قضية هزّت البلد: اختفاء دانيال.. الحقيقة كانت أقرب مما تتصور!
قضية هزّت البلد: اختفاء دانيال.. الحقيقة كانت أقرب مما تتصور!
صباح يوم الاثنين لم تعد قضية اختفاء دانيال كاربايو مجرد حكاية محلية. فقد التقطت وسائل الإعلام الوطنية الخبر مدفوعة بالغموض الذي يحيط بمراهق اختفى دون أن يترك أثرا من منزل يقع في حي هادئ. أسندت القضية إلى المحقق روبرتو كوستا رجل في الثامنة والأربعين من عمره أمضى عقدين في الخدمة ورأى ما يكفي من قضايا المفقودين ليعلم أن الساعات الاثنتين والسبعين الأولى تكون حاسمة.
قال كوستا وهو يجلس قبالة آرثر في غرفة الاستجواب بمركز الشرطة
سيد كاربايو أحتاج أن تخبرني بكل ما جرى ليلة الجمعة كل تفصيل مهما بدا تافها.
أعاد آرثر روايته بثبات لافت. قال إن دانيال وصل كعادته وإنهما تناولا العشاء معا وشاهدا قليلا من التلفاز. ثم صعد الفتى إلى غرفته قرابة الحادية عشرة ليلا وتبعه هو بعد قليل إلى غرفته في الجهة المقابلة من الممر.
هل سمعت شيئا غير معتاد خلال الليل
لا شيء. أنام نوما عميقا في مثل سني هذا أيها المحقق. أحتاج إلى ساعات نومي. وفي صباح السبت استيقظت نحو السابعة كما أفعل دائما. أعددت القهوة وانتظرت دانيال لينزل للإفطار. وعندما لم يظهر حتى التاسعة صعدت لأتفقده. كانت غرفته خالية.
هل فتشت المنزل كله فورا
أومأ آرثر.
كل غرفة القبو العلية المرآب. ظننت أنه ربما خرج ليمشي قليلا لكن معطفه كان لا يزال معلقا وكان الصباح باردا.
درس كوستا الرجل العجوز بعناية. كانت كل إجابة منطقية وكل حركة مناسبة. وإن كان آرثر يكذب فهو أمهر كاذب صادفه في حياته المهنية.
توسعت التحقيقات سريعا. استجوب جميع أصدقاء دانيال ولم يكن أحد قد تواصل معه في ذلك الأسبوع.
وصفه أساتذته بأنه طالب عادي قليل الكلام دون مشكلات واضحة. وقال زملاؤه إنه كان لطيفا لكنه متحفظ.
هل كانت له صديقة
سأل كوستا والديه. هز توماس رأسه.
ليس على حد علمي. كان دانيال خجولا مع الفتيات.
هل كانت هناك مشكلات في المنزل أسباب قد تدفعه إلى الهروب
تبادل مارتا وتوماس نظرات متوترة.
مررنا بفترة صعبة في زواجنا اعترفت مارتا كنا نتشاجر كثيرا مؤخرا لكن دانيال لم يقل قط إنه يريد الرحيل.
دون كوستا ملاحظاته الذهنية. مراهق يعيش في بيت مضطرب يقضي عطلات نهاية الأسبوع عند جده هربا من التوتر. ربما قرر أخيرا الفرار لكن ذلك لا يفسر تركه جميع متعلقاته.
فتشت فرق البحث الحي. واستعين بكلاب تعقب أثرا ضعيفا انتهى فجأة أمام منزل آرثر كما لو أن دانيال صعد إلى مركبة هناك.
هل لديك سيارة يا سيد كاربايو
نعم شيفروليه قديمة. في المرآب. يمكنكم تفقدها إن شئتم.
فتشوها. لم يجدوا شيئا مريبا ولا دليلا على استعمالها مؤخرا.
تحولت الأسابيع إلى شهور. ظهرت صورة دانيال على ملصقات في أنحاء المدينة هل رأيت هذا الشاب. كانت ترد بلاغات متكررة عن مشاهدته وكلها تنتهي بخيبة أمل. كان كوستا يزور آرثر بانتظام يراقبه يبحث عن تناقض. لكن الرجل ظل ثابتا في روايته متعاونا تماما بل سمح بتفتيش منزله مرارا.
قال آرثر ذات مرة بعينين دامعتين
أيها المحقق لقد ربيت ذلك الفتى كما لو كان ابني. رأيته يخطو أولى خطواته. كان رفيقي بعد وفاة زوجتي. لو كنت أعلم شيئا أي شيء لأخبرتك.
