القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سكريبت في الرابعه كامل 





في الرابعه 

كانت ابنتي في الرابعة من عمرها حين قالت لي ذات صباح بريء إن والدها يأخذها دائمًا إلى بيت سيدة لطيفة. تجمدت في مكاني، وانحبس الصوت في حلقي، ولم أستطع أن أنطق بكلمة واحدة، حتى جاء اليوم الذي قررت فيه أن أمشي خلفه لأعرف الحقيقة بنفسي.

كان زوجي كريم قد فقد عمله منذ عدة أشهر، فبقي في المنزل مع ابنتنا ليلى، بينما توليت أنا العمل بدوام كامل لأعول الأسرة. في الجمعة الماضية أخبرني كريم أن لديه مقابلة عمل، فأخذت إجازة وبقيت مع ليلى. وبينما كنا نتناول الفطير على مائدة الإفطار سألتها على عجل عن خطتنا لليوم، فقلت لها إن كانت تفضل الذهاب إلى الحديقة أم شراء الآيس كريم.

ابتسمت ليلى وقالت ببراءة إن لديها رغبة أخرى، إذ تمنت أن نذهب إلى البيت الجميل. استوقفتني الكلمة، وسألتها عن هذا البيت، فأجابت وهي تواصل تناول طعامها إنه البيت الذي يأخذها إليه والدها، ثم أضافت ببراءة أكثر أن هناك سيدة تمتلك ألعابًا كثيرة وبسكويتًا لذيذًا. شعرت حينها أن قلبي سقط في صدري، وسألتها على الفور عن تلك السيدة، فاقتربت مني وهمست قائلة إن والدها طلب منها أن يبقى الأمر سرًا، لكنها تتمنى أن تأكل من ذلك البسكويت مرة أخرى.

ضممتها إلى صدري وابتسمت، وتظاهرت بأن كل شيء على ما يرام، بينما كان عقلي يعمل بلا توقف، وسؤال واحد ينهشني من الداخل هل يخونني كريم، ومن تكون تلك السيدة.

بعد يومين أخبرني كريم أن لديه مقابلة عمل أخرى، وفي تلك المرة قررت ألا أكتفي بالشك، بل أن أعرف الحقيقة كاملة. انتظرت قليلًا ثم خرجت خلفه، وبعد نحو أربعين دقيقة توقف أمام منزل في منطقة لم أزرها من قبل. نزل هو وليلى من السيارة، وقبل أن يطرق الباب فُتح، ورأيت المرأة التي استقبلته.

في تلك اللحظة لم تعد ركبتاي قادرتين على حملي، وسقطت كل محاولات الإنكار التي تشبثت بها سابقًا، وفهمت حجم المصيبة التي وقعت فيها، فقد بدا لي الأمر واضحًا لا يحتمل تفسيرًا آخر، زوجي يخونني مع عشيقته، ويصطحب ابنتنا إلى بيتها دون علمي.



ظللت جالسة في السيارة دقائق طويلة بعد أن أغلق الباب خلفه ودخل إلى ذلك البيت الذي لم أعرف له اسمًا ولا عنوانًا. كانت يداي ترتجفان على عجلة القيادة، وعيناي معلقتين بالباب كأنني أنتظر أن ينفتح ويخرج منه تفسير يخفف ثقل ما رأيت. لم يكن في داخلي صراخ ولا دموع، بل فراغ بارد يبتلع كل فكرة قبل أن تكتمل. حاولت أن أجد مخرجًا آخر للمشهد، احتمالًا صغيرًا أن أكون قد أسأت الفهم، لكن صورة المرأة وهي تستقبله بثقة وهو يدخل حاملاً ابنتنا كانت أقسى من أن تُكذَّب.

عدت إلى البيت قبلهم، جلست على الأريكة في الظلام، أحدق في الفراغ. حين عاد كريم بعد ساعة تقريبًا كانت ليلى نائمة بين ذراعيه، وضعها في سريرها بهدوء كأن شيئًا لم يحدث، ثم دخل عليّ وابتسامة متوترة تعلو وجهه. سألني إن كنت بخير، فأجبته بهدوء لم أعرف من أين جاء أنني متعبة فقط. لم أواجهه في تلك الليلة، ليس خوفًا منه، بل لأنني كنت أخشى أن أنفجر قبل أن أفهم ما أريده حقًا.

مرت ليلة ثقيلة، لم أنم فيها إلا دقائق متقطعة. في الصباح كان كريم يتصرف كعادته، يحضر الفطور، يلعب مع ليلى، ويتحدث عن مقابلة العمل وكأنها كانت حقيقية. كنت أراقبه بعين جديدة، أبحث في كلماته وحركاته عن شرخ يدل على الخيانة، وكلما لم أجد شيئًا ازداد اضطرابي. هل يمكن للإنسان أن يعيش وجهين بهذا الاتقان؟ أم أنني كنت أبالغ وأفسر الأمور وفق خوفي فقط؟

لم أحتمل الانتظار طويلًا. في اليوم التالي واجهته، لم أرفع صوتي ولم أتهمه مباشرة، قلت له فقط إن ليلى تحدثت عن بيت جميل وسيدة لطيفة وإنني قلقـة. ارتبك للحظة ثم ابتسم ابتسامة سريعة وقال إنها مجرد صديقة للعائلة تساعده أحيانًا في رعاية ليلى حين ينشغل. كانت الإجابة ناعمة أكثر مما يجب، مدروسة أكثر مما يريح. لم أجادله، لكن قلبي لم يصدق.

