيعوا لي الحقيقة لاحقا تمتمت. حتى لا يقولوا إنني أبالغ.

بالضبط أجاب. من حقك أن تحمي نفسك بالحقيقة.

شدت العبارة صدري. أحمي نفسي بالحقيقة. بدا ذلك كثير الشبه بالاڼتقام وأدركت أنني لا أكرهه.

لاحقا عندما وصلت الموظفة المختصة امرأة تدعى السيدة Lopez عرفت بنفسها وطلبت إلقاء نظرة في البيت. راقبت عينيها تتوقفان عند الثلاجة شبه الفارغة وسلة المهملات التي لا تحوي سوى بضع أغلفة وبطاقة الطوارئ غير المستخدمة على الطاولة. لم تحتج إلى قول شيء. كان تعبيرها كافيا.

منذ متى ووالداك غائبان سألت بلطف.

سبعة أيام أجبت. وكانوا يخططون لشهر.

ومن يطمئن عليك

لا أحد. حتى اليوم.

هل يتصلان

ليس منذ المطار قلت. أرسلت صورة سيلفي من باريس مع رمز قلب. هذا كل شيء.

أومأت السيدة لوبيز ببطء ثم التفتت إلى السيد هيوز والسيدة جونسون. شكرا لتواصلكم معنا قالت.

وأثناء حديثهم انسحبت

للحظة وأعددت هاتفي على

 

 

الطاولة وفتحت تطبيق الفيديو من جديد. سجلت مقطعا هادئا للثلاجة الفارغة والطاولة الوحيدة وحقيبة الموظفة على الكرسي.

هكذا كان بيتنا عندما لاحظوا أخيرا أنني وحدي قلت للكاميرا. وهذا ما ستدخل إليه أمي عندما تعود.

حين انتهيت وضعت هاتفي في جيبي والمقطع محفوظ بأمان. لم أعد فقط أبقى على قيد الحياة. كنت أوثق.

عادت الموظفة إلي. في الوقت الحالي لن تكوني وحدك مرة أخرى قالت. نرتب لإقامتك مع السيدة جونسون بينما نتحدث إلى والديك ونحدد الخطوات التالية.

نظرت إلى جارتي. ابتسمت برفق وضغطت على كتفي.

هل هذا مناسب لك يا سيدني سألت السيدة لوبيز.

فكرت في بيتي الفارغ وفي الليالي الطويلة الصامتة وفي رسالة أمي الأخيرة التي كانت عن الكرواسون بدلا مني. ثم فكرت في شيء آخر ما الذي سيفعله ذلك بوالدي حين يعودان ويجدا لا طفلة وحيدة فحسب بل تقريرا رسميا ينتظرهما.

نعم قلت. أريد أن أبقى في مكان لا أكون فيه غير مرئية.

بدت الأيام التالية في بيت السيدة جونسون غير حقيقية. كان المكان آمنا. تفوح منه رائحة الفانيليا ومسحوق الغسيل. طبخنا المعكرونة معا واحتفظت بإيصالات البقالة في دفتري. أدلة.

في اليوم الثالث جاءت السيدة لوبيز إلى المدرسة وأخرجتني من الصف. جلسنا في مكتب صغير تفوح منه رائحة أقلام السبورة الجافة والقهوة القديمة.

لقد قدم والداك موعد رحلتهما أخبرتني. سيعودان بعد ثلاثة أيام بدلا من ثلاثة أسابيع. لقد تواصلنا معهما.

انقلب قلبي. جزء مني شعر بالارتياح. وجزء آخر أدرك السبب. لم يعودوا من


أجلي. كانوا يعودون لحماية أنفسهم.

ماذا يحدث عندما يصلون سألت.

سنلتقي بهم في البيت قالت. سأكون هناك مع مشرف. ووافق السيد هيوز على الحضور ممثلا عن المدرسة. نريدك أن تكوني جزءا من الحوار إذا شعرت بالأمان.

فكرت في الاختباء في بيت السيدة جونسون. لكن ذلك بدا عودة إلى كوني غير مرئية.

لا قلت ببطء. أريد أن أكون هناك. أريدهم أن يروني. أريدهم أن يروا ما عادوا إليه.

في صباح عودتهم دخلنا بيتي من جديد. وضعت الموظفة ملفا سميكا على طاولة المطبخ. وبجواره وضعنا دفتري مفتوحا على الصفحة الأولى التي كتب فيها أدلة. وكان هاتفي إلى جانبه مشغلا وجاهزا.

سمعنا السيارة قبل أن نراها. إطارات على الممر. أبواب تغلق. ضحكات مكتومة.

انفتح الباب ودخلت أمي أولا تجر حقيبتها. كانت ترتدي معطفا أنيقا ونظارة شمسية مرفوعة على رأسها. تبعها أبي وهو متوفره على صفحه روايات واقتباسات يوازن الأكياس.

توقفا فجأة عندما رأونا.

ما هذا طالبت أمي وهي تسقط مقبض الحقيبة. ماذا تفعلون جميعا في مطبخي

نهضت السيدة لوبيز بهدوء. السيدة والسيد كارتر اسمي السيدة لوبيز من Child Protective Services. تفضلا بالجلوس.