بعد ستة أشهر بدأت القضية تبرد. لم يبق دليل على اختطاف ولا طلب فدية ولا جثة ولا أي أثر مالي يدل
على بقاء دانيال حيا. قال كوستا لرئيسه
كأنه تبخر. وبصراحة يبدو الجد أكثر المتألمين في هذه المأساة.
انهار زواج توماس ومارتا عام 1994 تحت وطأة الفقد وطلقا بعد تبادل اللوم.
كان آرثر يحضر جميع الوقفات والمؤتمرات الصحفية يعانق مارتا حين تبكي ويواسي توماس. كان الجد المثالي محطما لكنه متماسك.
لم تنته الحكاية عند فتح الباب المعدني.
بل هناك في تلك الغرفة الضيقة بدأ فصل آخر لم يكن أحد مستعدا له.
وقف كوستا طويلا أمام الجدران المليئة بالكتابات. لم يكن ينظر إلى الكلمات فحسب بل إلى الزمن المتجمد فيها. أربعة عشر عاما من الصمت المضغوط من الأيام التي تعاقبت دون أن يشهدها أحد من ليال لم يسمع فيها العالم أنفاس رجل كان يوما مراهقا.
لم يكن الأمر مجرد جريمة. كان زمنا مسروقا.
جمع الفريق كل ما يمكن جمعه. وثقوا المكان أغلقوا الملف الجنائي وأعيد فتح التحقيق رسميا بصفة قضية عزل غير قانوني نتجت عنه عواقب مأساوية. لكن التحقيق لم يكن بحثا عن الجاني. فالجاني كان قد مات.
وهنا بدأت المعضلة الأخلاقية.
قال أحد الضباط الشباب لكوستا بعد خروجهم من المنزل
سيدي كيف يمكن لشخص أن يعيش فوق كل هذا كل هذه السنوات
لم يجب كوستا فورا. نظر إلى البيت للمرة الأخيرة ثم قال
أحيانا أخطر السجون هي تلك التي لا يراها أحد.
تحولت القضية إلى صدمة وطنية. لم يكن الناس قادرين على استيعاب أن شابا اختفى في وضح النهار تقريبا بينما كان يعيش على بعد أمتار داخل منزل عائلته.
ظهرت برامج تحليلية تقارير مطولة لقاءات مع خبراء نفسيين.
قال أحد الأطباء النفسيين في مقابلة تلفزيونية
ما
فعله آرثر لم يكن بدافع كراهية بل بدافع خوف مشوه. هناك نوع من الهوس بالحماية يتحول إلى سيطرة والسيطرة تتحول إلى عزل والعزل يتحول إلى سجن.
أعاد الجمهور مشاهدة الصور القديمة لدانيال طفل يضحك في الحديقة مراهق يحمل حقيبة مدرسية شاب في آخر صورة التقطت له قبل اختفائه.
كان الفرق بين الصورة الأخيرة وما حدث بعدها أكبر من أن يحتمل.
أما توماس فقد تغير تماما.
لم يعد الرجل الهادئ الذي كان يفضل الصمت. صار يتحدث. كثيرا.
في أول مؤتمر صحفي له بعد اكتشاف الحقيقة وقف أمام الميكروفونات صوته متماسك رغم الارتجاف الخفي في يديه
لم أكن أعرف. أقسم أنني لم أكن أعرف. كنت أبحث عنه في كل مكان بينما كان تحت أقدامنا.
توقف قليلا ثم أضاف
لو أنني فتشت أكثر. لو أنني شككت مرة واحدة فقط
لم يكمل الجملة.
لكن الشعور بالذنب أصبح رفيقه الدائم.
بدأت مراجعة إجراءات التحقيق القديمة. لماذا لم يتم تفتيش القبو بدقة أكبر لماذا لم يستخدم جهاز كشف الفراغات خلف الجدران لماذا لم تعتبر إشارات كلاب التتبع دليلا أقوى
لم يكن هناك تقصير قانوني واضح لكن كان هناك فراغ فراغ في الحدس.
كوستا نفسه حمل ثقل ذلك الفراغ.
كان يعود أحيانا إلى الملف ينظر إلى الصور الأولى لمنزل آرثر ويتساءل ماذا لو
لكنه كان يعلم أن كلمة ماذا لو لا تعيد الزمن.
لم تكن المؤسسة مجرد اسم على ورق.