تكررت الزيارات، وتكررت الأعذار، وبدأت ليلى تتحدث أكثر، عن ألعاب جديدة، وعن حديقة صغيرة خلف البيت، وعن سيدة تحبها وتمنحها الحلوى. كل كلمة كانت تضيف حجرًا جديدًا إلى ص-دري. حاولت أن أوازن بين دوري كأم لا تريد أن تزرع الشك في قلب طفلتها، وبين امرأة تشعر أن حياتها تتسرب من بين يديها.


في إحدى الليالي لم أستطع الصمت أكثر. انتظرت حتى نامت ليلى ثم واجهت كريم مواجهة صريحة. أخبرته أنني رأيته يدخل ذلك البيت، وأنني لم أعد أحتمل الغموض. سكت طويلًا، ثم جلس أمامي ووضع رأسه بين يديه. توقعت اعترافًا، دموعًا، انهيارًا، لكن ما قاله جاء مختلفًا تمامًا. أخبرني أن المرأة التي رأيتها ليست عشيقته، بل والدته الحقيقية.

وقعت كلماته عليّ كالصاعقة. كنت أعلم أن والدته التي ربته قد توفيت منذ سنوات، لكنه لم يحدثني يومًا عن تبنٍّ أو أم أخرى. حكى لي بهدوء متعب أنه اكتشف الحقيقة منذ أشهر قليلة بالصدفة، وأنه ظل في صراع طويل بين رغبته في مواجهتي بالحقيقة وخوفه من أن ينهار كل شيء. قال إنه أراد أن تتعرف ليلى على جدتها، لكنه خشي أن أرفض أو أسيء الفهم، فاختار الصمت، واختار الكذب.

لم أعرف كيف أستقبل الحقيقة. شعرت براحة قصيرة لأن الخيانة لم تكن كما تخيلت، لكن تلك الراحة سرعان ما تحولت إلى غضب عميق. لم يغضبني وجود المرأة بقدر ما غضبني استبعادي، واستغلال براءة ابنتي، وتحويلي إلى غريبة في حياة زوجي. قلت له إن الصمت في مثل هذه الأمور خيانة من نوع آخر، وإن الثقة التي انكــ,,ـــــسرت لا تعود بسهولة.

مرت أيام متوترة، نحاول التعايش مع الحقيقة الجديدة. زرت المرأة لأول مرة، كانت سيدة بسيطة، مريضة قليلًا، تنظر إليّ بخوف واضح. لم أرَ فيها تهديدًا، بل رأيت إنسانة فقدت ابنها ثم استعادته متأخرًا. تعاطفت معها رغم وجعي، لكن التعاطف لم يكن كافيًا لإصلاح ما تصدع بيني وبين كريم.

مع الوقت بدأت الخلافات تظهر في تفاصيل صغيرة. أصبح كريم أكثر انغلاقًا، وأكثر حساسية، وكأن السر الذي حمله طويلًا أنهكه. بدأت أشعر أنني أحمل العبء وحدي، أوازن بين تفهمي الإنساني وجرحي كزوجة. حاولنا العلاج، الحديث، الاتفاق، لكن شيئًا ما كان قد انكــ,,ـــــسر بالفعل.

بعد عام تقريبًا حدث الانفجار الحقيقي. عاد كريم يومًا يحمل نتيجة تحليل وراثي، اتهمني فيه صراحة بالخيانة، مدعيًا أن ليلى ليست ابنته. كانت تلك اللحظة فاصلة، ليس فقط لأنها ظالمة، بل لأنها كشفت حجم الشك الذي ترسخ في داخله. لم يعد الأمر متعلقًا بماضٍ غامض أو أم خفية، بل بثقة انهارت تمامًا.

أنكرت، صرخت، بكيت، دافعت عن نفسي وعن ابنتي، لكنه كان قد قرر أن يصدق أسوأ الاحتمالات. تكررت التحاليل، وتكررت النتائج الصادمة، ووجدت نفسي فجأة في مواجهة ماضٍ حاولت دــ,,ـــــفنه قبل زفافي بيوم، ليلة ضائعة في فندق مع صديق زوجي، ليلة أقنعت نفسي طويلًا أنها لم تكتمل.

حين تكشفت الحقيقة كاملة لم يبقَ مجال للإنكار ولا للنجاة. اعترف الصديق، وانهار كريم، وانتهى زواجنا بهدوء موجع. خرجت من البيت ومعي ابنتي وذكريات ثقيلة لا أعرف كيف أحملها وحدي.

اليوم، بعد سنوات، لم تعد القصة مجرد خيانة أو شك أو سر عائلي. صارت حكاية عن هشاشة البشر، وعن قرارات صغيرة تغير مصائر كاملة، وعن نساء يدفعن ثمن صمت لم يخترنه بوعي كامل. تعلمت أن الحقيقة قد تتأخر لكنها لا تضيع، وأن حماية الأبناء لا تكون بالكذب، بل بالشجاعة في مواجهة الألم.

ما زلت أمضي في حياتي، أربي ابنتي على الصدق والوضوح، وأحاول أن أغفر لنفسي قبل أن أغفر للآخرين. لم أعد أبحث عن عدالة كاملة، بل عن سلام داخلي يسمح لي أن أستيقظ كل صباح دون خوف من بيت جميل يخفي خلفه سرًا آخر.








تعليقات

التنقل السريع
    close