لم تجلس أمي. حدقت بي بعينين قاسيتين. سيدني ماذا قلت لهم

لثانية عاد الإحساس القديم. أن أنكمش. أن أعتذر. لكنني نظرت إلى دفتري.

قلت لهم الحقيقة قلت رافعة ذقني.

من الواضح أن هناك سوء فهم حاول أبي تلطيف الأمر بضحكة مفتعلة. تركنا لها طعاما ومالا وبطاقة ائتمان. إنها طفلة ناضجة جدا في الحادية عشرة.

وضعت السيدة لوبيز

ورقة مطبوعة على الطاولة. هذا سجل تفعيل بطاقتكم. لم تفعل برقم سري قط. وقد رفضت عدة مرات.

ثم نقرت صفحة أخرى. وهذه صور لثلاجتكم بعد أسبوع من رحلتكم. كمية الطعام لم تكن كافية لقاصر من دون إشراف.

جلست أمي أخيرا وقد حل الذهول محل ڠضبها. الطعام المنتهي الصلاحية لا يعني أنها كانت تتضور جوعا. لم نغب سوى أسبوع حتى الآن. لقد تواصلنا معها.

صورة سيلفي واحدة من باريس ردت السيدة Lopez. ولا مكالمة واحدة.

قال أبي

وهو ينظر إلي قلنا لك أن تطلبي الطعام يا سيدني! لقد وثقنا بك.

قلت بهدوء وثقتم بي لأبقى على قيد الحياة. لكنكم لم تثقوا بأنفسكم لتكونوا والدين.

نظرت أمي بيننا وقد ضاقت عيناها. يتم تضخيم الأمر بشكل مبالغ فيه. سيدني درامية. تحب كتابة القصص.

أومأت السيدة لوبيز نحوي. سيدني هل تشعرين بالارتياح لعرض ما قمت بتسجيله

ارتجفت يداي قليلا وأنا أمدهما نحو الهاتف. ضغطت زر التشغيل.

امتلأت الغرفة بصوتي الصغير من أيام مضت

اليوم الثالث. ما زلت وحدي. البطاقة لا تعمل. أكلت آخر شيء صالح في الثلاجة أمس. إذا كنت تشاهد هذا فهذا يعني أن أحدا سأل أخيرا عما حدث لي.

تحركت الكاميرا عبر مطبخنا تلتقط الرفوف الخالية وعلبة الحبوب الوحيدة والغرفة الصامت متوفره على صفحه روايات واقتباسات وضعت أمي يدها على فمها. أما أبي فحدق وقد انحنت كتفاه.

لا همست أمي وهي تتراجع خطوة. لا هذا لا يمكن أن يكون يحدث.

قلت لقد حدث بالفعل. منذ اللحظة التي غادرتم فيها.

شبكت السيدة لوبيز يديها. السيد والسيدة Carter وبناء

على تحقيقنا وتقارير المدرسة وتوثيق سيدني الشخصي فقد قررنا أن تركها من دون إشراف في هذه الظروف يعد إهمالا. واعتبارا من هذه اللحظة سيفرض أمر طارئ. لن تعود سيدني إلى رعايتكما حتى تعقد جلسة استماع كاملة.

صړخت أمي لا يمكنكم أخذ طفلتي! كنا نحتاج فقط إلى استراحة! هل تعلمون كم نعمل بجد

قلت وأنا أتقدم خطوة أعلم. أنتم تخبرون الجميع بمدى اجتهادكم. لكن عندما كنت وحدي جائعة وخائڤة لم تخبروا أحدا بذلك.

سيدني أرجوك توسلت وقد انهمرت دموعها الآن. قولي لهم إنك تريدين العودة إلى البيت. يمكننا إصلاح هذا.

أردت ذلك. جزء مني أراد أن يعيد الزمن إلى الوراء. لكن جزءا آخر كان يعلم أن العودة من دون تغيير تعني أن كل ما حدث لن يكون له أي معنى.

قلت أريد أن أكون بأمان. وفي الوقت الحالي هذا الأمان ليس معكم.

في ذلك الصيف تعلمت أن أطبخ أكثر من المعكرونة. وتعلمت أن طلب المساعدة ليس ضعفا وأن قول الحقيقة قد يكون أقوى أنواع الاڼتقام.

لم يدخل والداي السچن لكنهما خسرا الحق التلقائي في أن يكونا جزءا من حياتي من دون رقابة. وخسرا الافتراض بأنهما الطرف الصالح.

ما تزال أمي ترسل رسائل أحيانا فقرات طويلة عن مدى تغيرها. ربما يوما ما سنجد شكلا من الطبيعي لا يمحو ما حدث. وربما لا.

لكنني أعلم هذا في اليوم الذي عادت فيه من أوروبا متوقعة شهرا من القصص والهدايا التذكارية دخلت إلى ما لم تتوقعه أبدا. ابنة حولت كل رف فارغ وكل اتصال بلا رد وكل ليلة جوع إلى دليل.

وحين همست لا هذا لا يمكن أن يكون يحدث أدركت أمرا مهما.

كان دورها هي أن تشعر بالوحدة

 تمت 


 

تعليقات

التنقل السريع
    close