في العام الأول كانت غرفة صغيرة في مبنى قديم وسط المدينة. طاولة خشبية هاتف أرضي وخزانة مليئة بملفات بلاستيكية شفافة. كل ملف يحمل اسما وصورة وكل صورة تحمل ابتسامة توقفت عند لحظة ما.
كان توماس يجلس خلف المكتب
لساعات طويلة. أحيانا لا يتحدث. فقط يستمع.
أم
تقول إن ابنتها خرجت لشراء الخبز ولم تعد.
أب يكرر أنه لا يصدق أن ابنه هرب.
أخ أكبر يلوم نفسه لأنه لم يجب على مكالمة أخيه الأخيرة.
لم يكن توماس يعطي وعودا. لم يعد يؤمن بالوعود.
كان يقول بهدوء
لن نتوقف عن البحث.
ومع مرور السنوات صارت الغرفة الصغيرة مركزا معروفا. تطوع محامون وانضم محققون متقاعدون وبدأت الجامعة المحلية تقدم استشارات نفسية لأسر المفقودين بالتعاون مع المؤسسة.
لم يكن الهدف فقط العثور على الأشخاص.
كان الهدف ألا يختفي الألم في صمت.
في إحدى الندوات وقفت امرأة في الصف الأخير وسألت توماس
هل سامحت والدك
ساد الصمت في القاعة.
لم يتهرب.
لا أعرف إن كانت المسألة مسألة غفران. أظن أنني توقفت عن البحث عن تفسير. أحيانا لا يكون السؤال لماذا فعل بل كيف لم نر
كانت تلك الجملة تقتبس كثيرا لاحقا.
كيف لم نر
أعاد علماء النفس قراءة يوميات آرثر مرات عديدة. لم يجدوا كراهية. لم يجدوا رغبة في الانتقام. وجدوا خوفا متضخما واعتقادا عميقا بأن العالم خطر وأن الحل هو الانسحاب منه.
كتب أحد الباحثين في دراسة منشورة بعد سنوات
الخطر الحقيقي في هذه الحالة ليس القسوة بل القناعة المطلقة. حين يقتنع إنسان بأنه وحده يملك الحقيقة يصبح مستعدا لتبرير أي شيء باسم الحماية.
تحولت عبارة وهم الخلاص إلى مصطلح متداول في محاضرات علم النفس الجنائي.
لكن خلف المصطلحات الأكاديمية بقيت الحقيقة الإنسانية أبسط وأكثر إيلاما
شاب فقد حياته لأن شخصا ظن أنه
يحبه أكثر من العالم.
كبرت الحديقة عاما بعد عام وكأنها تحاول أن تعيد للحياة شيئا مما فقد في ذلك المكان. لم تعد مجرد رقعة خضراء فوق أرض أزيل عنها بيت قديم بل صارت مساحة ذاكرة ومتنفسا صامتا لمدينة تعلمت درسا قاسيا.
في الربيع كانت أشجار الليمون تثمر بكثرة فيمتلئ الجو برائحة حمضية خفيفة تمتزج بندى الصباح. وفي الصيف كان الأطفال يركضون على المسار الحجري الدائري لا يعرفون شيئا عن القصة كاملة لكنهم يشعرون بطريقة ما بأن المكان يحمل معنى مختلفا. أما في الخريف فتتساقط الأوراق الصفراء حول اللوحة الحجرية فتبدو الكلمات المنقوشة عليها أكثر وضوحا تحت ضوء الشمس المائل.
دانيال كاربايو
1974 2004
لن ينسى.
لم تضف العائلة سطرا آخر. لم تشرح. لم تبرر. تركت الاسم يتكلم وحده.
في كل 15 يناير لم يعد الحضور يقتصر على العائلة وأصدقاء قدامى. صارت الحديقة تمتلئ بأشخاص لا يعرفون دانيال شخصيا لكنهم يعرفون معنى الانتظار معنى السؤال الذي لا إجابة له معنى النظر إلى باب كل ليلة والتمني أن يفتح.
كانت الشموع تضاء مع غروب الشمس دائرة من الضوء تحيط باللوحة. لا موسيقى لا خطابات طويلة فقط صمت مشترك. صمت لا يشبه الصمت القديم الذي خنق الحقيقة بل صمت اختياري صمت تأمل.
أحد المتطوعين كان يقرأ أحيانا سطورا قصيرة عن الأمل. وأحيانا يكتفون بوقفة دقيقة ينظر فيها الجميع إلى السماء كأنهم يتأكدون أن الشمس لا تزال في مكانها.
كوستا بعد تقاعده صار يمشي ببطء أكثر.
لم تعد خطواته تحمل استعجال السنوات التي قضاها بين الملفات والمكاتب. لكنه كان يزور الحديقة مرة كل عام يقف بعيدا قليلا لا يحب الظهور يراقب الناس وهم يتجمعون.
في إحدى المرات اقترب منه شاب في العشرين من عمره وقال
أنت المحقق كوستا أليس كذلك
ابتسم بهدوء.
كنت كذلك.
قال الشاب
أدرس علم الجريمة بسبب هذه القضية.
لم يعرف كوستا ماذا يقول. شعر بثقل غريب مزيج من الأسى والفخر. أدرك أن القصة التي بدأت كملف مفقود انتهت كشرارة تغيير.
عاد إلى منزله في تلك الليلة فتح درج مكتبه وأخرج صورة دانيال القديمة. وضعها أمامه طويلا ثم قال بصوت خافت
على الأقل لم تذهب قصتك هباء.
أما توماس فصار صوته أهدأ مع تقدم العمر. لم يعد يتحدث بانفعال بل بحكمة موجعة. كان يقول في مقابلاته الأخيرة
لا أريد أن يذكر اسم ابني كضحية فقط. أريده أن يذكر كتذكير. تذكير بأن الصمت خطر. وأن السؤال ليس اتهاما بل حماية.
في إحدى رسائله الأخيرة كتب
كنا نظن أن الحب يكفي. لكنه لا يكفي إذا لم يكن مصحوبا بالثقة والحرية. كنا نظن أن القرب يعني المعرفة. لكنه لا يعني ذلك دائما. أحيانا نعيش بجوار أشخاص لا نعرف أعماقهم.
كان يكتب بلا مرارة. فقط بحقيقة ناضجة.
تحولت عبارة نسيت شكل الشمس إلى رمز واسع. طبعتها المدارس على ملصقات تشجع على الانفتاح الاجتماعي. استخدمتها حملات الصحة النفسية لتذكير الناس بأهمية التواصل. صارت جملة تتردد في مقالات في محاضرات في نقاشات عائلية.
لكن خلف انتشار
العبارة بقي معناها الشخصي عميقا.
أن ينسى إنسان شكل الشمس يعني أن يحرم من الإيقاع الطبيعي للحياة.
يعني أن ينقطع عن التغير عن الضوء عن الأفق.
ولذلك كانت المؤسسة تردد دائما
دعوا النوافذ مفتوحة.
مرت الأعوام وكبرت المدينة. تغيرت الشوارع هدمت بيوت بنيت أخرى. لكن الحديقة ظلت ثابتة كعلامة على أن بعض الأماكن لا تمحى من الذاكرة الجماعية.
في أحد الأيام جلست امرأة مسنة على المقعد الحجري تمسك بيد حفيدتها الصغيرة. أشارت الطفلة إلى اللوحة وسألت
من هو دانيال
ابتسمت الجدة وقالت
كان شابا أحب الحياة وتعلمنا من قصته أن نحمي بعضنا أفضل.
لم تقل أكثر. لم يكن الطفل بحاجة للتفاصيل. يكفي أن يعرف أن اسمه باق وأن قصته أصبحت جسرا نحو وعي أوسع.
لم تعد قصة دانيال حكاية بيت وغرفة وباب مخفي. صارت حكاية يقظة جماعية.
صارت درسا عن الحدود
حدود الحماية
حدود السيطرة
حدود الخوف.
صارت تذكيرا بأن أقسى الأخطاء قد ترتدي ثوب النية الطيبة وأن النية وحدها لا تبرر الفعل.
وصارت دعوة مستمرة لطرح السؤال الصعب
هل نحن نحب أم نحتكر
هل نحمي أم نقيد
هل نصمت أم نجرؤ على الرؤية
في نهاية كل عام حين تشرق شمس جديدة فوق الحديقة تتلألأ حبات الندى على أوراق الليمون فيبدو المكان كأنه يغتسل من الماضي دون أن ينساه.
ربما هذا هو التوازن الوحيد الممكن
أن نتذكر دون أن نتجمد.
أن نحزن دون أن نستسلم.
أن نتعلم دون أن نفقد إنسانيتنا.
لأن الحقيقة مهما كانت مؤلمة تصبح بذرة وعي حين تروى في الضوء.
ولأن الشمس يجب ألا تنسى.
ولا يسمح لأحد أن ينساها.


تعليقات
إرسال تعليق